للأسف لا أرى الدكتور أحمد خالد موفقًا في الكتابات الدسمة الجادة إذا ما قورن الحال بما وراء الطبيعة وسواها من السلاسل. الرواية مليئة بالفقرات غير الموظفة والتي يمكن حذفها دون خسارة ولا فرق. والكثير من الكتابة الإباحية المتعمدة، مشكلتها أنها مقحمة ومبالغ فيها، بهدف مفارقة حال سلاسل المؤسسة العربية الحديثة الخاضعة للرقابة المنزلية-فيما أرى-. الهيكل العام للعمل لا يختلف عن فيلم “حين ميسرة” مثلاً، فهو عرض لأسوأ قطعة من الواقع لهدف اجتماعي. والهدف الاجتماعي المطلوب ليس الثورة على هذه الأوضاع، بل الثورة الثانية، وكيف تتجاوز الأولى، وفيم أخطأت الثورة الأولى. من يرد اليوم أن يكون فنانًا اجتماعيًا في مصر فليبحث عن عوامل فشل أو تعثر ثورة يناير، لا أن يعود بأدواته إلى ما قبلها كأغلب العمل، اللهم عبارة واحدة عن احتمال تحول عبارة يسقط حكم العسكر إلى يسقط حكم الإخوان.

الفقرات الخاصة بالوسط الثقافي المصري (ص 104-110) فيها إساءة كبيرة للوسط وتنفير لمن لا يعرفه منه، فوسْط هذه العبثية والكذب والنفاق هناك الكثير من الصدق والفن الحقيقي. الفنان الواقعي لا ينتقي من الواقع ما يثير شهوة جمهوره أو ما يوافق غرضه الأدبي، بل ينقل الواقع بأمانة قبل أن يقوم بنقده.

أتوقف في سياق نقده للوسط الأدبي والثقافي عند رؤيته للشعر الغامض أو المبهم، وكيف أنه يُكتب بهذه الصورة لمداراة ضعفه، دون إبراز أوجه الضعف نفسها ولا كيفية مداراة الغموض لهذا الضعف، وكأن كل ما هو غامض في الفن ضعيف بالضرورة!! أقترح على الجميع مطالعة بعض ما كُتب في هذا الموضوع، مثل دراسة الدكتور عبد الناصر حسن عن شعرية الغموض والإبهام، فيما يخص شعر الشاعر السبعيني الراحل محمد عفيفي مطر، الذي سخر من شعره الدكتور أحمد خالد في إحدى روايات سلسلة فانتازيا لا لشيء سوى لغموضه، وهذه الدراسة منشورة في الكتاب التذكاري الذي أصدره منذ سنوات المجلس الأعلى للثقافة (2005) بمناسبة وصول الشاعر للسبعين.

استوقفتني شخصية واحدة فعلاً في الرواية، هي الجانب الوحيد المتميز الذي أرى أن هذا العمل قد قدمه: شخصية إبراهيم المصاب بسرطان الكبد، والذي يحلم بأنه رجل أعمال فاسد مترف متزوج من حسناء، ويعيش في جنة أرضية، ثم يتساءل إذا كان ميتًا ويحلم بحياة الحارة العشوائية التي تدور فيها أحداث القصة، وهو ميت فعلاً منذ الربع الأول من الرواية. فكأن نعيمه الأخروى هو حياة أشبه بحياة أحمد عز وأغنياء الفساد.

بصفة عامة الرواية لم تتجاوز مرحلة (يوتوبيا)، هي محاولة للخروج عن المؤسسة العربية الحديثة بطابعها المميز، لكنها لم تصنع ما هو جديد ومستقل بعد.كما أن رؤية الكاتب لا استبصار فيها، باستثناء تلك التلميحة عن تحول عبارة يسقط حكم العسكر، أي أن الكاتب يجترّ الماضي، والثورة نفسها جزء من هذا الماضي، دون تسليط عين مستقبلية على القادم.وهذه هي مشكلة الجيل السابق على جيل الثورة، إنهم يعيشون زمنًا آخر! وأي أديب يجلس على مقاهي وسط البلد ويتحدث إلى الشباب الذي قاموا فعلاً بالثورة سيجد أن همومهم مختلفة، وطريقة تفكيرهم مختلفة، وإيقاعهم في التفكير أسرع، والنتائج أمامهم واضحة، والانحياز قائم في استقطاب حاد. كل هذا والجيل القديم من أساتذتنا ومفكرينا وصحافيينا وغيرهم لم يزل يتحدث عن إعطاء الفرصة للإخوان، ونقد واقع ما قبل الثورة، وما شابه!

عن اللغة والأسلوب فالكثير جدًا من التعبيرات الطريفة والمميزة معروفة لكل قراء ما وراء الطبيعة فعلاً، ومكررة بالتالي، اللغة مسطّحة أقرب فعلاً للغة سلاسل المؤسسة التي تهدف إلى السرد فحسب دون أن تكون اللغة نفسها غاية فنية ولو جزئيًا، ربما باستثناء أعمال رءوف وصفي.

الشخصيات مرسومة بشكل جيد يوافق إيقاع العمل السريع، وحجمه المختصر، فالكاتب يكتفي من النسيج بخيطين أو ثلاثة، هم ما يميز الشخصية عن سواها في صياغةأقرب إلى رسم (ماتيس) الذي كان يكتفي بخطين لتصوير رجل أو امرأة أو مقعد أو شجرة، دون الخوض في تفاصيل غير فاعلة لا امتداد لها في بقية العمل.

هناك استعمال جيد للزمن، واضح في شخصية مريض السرطان الحالم السالفة.

عنوان الرواية موفق جدًا، ويلخص الحبكة بإحكام، فالكلمة هي السنجة، والسبحة، والسيجة، والسرجة، والسرنجة، وفي كل تنويعة قصة مختلفة. وإن كان الأفضل أن يرسم العنوان بما يوحي بهذه المفردات معًا، مثلما أوحت كتابة الفتاة لها بها. لكن هذا الاقتراح يُدخل الكاتب والناشر في مشكلة تسويقية أكيدة، أنا نفسي عانيت منها في كل عناوين أعمالي الخمسة المنشورة ورقيًا(!)
لكن السؤال المشروع هو لماذا اختار الكاتب (السنجة) تحديدًا؟ فهي ليست أهم من السرجة مثلاً. هذه هي نقطة الضعف الوحيدة في العنوان، حيث إن الإبداع لا بد أن تدفعه شدة الاقتضاء في كل التفاصيل وخاصة العنوان، وإلا كان أقرب للعبث، والعبث له مجال فني آخر، وموجود بالفعل.

Advertisements

ذِئبُ العزيزِ

Posted: 18/06/2016 in الشعر

ذِئبُ العزيزِ

مَوْثِقٌ مِن اللهَ لآتِيَنَّ به إلا أن يُحاطَ بي في السُّهُوبْ.

.

قال الذئبُ لأبيه يا أبتِ إني رأيتُ أحدَ عشرَ إنسيًّا ورجلاً وامرأةً رأيتُهم لي آكِلينْ. قال يا بُنيّ لا تقصصْ رؤياكَ إن الشيطانَ كان مِمَّنْ للرؤيا يَعْبُرُونْ. لقد كان في الذئب وإخوتِه للشيطانِ عيونْ. جَوِّعوا أخانا واتركوه يَهِمْ يأكلْ لكم وجهَ خليفةِ الله وتكونوا من بعده مُستَخْلَفينْ. ناح نائحٌ منهم اقتلوا الناسَ وعَلِّقوهم في غيابةِ الرُّعْبِ، يلتقطهم (وَحْشُ الطَّيَّارة) إن كنتم فارِسِينْ. قالوا لئن لم يأكلْه الذئبُ إنا إذاً لّفي وُحوشٍ محشورينْ.

.

وأَوحينا للإنسان لَتُنَبِّئَنَّهُم بأمرهم هذا وهم لا يَشبعونْ. وجاؤوا أباهم فجرًا دامِينْ. وقالوا ذهبنا وعدنا فوجدنا أخانا يأكل وجهَ الإنسان، وها أنتَ مؤمنٌ لنا وكُنَّا آكِلينْ.

.

وجاء (وَحْشُ الطَّيَّارة) فأَرسَل مخالبَه قال يا بُشْرَى هذا إنسانٌ، ومَزَّقوه ببشاعةٍ واللهُ عليمٌ بما يأكلونْ.

.

وقال الذي فاز برأسه لامرأتِهِ أَخْرِجي أَحشاه، متى لم ينفعْنا رأسٌ؟ وأينَ لم نُنْبِتْ منه إنسانًا أحدًا؟ وكذلك أطعمْنا الذئابَ في السماء والأرض، ولِنُعَلِّمَنَّها مِن تحصيل المواريث، والجوعُ راهِبٌ على كُفْرِهِ، ولكن أكثرَ الذئابِ لا يَجوعونْ.

.

ولما بلغتُ أَشُدِّيَ أُوتيتُ نسرًا وذئبًا، وكذلك تَصْحُو في الذئبِ السُّهُوبْ.

.

ذاب اللزِجُ الإنسانُ وظهرَ المذؤوبْ.

وقالت نسوةٌ في المدينة (ذئبُ العزيزِ) يراودنا عن أنفسنا قد شغفه دَمُنا، إنا نراه ذائبًا في دمٍ مِن نخاعٍ ولحمٍ مِن طينْ.

الزمنُ الزمنُ لا الزمنُ المَيِّتُ هوَ تلك الخاصَّةُ التي جعلتْني لا أذوبْ.

#

10.6.2016

Köln

 

10441040_10153679345101753_213035268254078896_n

لا تتوقفي عند كل خلية في بشرة الله. اثقبيها واهبطي. خذي أولَ كرة حمراء في أول وريد. ستجدين الطريق مزدحمًا لكنه سريع. وإذا قابلتْكِ العسكريةُ البيضاء، أبرزي لها جوازك المزوَّر. لا تقولي أبدًا أنك إنسانة، قولي أنكِ أُلوهية صغيرة، فدَمِ اللهِ يتعرف غير الخالقين. تصرفي على فطرتكِ. الفطرة هي الخدعة الوحيدة التي تنطلي عليه. سأسليكِ في الطريق وأحكي لكِ معالِمَ سياحية.

ستخرجين من وريد إلى أكبر فأكبر. سترين رُتَبَ أجسام الله المضادة، وصفائحه الحديدية. سترين كبده الذي اختصه للكافرين. ربما تدخلين القاعة المزدوجة الفسيحة، التي تتمدد كالكون وتنكمش. ستشمين فيها الروح التي يدخّنها كي ينشط حاسة إبداعه. ولكن احذري أن يقذف بكِ في شكل بكتريا أو جسم سعدان.

ها أنت تدخلين بيتي المُكْتَرَى. أنت في قلب الله الذي يرفّ. هل ترين كيف يدق كالساعة المجنونة؟ في أول الشرايين التاجية ستجدينني هناك. هذا أنا الذي تبحثين. ولأنكِ جميلة فسأقول لكِ أنني تخَثَّرت هناك. ولأنكِ رائعة سأريكِ أنني جلطة في قلب الله. تعالي نشرب النبيذ الأحمر. إنه قلبٌ يضعف، وهو يموت. ويا لها من لحظة رومانسية تلك التي يموت فيها إله! لا إطلاقًا، أنا لستُ ملحدًا، أنا-فقط-رومانسي أكثر من الحَدّ.

22.10.2015

Köln

فا

Posted: 11/11/2015 in الشعر

12105982_10153656670741753_8862534413711589887_n

انفجرت مدوَّناتٌ عتيقةٌ من جيب جثة رائد فضاء، فتمزق اللحنُ وتحررَ الإيقاع. كل صفحةٍ وَحْيٌ مستورٌ، لا يكشفه إلا مَن كان مُضيئًا أو خاف الظلامَ مِثلَ مضيء. كل علامة من الإرث الزمني لحظةُ تنتظر الفضَّ من وَرَقَتها، وتبحث في الأجواز عن موسيقيين. تحمل في جِلدتها وشمَ الوقتِ المطعونَ بعقارب الساعات أو كَهَارِبها مِنْ عصر التأليف. كل عقربٍ أشار إلى كوكبٍ، وكل كهربٍ أضاء مغتربًا في المنفى إلى نجمه القديم. كل كوكبٍ ونجمٍ دار على إيقاع دورة الكونِ، والكونُ أوّلُ الساعات، وأصلُ التوقيت.

فإذا قرأ الناسُ الكتابَ عربيًا وأعجميًا، وحَيَا الناسُ الزمنَ وماتوه، وإذا قرأ الخَلقُ الجديدُ مدونات البائدين، وجمَّعوها بسفريّاتِ الأنوار في مَحَالِّ الوجود، اجتمعتْ للَّحنِ الأوصالُ، وزغردتْ في الأوتار أرواحُ المنقرضين، حتى تنتصر على الزمنِ الباصاتُ، ويكونَ مفتاحُ الموسيقى رَبًّا غليظًا في اتساع الكونِ الجديد.

(ملحوظة: فا مفتاح الطبقات الغليظة في المدونات الموسيقية)

Köln

10.10.2015

1970s_The_Flood_NORMAN_ADAMS_RA_1927-2005

بلورة تمتلئ بالماء، وفيها أشياء تسبح، كذا يبدو مشهد الكوكب حين يمر بعصر طوفان. وهي أشياء يحبها الله والأطفالُ؛ لأنها تبدو كحوض صغير يسبح فيه بشَرٌ-زينةٌ لامعون. قلت لزملاء المرصد أنها ظاهرة. قلت لهم أنه ليس طوفانًا عاديًا. الفارق أن الله لم يسكبه، وليس فيه نُوح. لكنهم لم يأبهوا كثيرًا. فوق صحراء لم يغطها الماء بعد انفجرت طائرة سياحية، ثم أطفأها الماء، وعلا بجثث سائحين (أُدخلوا نارًا فاُغرِقوا) ولم يجدوا لهم في المنطقة أنصارًا على أية حال. أثار اهتمامي المعتقَلون الذين يحبهم اللهُ نوعًا، والماء يدخل الزنازين المغلقة فيصير سجونًا فوقها سجونٌ، والطبيبةُ التي احترقتْ سَحاياها في مشهد مهيب للرأس المندلِعة على صفحات الجرائد، وهي تتطحلب على الماء.

سألتُ زملائي من الصحافيين الإلهيين وباحثي اللاهوت، فأكدوا لي: “لقد غرقتْ المدنُ ولكن الله-حتى الآن-لم يعلن مسئوليته عن الواقع. لا أحد في الواقع!”

6.11.2015

Köln

يبدو عنوانًا غريبًا حتى لكاتبه؛ إذ يعرف القاصي والداني أن بيتهوفن كان المتمرّد الأكبر في تاريخ الموسيقى، وإن لم يكن الأكبر فهو الأشهر بالتأكيدوتحكي بعض الوثائق ذلك المشهد الكابوسي الرهيبمشهد وفاته، الذي قام فيه، بدلاً من أن يقرأ الشهادة (إذا كان الكاثوليك يقرأون الشهادة)، برفع قبضته في وجه السماء، ثم بصق بصقة ضعيفة سالت على ذقنه وسط وميض البرق وهزيم الرعدبعدها همد جسده ميتًا بعد أن قتله فشل الكبد حسبما ترجّح أغلب المصادر بصدد سبب وفاته.

من الذي تحدّاه بيتهوفن؟ ومن الذي بصق عليه؟ وهل كانت على سبيل البصق فعلاً؟ ولماذا احتقر بالبصقة من تحدّاه؟ أيلماذا يتحدّى من يحتقره؟ ولماذا في هذه الثواني بالذات؟ هل عرف أنه سيموت؟ هل كان رافضًا للموت كجلجاميش أو كجلال ذي الجلالة بطل نجيب محفوظ الشيطاني؟ وإذا كان بيتهوفن يضمر كل هذا الرفض والكراهية للقدر والموت والإله، أفلا يتطلب هذا مراجعة أعماله في ضوء جديد هو ضوء نزعة شيطانيّة ما؟

 

 

هل كان بيتهوفن شيطانياً (Satanic) بالمعنى الاصطلاحي الدقيق للكلمة؟ وهو الذي مجّد برومثيوس، معبود الشيطانيين؟ وهو أصلاً أحد الموسيقيين المفضّلين عند الشيطانيين؟ وبالعكس كذلك، فهو الموسيقار الذي أفسد تاريخ الموسيقى بحسب هرمان هسه (مقدّمة رواية لعبة الكريات الزجاجيّة) وانحرف بها عن الطريق المسيحي الباخيالموتسارتي المعتدل المتألم الفدائي.

هل من الصحيح أنه كان شبه محروم من الكنيسة؟ أي: ملعون؟

لماذا إذًا لحّن نشيد شيللر في سيمفونيّته التاسعة، وهو النشيد الذي ينتهي نهاية أشبه بالترانيم الكنسيّة التقليدية (يا إخوتي، فوق قبة السموات المزدانة بالنجوم، من المؤكّد أنّه يوجد أب حبيب، ابحثوا عنه هناك)؟ ولماذا ألّف في المرحلة العمريّةالفنيّة نفسها القدّاس العظيم Missa Solemnis؟

كان بيتهوفن بالفعل الموسيقار الأول الذي أدخل إلى الموسيقى ثيمة تحدّي القدر إيّاها في السيمفونيّة الخامسة. وهي الثيمة التي جرّبها تشايكوفسكي مثلاً في سيمفونيته الرابعة، وبرامز في سيمفونيّته الأولى، وفرانز ليست في قصيدة السيمفوني رقم 2 (المقدّمات)وغيرهم. وحتى من لم يعالجوا هذا الموضوع صراحةً فقد أوضح التتابع الشعوري في أعمالهم التتابع الشعوري الرباعي ذاته في السيمفونيّة الخامسة لبيتهوفن: القدر يهجم، الإنسان يرثي نفسه، الإنسان يتحدى القدر ويعبث ويسكر، الإنسان ينتصر (السيمفونية الثانية لرحمانينوف مثلاً). لقد صارت هذه الثيمة موضة القرن التاسع عشر، ولم يفلت منها موسيقار واحد تقريبًا خاصة في مراحل الشباب. إذ من المعروف أن الموسيقار الكلاسيكي الرومانسي يتحدّى القدر في شبابه، ثم يقصف القدر عمره في كهولته وشيخوخته. فتشايكوفسكي مثلاً تحدّى القدر مرة واحدة في سيمفونيّته الرابعة التي تنتهي نهاية انتصاريّة، لينال منه القدر انتقامه في سيمفونيّته السادسة التي تنتهي نهاية مأساويّة جنائزيّة، ثم يتوفّى بعدها بأسبوع واحد بالكوليرا.

هناك أسباب معروفة لهذا التمرد البيتهوفني، فالتمرد لا ينشأ إلا مع توافر عاملين: الشعور بالكبرياء والبطولة، والشعور بألم أو مأساة أو هزيمة مؤقّتة. كان بيتهوفن فعلاً شديد التأثر بنماذج البطولة في شبابه، نابليون بونابرت طبعًا، الذي ألّف من وحيه سيمفونيته الثالثة البطوليّة الشهيرة، كان بونابرت بالنسبة له فتوّةالحارة الأوروبيّة الذي يرفع نبّوته في وجه بروسيا وإيطاليا متحديًا في وضح النهار، ويرد كيد من تحالفوا ضد الثورة الفرنسيّة في نحورهم، فتتألق عيناه الشابتان بالإعجاب، ويحاول قيادة الأوركسترا كما يقود بونابرت جيشه. هذا طبعًا قبل أن ينقلب بونابرت دكتاتورًا عسكريًا ويطيح بمبادئ الثورة الفرنسيّة نفسها، فيشطب بيتهوفن اسمه من مدوّنة السيمفونية الثالثة، ويبدّل الإهداء الذي كان له، ثم يقول: “لو كنت أقود جيشًا كما أقود الأوركسترا، لهزمتُ نابليون بونابرت“.

ثم كانت مأساة بيتهوفن الأساسيّة في حياته: فقدان السمع التدريجي. هنا تتبلور التراجيديا، التي هي شعور درامي يمزج بين الحزن والكبرياء، أو شعور الإنسان أنّهأو غيرهلا يستحق هذا الألم الواقع عليه، وأنه أفضل من ذلك، أو يستحق أفضل من ذلك.

ولكن لا بد من عودة خاطفة إلى حادثة انقلاب بيتهوفن على نابليون. فقد أعجب به بطلاً يدافع عن الثورة الفرنسيّة بمبادئها المعروفة ضد الاستبداد الديني والسياسي والاقتصادي (بالإشارة إلى الجناح الشيوعي فيها وبخاصة مؤامرة الأكْفاء)، وانقلب عليه حين خانها. وهنا السؤال: هل كان إذّا معجبًا بنابليون كبطل مجرّد قوي، كفتوّة حارة، أم كمدافع عن مبادئ الثورة على التحديد؟

ثم لا بد من إلقاء الضوء على مؤلَّف آخر جوار السيمفونية الثالثة في هذا الصدد: افتتاحية إيغمونت (Egmont) التي عزفت لأول مرة عام 1810. وفي الواقع فإن هذه الافتتاحية الشهيرة، التي تعتبر أحد أهم أعمال بيتهوفن، وربما أجمل افتتاحياته، مقطوعة من عشر مقطوعات وضعت لتمثيل تراجيديا إيغمونت مسرحيّة غوته. لكنها الأشهر، وآخر ما ألفه بيتهوفن من تلك المقطوعات العشر. لكن من هو إيغمونت أولاً؟ إنه أمير إسباني منحدر من هولندا قاوم محاكم التفتيش في زمنه، وأعدِم عام 1568. إنّه ثائر مبكر ضد الاستبداد الدينيالسياسيالإقطاعي، ثائر حسب مبادئ الثورة الفرنسيّة قبل وقوعها بأكثر من مئتي سنة.

والخيط الوحيد الذي يربط إيغمونت بنابليون في مرحلته الأولى التي أعجب بها بيتهوفن هو: الثورة الإنسانيّة ضد السلطة وحتى ضد الدين نفسه إذا اعترضها. لم يكن بيتهوفن غافلاً عما حدث أثناء الثورة الفرنسيّة من أعمال ضد الكنيسة، وهو المثقف الذي عاصرها، والذي كانت مدافع نابليون تدك الأرض فوق رأسه حرفيًا كما سجّل التاريخ، وشعار اشنقوا آخر ملك بأمعاء آخر قسيس“. وأديرة الرهبان التي تحولتبحسب ول ديورانتإلى بيوت فخمة للدعارة.

وقبل إيغمونت ألّف بيتهوفن كذلك افتتاحية كائنات برومثيوس، وباليه برومثيوسالثائر الأسطوري ضد آلهة الأولمب لصالح الإنسان. وهنا يتضح الخيط نفسه للمرة الثالثة: الثورة الإنسانيّة.

لكن قبل التسرع إلى حكم، لا مفر من إلقاء نظرة في المقابل على أعمال أخرى هامة من هذه الناحية: مثل السيمفونيّة التاسعة كما تقدم، والقدّاس العظيم، واثنتي عشرة تنويعة على أوراتوريو يهوذا المكابي لهاندل، وربما كذلك السيمفونية السادسة (الباستوراليّة).

بقيت السيمفونيّة التاسعة هي الوحيدة من بنات بيتهوفن التي صيغت على هيكل السيمفونية الخامسة مع فارق هائل في التوزيع الأوركسترالي، وبنية الألحان، ومعالجتها. لكن السيمفونيتين تبدآن بالمأساة، فالحركة الأولى في كليهما مأساويّة خانقة، بينما تتدرج كلاهما حتى تصلا إلى الانتصار النهائي، لكن مع فارق هام: فالانتصار في الحركة الرابعة في كل منها ذو موضوع مختلف. إذ ينسب انتصار الحركة الرابعة في السيمفونية الخامسة لصالح فرد، أو لصالح الإنسان ضد القدر، وهو انتصار بسيط قوي كاسح، لكن انتصار السيمفونية التاسعة انتصار حكيم، إنساني، جمعي، كوني، لا يستبعد الإله.

من هو الإله في تاسعة بيتهوفن؟

هل يمكن صياغة لاهوت السيمفونية التاسعة؟

وهل يمكن في المقابل شرح ناسوت أو هيومانيّة أو رينيسانس أو شيطانيّة أو إلحاد السيمفونية الثالثة أو الخامسة؟

الإجابة: نعم.

فالإله في تاسعة بيتهوفن غير مسيطر، أشبه بإله أرسطو المنغلق على ذاته في نظام معزول بلغة الفيزياء، أو في(ترموس) بلغة عشاق القهوة الغربيّة: الإله الذي لا يعتني بالعالَم، لا يعرف شيئًا محددًا عنه، لا يخلقه. ومع ذلكعند أرسطو وبيتهوفنهو هدف العالم والكون. فالإله هدف في تاسعة بيتهوفن يقبع في النصف الثاني من الحركة الرابعة، وقرب الختام، ولو وجد من البداية كفاعل رئيسي أو خالق لتحولت السيمفونية التاسعة إلى أوراتوريو آلام القديس مَتّى، وتحول بيتهوفن إلى باخ. الصراع الدامي الرهيب، والصمت المهيمن، والنغمات الشريرة التي تفكّك الصمت والصوت في الحركة الأولى لا يقدر عليها إله في هذا السياق، إنه عالَم بلا إله، لكنه بلا بشر أيضًا، عالَم بلا حسرة ولا أمل، إنه بنية غير عاقلة، تتكون وتنهار ست مرات ثم تتكون من جديد، وهو ما وصفه روبرت شومان عام 1838 في مجلة المدارات الجديدة Die neuen Bahnen بأنه سفر تكوين ما. إذ يعيد بيتهوفن كتابة سفر التكوين بلا إله وبلا آدم ولا حواء:مجرّد طبيعة قاسية تغرق في ظلام صامت، ثم تتكون مرة خرى دفعة واحدةفي نهاية الحركة الأولى (الكودا)-بصوت كالرعد كالتحام النجوم.

ثم يأتي الاسكرتسو في الحركة الثانية الذي تحتشد له كل الآلات، والذي يتسابق فيه رعد الطبل الكبيرفي قسم التفاعلمع منمنمات الهوائيّات الخشبيّة والوتريّات الضئيلة السريعة التي تحتشد وتثور، ثم يتماوج في قسم التريومارشتمجيدي، كأنه احتفال انتصاري. إن الإنسان يوجد من دون إله، أو ينتصر على الطبيعة في هذه الحركة. ثم تأتي الحركة الثالثة بألحانها الغنائية، وبصوت الهورن يدعو الأوركسترا إلى الاحتشاد للحركة الرابعة مرتين. فتأتي الحركة الرابعة هادرة، دراميّة، مباغتة، وملحميّة تستعرض ألحان الحركات الثلاث السابقات، ويتكون لحن الجوقة، ويبدأ الإنشاد، وهنا يظهر الإله صراحة لأول مرة.

الإله، إذاً، موجود في السيمفونية التاسعة، لكنّه مجرد (موجود)، ليس واجد الوجود، وليس سره، إنه أحد مفردات ثلاثة تستهدفها السيمفونية التاسعة ونشيد شيللر: الإنسان، الفرْح، الله. إنه هدف لكنه ليس الهدف الأخير. وربما هو أحد ثلاثة تلك الأقانيم التي لهذه السيمفونيّة.

أما السيمفونيتان الثالثة والخامسة فلا وجود فيها للإله. هناك صعود أو انبثاق للإنسان. فالموسيقى دنيويّة بحته، علمانيّة، لا أثر فيها للحن ديني أو موضوع كنسي.

لكن السيمفونية السادسة، التي ليست ببعيدة زمنيًا عن الخامسة، تطرح ملمحًا دينيًا واضحًا، في نشيد الراعي في الحركة الخامسة والأخيرة الذي كان ذا نبرة دينية تعرفها الأذن الأوروبيّة. ولكن الموضوع العام للسادسة هو حياة الريف الفييني الساحرة، بمشاهد الطبيعة المختلفة حين تحنو وحين تقسو، الإنسان نفسه عنصر مهمَّش في هذه السيمفونيّة. تلك السيمفونية التي تلفت النظر فعلاً بسبب قربها من شعر الطبيعة الإغريقي القديم الوثني (إنبادوقليس مثلاً)، حيث تتمجد الطبيعة بلا إله وبلا بشر، وهو خيط واصل بين السادسة والتاسعة في حركتها الأولى.

كان بيتهوفن ممجّدًا للطبيعة، وعرف عند من كتبوا سيرته، والباحثين فيها، أنّه كان يستلهم الطبيعة في الكثير من أعماله، لدرجة تخصيص إحدى سيمفونيّاته لها، وهو ملمح أثّر في برامز بدوره. كان بيتهوفن طبائعيًا، يرى الجمال هنا والآن، وليس في حياة أخرى، كان أقوى نفسًا من الاكتئاب والانكسار، ولم يملك الدين عليه سلطانًا لأنه لم يمارس دورًا محوريًا في حياته، وهو يخلق نفسه ذاتيًا بنجاحاته الفنيّة المتوالية في فينّا، قلب الفن والثقافة في أوروبا في ذلك الوقت، وفي حياة أكبر موسيقيَّين في الحقبة الكلاسيكيّة: هايدن وموتسارت. وهو كذلك الذي فقد سمعه فاستمر تأليفه ليفوق قدرات البشر المعروفة. وهو كذلك الذي بدّل تاريخ الموسيقى بلا رجعة بعدد أقل بكثير من الأعمال إذا ما قورن بسلفيه المذكورَين، وهو الذي أعاد الهارموني لموضع الصدارة، وهو الذي أسس أفضل أوركسترا لم تزل معروفة. إن عهد هايْلجنشتادت (Heiligenstadt) المدينة النمساويّة التي قضى فيها فترة من الاستشفاء، ذلك العهد الذي كتبه ليؤكّد لأخويه أنه لن يستسلم لفاجعته، وأنه سيهب كل حياته لفنه، هذا العهد يخلو تمامًا من أية إشارة لله، وهو في أشد حالات الاحتياج له. لا تصدّق الملحد إلا إذا رأيته والمصعد يهوي به من الطابق العاشر، أو إذا أصابه الدرن، ثم لا يستنجد بالله. عهد هايلجنشتادت اختبار إلحاد نجح فيه بيتهوفن بشكل ما. والسخرية أن ترجمة اسم المدينة هومدينة القديسين“.

ألّف بيتهوفن كذلك في مرحلته المبكرة تنويعات على أوراتوريو يهوذا المكابي لهاندل عام 1796. ويهوذا المكابي (Judas Maccabaeus) بطل يهودي قاد تمردًا ضد الدولة السليوقيّة، إحدى الدول التي انقسمت إليها إمبراطوريّة الإسكندر الأكبر، بين عامي 160-167 ق.م، وأحد أهم ابطال اليهود عمومًا. وكانت أعمال بيتهوفن في تلك الفترة (حتى عام1800) كلاسيكيّة تقليديّة في مبناها والكثير من تفاصيلها، لكن بعض تفاصيلها كانت تبشر بالبيتهوفنيّة بشكل خاطف.ولا غرابة في قيام بيتهوفن بتأليف هذه التنويعات على هذا العمل بالذات، فألحان هاندل فيه كانت جميلة فعلاً، لكن النهاية الدراميّة توحي بشيء من إيغمونت فيما بعد، إنه بطل يواجه الاستبداد العنصري ضد قومه.

يبقى القدّاس العظيم الشهير، وفي الحقيقة فإنه ليس القداس الوحيد له، فقد ألف بيتهوفن قداسًا آخر في مقام دو الكبير مصنف رقم 86 عام 1807، أي في أوج المرحلة البطوليّة، ثم ألف القدّاس العظيم من مقام ري الكبير مصنف رقم 123 بين عامي 1819-1823 أي متزامنًا مع السيمفونيّة التاسعة.

ما سر هذين العملين؟ وهل يلقيان الضوء على الشعور الديني المتخفي، أو الارتداد إلى الدين مرة أخرى في آخر مراحل الكهولة بالنسبة للقدّاس العظيم؟

أمر القداس الأول سهل، فقد تم تأليفه بتفويض من الأمير نيكولاوس استرهاتسي (+1833)، وقد لا يعبّر عن توجه أصيل لدى مؤلفه، خاصة وأنه ليس على مستوى عبقريّة الأعمال الدنيويّة في تلك الفترة. أما القدّاس الثاني العظيم (وهو اسم وليس صفة) فيدعو للتساؤل الحقيقي أعلاه. لكن تبقى حقيقة أن بيتهوفن كان يقوم في الفترة المتأخرة من حياته، من السوناتا رقم 27 إلى رقم 32 للبيانو، ومن الرباعي الوتري رقم 11 إلى رقم 16، وهي فترة السيمفونيّة التاسعة والقداس العظيم كذلك، بمراجعة أساليب التأليف في عصر الباروك، وربما عصر النهضة أيضًا، وقد أشار النقاد إلى هذا القدّاس بالذات بوصفه يمثّل استفادة واضحة من هذه الأساليب: فقد قال عنه الفيلسوف الألماني وعالم الموسيقىتيودور أدورنو أنه يفقد تمامًا أسلوب بيتهوفن المميز في استثمار الوحدات اللحنية البسيطة وإعادة تدويرها بالتنويع عليها، مما يقربه إلى موسيقى الباروك، أما المؤلف الموسيقي وعالم الموسيقى الإنجليزي دونالد دوفي فيراه قريبًا من موسيقى عصر النهضة وخاصة بالِسْترينا. فربّما حاول بيتهوفن فتح مجال إبداعي جديد بالتأليف في هذا الشكل.وخاصة أنه شكل محدّد مسبقًا، لم يضع فيه بيتهوفن ترانيمه الخاصة كما قد يتبادر إلى المخيلة. إنه مجرد شكل لا مضمون.

من المحزن حقًا لأتباع الديانات أن يكون موسيقار عظيم كبيتهوفن دنيويًا في أعماله إلى هذا الحد. ولكن ربما يكتفي المسيحيون بأعمال باخ وهاندل الدينيّة، ويكتفي السلفيون المسلمون بتحريمهم للموسيقى. لا أظنها مشكلة أحد إلا المستمع المدقق المخلِص لبيتهوفن الذي قد يرى غير ما رأيت، لكنها عندئذٍ لن تكون مشكلتي أيضًا. فبيتهوفنببساطةهو أكبر طارد للعفاريت. وهذا يكفيني.

هي أجمل سيمفونيات تشايكوفسكي (1840-1893)، السيمفونية المؤثرة المخيفةSymphony No. 6 in B minor, Op. 74, Pathétique.. السيمفونية التي هي العمل السيمفوني الأهم الأساسي في عمر مؤلفها الإبداعي. ألفها في آخر سنة من حياته، وقادها لتكون آخر الأعمال التي يقودها قبل أقل من عشرة أيام من وفاته بالكوليرا.
 
مشكلة تشايكوفسكي مع السيمفونية كشكل هي أنه مؤلف خفيف متأثر بالطابعين الروسي والإيطالي معًا، لا يحتمل بناؤه اللحني الواضح التركيب والبناء، تقوم فكرة الموسيقى الكلاسيكية في الأغلب على بناء العمل من وحدات لحنية بسيطة ومرنة وقابلة للتفكيك وإعادة البناء والتنويع، ولهذا واجه تشايكوفسكي أزمة التضحية بأحد الطرفين: اللحن.. وهنا يخسر جمالية أساسية من جمالياته، أو التركيب.. وهنا يخسر البناء الفني.
 
حقق تشايكوفسكي المعادلة الصعبة بشكل ساحق النجاح في هذا العمل، وهذا ما يتضح بالذات في الحركتين الأولى والثالثة منه.
 
كان تشايكوفسكي مكتئبًا قبل كتابتها، السبب الذي ذكره التاريخ عبر خطاباته هو شعوره بنضوب موهبته أو خياله، ولكن الأغلب أن الموضوع أكبر من هذا! بعد هذه الفترة من الاكتئاب.. كان تشايكوفسكي جالسًا في عربة القطار متأملاً في المشاهد الخاطفة في الخارج، وفجأة.. بدأ يتكشف بين الظلال والضباب هذا الهيكل لكائن غير بشري مخيف، أربع نغمات: (مي-صول-فا دييز-لا)، ثم تتبادل النغمات المواقع الأربعة مع نغمات أخرى بالتدريج، ثم تتجمع في أشكال فراغية متصلة بلا معنى، ثم تتمدد وتلتوي في لحن حالم مثير، ثم تنقطع وتعود الأشكال الهندسية المفرغة المفزعة تظهر وتنشأ بعضها عن بعض، وتتداخل، وتمتلئ بآلات الأوركسترا لتصعد في ذروة فلكية!! هذه هي الحركة الأولى ببساطة.
 
امتدت يد تشايكوفسكي-وهو ما يزال جالسًا شاردًا متسع العينين في رعب في عربة القطار-نحو جيبه ليخرج قلمه، ويكتب هذه الكلمات الخالدة لأخيه موديست:
 
It will be a puzzle for everyone, they can rack their brains on it in vain.
 
سوف تبقى لغزًا للجميع، ولسوف يحطمون أدمغتهم عليها.. ولكن بلا جدوى.
 
بالفعل ظلت هذه السيمفونية لغزًا، لأنها في مجملها توحي ببرنامج ما، أو قصة، ولكن المؤلف لم يصرح بأي شيء عن التفاصيل، حتى حين سُئل مباشرة من قبل كورساكوف وسواه.
 
الحركة الأولى (مقدمة-عرض-تفاعل-إعادة عرض-كودا): Adagio — Allegro non troppo — Andante — Moderato mosso — Andante — Moderato assai — Allegro vivo — Andante come prima — Andante mosso (E minor — B minor — D major — B minor — B major)
 
هي الحركة الرئيسية التي يقوم عليها العمل، في صيغة الصوناتا كالعادة، وإن كان مؤلفها أدخل بعض التجديدات على الصيغة كما سنرى. تبدأ المقدمة بالنغمات الأربع سالفات الذكر بالباصون، ثم تبدأ الأوركسترا تردد هذه النغمات، وهذه النغمات البسيطة هي التي اشتق منها المؤلف الحركة كلها! حتى الجزء اللحني الشهير في قسمي العرض وإعادة العرض، وهذا كان حل المعادلة الصعبة، لم يضح هنا بالتركيب أو باللحن لأنه اشتق اللحن نفسه، ولم يعلنه في صورته سابقة التجهيز كما جرت عادته من قبل.
 
يلعب التلوين التشايكوفسكيّ الأوركسترالي المتميز دورًا هامًا في بداية ميلاد هذه الحركة العسير، حيث تعيد آلات النفخ الخشبية صياغة النغمات في صورة متبلورة، مما يجعل الأمر ممهدًا لتتسلم الأوركسترا المادة المخلّقة لتحييها في صور وحيوات متعددة.
 
يسيطر الصمت على مساحات واسعة في مقدمة هذه الحركة، وتتحرك الأوركسترا في ظلام قاتم تتحسس بالأطراف المبهمة هذا الكائن الوليد، ثم يحل فيها هذا الشيء، فتتحرك في نشاط وخفوت تحركات تحتيّة مثيرة، وتبدأ اللمعة تظهر على أعضائها.. ثم تدخل النحاسيات إلى اللعبة، فيردد الكورنو المجيد الوقور النغمات الأربع، وتصاب الوتريات بهيستيريا على شكل ذبذبات متوالية تتصاعد في تهديد وتوعّد. ثم تصل إلى ذروة نسبية، تبدأ بعدها الأمور تأخذ مسارًا منتظمًا نسقيًا فيه لمحات من الطابع الروسي قوية، في شبه رقصة، تتجهم فجأة ويدوي الترومبيت والترمبون في برق خاطف ثم تعود ذبذبات الوتريات مرة أخرى، وتتهادى وتتباطأ، لينشأ الجزء اللحني المشتق. وبهذا يبدأ قسم العرض.
 
كان هذا اللحن موضوعًا لمعالجات خفيفة كثيرة لغنائيته الواضحة، مع ذلك يعيد المؤلف توزيعه وتنميته وهو ما يزال في قسم العرض. يخفت اللحن، ويبرز فيه دور الكلارينيت، ثم ينبتر في لمحة مثيرة للتوجس.
 
يبدأ قسم التفاعل من الصمت فجأة في صورة عاصفة، وهي من التجديدات على الصوناتا،؛ لأن التفاعل يبدأ عادة بما بدأ به العرض، وبما تبدأ به إعادة العرض، لكن التفاعل هنا أقرب إلى مقطوعة هي امتداد للمقدمة، لا تنمية للعرض نفسه! (وهي في هذا تشبه الحركة الأولى من تاسعة بيتهوفن إلى حد بعيد) تتم في التفاعل تنمية النغمات الأربع على نطاق أوسع وأكثر ثراء بكثير من المقدمة، في مقام سي بيمول الصغير مقام السيمفونية الرئيسي. الروح عنيفة كئيبة شيطانية في فخامة وكارثية. تنتهي كنهاية العالم وما بعد نهايته. ليعود الجزء اللحني مرة أخرى بصورة عذبة هادئة مفاجئة.
 
هكذا يبدأ إعادة العرض بشكل غير متوقع، إنها سيمفونية المفاجآت! العنف والخوف يبدأ فجأة، ثم يظهر الجمال من قلبه فجأة. 
 
ثم تأتي الكودا أو التذييل.. تفكيكًا للجزء اللحني وعودة لذبذبات الأوركسترا بشكل بطيء متهادٍ متباعد، لتختم الحركة.
 
 
الحركة الثانية: Allegro con grazia (D major — B minor — D major)
رقصة من رقصات تشايكوفسكي تذكرنا بباليه الجمال النائم خاصةً، الرشاقة الحزينة التي تنتهي بإنذار لا شك فيه.
 
 
الحركة الثالثة(عرض سكرتسو-تفاعل تريو-إعادة عرض سكرتسو-كودا مارش): Allegro molto vivace (G major)
 
سكرتسو في صيغة الصوناتا، لكنه يبدأ بنغمات عابثة ساخرة بسيطة، تكسوها الأوركسترا بطبقات متنوعة ملونة مبتكرة، حتى تحتشد الأوركسترا في هذا الكساء المعقد، لتبدأ الانفجارات الأوركسترالية التي يبرز فيها دور النحاسيات، ثم توقع الطبلة على الإيقاع الأساسي للاسكرتسو، وتنقطع الذروة، لينشأ لحن المارش بالكلارينيت، لمحة عسكرية كوميدية ساخرة، عبث مخيف، تكرره الأوركسترا، ثم تتم إعادة هذا مرة ثانية في قسم يحل محل التريو التقليدي، ليعود الاسكرتسو ثانيةً، النشأة ذاتها ثم الاحتشاد الأوركسترالي، وينتهي هذا القسم الأقرب إلى إعادة العرض لتبدأ الكودا المذهلة.. فقد انتهى المخزون اللحني، لا توجد تيمة جديدة، تظهر هنا عبقرية المؤلف في التنويع والتلوين والتصعيد الدرامي بروح شيطانية، إنه مارش الشيطان إلى الجحيم.. تبدأ الكودا بكل آلات الأوركسترا في حركة قفز لحني في هوة مجهولة المكان والعمق على التتالي، كل آلة وأحيانًا مجموعة آلات تليها أخرى ثم أخرى وهكذا في حركة تداعٍ أخّاذة كأنها بلا نهاية، ثم تعيد الأوركسترا تكوين الذات في قاع الهوة، ثم يبدأ المارش العجيب، تتم إعادته مرة، ثم تعود الطبلة في عمق وعنف لتوقع الإيقاع، وتتصاعد الأوركسترا، لتنتهي الحركة نهاية سريعة كسقطة في العدم.
 
 
الحركة الرابعة: Finale: Adagio lamentoso – Andante (B minor — D major — B minor)
 
ربما هي أقل حركات العمل جاذبية، أجمل وصف قرأته لها: “انطفاء الأضواء” هي فعلاً أقرب إلى المغادرة وإعلان النهاية، نهاية العمل والمؤلف معًا.
 
بقلم كريم الصياد