للأسف لا أرى الدكتور أحمد خالد موفقًا في الكتابات الدسمة الجادة إذا ما قورن الحال بما وراء الطبيعة وسواها من السلاسل. الرواية مليئة بالفقرات غير الموظفة والتي يمكن حذفها دون خسارة ولا فرق. والكثير من الكتابة الإباحية المتعمدة، مشكلتها أنها مقحمة ومبالغ فيها، بهدف مفارقة حال سلاسل المؤسسة العربية الحديثة الخاضعة للرقابة المنزلية-فيما أرى-. الهيكل العام للعمل لا يختلف عن فيلم “حين ميسرة” مثلاً، فهو عرض لأسوأ قطعة من الواقع لهدف اجتماعي. والهدف الاجتماعي المطلوب ليس الثورة على هذه الأوضاع، بل الثورة الثانية، وكيف تتجاوز الأولى، وفيم أخطأت الثورة الأولى. من يرد اليوم أن يكون فنانًا اجتماعيًا في مصر فليبحث عن عوامل فشل أو تعثر ثورة يناير، لا أن يعود بأدواته إلى ما قبلها كأغلب العمل، اللهم عبارة واحدة عن احتمال تحول عبارة يسقط حكم العسكر إلى يسقط حكم الإخوان.

الفقرات الخاصة بالوسط الثقافي المصري (ص 104-110) فيها إساءة كبيرة للوسط وتنفير لمن لا يعرفه منه، فوسْط هذه العبثية والكذب والنفاق هناك الكثير من الصدق والفن الحقيقي. الفنان الواقعي لا ينتقي من الواقع ما يثير شهوة جمهوره أو ما يوافق غرضه الأدبي، بل ينقل الواقع بأمانة قبل أن يقوم بنقده.

أتوقف في سياق نقده للوسط الأدبي والثقافي عند رؤيته للشعر الغامض أو المبهم، وكيف أنه يُكتب بهذه الصورة لمداراة ضعفه، دون إبراز أوجه الضعف نفسها ولا كيفية مداراة الغموض لهذا الضعف، وكأن كل ما هو غامض في الفن ضعيف بالضرورة!! أقترح على الجميع مطالعة بعض ما كُتب في هذا الموضوع، مثل دراسة الدكتور عبد الناصر حسن عن شعرية الغموض والإبهام، فيما يخص شعر الشاعر السبعيني الراحل محمد عفيفي مطر، الذي سخر من شعره الدكتور أحمد خالد في إحدى روايات سلسلة فانتازيا لا لشيء سوى لغموضه، وهذه الدراسة منشورة في الكتاب التذكاري الذي أصدره منذ سنوات المجلس الأعلى للثقافة (2005) بمناسبة وصول الشاعر للسبعين.

استوقفتني شخصية واحدة فعلاً في الرواية، هي الجانب الوحيد المتميز الذي أرى أن هذا العمل قد قدمه: شخصية إبراهيم المصاب بسرطان الكبد، والذي يحلم بأنه رجل أعمال فاسد مترف متزوج من حسناء، ويعيش في جنة أرضية، ثم يتساءل إذا كان ميتًا ويحلم بحياة الحارة العشوائية التي تدور فيها أحداث القصة، وهو ميت فعلاً منذ الربع الأول من الرواية. فكأن نعيمه الأخروى هو حياة أشبه بحياة أحمد عز وأغنياء الفساد.

بصفة عامة الرواية لم تتجاوز مرحلة (يوتوبيا)، هي محاولة للخروج عن المؤسسة العربية الحديثة بطابعها المميز، لكنها لم تصنع ما هو جديد ومستقل بعد.كما أن رؤية الكاتب لا استبصار فيها، باستثناء تلك التلميحة عن تحول عبارة يسقط حكم العسكر، أي أن الكاتب يجترّ الماضي، والثورة نفسها جزء من هذا الماضي، دون تسليط عين مستقبلية على القادم.وهذه هي مشكلة الجيل السابق على جيل الثورة، إنهم يعيشون زمنًا آخر! وأي أديب يجلس على مقاهي وسط البلد ويتحدث إلى الشباب الذي قاموا فعلاً بالثورة سيجد أن همومهم مختلفة، وطريقة تفكيرهم مختلفة، وإيقاعهم في التفكير أسرع، والنتائج أمامهم واضحة، والانحياز قائم في استقطاب حاد. كل هذا والجيل القديم من أساتذتنا ومفكرينا وصحافيينا وغيرهم لم يزل يتحدث عن إعطاء الفرصة للإخوان، ونقد واقع ما قبل الثورة، وما شابه!

عن اللغة والأسلوب فالكثير جدًا من التعبيرات الطريفة والمميزة معروفة لكل قراء ما وراء الطبيعة فعلاً، ومكررة بالتالي، اللغة مسطّحة أقرب فعلاً للغة سلاسل المؤسسة التي تهدف إلى السرد فحسب دون أن تكون اللغة نفسها غاية فنية ولو جزئيًا، ربما باستثناء أعمال رءوف وصفي.

الشخصيات مرسومة بشكل جيد يوافق إيقاع العمل السريع، وحجمه المختصر، فالكاتب يكتفي من النسيج بخيطين أو ثلاثة، هم ما يميز الشخصية عن سواها في صياغةأقرب إلى رسم (ماتيس) الذي كان يكتفي بخطين لتصوير رجل أو امرأة أو مقعد أو شجرة، دون الخوض في تفاصيل غير فاعلة لا امتداد لها في بقية العمل.

هناك استعمال جيد للزمن، واضح في شخصية مريض السرطان الحالم السالفة.

عنوان الرواية موفق جدًا، ويلخص الحبكة بإحكام، فالكلمة هي السنجة، والسبحة، والسيجة، والسرجة، والسرنجة، وفي كل تنويعة قصة مختلفة. وإن كان الأفضل أن يرسم العنوان بما يوحي بهذه المفردات معًا، مثلما أوحت كتابة الفتاة لها بها. لكن هذا الاقتراح يُدخل الكاتب والناشر في مشكلة تسويقية أكيدة، أنا نفسي عانيت منها في كل عناوين أعمالي الخمسة المنشورة ورقيًا(!)
لكن السؤال المشروع هو لماذا اختار الكاتب (السنجة) تحديدًا؟ فهي ليست أهم من السرجة مثلاً. هذه هي نقطة الضعف الوحيدة في العنوان، حيث إن الإبداع لا بد أن تدفعه شدة الاقتضاء في كل التفاصيل وخاصة العنوان، وإلا كان أقرب للعبث، والعبث له مجال فني آخر، وموجود بالفعل.

Advertisements

10441040_10153679345101753_213035268254078896_n

لا تتوقفي عند كل خلية في بشرة الله. اثقبيها واهبطي. خذي أولَ كرة حمراء في أول وريد. ستجدين الطريق مزدحمًا لكنه سريع. وإذا قابلتْكِ العسكريةُ البيضاء، أبرزي لها جوازك المزوَّر. لا تقولي أبدًا أنك إنسانة، قولي أنكِ أُلوهية صغيرة، فدَمِ اللهِ يتعرف غير الخالقين. تصرفي على فطرتكِ. الفطرة هي الخدعة الوحيدة التي تنطلي عليه. سأسليكِ في الطريق وأحكي لكِ معالِمَ سياحية.

ستخرجين من وريد إلى أكبر فأكبر. سترين رُتَبَ أجسام الله المضادة، وصفائحه الحديدية. سترين كبده الذي اختصه للكافرين. ربما تدخلين القاعة المزدوجة الفسيحة، التي تتمدد كالكون وتنكمش. ستشمين فيها الروح التي يدخّنها كي ينشط حاسة إبداعه. ولكن احذري أن يقذف بكِ في شكل بكتريا أو جسم سعدان.

ها أنت تدخلين بيتي المُكْتَرَى. أنت في قلب الله الذي يرفّ. هل ترين كيف يدق كالساعة المجنونة؟ في أول الشرايين التاجية ستجدينني هناك. هذا أنا الذي تبحثين. ولأنكِ جميلة فسأقول لكِ أنني تخَثَّرت هناك. ولأنكِ رائعة سأريكِ أنني جلطة في قلب الله. تعالي نشرب النبيذ الأحمر. إنه قلبٌ يضعف، وهو يموت. ويا لها من لحظة رومانسية تلك التي يموت فيها إله! لا إطلاقًا، أنا لستُ ملحدًا، أنا-فقط-رومانسي أكثر من الحَدّ.

22.10.2015

Köln

فا

Posted: 11/11/2015 in الشعر

12105982_10153656670741753_8862534413711589887_n

انفجرت مدوَّناتٌ عتيقةٌ من جيب جثة رائد فضاء، فتمزق اللحنُ وتحررَ الإيقاع. كل صفحةٍ وَحْيٌ مستورٌ، لا يكشفه إلا مَن كان مُضيئًا أو خاف الظلامَ مِثلَ مضيء. كل علامة من الإرث الزمني لحظةُ تنتظر الفضَّ من وَرَقَتها، وتبحث في الأجواز عن موسيقيين. تحمل في جِلدتها وشمَ الوقتِ المطعونَ بعقارب الساعات أو كَهَارِبها مِنْ عصر التأليف. كل عقربٍ أشار إلى كوكبٍ، وكل كهربٍ أضاء مغتربًا في المنفى إلى نجمه القديم. كل كوكبٍ ونجمٍ دار على إيقاع دورة الكونِ، والكونُ أوّلُ الساعات، وأصلُ التوقيت.

فإذا قرأ الناسُ الكتابَ عربيًا وأعجميًا، وحَيَا الناسُ الزمنَ وماتوه، وإذا قرأ الخَلقُ الجديدُ مدونات البائدين، وجمَّعوها بسفريّاتِ الأنوار في مَحَالِّ الوجود، اجتمعتْ للَّحنِ الأوصالُ، وزغردتْ في الأوتار أرواحُ المنقرضين، حتى تنتصر على الزمنِ الباصاتُ، ويكونَ مفتاحُ الموسيقى رَبًّا غليظًا في اتساع الكونِ الجديد.

(ملحوظة: فا مفتاح الطبقات الغليظة في المدونات الموسيقية)

Köln

10.10.2015

1970s_The_Flood_NORMAN_ADAMS_RA_1927-2005

بلورة تمتلئ بالماء، وفيها أشياء تسبح، كذا يبدو مشهد الكوكب حين يمر بعصر طوفان. وهي أشياء يحبها الله والأطفالُ؛ لأنها تبدو كحوض صغير يسبح فيه بشَرٌ-زينةٌ لامعون. قلت لزملاء المرصد أنها ظاهرة. قلت لهم أنه ليس طوفانًا عاديًا. الفارق أن الله لم يسكبه، وليس فيه نُوح. لكنهم لم يأبهوا كثيرًا. فوق صحراء لم يغطها الماء بعد انفجرت طائرة سياحية، ثم أطفأها الماء، وعلا بجثث سائحين (أُدخلوا نارًا فاُغرِقوا) ولم يجدوا لهم في المنطقة أنصارًا على أية حال. أثار اهتمامي المعتقَلون الذين يحبهم اللهُ نوعًا، والماء يدخل الزنازين المغلقة فيصير سجونًا فوقها سجونٌ، والطبيبةُ التي احترقتْ سَحاياها في مشهد مهيب للرأس المندلِعة على صفحات الجرائد، وهي تتطحلب على الماء.

سألتُ زملائي من الصحافيين الإلهيين وباحثي اللاهوت، فأكدوا لي: “لقد غرقتْ المدنُ ولكن الله-حتى الآن-لم يعلن مسئوليته عن الواقع. لا أحد في الواقع!”

6.11.2015

Köln

هي أجمل سيمفونيات تشايكوفسكي (1840-1893)، السيمفونية المؤثرة المخيفةSymphony No. 6 in B minor, Op. 74, Pathétique.. السيمفونية التي هي العمل السيمفوني الأهم الأساسي في عمر مؤلفها الإبداعي. ألفها في آخر سنة من حياته، وقادها لتكون آخر الأعمال التي يقودها قبل أقل من عشرة أيام من وفاته بالكوليرا.
 
مشكلة تشايكوفسكي مع السيمفونية كشكل هي أنه مؤلف خفيف متأثر بالطابعين الروسي والإيطالي معًا، لا يحتمل بناؤه اللحني الواضح التركيب والبناء، تقوم فكرة الموسيقى الكلاسيكية في الأغلب على بناء العمل من وحدات لحنية بسيطة ومرنة وقابلة للتفكيك وإعادة البناء والتنويع، ولهذا واجه تشايكوفسكي أزمة التضحية بأحد الطرفين: اللحن.. وهنا يخسر جمالية أساسية من جمالياته، أو التركيب.. وهنا يخسر البناء الفني.
 
حقق تشايكوفسكي المعادلة الصعبة بشكل ساحق النجاح في هذا العمل، وهذا ما يتضح بالذات في الحركتين الأولى والثالثة منه.
 
كان تشايكوفسكي مكتئبًا قبل كتابتها، السبب الذي ذكره التاريخ عبر خطاباته هو شعوره بنضوب موهبته أو خياله، ولكن الأغلب أن الموضوع أكبر من هذا! بعد هذه الفترة من الاكتئاب.. كان تشايكوفسكي جالسًا في عربة القطار متأملاً في المشاهد الخاطفة في الخارج، وفجأة.. بدأ يتكشف بين الظلال والضباب هذا الهيكل لكائن غير بشري مخيف، أربع نغمات: (مي-صول-فا دييز-لا)، ثم تتبادل النغمات المواقع الأربعة مع نغمات أخرى بالتدريج، ثم تتجمع في أشكال فراغية متصلة بلا معنى، ثم تتمدد وتلتوي في لحن حالم مثير، ثم تنقطع وتعود الأشكال الهندسية المفرغة المفزعة تظهر وتنشأ بعضها عن بعض، وتتداخل، وتمتلئ بآلات الأوركسترا لتصعد في ذروة فلكية!! هذه هي الحركة الأولى ببساطة.
 
امتدت يد تشايكوفسكي-وهو ما يزال جالسًا شاردًا متسع العينين في رعب في عربة القطار-نحو جيبه ليخرج قلمه، ويكتب هذه الكلمات الخالدة لأخيه موديست:
 
It will be a puzzle for everyone, they can rack their brains on it in vain.
 
سوف تبقى لغزًا للجميع، ولسوف يحطمون أدمغتهم عليها.. ولكن بلا جدوى.
 
بالفعل ظلت هذه السيمفونية لغزًا، لأنها في مجملها توحي ببرنامج ما، أو قصة، ولكن المؤلف لم يصرح بأي شيء عن التفاصيل، حتى حين سُئل مباشرة من قبل كورساكوف وسواه.
 
الحركة الأولى (مقدمة-عرض-تفاعل-إعادة عرض-كودا): Adagio — Allegro non troppo — Andante — Moderato mosso — Andante — Moderato assai — Allegro vivo — Andante come prima — Andante mosso (E minor — B minor — D major — B minor — B major)
 
هي الحركة الرئيسية التي يقوم عليها العمل، في صيغة الصوناتا كالعادة، وإن كان مؤلفها أدخل بعض التجديدات على الصيغة كما سنرى. تبدأ المقدمة بالنغمات الأربع سالفات الذكر بالباصون، ثم تبدأ الأوركسترا تردد هذه النغمات، وهذه النغمات البسيطة هي التي اشتق منها المؤلف الحركة كلها! حتى الجزء اللحني الشهير في قسمي العرض وإعادة العرض، وهذا كان حل المعادلة الصعبة، لم يضح هنا بالتركيب أو باللحن لأنه اشتق اللحن نفسه، ولم يعلنه في صورته سابقة التجهيز كما جرت عادته من قبل.
 
يلعب التلوين التشايكوفسكيّ الأوركسترالي المتميز دورًا هامًا في بداية ميلاد هذه الحركة العسير، حيث تعيد آلات النفخ الخشبية صياغة النغمات في صورة متبلورة، مما يجعل الأمر ممهدًا لتتسلم الأوركسترا المادة المخلّقة لتحييها في صور وحيوات متعددة.
 
يسيطر الصمت على مساحات واسعة في مقدمة هذه الحركة، وتتحرك الأوركسترا في ظلام قاتم تتحسس بالأطراف المبهمة هذا الكائن الوليد، ثم يحل فيها هذا الشيء، فتتحرك في نشاط وخفوت تحركات تحتيّة مثيرة، وتبدأ اللمعة تظهر على أعضائها.. ثم تدخل النحاسيات إلى اللعبة، فيردد الكورنو المجيد الوقور النغمات الأربع، وتصاب الوتريات بهيستيريا على شكل ذبذبات متوالية تتصاعد في تهديد وتوعّد. ثم تصل إلى ذروة نسبية، تبدأ بعدها الأمور تأخذ مسارًا منتظمًا نسقيًا فيه لمحات من الطابع الروسي قوية، في شبه رقصة، تتجهم فجأة ويدوي الترومبيت والترمبون في برق خاطف ثم تعود ذبذبات الوتريات مرة أخرى، وتتهادى وتتباطأ، لينشأ الجزء اللحني المشتق. وبهذا يبدأ قسم العرض.
 
كان هذا اللحن موضوعًا لمعالجات خفيفة كثيرة لغنائيته الواضحة، مع ذلك يعيد المؤلف توزيعه وتنميته وهو ما يزال في قسم العرض. يخفت اللحن، ويبرز فيه دور الكلارينيت، ثم ينبتر في لمحة مثيرة للتوجس.
 
يبدأ قسم التفاعل من الصمت فجأة في صورة عاصفة، وهي من التجديدات على الصوناتا،؛ لأن التفاعل يبدأ عادة بما بدأ به العرض، وبما تبدأ به إعادة العرض، لكن التفاعل هنا أقرب إلى مقطوعة هي امتداد للمقدمة، لا تنمية للعرض نفسه! (وهي في هذا تشبه الحركة الأولى من تاسعة بيتهوفن إلى حد بعيد) تتم في التفاعل تنمية النغمات الأربع على نطاق أوسع وأكثر ثراء بكثير من المقدمة، في مقام سي بيمول الصغير مقام السيمفونية الرئيسي. الروح عنيفة كئيبة شيطانية في فخامة وكارثية. تنتهي كنهاية العالم وما بعد نهايته. ليعود الجزء اللحني مرة أخرى بصورة عذبة هادئة مفاجئة.
 
هكذا يبدأ إعادة العرض بشكل غير متوقع، إنها سيمفونية المفاجآت! العنف والخوف يبدأ فجأة، ثم يظهر الجمال من قلبه فجأة. 
 
ثم تأتي الكودا أو التذييل.. تفكيكًا للجزء اللحني وعودة لذبذبات الأوركسترا بشكل بطيء متهادٍ متباعد، لتختم الحركة.
 
 
الحركة الثانية: Allegro con grazia (D major — B minor — D major)
رقصة من رقصات تشايكوفسكي تذكرنا بباليه الجمال النائم خاصةً، الرشاقة الحزينة التي تنتهي بإنذار لا شك فيه.
 
 
الحركة الثالثة(عرض سكرتسو-تفاعل تريو-إعادة عرض سكرتسو-كودا مارش): Allegro molto vivace (G major)
 
سكرتسو في صيغة الصوناتا، لكنه يبدأ بنغمات عابثة ساخرة بسيطة، تكسوها الأوركسترا بطبقات متنوعة ملونة مبتكرة، حتى تحتشد الأوركسترا في هذا الكساء المعقد، لتبدأ الانفجارات الأوركسترالية التي يبرز فيها دور النحاسيات، ثم توقع الطبلة على الإيقاع الأساسي للاسكرتسو، وتنقطع الذروة، لينشأ لحن المارش بالكلارينيت، لمحة عسكرية كوميدية ساخرة، عبث مخيف، تكرره الأوركسترا، ثم تتم إعادة هذا مرة ثانية في قسم يحل محل التريو التقليدي، ليعود الاسكرتسو ثانيةً، النشأة ذاتها ثم الاحتشاد الأوركسترالي، وينتهي هذا القسم الأقرب إلى إعادة العرض لتبدأ الكودا المذهلة.. فقد انتهى المخزون اللحني، لا توجد تيمة جديدة، تظهر هنا عبقرية المؤلف في التنويع والتلوين والتصعيد الدرامي بروح شيطانية، إنه مارش الشيطان إلى الجحيم.. تبدأ الكودا بكل آلات الأوركسترا في حركة قفز لحني في هوة مجهولة المكان والعمق على التتالي، كل آلة وأحيانًا مجموعة آلات تليها أخرى ثم أخرى وهكذا في حركة تداعٍ أخّاذة كأنها بلا نهاية، ثم تعيد الأوركسترا تكوين الذات في قاع الهوة، ثم يبدأ المارش العجيب، تتم إعادته مرة، ثم تعود الطبلة في عمق وعنف لتوقع الإيقاع، وتتصاعد الأوركسترا، لتنتهي الحركة نهاية سريعة كسقطة في العدم.
 
 
الحركة الرابعة: Finale: Adagio lamentoso – Andante (B minor — D major — B minor)
 
ربما هي أقل حركات العمل جاذبية، أجمل وصف قرأته لها: “انطفاء الأضواء” هي فعلاً أقرب إلى المغادرة وإعلان النهاية، نهاية العمل والمؤلف معًا.
 
بقلم كريم الصياد

لا شك أن “قمر على سمرقند” للمنسي قنديل عمل ممتع، يسافر بك إلى أجواز جغرافية وتاريخية من بخارى وسمرقند إلى القاهرة، من انهيار الجمهوريات السوفييتية، إلى انهيار الناصرية والقومية العربية، ومن أساطير المغول والتتر إلى أساطير الفراعنة، ومن تيمور لنك إلى أنور السادات، في حكايات داخل حكايات، تاريخية وأسطورية وخيالية، وشخوص غنية معقّدة ذات ذكريات أليمة، وآمال لم تتحقق، وحب مفقود، وفضائل وخطايا، مع قدرة عزيزة على الوصف والتفصيل، وانسياب عاطفي غامر، ولغة يسيرة، سهلٌ الولوج إليها، مرصّعة بجمل مكثّفة، مصوغة بعناية، تستطيع بكل بساطة أن تقبسها، وتكتب تحتها: قمر على سمرقند.

والمفارقة أن هذه الرواية بالذات تمتعك بقدر ما يفاجئك التأمل في بنيتها ولغتها بثغرات كبرى، يندر أن يقع فيها عمل له هذه القدرة على الإمتاع، وسلبِ الحاضر لحساب الخيال والذاكرة والتاريخ. وقد انقسمت هذه الثغرات في هذا العمل الكبير المعقّد إلى أنواع أربعة: لغوية، وأسلوبية، ودرامية، وثغرات المعالجة:

1-الثغرات اللغوية:
وهي أقلهن أهمية، بعض الأخطاء النحوية الواضحة القليلة، ولكن الخطأ الأكثر تكرارًا هو تعريف المضاف بأل (مثل: الغير كاملة)، وهو خطأ يشوب أعمال المنسي قنديل عمومًا، وبرغم أن مجمع اللغة العربية أجازها كالعادة، فهي غريبة وصادمة بالنسبة لقارئ الفصحى، وقليلة الشيوع في الكتابة بها، ويمكن بسهولة تجنبها.

هذا من حيث النحو. أما من حيث اللغة باعتبارها أداة فنية، فقد كانت اللغة مقتصَدة، لا شعرية زائدة فيها، ومناسبة لعمل سردي، بحيث تمنح تركيز المتلقي بيسر لصالح الدراما ذاتها. تمتعت اللغة بموجات صعود وهبوط في انتقال مرن ناعم، من السرد المسطّح إلى الشعرية المعتمة، بدرجات متنوعة، بحيث وصلت أحيانا-كما سبق-إلى حد الجمل المكثفة الثقيلة الموجزة. وإن كان قد أصابها بالترهل أحيانًا بعض الإطناب، مثل “صمت كأنه يزن كلماته التي سيقولها..” وهل سيزن كلماته التي لن يقولها؟!

2-الثغرات الأسلوبية:
وهي أشد خطرًا من السابقة، وأكثر عمومية في أعمال المنسي قنديل، وأهمها الحوار، فمستوى الحوار لا يتنوع باختلاف المستوى الثقافي للقائل، ولا بحالته النفسية، ولا بأسلوبه، ومثال ذلك ص 334 من (ط4 دار الشروق، 2014 ) حوار بائع الأوسمة والنياشين، وهو يتحدث عن الخلود المجمَّد في النياشين(!)، والتي تحتاج إلى فيلسوف وجودي لقولها، فضلا عن توقع فهمها، لتصدر عن بائع بسيط يبيع بضاعته لناس بسطاء. وهي ظاهرة عامة كما قلت. وهذا لا يرجع إلى استعمال الفصحى، فنجيب محفوظ مثلاً كان قادرًا على جعل الفصحى تتكلم بلسان الشخص بحسبه، وليس بحسب المؤلف. والظاهر أن لغة الحوار على ألسنة كل الشخوص هي لغة المؤلف نفسه، وهو ما يفقد الأسلوب أحد أهم إمكاناته في العمل السردي، ويجعل العمل من هذه الجهة رماديًا صامتًا مونولوجيًا، لا يكاد يكون فيه داع لوضع نقطتين رأسيتين وبدء حوار.
أما الثغرة الأسلوبية الأخرى فهي استعمال موقع الراوي العليم، ومن المعروف أنه يستعمل لحكي عدة أحداث لا يمكن لراو واحد معرفتها في آن. أما الواقع فهو أن هذه الرواية تستعمل هذا الموقع دون أية فائدة تذكر منه. كل الفصول يمكن روايتها من جهة المتكلم، خاصة وأن جلها ذكريات شخوصها.

3-الثغرات الدرامية:
وهي أخطرهن؛ فهناك حكايات وشخوص كاملة لا أهمية لها إطلاقًا في المسيرة الدرامية. شخص (نور الله) الأهم بعد الراوي، ما أهميته في الدراما؟ وهل تتأثر الدراما لو حذفنا من الرواية حوالي 150 صفحة هي قصة هذا الشخص من عمل يبلغ حوالي 560 صفحة؟! تلته حكايات أخرى تنافسه في عدم الأهمية الدرامية، مثل حكاية بيبي خاتون، وصائد الذهب، التي احتلت مساحات كبيرة، دون أن تؤثر على الدراما بسلب أو إيجاب. صحيح أنها مروية بأسلوب ممتع، وأن تفاصيلها تنقل القارئ إلى زمانها ومكانها في سفر دون حركة، إلا أنه كان بالإمكان دمجها ضمن الدراما بحيث لا تفهم الأحداث إلا بالرجوع إليها. لقد أسرفت الرواية في بناء شخصيات مثل نور الله وفايزة التهامي، دون أن تكون لها أهمية درامية حقيقية، فالأحداث تسير دونها شاءت أم أبت. ومن جهة أخرى انبهر الكاتب بقدرته على الوصف، وكثرة ما جمع وتحرى من التفاصيل والدقة، فجاءت حكاياته عن بيبي خاتون وتيمور لنك وغيرهما صالحة لوضعها في كتاب منفصل عن أساطير وتاريخ هذا البلد المعقد، دون أن يكون لها دور درامي يذكر كذلك. ثم ما السبب الأساسي في رحلة البطل غير الأسئلة التي يعرف إجاباتها بالفعل قبل سفره وهو في مصر، وهو ما يتضح في حكايته عن نفسه في الفصل الأخير؟! وهي ذات الأسئلة التي لا يعرف إجاباتها القارئ حتى النهاية، وإن كان القارئ قادرا على استنتاج هذه الإجابات -كما قد يكون المؤلف قد عوّل عليه- فإن البطل أولى بذلك. كذلك حدثت العديدات من الصدف التي أصابت العقدة بالافتعال نوعًا.

4-المعالجة:
حفلت الرواية بإمكانات غنية غير مستغلَّة للمعالجة الفلسفية والاجتماعية فضلا عن الأبعاد النفسية التي أجادت التجسد فيها. أبرزها ربما هي فكرة (غروب الإمبراطورية) وهو يتحدث بشأن الاتحاد السوفييتي أو خسائر حكومة ثورة يوليو في مصر. لم يتم التوقف عند هاتين النقطتين بما يكفي لصنع بُعد فلسفي واجتماعي كان يحتاجه العمل ليتحرر من بنية (القصّ) و(الحكاية) المسلية.

والسؤال هنا: لماذا تعتبر هذه الرواية برغم كل هذا عملاً يعتد به في تاريخ الرواية العربية؟

1-أولاً بسبب المرحلة التي ظهرت فيها، والتي سادتها النيوليبرالية في الأدب بزعامة أحمد مراد. مرحلة التسطيح، وتحول الأدب لظاهرة اقتصادية بحتة، لا تدرس في محافل النقد الأدبي، بقدر ما يجب دراستها في مجال دراسات الدعاية والإعلام والسيطرة على سلوك المستهلك وتوقع هبوط وارتفاع السوق النسبي.. إلخ. ظهرت هذه الرواية عملاً جادًا أرهق مؤلفه، مشبعا بعاطفة جارفة، وألم حقيقي، دون أن تشوبها شبهة سرقة أدبية، أو ألتراس Ultras أدبي، أو لعب على أوتار المتلقي، أو حتى النزول إلى مستواه من أجل الارتقاء به، أو رفع شعار سياسي، أو خالف تعرفْ، أو الإسراف في الجنس غير المبرر لفظًا وحدثًا لجذب شريحة معينة من القارئ، وهو ما شاب الكثير من أعمال أدباء كبار أصلاً من أمثال إحسان عبد القدوس ويوسف السباعي ويوسف زيدان (الذي قد أُردف هذا المقال بمقال آخر يفسر لماذا هو أديب كبير).

2-قدرة الكاتب على الوصف: فالكاتب يجيد هذه التقنية التي جرى التخلص منها منذ زمن طويل منهجيًا في معظم الإنتاج السردي العربي، فالقارئ الذي يتواصل مع المحيط العام عن طريق تويتر وواتس آب لا يطيق أن يقرأ وصف حجرة في مدرسة ببخارى لمساحة صفحة كاملة، مع دقة ذكر شكل الفتحات في المصابيح التي يخرج منها النور ويضيء المشهد، وشكل الشيوخ المتراصين فيها، إلخ. هذا الفن المهجور يثبت جاذبيته التي سِرها أنه يغلّف المتلقي بالتفاصيل ويستلبه بلطف لعالم آخر ناءٍ، في حالة أشبه بالحلم. لم يقم الكاتب فقط باستعمال هذا الفن، بل أجاده، إلى درجة قدرة العمل على السفر بالمتلقي وهو في مكانه كما ذكرنا.

3-الذاتية القوية والشاملة: غلبت على الوصف نفسه الذاتية، فالمصابيح الموصوفة ليست موصوفة لأجل رسم مشهد فقط على الورق، بل في الشعور كذلك، فالمصابيح كالعيون الغاضبة، والظلام يحمل عتمة الكآبة في نفس الشخوص، إلخ. وبالتالي تميزت الرواية بتوتر لا ينتهى ولا يتعب منه القارئ من المشاعر الجياشة للفقد والألم والحب والشهوة والخوف والاكتئاب والحزن والكراهية، في ما يشبه سيمفونية متناغمة في هارمونيات عديدة ديناميكية هادئة وعميقة في آن.

4-التشويق الدرامي: استطاع الكاتب أن يحتفظ بقارئه رغم تعقيد العمل، خاصة في الفصل الأخير، وذلك عن طريق الحكايات التاريخية الواقعية ذات الأهمية الكبرى (كحادث الفنية العسكرية بمصر)، أو الخيالية الجذابة، والمفاجآت، مثل ظهور نور الله في غرفة فندق البطل وهو يختلي بفتاته.

إنها رواية –كحبيبتك- تقبلها برغم عيوبها، و-ربما- بسبب هذه العيوب، التي تجعل منها إنسانًا حيًا.

كريم الصياد
Köln, Deutschland
18.10.2014

اللوجوس λόγος

Posted: 08/07/2014 in الشعر

اللوجوس   λόγος

 

Without_You_I__m_Nothing

لقد حدثَ لي شيء دون عالَمٍ

صدمني في ركبتي،

وحين نظرت لم أجدْه.

كيف تجد شيئًا دون عالَم؟

وكيف تمسك بمعكوس اللا شيء؟!

*   *   *

 

كانت حبيبتي تمشط شعرها في المرآة

وتبتسم لي

وكنت أراها

وهي تنظر معكوس نفسها

أطرق لها على الطرف الآخَر

وهي تمشط شعرها

وتبتسم.. لي.

*   *   *

 

تورّمت ركبتي

وصرتُ أعرُجُ كالملائكة

كان الألم وجبة لا أستطيع إنهاءها وحيدًا

وكنت أسأل في خوف:

“هل سأكفّ عن الحركة دون أَحَد؟”

ثم بدأتْ تحدُث لي ثعابينُ كثيرةٌ من الألم

لقد بدأت أرى الألم

ويمكنني أن ألمسه، كسلك عارٍ

كان يلتف في جسمي كالكابل الغليظ

وصرت أرى الوحدة

وهي جالسة في الركن، بيضاء، ونحيفة

وأصبحت أرى الخلود

أخضرَ، ويتدلى من السقف كالثريا المعتمة

كل المعاني صار لها ظل

صارت تتحرك وتقف

وأصدمها بقدمي دون قصد

وفي كل ليلة أجد في صالة بيتي معنًى جديدًا

وحين بدأتْ تتسلل إلى حجرة نومي تضايقتُ

وحملتُ الخوف والرغبة والحب والشك

والصَّرَع والجنون والفزع

في حرص، كإصص النباتات،

ورصصتها في حديقتي

خفتُ من صاحبة البيت

التي ستسألني-أكيد-عن ضيوفي

الذين صاروا زملاء سكن دائمين

ماذا أقول؟

وكيف أذهب إلى السجل المدني في المدينة

وأقول:

أن الحزن يسكن معي،

وأن الشقة تتسع لكلينا؟

*   *   *

 

حين التقيتُ حبيبتي لم ترني

فهمتني، أحسّتني، ربما استنشقتْني

لكننا لم نستطع أن نتحاضن أو نتبادل القبلات

لقد صرتُ خِلالاً تمامًا!

كانت تقف

تنظر إلى اللا شيء

وتقبّل الهواء

وحيدةً

ومعكوسةً!

*   *   *

 

ثم إنني تلاشى ظلي

ثم إن الأشياء بهتت

وإن المسافة انقطعَتْ

وإن الزمن تباطأ، وتوقف

ثم جلستُ مع المعاني

نتسامر وندخّن

ونتحاور في (الأدلة المعنوية على وجود المادة)

وفي الأيام التالية

جاءت صاحبة البيت بساكن

بعد أن اختفى الساكن القديم.

*   *   *

 

كنت أذكر حبيبتي

التي صارت يدها الرقيقة

تخترق صدري بلا ألم

لكنني لم أستطع أن أبصر الذكرى

وكان اليأس يواسيني

يجلس معي، بهيكله العظمي العريض

ويقول:

“أنت أيضًا أكثر من مجرَّد..”

“وتآكُلُ ظلِّكَ لا يعني أنك مجرَّد..”

“عندك-مثلاً-الله..”

لكن ذكرى حبيبتي كانت كالشيء الضائع

كالذي يتلاشى

كالذي يرحل

كالذي يذوب

كما يبهت

كما ينفد

كما يتبخر

فكنت أتنهد في حنين

وكان الحنين يتنهد في يأس

وكان اليأس يصمت.

*   *   *

 

معكِ الحق يا حبيبتي

أنا لم أعد إنسانًا

أنا الآن كلمة

وحين طرق الله بابي

بعد أن صرتُ أخيرًا أراه

قلت للمعاني أن تخبره أنني غير موجود

إن الله يعرف أني موجود

لكنكِ الآن يجب أن تثبتي وجودي

لا يمكنكِ أن تحبي رجلاً بلا عالَمٍ

أنت تعرفين أنكِ

فقط

يمكنكِ أن تنطقيه ككلمة.

 

6.7.2014

Köln

غروب