معادلة الطاقة: الذاتية +الموضوعية=المشروعية: Subjectivity+Objectivity=Projectivity

Posted: 06/01/2010 in النقد الأدبي

معادلة الطاقة

الذاتية +الموضوعية=المشروعية

Subjectivity+Objectivity=Projectivity

في إطار الصراع البدهي والدائم بين نظريتين أو وجهتين من النظر تقول إحداهما بأن الفن للفن(مثالية ذاتية)، والأخرى بأن الفن للمجتمع(واقعية موضوعية)، يجب النظر إلى العمل الفني والشعر بخاصّة من زاوية مختلفة، وذلك من أجل وضع المشكلة وضعًا صحيحًا يجعل السؤال التالي مستقيمًا من ناحية الصياغة: هل الفن للفن أم للمجتمع؟

والواقع أن الاختيارين كليهما يشتركان في خطإ واحد يمنع كلًا منهما أن يكون بديلًا عن الآخر، والمشترك بينهما أن كلًا منهما يتحدث عن العمل الفني كما لو كان موجودًا صلبًا مصمتًا نهائيًا، والعمل الفني كالإنسان أو كالفنان الذي صنعه، ليس له وجود نهائي تامّ، وبالتالي لا يمكن الحديث عنه في إطار ضرورة قيامه بوظيفةٍ ما اجتماعية محددة، أو حتى إنكار ذلك والاقتصار به على وظيفة الإمتاع الجمالي، فالعمل الفني حالة من الشروع المستمرّ، لا يمكن الحديث عنه بهدف التأطير مهما كان الإطار المنشود شاسعًا ومهما كانت مساحة الحرية فيه مطلقة.

ومما يدل على ذلك أن العمل الفني يمكن دائمًا تأويله في العصر الواحد من قبل عدة وجهات من النظر حتى على مستوى الشخص الواحد، لدرجة أننا نجد عددًا كبيرًا من أشهر الأعمال الفنية يُعاد اكتشافها لأعظم الفنانين، فبعض أعمال بيتهوفن(+1827) المتأخرة التي ألفها بعد 1815 لم تُقدَّر نقديًا إلا في القرن العشرين باعتبارها إرهاصًا بالموسيقا المعاصرة، وأشهر هذه الأعمال الفوجه الكبيرة Groβe Fűge التي لم تقدرْ إلا بعد وفاة مؤلفها بمائة عام، ومن المعروف أن ڨان جوخ(+1890)المصور الأشهر لم يبع في حياته سوى لوحة واحدة Red Vineyard at Arles !

ولهذا نجد أن العمل الفني الواقعي قد يفقد قيمته الموضوعية وتوجهه الأيديولوجي مع نَسْخ العصر واختلاف النظرة، بحيث يتحول بالضبط إلى وجهة النظر المضادة على التمام، ويصير الهدف من تلقيه الإحساس بالجمال دون غاية وراء ذلك، وبقطع النظر عن الهدف من إبداعه، كما قد يصير العمل الفني المثالي واقعيًا مباشرًا طبقًا لحال الزمن، ونذكر في هذا المقام ما قالته هبة رءوف في ندوة بأخبار الأدب بعنوان(البحث عن الجمال الضائع): الحديث عن العولمة والسوق والهيمنة واجتياح الأنماط المعمارية المختلفة يؤدي إلي تساؤل عن: المقاومة في ظل الاجتياح؟ بمعني كيف تقاوم الشعوب بالمعمار من أجل استعادة الهوية وكيف يعبر الإنسان عن مقاومته بالمعمار، وهل هناك أشكال مقاومة معمارية ومكانية لاحظتها خلال تجوالك؟ فمما لاشك فيه أن البنيان يؤثر في الدولة،…وهنا أتساءل عن الدور النضالي الذي يجب أن يقوم به المهندسون والمعماريون.. هل هذا الدور موجود بالفعل بالإضافة إلي استهلاك الأماكن القديمة في السياحة؟ ” ( أخبارالأدب: عدد 733 بتاريخ 29 يوليو 2007)، ومن هنا يمكن للمعمار الأصيل أن يصير أقوى من الجيوش، رغم أن مبدعيه صاروا ترابًا ربما اندمج مع هذا المعمار نفسه أو المعمار المضاد.

ونلاحظ هنا أنّ أصل هذه الظاهرة أن الطرفين(المبدع-المتلقي) قد انفصلا مكانيًا وزمانيًا وثقافيًا، فالمبدع قد يُنتج عمله لهدف ليتلقاه المتلقي بشكل مغاير تمامًا،  وهو أصل حالة (المشروعية Projectivity)-نسبةً إلى المشروع- التي ذكرنا أنها تميّز طبيعة العمل الفني، وهذا الانفصال ظاهرة موضوعية لا سبيل لإنكارها، مما يعني أن قضية الفصل بين المبدأين: الفن للفن، الفن للمجتمع، قضية ساقطة لا تنبني على فهم صائب لطبيعة العمل الفني عمومًا.

ونتبيّن أن مفهوم المشروعية يجمع في قبضة واحدة كلًا من مفهومي الذاتية والموضوعية في التعامل مع العمل الفني، فهذا المفهوم يجمع بين النظرة الذاتية للفن التي تقول بنذره للفن وحده، والنظرة الموضوعية التي تؤممه ليصبح مرفقًا عامًا.

وبرغم ذلك فليس كلٌّ من المبدأين على خطإ مطلق، فإن الواحد منهما قد يعبّر تعبيرًا صادقًا عن حال الإبداع أو التلقي ولكنْ في حدود زمانية ومكانية وثقافية معينة، بمعنى أن كلًا منهما قد يصلح فقط للوصف لا المعْيَرَة، يصف ما إذا كان العمل قد تم إبداعه مثلًا بهدف بلوغ مرحلة الجمال المجرد أو تأدية وظيفة اجتماعية، لكنه لا يصلح لتوجيه الفنان والفن، يصلح للتعبير عما هو كائن، لا ما ينبغي أن يكون.

إذن لا يكون العمل الفني للفن بشكل خالص أو للمجتمع بصفة قطعية، بل الفن للحضارة، هو إعادة بناء أو اكتشاف أو إعادة اكتشاف للحدوس الحضارية الأصيلة التي تقف خلف العادات والتقاليد والطبيعة النفسية للبشر وقراءتهم حتى للنصوص المقدسة وبالتالي قيمهم العليا التي تتحكم في مسار حضارتهم في النهاية، والقول بأنه للفن فقط أو للمجتمع قول في غاية السطحية والسذاجة لا يعبر عن إدراك حقيقي لدور الفن الإنساني، ولذلك يكتسب مفهوم المشروعية بُعدًا جديدًا فهو يعبر عن حالة الشروع، كما يعبر عن خاصية من خواص العمل الفني تجعل منه مشروعًا حضاريًا كما قدمنا.

ويكتسب الشعر أهمية خاصة في هذا السياق، فالشعر هو المشروع الفني الوحيد الخاصّ بأبناء لغته، لأن العمل النثري يمكن أن يُترجم كما هو معلوم من واقع الحال دون أن يفقد أغلب خواص النص، أما الشعر فلا يمكن فهمه فهمًا جوهريًا إلا بلغته الخاصة، لأن البيت الشعري دائري البنية، يدور حول نفسه وحول لغته وصوره فتصبح أهدافًا له في حد ذاتها، وهي في الوقت نفسه صميم تجسُّدِه، أما السطر النثري فمستقيم البنية يهدف إلى إصابة هدف خارج عنه، وهذا هو السبب في ظهور البديعيات التقليدية في البيت الشعري من الطباق والتضاد والجناس ورد الأعجاز على الصدور لفظًا ومعنَى والتوشيح والتسهيم والتسميط والتسجيع وتشابه الأطراف والإرداف والتكرار والترديد وائتلاف اللفظ والمعنى والتقسيم وغيرها مع تمام المعنى بغير أي من ذلك، وغير البديع من الاهتمام بالتصوير مثلًا وبيئة اللغة وعلاقاتها التركيبية على مستوى الإبداع والتلقي في الشعر دون النثر بنسبة معتبرة.

إذًا فالشعر حدس مُشَفَّر لا يفهمه سوى من اشترك مع الشاعر في اللغة الأم حق الفهم، وهو لذلك قناة حضارية تقع في الوعي والوسائل التواصلية(الميديا)خلف وفوق القنوات النثرية والمحلية والفضائية وتؤثّر عليها جميعًا.

وليس المقصود بحدس محصور بين أبناء لغته أي نزوع قومي، بل الأمر يتسع لبلوغ هذا أو ذاك من النزعات القومية أو القطرية أو العقائدية أو الإنسانية، وذلك طبقًا لعقيدة الشاعر الكتابية.

هذا ما يحدد طبيعة ووظيفة العمل الفني والفنان بما يتوافق مع طبيعة الإبداع والتلقي وطبيعة العمل الفني، وأما قول الواقعيين أن على الفنان ألا يكون محايدًا لأنه لا شيءَ محايدًا أبدًا فقول صحيح في نصفه الثاني، لكنه متناقض بنصفيه معًا، فعلًا لا شيء محايد وهذا ينسحب على العمل الفني أيضًا أيًا كان، فالعمل مهما بدا لنا محايدًا فسوف يكتسب دورًا ويتم توظيفه مع الزمن ولو حتى بشكل لا شعوري لصالح طبقة اجتماعية أو قومية ما أو عقيدة معينة، وبالتالي فالفنان لا يستطيع ألا يكون محايدًا لأنه لا يستطيع أن يكون محايدًا، وإن معادلة الطاقة التي اكتشفها آينشتيِن مثلًا ليست محدودة باستخدام الولايات المتحدة لها لصناعة القنبلة الذرية، وإنما اكتشفها العالِم للعلم(نظير الإبداع للفن) ثم تم توظيفها، كذلك العمل الفني، وأما الشعر بخاصّة فكما أسلفنا هو معادلة الطاقة الحضارية لا التي يفجّر بها العسكر قنبلة الدمار الشامل، بل التي يطلق بها الشعراء صيحة البناء الشامل.

شرفنا بتعليقك

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s