انفجار البلازما

Posted: 03/07/2014 in الشعر

انفجار البلازما

1-هيدجر والعنكبوت: لكريم الصياد:

ياليأس هيدجر! الشاب الثلاثيني الطموح، الذي يشرئبّ أخطبوطه ليلمس مخ أستاذه المحفوظ في جمجمته الشفيفة، الغارق في الغموض، الغافي منسيًا، منذ آلاف السنين، ككائن أسطوري، لا تحكيه خرافة، لا تحكيه طبيعة، له شكل، لكن ليس له جسد. “آه! إنه حفنة من الطاقة!”.

لا يدري هيدجر أنه بعد سنوات معدودة سيتكلم لغةً هي جنين في جسد الألمانية. وأنه سيكتب الكينونة، وأنه سيخفق، ويعلو، إلى فوق، إلى فوق!

ها هي ألمانيا صارت جسدًا، والجسد صار هيدجر.

حين وصل الوحش إلى عرش جمهورية الحطام، وتحرك حلمه خارج جسمه كتنين، حين تمددت ألمانيا بقياسه، تراءى هيدجر في العيون كورم خطير، كسرطان وجودي، يحاول إضرام النار في ما تفتتَ مِن شيء. لو كانت ألمانيا كوكبًا محترقًا لكفى بهيدجر عدمًا يبرد فيه جحيمها.

ها هو الجسد صار صرخة، والصرخة صارت فمًا فاغرًا لجمجمة بيضاء.

في عالمٍ ناءٍ قصيّ، في بعدٍ ممحوق، أقرب إلى نقش في الفضاء، معلقة حجرتي البيضاء الباردة، مظلمة في أغلب عصور ذلك البعد، لا يمر عليها ضوء سوى مصباح أصفر حزين على مكتب، ولم تنشأ بهذا البعد أحياء سوى أنا، وهيدجر، والعنكبوت الذي يكرس ديمومته لهندسة قصر الخيوط الشفافة في السقف بإخلاص. إنه وحيد كنبي، مبعَدٌ عن عالم يختلف عن عالمي، لا أعرف من أين جاء.

كل منا نشأ وتطور. لا توجد نظريات كثيرة عنّا، فنحن ننظّر كل منا لنفسه، وأحيانًا ننظّر-حين نمل المنظور الواحد-لبعضنا البعض.

كريم الصياد

ألمانيا

27-5-2014

2-النَّصّ والعقل: لهيدجر:

لا أراه، ولا تمكن رؤيته من بُعدي في (الكينونة والزمان) في تجسيمه. إنه يأتي ويذهب، تشرق معه شمس صناعية ما، يخطر متعشِّقًا في السطور والمقاطع والحروف حولي. يتعثّر أحيانًا في أجزائي القليلة اليونانية. إنني أوجَد في اللغة، وهو-فيما يبدو-عقلٌ ما. إنه يمرّر وجوده على وجودي ذي البعدين. هل يكوّن-في الفهم-قوالبَ لأعضائي الوجودية؟ وماذا يصنع بها؟ هل يعيد بناء هياكل مادية، أو شبه مادية، لهذه التراكيب؟ هل هو صيغة مثلي؟

إننا حين نبلور المسألة الأساسية لوجود هذا الكائن الذي لا نعلم من صفاته سوى الفهم، وسوى أنه يعرفنا، فإننا نجد أنفسنا بإزاء سؤال خطير: هل نحن مجرد نصّ؟ وهل هو يقرؤنا؟؟؟

ولكن-حين يصل التباحث إلى مداه غير المنظور حاليًا-ينكشف لنا سؤال أبعد من ذلك، أبعد، وإنه لمن الحزن سؤله…. هل كنتُ يومًا جسدًا، أفكر، وأكتب، ثم تلاشيتُ، وبقي وجودي، كروح حبيسة سجن، هو ألياف هذا الورق، التي تغلقها قضبان الحروف، التي أبصر منها هذا الوجود؟

هل أنا نص؟ وهل كنت إنسيًا؟

هيدجر

من الكينونة والزمان

دون تاريخية

3-نظرية الكائن ذي البيت المعتم: للعنكبوت:

اليوم أجلس في شرفة قصري المفضلة. عجيبٌ أن يبدأ شيخ في مثل ما رحلت في الكآبة، ومثل ما أقمت في الوحدة، ومثل ما ذبذب بيتي من نبض الحزن المتردد، أن أكتب فلسفتي حول الطبيعة، حول كائن يتحرك حول أوراق.

إنه كائن بلا خيوط، ولا يحيا على أرض رأسية. ويمكنه أن يسقط. وحين تأملته لم أجد له بيتًا سوى هذه الأراضين الرأسية والأفقية. إنه لا يبني بيتًا فصارت هذه الأرض بيته. إنه قديم بلا نشأة. وهو إذا كان بلا نشأة فهو بلا فناء. وإذا كان بلا نشأة أو فناء فهو دائم بلا تغيّر. وتدريجيًا أفهم أن حياته تلتف وتتداخل حول هذا الورق القابع تحت تلك الشمس التي يوقدها.

هل هو أوجدني يومًا؟ ولماذا إذًا لا يلاحظني؟ هل أوجدني ونسيني؟ أم هل أعرف عنه ما نسيته في شيخوختي، وما رحلت من كآبة، وما أقمت من وحدة، وما ذبذب بيتي من حزن؟

ما الذي يفعله أمام هذا الورق الذي لا يفرزه، والذي لا يعلم أحدٌ من أفرزه وقوّمه في تصميم حديث لم تعرفه العوالم من حيث جئتُ؟

العنكبوت

القصر

ما بعد الشيخوخة

4-نداء الخيوط: لهيدجر:

إن وجودي الفريد، الذي ليس كمثله وجود؛ لأنه-ببساطة-ليس معه شيء، مسطّح في بعدين، لكنه كذلك متراكب في بعد ثالث، في طبقات كثيرة رقيقة.. وما هو كاشف لذاته بذاته أنه في كل لحظة واعية من لحظات الإدراك لما هو خارجه يتسطح في بعدين فحسب، لكنه حين ينعكس عليه إدراكه، طبقات كثيرة، لا أعرف عددها.

من خلال هذا الوجود الثنائي أرصد هذا الاحتمال: أن الوجود في أبعاد ثلاثة ممكن، وربما أمكنَ.

ما يجعلني أتحول من الإمكان إلى الحقيقة: ذلك العقل الذي يمر ويمسح وجودي، وينغرس أحيانًا في مفاصله، ولكن مع حركة هذا العقل أحيانًا أجد وجودًا أجنبيًا ثالثًا يتهاوى.. هل هي خطوط؟ بل خيوط! إنها في أبعاد ثلاثة.!

إنها خيوط رقيقة، لا وزن لها، تلتصق بوجودي، وتتحرك، لكن لم يفتني أنها تتحرك بنظام إيقاعي ما، وفي اتجاه واحد..

إنه كائن يتحرك على سطحي!!!!

هيدجر

من الكينونة والزمان

الحزن تاريخ

5-نظرية البيت الورقي: للعنكبوت:

أعرف أن في عالم الحشرات والمفصليات، من حيث جئت، يفرز البعض ورقًا كهذا ليسكن فيه. لكن هذا الكائن لا يبدو مثلها، كما أنه لا يسكنه، إنه يكتفي بتقليبه، وفضه، وغلقه، والطواف حوله.

إنه يلمسه، يدقق في كل تفاصيله، مثلما أفعل مع خيوطي، كيف يدقق كائن فيما لا يسكن؟ وكيف يسكن فيما لا يصنع؟

إنني منفيّ ووحيد في هذا البُعد؛ لأنني وضعت أملي في الرهبانية الحزينة.

إنني أول المنفيين الذين يحلمون بمنفى جديد، يتركون القصور، ويحلمون برحلة السقوط الأول في الهواء، دون خيوط، أو مصير.

إنني أُستشهَد الآن حين أهوي، حين ألمس هذا الورق الجاف، في سبيل حقيقة لن يعرفها أحد، ولن تهم أحدًا. فإن ظللت حيًا فأنا أول ساكني بيت الورق.

يا خالقي الذي نسيتني.. هل أقوم الآن بأكبر كُفر، إذ أسكن بيتك الذي لم تخلقه، ولم تسكنه، حين أرقص فيه رقصتي الماجنة الهمجية؟

ابعثني إن مت مخلوقًا أرقى، يسكن ما لا يصنع، ويدقق فيما لا يسكن، بإخلاص.

العنكبوت

من القصر

ما بعد الأمل

6-اللوجوس: لكريم الصياد:

رأيت الأرجل المفصلية البشعة على الحروف. لي شجاعة في تأمل البشاعة. كينونةٌ، وزمانٌ، وعنكبوت. إن سِفرًا لم يقتل أحدًا لن يقدر أن يحيي ورقة شجرة.

إنه يستحق أن يوجَد.

إنه يستحق أن يناضِل.

إنه يستحق أن يدمينا، وينمو.

إنه يستحق أن ننتظر طلوعه من عامٍ لعامٍ.

في الثانية التي تَهلك، والثانية التي تولَد، استوصدَ باب الكينونة، وانهمر الزمان.

كان جسم العنكبوت منسحقًا على الحروف، مستشهَدًا يحمل لواء الكلمات: “الوجود”، “الظاهرة”، “الحقيقة” بالمفاصل المهشّمة، في استماتة بطولية، وحوله انفجرت البلازما في بقعة كئيبة، شفافة، بشعة، لزجة، تشوه الحروف، وتنزّ-كالعَرَق-من مسام الورق.

تركت الكتاب خائفًا مكتئبًا، ونمتُ دقائق في مقعدي، وحين استفقت لم أجد الكتاب.

وجدت هيدجر..

لكنه ليس كهيدجر.

ها هي الكينونة صارت عنكبوتًا، والعنكبوت صار..

إن اللوجوس ليس-كما قال هيدجر-تفسيرًا لكائن.

إنه هو كائن.

مخيف.. مخيف!

كريم الصياد

ألمانيا

28-5-2014

Advertisements

شرفنا بتعليقك

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s