DOOM III

Posted: 06/07/2014 in الشعر

DOOM III

200px-Dmitri1

ها العالَم يهبط من فوبيا الآلهة.

ومنذ قرونٍ تتسرب سحب الألوان من خَلَلِ طباقِه.

كل مفصل، رابط، لاصق، إسمنت، عاشق ومعشوق، ذكر وأنثى، سِلك، حبل.. ، تَحَللَ، وانفجر ألوانَ طيفٍ.

والكون يتفتح كزهرة.

إذا كانت الموسيقى الكلاسيكية خطة بناء الوجود، فإن نهايته مدرسة في التصوير التأثيري.

كل المسافات تملؤها الألوان المتناغمة، حتى ليستطيع طالب الفن الكسول في آخر عمر الكون دراسة هارمونية اللون مباشرة، لكن الفن قد تغير كثيرًا هذه الأيام، وانتشرت في قارات العالم مدارس “التصوير الأسوَد”: “مدرسة التصوير الأسود الفراغية” التي تركز على استعادة مفهوم الظلام ثلاثي الأبعاد، “مدرسة الظلام” التي تحاول إعادة استكشاف خبرة العَمَى، “مدرسة السواد العديد” التي ابتكرتْ هارمونية الأسود والأسود.

كل شيء ينحل في جمال مهيب، ويتصاعد غباره ليعلَق في الفراغ سديميًا.

كل سديم كان شيئًا عزيزًا.

ربما كانت هذه الحفنة من الغبار البرّاق قلبَ حبيبتكَ.

كل شيء يموت في البريق.

*           *           *

كان المصعد الكونيّ يئن، فيه تكدس الناس، إنه مدينة كاملة، هي آخر المدن، يصعد في بطء كوني، وحوله يتهاوى كل شيء، إنه وعاء نَوْحيّ معقّد ينقذ آخر الحضارات من طوفان اللا شيء.

الناس في المصعد ينقسمون إزاء النهاية قسمَين:

-قسمًا يرى أن الفن التشكيلي هو الذي يتفرد بتفسير أحداث النهاية.

-وقسمًا يرى أن الموسيقى غير الميلودية هي السبب في انحلال الطبيعة.

كل يوم، حين يطلع سديم “آشور”، وحين يغرب سديم “أوغسطين”، أسمع جدال ذلك الرجل وزوجته جواري.

وأتذكّر.

*           *           *

تزوم النحاسيات في نبرة تحذير (أم هو تهديد؟)، ثم يسير الكلارينيت طريقه المظلم منفردًا، لا مباليًا إلى درجة القسوة، ثم يتصاعد الفلوت على مقام كروماتيكي بارد، يبدأ ذلك اللحن الرهيب، في الحركة الأولى من سيمفونية شوستاكوفيتش العاشرة.

العاشرة حشرة، لها ذات البشاعة، وذات الأناقة.

لقد ترك هذا اللحن شيئًا في عقل كل من سمعه، شيئًا أقرب إلى ذلك الكائن الرخو ساكن القواقع، ربما سكن قوقعة أذني.

إنك تشعر أنك لست كما كنت، وأنك لن تعود، أن شيئًا ما قد تغير إلى الأبد، كقطرة الحبر الأسود في كوب لبن.

لم يسمعه أحد إلا وخفض رأسه في يأس، وأصيبت روحه بالغثيان.

لا أحد يقيء الروح، وهذه لعبة شوستاكوفيتش.

هل الفيزياء العامة تتحول مع الوقت إلى نظرية موسيقى؟

إن “الأوتار” أكثر من استعارة.

وإذا كان تطور البشرية في الحقيقة هو سعي لفهم هذه الحقيقة: أن الموسيقى هي خطة بناء الكون وعمله، فما مصيرنا لو كانت السيمفونية العاشرة تحديدًا هي هذه الخطة؟

لها ذات البشاعة، وذات الأناقة.

*           *           *

طال عمري.

لم يعد الزمن كما كان منذ زمان. لقد شاهت الأبعاد المكانية كثيرًا منذ بدأ التحلل، ومعها شاه الزمان.

هناك التاريخ، هناك السرد، هناك القصة والرواية، لكن ليست هناك ساعات ودقائق.

لقد تفوقت فنون السرد في آخر الأمر!

العمرُ تحللٌ طويلٌ.

مرتْ-منذ شروق سديم “فرجيل”-“عوليسُ” كاملة، تلتها ثلاثة فصول من “أولاد حارتنا”، ثم مقطعان بالضبط من “الأشياء الصلبة”، حين أعلنت إذاعة المصعد المحطة التالية:

“المحطة القادمة: الله. أعزاءنا الركاب، هذه الرحلة تنتهي هنا. نرجو منكم النزول. شكرًا جزيلاً.”

اندهش طفلٌ صغير كان يلعب “DOOM III”، ويقتل الشياطين بسلاح الليزر. لقد ملأوا عقله بالشياطين والآلهة، والشر والخير. لقد صار الدين موضة قديمة، لكن لم يحل الإلحاد المحل.

بصفتي أحد معتنقي نظرية الموسيقى اللا ميلودية أومن تمامًا أن تفسير ذلك قادم من أعلى.

فمن سقف المصعد، من القبة الزجاجية العملاقة، رأيناها.

كانت تنقل أرجلها الستة في بطء الضخامة المهولة.

بين السدم، والمجرات المنهارة، والأبعاد اللاتي تداخلت، والانفجارات العظمى، والانسحاقات القصوى، والمواد السوداء، كانت تفرز كل شيء، تغزل الأبعاد كعنكبوت، ونحن الذين علقنا في شباك الوجود.

كان العالم مكانًا بشعًا تجر فيه الشرطة العسكرية الفتيات فاقدات الوعي من شعورهن كأكياس القمامة عندما كان الله يحكمه، فماذا تقول إذن الآن عنه؟

بكيت وأنا أرى أزواج الأجنحة تخفق فتثير الغبار النجمي.. (لماذا؟)

الويل لهذا العالم.

كان هذا رأيي على أية حال في DOOM III.

 

كريم الصياد

2.6.2014

فجر

 

Advertisements

شرفنا بتعليقك

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s