Archive for the ‘الشعر’ Category

ذِئبُ العزيزِ

Posted: 18/06/2016 in الشعر

ذِئبُ العزيزِ

مَوْثِقٌ مِن اللهَ لآتِيَنَّ به إلا أن يُحاطَ بي في السُّهُوبْ.

.

قال الذئبُ لأبيه يا أبتِ إني رأيتُ أحدَ عشرَ إنسيًّا ورجلاً وامرأةً رأيتُهم لي آكِلينْ. قال يا بُنيّ لا تقصصْ رؤياكَ إن الشيطانَ كان مِمَّنْ للرؤيا يَعْبُرُونْ. لقد كان في الذئب وإخوتِه للشيطانِ عيونْ. جَوِّعوا أخانا واتركوه يَهِمْ يأكلْ لكم وجهَ خليفةِ الله وتكونوا من بعده مُستَخْلَفينْ. ناح نائحٌ منهم اقتلوا الناسَ وعَلِّقوهم في غيابةِ الرُّعْبِ، يلتقطهم (وَحْشُ الطَّيَّارة) إن كنتم فارِسِينْ. قالوا لئن لم يأكلْه الذئبُ إنا إذاً لّفي وُحوشٍ محشورينْ.

.

وأَوحينا للإنسان لَتُنَبِّئَنَّهُم بأمرهم هذا وهم لا يَشبعونْ. وجاؤوا أباهم فجرًا دامِينْ. وقالوا ذهبنا وعدنا فوجدنا أخانا يأكل وجهَ الإنسان، وها أنتَ مؤمنٌ لنا وكُنَّا آكِلينْ.

.

وجاء (وَحْشُ الطَّيَّارة) فأَرسَل مخالبَه قال يا بُشْرَى هذا إنسانٌ، ومَزَّقوه ببشاعةٍ واللهُ عليمٌ بما يأكلونْ.

.

وقال الذي فاز برأسه لامرأتِهِ أَخْرِجي أَحشاه، متى لم ينفعْنا رأسٌ؟ وأينَ لم نُنْبِتْ منه إنسانًا أحدًا؟ وكذلك أطعمْنا الذئابَ في السماء والأرض، ولِنُعَلِّمَنَّها مِن تحصيل المواريث، والجوعُ راهِبٌ على كُفْرِهِ، ولكن أكثرَ الذئابِ لا يَجوعونْ.

.

ولما بلغتُ أَشُدِّيَ أُوتيتُ نسرًا وذئبًا، وكذلك تَصْحُو في الذئبِ السُّهُوبْ.

.

ذاب اللزِجُ الإنسانُ وظهرَ المذؤوبْ.

وقالت نسوةٌ في المدينة (ذئبُ العزيزِ) يراودنا عن أنفسنا قد شغفه دَمُنا، إنا نراه ذائبًا في دمٍ مِن نخاعٍ ولحمٍ مِن طينْ.

الزمنُ الزمنُ لا الزمنُ المَيِّتُ هوَ تلك الخاصَّةُ التي جعلتْني لا أذوبْ.

#

10.6.2016

Köln

 

10441040_10153679345101753_213035268254078896_n

لا تتوقفي عند كل خلية في بشرة الله. اثقبيها واهبطي. خذي أولَ كرة حمراء في أول وريد. ستجدين الطريق مزدحمًا لكنه سريع. وإذا قابلتْكِ العسكريةُ البيضاء، أبرزي لها جوازك المزوَّر. لا تقولي أبدًا أنك إنسانة، قولي أنكِ أُلوهية صغيرة، فدَمِ اللهِ يتعرف غير الخالقين. تصرفي على فطرتكِ. الفطرة هي الخدعة الوحيدة التي تنطلي عليه. سأسليكِ في الطريق وأحكي لكِ معالِمَ سياحية.

ستخرجين من وريد إلى أكبر فأكبر. سترين رُتَبَ أجسام الله المضادة، وصفائحه الحديدية. سترين كبده الذي اختصه للكافرين. ربما تدخلين القاعة المزدوجة الفسيحة، التي تتمدد كالكون وتنكمش. ستشمين فيها الروح التي يدخّنها كي ينشط حاسة إبداعه. ولكن احذري أن يقذف بكِ في شكل بكتريا أو جسم سعدان.

ها أنت تدخلين بيتي المُكْتَرَى. أنت في قلب الله الذي يرفّ. هل ترين كيف يدق كالساعة المجنونة؟ في أول الشرايين التاجية ستجدينني هناك. هذا أنا الذي تبحثين. ولأنكِ جميلة فسأقول لكِ أنني تخَثَّرت هناك. ولأنكِ رائعة سأريكِ أنني جلطة في قلب الله. تعالي نشرب النبيذ الأحمر. إنه قلبٌ يضعف، وهو يموت. ويا لها من لحظة رومانسية تلك التي يموت فيها إله! لا إطلاقًا، أنا لستُ ملحدًا، أنا-فقط-رومانسي أكثر من الحَدّ.

22.10.2015

Köln

فا

Posted: 11/11/2015 in الشعر

12105982_10153656670741753_8862534413711589887_n

انفجرت مدوَّناتٌ عتيقةٌ من جيب جثة رائد فضاء، فتمزق اللحنُ وتحررَ الإيقاع. كل صفحةٍ وَحْيٌ مستورٌ، لا يكشفه إلا مَن كان مُضيئًا أو خاف الظلامَ مِثلَ مضيء. كل علامة من الإرث الزمني لحظةُ تنتظر الفضَّ من وَرَقَتها، وتبحث في الأجواز عن موسيقيين. تحمل في جِلدتها وشمَ الوقتِ المطعونَ بعقارب الساعات أو كَهَارِبها مِنْ عصر التأليف. كل عقربٍ أشار إلى كوكبٍ، وكل كهربٍ أضاء مغتربًا في المنفى إلى نجمه القديم. كل كوكبٍ ونجمٍ دار على إيقاع دورة الكونِ، والكونُ أوّلُ الساعات، وأصلُ التوقيت.

فإذا قرأ الناسُ الكتابَ عربيًا وأعجميًا، وحَيَا الناسُ الزمنَ وماتوه، وإذا قرأ الخَلقُ الجديدُ مدونات البائدين، وجمَّعوها بسفريّاتِ الأنوار في مَحَالِّ الوجود، اجتمعتْ للَّحنِ الأوصالُ، وزغردتْ في الأوتار أرواحُ المنقرضين، حتى تنتصر على الزمنِ الباصاتُ، ويكونَ مفتاحُ الموسيقى رَبًّا غليظًا في اتساع الكونِ الجديد.

(ملحوظة: فا مفتاح الطبقات الغليظة في المدونات الموسيقية)

Köln

10.10.2015

1970s_The_Flood_NORMAN_ADAMS_RA_1927-2005

بلورة تمتلئ بالماء، وفيها أشياء تسبح، كذا يبدو مشهد الكوكب حين يمر بعصر طوفان. وهي أشياء يحبها الله والأطفالُ؛ لأنها تبدو كحوض صغير يسبح فيه بشَرٌ-زينةٌ لامعون. قلت لزملاء المرصد أنها ظاهرة. قلت لهم أنه ليس طوفانًا عاديًا. الفارق أن الله لم يسكبه، وليس فيه نُوح. لكنهم لم يأبهوا كثيرًا. فوق صحراء لم يغطها الماء بعد انفجرت طائرة سياحية، ثم أطفأها الماء، وعلا بجثث سائحين (أُدخلوا نارًا فاُغرِقوا) ولم يجدوا لهم في المنطقة أنصارًا على أية حال. أثار اهتمامي المعتقَلون الذين يحبهم اللهُ نوعًا، والماء يدخل الزنازين المغلقة فيصير سجونًا فوقها سجونٌ، والطبيبةُ التي احترقتْ سَحاياها في مشهد مهيب للرأس المندلِعة على صفحات الجرائد، وهي تتطحلب على الماء.

سألتُ زملائي من الصحافيين الإلهيين وباحثي اللاهوت، فأكدوا لي: “لقد غرقتْ المدنُ ولكن الله-حتى الآن-لم يعلن مسئوليته عن الواقع. لا أحد في الواقع!”

6.11.2015

Köln

اللوجوس λόγος

Posted: 08/07/2014 in الشعر

اللوجوس   λόγος

 

Without_You_I__m_Nothing

لقد حدثَ لي شيء دون عالَمٍ

صدمني في ركبتي،

وحين نظرت لم أجدْه.

كيف تجد شيئًا دون عالَم؟

وكيف تمسك بمعكوس اللا شيء؟!

*   *   *

 

كانت حبيبتي تمشط شعرها في المرآة

وتبتسم لي

وكنت أراها

وهي تنظر معكوس نفسها

أطرق لها على الطرف الآخَر

وهي تمشط شعرها

وتبتسم.. لي.

*   *   *

 

تورّمت ركبتي

وصرتُ أعرُجُ كالملائكة

كان الألم وجبة لا أستطيع إنهاءها وحيدًا

وكنت أسأل في خوف:

“هل سأكفّ عن الحركة دون أَحَد؟”

ثم بدأتْ تحدُث لي ثعابينُ كثيرةٌ من الألم

لقد بدأت أرى الألم

ويمكنني أن ألمسه، كسلك عارٍ

كان يلتف في جسمي كالكابل الغليظ

وصرت أرى الوحدة

وهي جالسة في الركن، بيضاء، ونحيفة

وأصبحت أرى الخلود

أخضرَ، ويتدلى من السقف كالثريا المعتمة

كل المعاني صار لها ظل

صارت تتحرك وتقف

وأصدمها بقدمي دون قصد

وفي كل ليلة أجد في صالة بيتي معنًى جديدًا

وحين بدأتْ تتسلل إلى حجرة نومي تضايقتُ

وحملتُ الخوف والرغبة والحب والشك

والصَّرَع والجنون والفزع

في حرص، كإصص النباتات،

ورصصتها في حديقتي

خفتُ من صاحبة البيت

التي ستسألني-أكيد-عن ضيوفي

الذين صاروا زملاء سكن دائمين

ماذا أقول؟

وكيف أذهب إلى السجل المدني في المدينة

وأقول:

أن الحزن يسكن معي،

وأن الشقة تتسع لكلينا؟

*   *   *

 

حين التقيتُ حبيبتي لم ترني

فهمتني، أحسّتني، ربما استنشقتْني

لكننا لم نستطع أن نتحاضن أو نتبادل القبلات

لقد صرتُ خِلالاً تمامًا!

كانت تقف

تنظر إلى اللا شيء

وتقبّل الهواء

وحيدةً

ومعكوسةً!

*   *   *

 

ثم إنني تلاشى ظلي

ثم إن الأشياء بهتت

وإن المسافة انقطعَتْ

وإن الزمن تباطأ، وتوقف

ثم جلستُ مع المعاني

نتسامر وندخّن

ونتحاور في (الأدلة المعنوية على وجود المادة)

وفي الأيام التالية

جاءت صاحبة البيت بساكن

بعد أن اختفى الساكن القديم.

*   *   *

 

كنت أذكر حبيبتي

التي صارت يدها الرقيقة

تخترق صدري بلا ألم

لكنني لم أستطع أن أبصر الذكرى

وكان اليأس يواسيني

يجلس معي، بهيكله العظمي العريض

ويقول:

“أنت أيضًا أكثر من مجرَّد..”

“وتآكُلُ ظلِّكَ لا يعني أنك مجرَّد..”

“عندك-مثلاً-الله..”

لكن ذكرى حبيبتي كانت كالشيء الضائع

كالذي يتلاشى

كالذي يرحل

كالذي يذوب

كما يبهت

كما ينفد

كما يتبخر

فكنت أتنهد في حنين

وكان الحنين يتنهد في يأس

وكان اليأس يصمت.

*   *   *

 

معكِ الحق يا حبيبتي

أنا لم أعد إنسانًا

أنا الآن كلمة

وحين طرق الله بابي

بعد أن صرتُ أخيرًا أراه

قلت للمعاني أن تخبره أنني غير موجود

إن الله يعرف أني موجود

لكنكِ الآن يجب أن تثبتي وجودي

لا يمكنكِ أن تحبي رجلاً بلا عالَمٍ

أنت تعرفين أنكِ

فقط

يمكنكِ أن تنطقيه ككلمة.

 

6.7.2014

Köln

غروب

 

DOOM III

Posted: 06/07/2014 in الشعر

DOOM III

200px-Dmitri1

ها العالَم يهبط من فوبيا الآلهة.

ومنذ قرونٍ تتسرب سحب الألوان من خَلَلِ طباقِه.

كل مفصل، رابط، لاصق، إسمنت، عاشق ومعشوق، ذكر وأنثى، سِلك، حبل.. ، تَحَللَ، وانفجر ألوانَ طيفٍ.

والكون يتفتح كزهرة.

إذا كانت الموسيقى الكلاسيكية خطة بناء الوجود، فإن نهايته مدرسة في التصوير التأثيري.

كل المسافات تملؤها الألوان المتناغمة، حتى ليستطيع طالب الفن الكسول في آخر عمر الكون دراسة هارمونية اللون مباشرة، لكن الفن قد تغير كثيرًا هذه الأيام، وانتشرت في قارات العالم مدارس “التصوير الأسوَد”: “مدرسة التصوير الأسود الفراغية” التي تركز على استعادة مفهوم الظلام ثلاثي الأبعاد، “مدرسة الظلام” التي تحاول إعادة استكشاف خبرة العَمَى، “مدرسة السواد العديد” التي ابتكرتْ هارمونية الأسود والأسود.

كل شيء ينحل في جمال مهيب، ويتصاعد غباره ليعلَق في الفراغ سديميًا.

كل سديم كان شيئًا عزيزًا.

ربما كانت هذه الحفنة من الغبار البرّاق قلبَ حبيبتكَ.

كل شيء يموت في البريق.

*           *           *

كان المصعد الكونيّ يئن، فيه تكدس الناس، إنه مدينة كاملة، هي آخر المدن، يصعد في بطء كوني، وحوله يتهاوى كل شيء، إنه وعاء نَوْحيّ معقّد ينقذ آخر الحضارات من طوفان اللا شيء.

الناس في المصعد ينقسمون إزاء النهاية قسمَين:

-قسمًا يرى أن الفن التشكيلي هو الذي يتفرد بتفسير أحداث النهاية.

-وقسمًا يرى أن الموسيقى غير الميلودية هي السبب في انحلال الطبيعة.

كل يوم، حين يطلع سديم “آشور”، وحين يغرب سديم “أوغسطين”، أسمع جدال ذلك الرجل وزوجته جواري.

وأتذكّر.

*           *           *

تزوم النحاسيات في نبرة تحذير (أم هو تهديد؟)، ثم يسير الكلارينيت طريقه المظلم منفردًا، لا مباليًا إلى درجة القسوة، ثم يتصاعد الفلوت على مقام كروماتيكي بارد، يبدأ ذلك اللحن الرهيب، في الحركة الأولى من سيمفونية شوستاكوفيتش العاشرة.

العاشرة حشرة، لها ذات البشاعة، وذات الأناقة.

لقد ترك هذا اللحن شيئًا في عقل كل من سمعه، شيئًا أقرب إلى ذلك الكائن الرخو ساكن القواقع، ربما سكن قوقعة أذني.

إنك تشعر أنك لست كما كنت، وأنك لن تعود، أن شيئًا ما قد تغير إلى الأبد، كقطرة الحبر الأسود في كوب لبن.

لم يسمعه أحد إلا وخفض رأسه في يأس، وأصيبت روحه بالغثيان.

لا أحد يقيء الروح، وهذه لعبة شوستاكوفيتش.

هل الفيزياء العامة تتحول مع الوقت إلى نظرية موسيقى؟

إن “الأوتار” أكثر من استعارة.

وإذا كان تطور البشرية في الحقيقة هو سعي لفهم هذه الحقيقة: أن الموسيقى هي خطة بناء الكون وعمله، فما مصيرنا لو كانت السيمفونية العاشرة تحديدًا هي هذه الخطة؟

لها ذات البشاعة، وذات الأناقة.

*           *           *

طال عمري.

لم يعد الزمن كما كان منذ زمان. لقد شاهت الأبعاد المكانية كثيرًا منذ بدأ التحلل، ومعها شاه الزمان.

هناك التاريخ، هناك السرد، هناك القصة والرواية، لكن ليست هناك ساعات ودقائق.

لقد تفوقت فنون السرد في آخر الأمر!

العمرُ تحللٌ طويلٌ.

مرتْ-منذ شروق سديم “فرجيل”-“عوليسُ” كاملة، تلتها ثلاثة فصول من “أولاد حارتنا”، ثم مقطعان بالضبط من “الأشياء الصلبة”، حين أعلنت إذاعة المصعد المحطة التالية:

“المحطة القادمة: الله. أعزاءنا الركاب، هذه الرحلة تنتهي هنا. نرجو منكم النزول. شكرًا جزيلاً.”

اندهش طفلٌ صغير كان يلعب “DOOM III”، ويقتل الشياطين بسلاح الليزر. لقد ملأوا عقله بالشياطين والآلهة، والشر والخير. لقد صار الدين موضة قديمة، لكن لم يحل الإلحاد المحل.

بصفتي أحد معتنقي نظرية الموسيقى اللا ميلودية أومن تمامًا أن تفسير ذلك قادم من أعلى.

فمن سقف المصعد، من القبة الزجاجية العملاقة، رأيناها.

كانت تنقل أرجلها الستة في بطء الضخامة المهولة.

بين السدم، والمجرات المنهارة، والأبعاد اللاتي تداخلت، والانفجارات العظمى، والانسحاقات القصوى، والمواد السوداء، كانت تفرز كل شيء، تغزل الأبعاد كعنكبوت، ونحن الذين علقنا في شباك الوجود.

كان العالم مكانًا بشعًا تجر فيه الشرطة العسكرية الفتيات فاقدات الوعي من شعورهن كأكياس القمامة عندما كان الله يحكمه، فماذا تقول إذن الآن عنه؟

بكيت وأنا أرى أزواج الأجنحة تخفق فتثير الغبار النجمي.. (لماذا؟)

الويل لهذا العالم.

كان هذا رأيي على أية حال في DOOM III.

 

كريم الصياد

2.6.2014

فجر

 

انفجار البلازما

1-هيدجر والعنكبوت: لكريم الصياد:

ياليأس هيدجر! الشاب الثلاثيني الطموح، الذي يشرئبّ أخطبوطه ليلمس مخ أستاذه المحفوظ في جمجمته الشفيفة، الغارق في الغموض، الغافي منسيًا، منذ آلاف السنين، ككائن أسطوري، لا تحكيه خرافة، لا تحكيه طبيعة، له شكل، لكن ليس له جسد. “آه! إنه حفنة من الطاقة!”.

لا يدري هيدجر أنه بعد سنوات معدودة سيتكلم لغةً هي جنين في جسد الألمانية. وأنه سيكتب الكينونة، وأنه سيخفق، ويعلو، إلى فوق، إلى فوق!

ها هي ألمانيا صارت جسدًا، والجسد صار هيدجر.

حين وصل الوحش إلى عرش جمهورية الحطام، وتحرك حلمه خارج جسمه كتنين، حين تمددت ألمانيا بقياسه، تراءى هيدجر في العيون كورم خطير، كسرطان وجودي، يحاول إضرام النار في ما تفتتَ مِن شيء. لو كانت ألمانيا كوكبًا محترقًا لكفى بهيدجر عدمًا يبرد فيه جحيمها.

ها هو الجسد صار صرخة، والصرخة صارت فمًا فاغرًا لجمجمة بيضاء.

في عالمٍ ناءٍ قصيّ، في بعدٍ ممحوق، أقرب إلى نقش في الفضاء، معلقة حجرتي البيضاء الباردة، مظلمة في أغلب عصور ذلك البعد، لا يمر عليها ضوء سوى مصباح أصفر حزين على مكتب، ولم تنشأ بهذا البعد أحياء سوى أنا، وهيدجر، والعنكبوت الذي يكرس ديمومته لهندسة قصر الخيوط الشفافة في السقف بإخلاص. إنه وحيد كنبي، مبعَدٌ عن عالم يختلف عن عالمي، لا أعرف من أين جاء.

كل منا نشأ وتطور. لا توجد نظريات كثيرة عنّا، فنحن ننظّر كل منا لنفسه، وأحيانًا ننظّر-حين نمل المنظور الواحد-لبعضنا البعض.

كريم الصياد

ألمانيا

27-5-2014

2-النَّصّ والعقل: لهيدجر:

لا أراه، ولا تمكن رؤيته من بُعدي في (الكينونة والزمان) في تجسيمه. إنه يأتي ويذهب، تشرق معه شمس صناعية ما، يخطر متعشِّقًا في السطور والمقاطع والحروف حولي. يتعثّر أحيانًا في أجزائي القليلة اليونانية. إنني أوجَد في اللغة، وهو-فيما يبدو-عقلٌ ما. إنه يمرّر وجوده على وجودي ذي البعدين. هل يكوّن-في الفهم-قوالبَ لأعضائي الوجودية؟ وماذا يصنع بها؟ هل يعيد بناء هياكل مادية، أو شبه مادية، لهذه التراكيب؟ هل هو صيغة مثلي؟

إننا حين نبلور المسألة الأساسية لوجود هذا الكائن الذي لا نعلم من صفاته سوى الفهم، وسوى أنه يعرفنا، فإننا نجد أنفسنا بإزاء سؤال خطير: هل نحن مجرد نصّ؟ وهل هو يقرؤنا؟؟؟

ولكن-حين يصل التباحث إلى مداه غير المنظور حاليًا-ينكشف لنا سؤال أبعد من ذلك، أبعد، وإنه لمن الحزن سؤله…. هل كنتُ يومًا جسدًا، أفكر، وأكتب، ثم تلاشيتُ، وبقي وجودي، كروح حبيسة سجن، هو ألياف هذا الورق، التي تغلقها قضبان الحروف، التي أبصر منها هذا الوجود؟

هل أنا نص؟ وهل كنت إنسيًا؟

هيدجر

من الكينونة والزمان

دون تاريخية

3-نظرية الكائن ذي البيت المعتم: للعنكبوت:

اليوم أجلس في شرفة قصري المفضلة. عجيبٌ أن يبدأ شيخ في مثل ما رحلت في الكآبة، ومثل ما أقمت في الوحدة، ومثل ما ذبذب بيتي من نبض الحزن المتردد، أن أكتب فلسفتي حول الطبيعة، حول كائن يتحرك حول أوراق.

إنه كائن بلا خيوط، ولا يحيا على أرض رأسية. ويمكنه أن يسقط. وحين تأملته لم أجد له بيتًا سوى هذه الأراضين الرأسية والأفقية. إنه لا يبني بيتًا فصارت هذه الأرض بيته. إنه قديم بلا نشأة. وهو إذا كان بلا نشأة فهو بلا فناء. وإذا كان بلا نشأة أو فناء فهو دائم بلا تغيّر. وتدريجيًا أفهم أن حياته تلتف وتتداخل حول هذا الورق القابع تحت تلك الشمس التي يوقدها.

هل هو أوجدني يومًا؟ ولماذا إذًا لا يلاحظني؟ هل أوجدني ونسيني؟ أم هل أعرف عنه ما نسيته في شيخوختي، وما رحلت من كآبة، وما أقمت من وحدة، وما ذبذب بيتي من حزن؟

ما الذي يفعله أمام هذا الورق الذي لا يفرزه، والذي لا يعلم أحدٌ من أفرزه وقوّمه في تصميم حديث لم تعرفه العوالم من حيث جئتُ؟

العنكبوت

القصر

ما بعد الشيخوخة

4-نداء الخيوط: لهيدجر:

إن وجودي الفريد، الذي ليس كمثله وجود؛ لأنه-ببساطة-ليس معه شيء، مسطّح في بعدين، لكنه كذلك متراكب في بعد ثالث، في طبقات كثيرة رقيقة.. وما هو كاشف لذاته بذاته أنه في كل لحظة واعية من لحظات الإدراك لما هو خارجه يتسطح في بعدين فحسب، لكنه حين ينعكس عليه إدراكه، طبقات كثيرة، لا أعرف عددها.

من خلال هذا الوجود الثنائي أرصد هذا الاحتمال: أن الوجود في أبعاد ثلاثة ممكن، وربما أمكنَ.

ما يجعلني أتحول من الإمكان إلى الحقيقة: ذلك العقل الذي يمر ويمسح وجودي، وينغرس أحيانًا في مفاصله، ولكن مع حركة هذا العقل أحيانًا أجد وجودًا أجنبيًا ثالثًا يتهاوى.. هل هي خطوط؟ بل خيوط! إنها في أبعاد ثلاثة.!

إنها خيوط رقيقة، لا وزن لها، تلتصق بوجودي، وتتحرك، لكن لم يفتني أنها تتحرك بنظام إيقاعي ما، وفي اتجاه واحد..

إنه كائن يتحرك على سطحي!!!!

هيدجر

من الكينونة والزمان

الحزن تاريخ

5-نظرية البيت الورقي: للعنكبوت:

أعرف أن في عالم الحشرات والمفصليات، من حيث جئت، يفرز البعض ورقًا كهذا ليسكن فيه. لكن هذا الكائن لا يبدو مثلها، كما أنه لا يسكنه، إنه يكتفي بتقليبه، وفضه، وغلقه، والطواف حوله.

إنه يلمسه، يدقق في كل تفاصيله، مثلما أفعل مع خيوطي، كيف يدقق كائن فيما لا يسكن؟ وكيف يسكن فيما لا يصنع؟

إنني منفيّ ووحيد في هذا البُعد؛ لأنني وضعت أملي في الرهبانية الحزينة.

إنني أول المنفيين الذين يحلمون بمنفى جديد، يتركون القصور، ويحلمون برحلة السقوط الأول في الهواء، دون خيوط، أو مصير.

إنني أُستشهَد الآن حين أهوي، حين ألمس هذا الورق الجاف، في سبيل حقيقة لن يعرفها أحد، ولن تهم أحدًا. فإن ظللت حيًا فأنا أول ساكني بيت الورق.

يا خالقي الذي نسيتني.. هل أقوم الآن بأكبر كُفر، إذ أسكن بيتك الذي لم تخلقه، ولم تسكنه، حين أرقص فيه رقصتي الماجنة الهمجية؟

ابعثني إن مت مخلوقًا أرقى، يسكن ما لا يصنع، ويدقق فيما لا يسكن، بإخلاص.

العنكبوت

من القصر

ما بعد الأمل

6-اللوجوس: لكريم الصياد:

رأيت الأرجل المفصلية البشعة على الحروف. لي شجاعة في تأمل البشاعة. كينونةٌ، وزمانٌ، وعنكبوت. إن سِفرًا لم يقتل أحدًا لن يقدر أن يحيي ورقة شجرة.

إنه يستحق أن يوجَد.

إنه يستحق أن يناضِل.

إنه يستحق أن يدمينا، وينمو.

إنه يستحق أن ننتظر طلوعه من عامٍ لعامٍ.

في الثانية التي تَهلك، والثانية التي تولَد، استوصدَ باب الكينونة، وانهمر الزمان.

كان جسم العنكبوت منسحقًا على الحروف، مستشهَدًا يحمل لواء الكلمات: “الوجود”، “الظاهرة”، “الحقيقة” بالمفاصل المهشّمة، في استماتة بطولية، وحوله انفجرت البلازما في بقعة كئيبة، شفافة، بشعة، لزجة، تشوه الحروف، وتنزّ-كالعَرَق-من مسام الورق.

تركت الكتاب خائفًا مكتئبًا، ونمتُ دقائق في مقعدي، وحين استفقت لم أجد الكتاب.

وجدت هيدجر..

لكنه ليس كهيدجر.

ها هي الكينونة صارت عنكبوتًا، والعنكبوت صار..

إن اللوجوس ليس-كما قال هيدجر-تفسيرًا لكائن.

إنه هو كائن.

مخيف.. مخيف!

كريم الصياد

ألمانيا

28-5-2014