Archive for the ‘الفَقْد’ Category

صورة

الفردوس

هل كان كل إنسان في جنة أولى، ثم هبط منها إلى الأرض ليعمل ويشقى ويُحرَم ويتعذب؟ نعم، إن لكل إنسان جنة أولى وفردوس مفقود، حتى لمن لا يؤمن بهما. الفردوس هو الوضع المثالي الأوّلي البائد الذي تحلم الذات باستعادته. ذلك المقام الأول المكتمل الذي غادرته الذات لتمر بالخبرات وتفقد الكثير من العلاقات والأشياء في مجرى الزمن وأجواز الفراغ، الذات التي ماهت هويتها، أو التي-بالأحرى-ليست لها هوية في خضم الصيرورة المستمرة، والتي تبحث عن هويتها بالمعنى الميتافيزيقي للكلمة بحثًا دءوبًا لا ينقطع، التي تبحث عن مركز بلا مركز، التي هي مركزية بلا مركز، ليمثل لها الفردوس مقرّ الهوية، قبل أن يكون مقام السلام.

قد يكون هذا الوضع الأوّلي ميتافيزيقيًا: الجنة اللا أرضية التي خرج منها آدم، وقد يكون بيوجرافيًا: الطفولة، أو الأسرة، وقد يكون وضعًا سياسيًا-اجتماعيًا بائدًا: الخلافة الإسلامية عند المسلمين، الرايخ عند الألمان، الاتحاد السوفييتي عند الشيوعيين، دولة عبد الناصر عند القوميين العرب. إنه الأم لمن تيتم، والحب لمن كَره وكُره، والوطن لمن هاجر، الشباب لمن شاخ، إنه فرنسا تحت الاحتلال الألماني لدى سارتر، إمبراطورية النمسا لدى كارل بوبر، موسيقا باخ وموتسارت عند هرمان هسِّه، أرض المعاد عند اليهود، غرناطة فردوس المسلمين، تاريخ اليونان والرومان عند النهضويين الأوروبيين. كل هذه تنويعات على فكرة واحدة هي الفردوس، والفردوس -بما هو فردوس- دائمًا مفقود.

وفي الحقيقة فالفردوس ليس له وجود موضوعي، فالذات هي التي تخترعه هربًا من صيرورتها في نسيج الزمكان الذاتي (راجع شرنقة الزمكان). لكن الفردوس ليس كأنشطة الذات الواعية كالفن والدين والأخلاق.. إلخ، إنه ليس نشاطًا عمليًا، بل تصور عن خبرة لم تحدث بكامل تحددها وتفاصيلها في الماضي الموضوعي للذات، لكن الذات تُوجِدها وتحاول إقناع بقية الذوات بها. هي خبرة مزيفة؛ لأنه لا يوجد وضع مثالي كامل في التاريخ، كما لا تشهد الذات وضعًا مثاليًا خارج التاريخ (الجنة الميتافيزيقية). إن نشاط الذات التأويلي يجعلها تميل إلى افتراض أو تصديق هذه الفرضية. إن الذات التي غادرت وتغادر باستمرار شرنقة الزمكان الذاتي تصطنع حلمًا حول نقطة أولى مثالية كاملة، كمالاً قيميًا خُلقيًا وجماليًا، وكمالاً عمليًا بمعنى كونها أفضل ما أمكن في حدود الممكن الموضوعي، ثم تحلم بالعودة إلى هذه النقطة حلمًا دائمًا في دَوْر لا ينتهي. لكن هذا الشكل الدائري من التفكير هو الذي يميز فكر الهوية: أنا هو أنا، الذات هي الذات. ولكن إن لم يكن الفردوس نشاطًا عمليًا واعيًا، رغم اشتباكه مع كل أنشطة الذات الواعية اشتباكًا معقدًا، فما هو؟ وكيف يعمل في سبيل حيازة الهوية؟

إن الفردوس-كما قيل-تصور. وهذا التصور ينبسط وينفضّ في أشكال بالغة التنوع. وهو تصور درامي، بمعنى تضمنه لعنصر الحدث الزماني؛ فلا يمكن التعبير عنه إلا باستعمال الأفعال الماضية في كل اللغات: “وضع أوّلي كان وباد ونحلم بعودته”. هذه الدراما القصيرة شكلاً، التي لا تمتد إلا نصف سطر، تشمل تاريخ البشر كله من منظور محدد. فمن يرى مثلاً أن الأم هي الفردوس المفقود لا يعتقد دائمًا أن المقصود هو أمه المشخّصة، بل الأم عمومًا، وهذا التطور من الفرد إلى المفهوم، من الأم إلى الأصل، من التعيين إلى التجريد، يحدث تلقائيًا من حيث طبيعة العقل البشري ذاته النازعة إلى التفسير عن طريق التعميم. وعندئذٍ يمكن لهذا الذي يعتقد في فردوس الأصل المفقود أن يفسر تاريخ البشرية بناء على هذا: سعي البشر إلى العودة إلى الأصل، سواء كان هذا الأصل الأم أو الإله أو الطبيعة.. إلخ. الأم هي الله عند بعض الصوفية، كما يفسر بعض دارسي التصوف نظرية الحلول والاتحاد، وهي الأسرة، وهي الأستاذ والمعلّم، .. إلخ. وهو ما يعني أن هذه الفكرة لا تنحصر في أصل النشوء فقط، بل تغشى كذلك أصول الارتقاء، أي: المؤثرات الأساسية التي شكّلت على ما هي عليه في اللحظة الراهنة.

وفي هذا المثال يمكن كذلك فهم كيف يعمل الفردوس لإدراك الهوية. إنه يمثل هدفًا للزمكان الذاتي السيّار الذي هو بلا هدف على الإطلاق. هدف يجعل الزمكان الذاتي يدور في دائرة بدلاً من جريانه في خط مستقيم لا يتكرر، أو-بالأحرى-بدلاً من انبجاسه اللا نهائي من ذاته، وتمدده في كل الأبعاد باستمرار. الفردوس محاولة لصياغة الزمكان الذاتي في دائرة، تبدأ منه وتعود إليه. أو هو باختصار محاولة لتدوير الزمكان الذاتي Rezyklierung, Recycling.

والفردوس تصور شائع إلى درجة لا تكاد تنجو منها ذات بشرية واحدة. وهو متعدد الأشكال كما قيل، لكنه لا يخرج على أن يكون أحد ثلاثة مستويات أساسية:

مستويات الفردوس:

المستوى الأول للفردوس من حيث درجة الشيوع هو فردوس (الأصل Ursprung). وقد تم أعلاه تمثيله. وما يميز هذا المستوى أنه تاريخي-ديناميكي-درامي؛ فهو المنشأ الذي غادرته الذات في حركة تاريخية، وهو يفسر الزمكان الذاتي في تصور حركي؛ أي لماذا صارت العلاقات والخبرات على ما صارت عليه بناء على أصولها[1] والمؤثرات الأساسية عليها.

أما المستوى الثاني فهو فردوس (المذهب Doktrin)، أي النسق الفكري، أو المعتقد، الذي قد يكون أخلاقيًا أو سياسيًا-اجتماعيًا، أو جماليًا. هو المذهب الصحيح صحة منطقية، أو الذي يحقق مصالح معينة، أو تثبته-من منظور الذات-أدلة حاسمة. وما يميز هذا المستوى أنه بنية-إستاتيكية-نظرية؛ فهو لا يتضمن عنصر الدراما، أي أنه قائم خارج الزمان في العقل، أو هكذا تتصوره الذات، وهو يفسر الزمكان الذاتي بنيويًا؛ أي يحاول فهم العلاقات والخبرات بناء على أشكالها وعلاقاتها البينية واتساقها، وليس مصادرها.

أما المستوى الثالث والأخير فهو فردوس (الخبرة الفردية Individuelle Erfahrung)، أي اللحظة المثالية التي وقعت فعلاً في تاريخ الذات الفردية، والتي تتمنى الذات العودة إليها، وما يميز هذا المستوى أنه خبرة عينية لا تجريد ولا تعميم لها، تعبر عن أغلى ما فقدته الذات في الزمكان الذاتي، هذا الغلو الذي قد يصل إلى درجة التقديس.

وهذه المستويات، أو الفردوس عمومًا بكل مستوياته، يرتبط بالأنشطة البشرية الواعية التي سبق تفصيلها في (شرنقة الزمكان): الدين والفن والأخلاق والعلوم المنطقية والرياضية والعلوم الطبيعية والعلوم الاجتماعية والإنسانية والسير الذاتية وغير الذاتية. ولكن مستويات الفردوس تختلف فيما بينها في مدى ونوع ارتباطها بكل من هذه الأنشطة الواعية؛ فبينما يرتبط الأصل بالدين والسير الذاتية وغير الذاتية، يرتبط المذهب بالعلوم على اختلافها والأخلاق والفن، أما الخبرة الفردية فترتبط ارتباطًا مباشرًا بالسيرة الذاتية.

وهذه الارتباطات لا تعبر فقط عن مدى ونوع تشابك الفراديس مع الأنشطة الواعية، بل تعبر كذلك عن اشتراك اثنين أو ثلاثة من مستويات الفردوس في نشاط أو أكثر منها، أو ما يمكن تسميته بـ(تداخل الفردايس واتحادها)، وإلى مدى أبعد يمكن أن تفسر أصل الفردوس ذاته.

تداخل الفراديس واتحادها:

إن الذات لا تكتفي عادة بفردوس واحد مفقود. صحيح أن أحد الفراديس قد يسود غيره في تفسير قصة الوجود البشري، بل في صياغة هذه القصة أصلاً، لكن وجود فراديس أخرى معه يقع ويؤثر عليه. وبإرجاء علاقة السيادة والتنحي بين الفراديس لفقرة قادمة يتضح هنا تداخل الفراديس في الأصول والتأثيرات المتبادلة.

إن هذه الذات التي تجد فردوسها المفقود في الطفولة (الخبرة الفردية) لا تقف عند هذا الحد عادة، بل تذهب خطوة إلى فردوس الأم (الأصل). وهنا يتداخل مستويا الفردوس، فينتج فردوس مركب منهما، وهو تصور شائع جدًا لدى الذوات. وبالمثل، فإن الذات التي تتصور فردوسها في الأصل (الإله مثلاً) عادة ما تنزع إلى ربطه بالدين (المذهب)، وهو تداخل جديد شائع بدوره. ومن أشهر الفراديس المركبة ما يتركب من المذاهب، مثل الدين-السياسة، السياسة-الأخلاق، الأخلاق-الفن، وغيره. وهو ما يمكن أن يفسر فيما بعد أصول وتطور هذه المذاهب نفسها: الدولة الدينية، المدينة الفاضلة العلمانية، الفن الملتزِم، على الترتيب. هذه المركبات الفردوسية قادرة بشكل أكثر صلادة وصلابة وبقاءً على تحدي الصيرورة الزمكانية الذاتية، أي أنها قادرة بدرجة أكبر على تحقيق غرض الفردوس ذاته. ومن هنا أهميتها.

بالإضافة إلى ذلك تأتي الظاهرة الأخرى في هذا المقام، ألا وهي اتحاد الفراديس، فأحيانًا ما يتكون فردوس واحد يجمع بين كل مستويات الفردوس، فالدين مثلاً يشمل الأصل والمذهب والخبرة الفردية الشعورية أحيانًا. ومن هنا جزئيًا قوة الدين وسيادته بين مستويات وأنواع الفردوس. وهذا بالإضافة إلى أنه يفسر سيادة بعض أنواع الفراديس، يفسر كذلك انتشار وقوة بعض الأنشطة البشرية الواعية (كالدين).

أصل الفردوس:

يعني أصل الفردوس أحد ثلاثة: الأصل في وجوده من حيث وجوده، وهو ما سبق شرحه من حاجة الذات له من أجل تدوير الزمكان الذاتي، وهو الغرض منه. ويعني ثانيًا: أصل المحتوى، أي تفسير كون الفردوس على ما هو عليه من حيث نوعه أو محتواه. ويعني ثالثًا: أصل المستوى: أي تفسير اندراج الفردوس تحت أحد مستوياته: الأصل أو المذهب أو الخبرة الفردية.

1-أصل المحتوى:

إذا كان أصل النشاط البشري الواعي هو حاجة الذات إلى الهوية، فإن أصل محتوى الفردوس هو النشاط البشري الواعي ذاته. صحيح-كما ورد في الفقرة السابقة-أن الفردوس يؤثر على النشاط البشري، لكن هذا لا يمنع من كون الأخير أصلاً لسابقه من حيث محتواه.

إن النشاط البشري الواعي عملية بعيدة الأصول جدًا، وممتدة المساحة إلى حد قد لا يمكن تصوره في اللحظة الواحدة. وبالتالي فإن الفن مثلاً، الذي يعمل الفنان في إطاره يحدد جزئيًا ويشكل عمل الفنان عن طريق التراث الفني في الفن ذاته وفي غيره كذلك من الفنون، وهو ما يصنع عملية جدلية بين التراث والإبداع الفنيين. هذه العملية توحي بمحتوى الفردوس على صورة المذهب (المذهب الفني هنا)، في إطار علاقة جدلية بين المحتوى والمستوى، كالكلاسيكية مثلاً في الموسيقا الغربية، أو الشعر العمودي عند العرب، .. إلخ. هذه فراديس فنية يشكلها النشاط البشري الممتد زمانًا ومكانًا، والذي يُنسب إلى الذات أصلاً جزء ضئيل منه مقارنة بما يدخل منه في عملية تشكيل محتوى الفردوس.

إن الحاجة إلى الفردوس جاهزة وسابقة، لكنها لا تصنع في ذاتها إلا مجرد تصور فارغ، إلى إن يتم ضخ محتواه فيه. والنشاط البشري الواعي الممتد زمانًا ومكانًا هو الذي يقوم بهذه المهمة. وهو ما يعني أن عملية تدوير الزمكان الذاتي تبدأ من حاجة الذات إلى الهوية التي تصنع التصور المجرد عن الفردوس، لتصل إلى لجوئها إلى الأنشطة البشرية الواعية، ومن ثم تقوم هذه الأنشطة بتحديد محتوى الفردوس.

2-أصل المستوى:

تمت الإشارة إلى العلاقة الجدلية بين المحتوى والمستوى في الفردوس، فكل منهما يحدد الآخر ويتأثر به، ولكن السؤال: لماذا تكون مستويات الفردوس على ما هي عليه: الأصل والمذهب والخبرة الفردية؟

إن أصل مستويات الفردوس لازمة لمعنى الفردوس ذاته؛ فكما قيل: الفردوس عمومًا هو الوضع المثالي القديم البائد الذي تحلم الذات بالعودة إليه. وهو تعريف يتضمن عنصرين: عنصرًا تاريخيًا هو القديم البائد، وعنصرًا بنيويًا هو الوضع المثالي. وإذا كان العنصر التاريخي يفسر أصل مستوى (الأصل) فإن العنصر البنيوي يفسر أصل مستوى (المذهب). أما أصل مستوى (الخبرة الفردية) فمباشر من الخبرة الذاتية نفسها، حين تستعيد الذات من ذاكرتها أطلال الخبرة التي تحن إليها.

صراع الفراديس:

سبق القول في أمر تداخل الفراديس، وهو شكل من التداخل البنّاء الذي يدعم وظيفتها في تدوير الزمكان وإدراك الهوية. لكن نوعًا آخر من الاشتباك يحدث بين الفراديس، ألا وهو صراع الفراديس، هو علاقة السيادة والتنحي بينها من حيث المحتوى والمستوى.

إن تكوين الفردوس وارتقاءه عملية معقدة، تدخل فيها-كما سبقت الإشارة-خبرات عديدة مركبة سابقة ومجاورة. وهو ما يؤدي أحيانًا، بل وكثيرًا، إلى نشأة أكثر من فردوس في الوعي. هناك فردوس الأصل مثلاً حين يقوم ضد فردوس المذهب، كما في التعارض بين فردوس الأسرة وفردوس المذهب الديني أو السياسي، وهنا يقع الصراع، ويسود طرف على طرف. وما يحكم صراع الفراديس عاملان: أيها أسبق وجودًا؟ وأيها أقوى استمرارًا؟

إن أقدم الفراديس في تاريخ الذات الفردية هو الخبرة الفردية، وتحديدًا خبرة الطفولة، أو خبرة اللعب، أو خبرة الأمان. يليه فردوس الأصل، ثم فردوس المذهب. إن الخبرة الفردية متعينة لا تجريد فيها ومباشرة، وبالتالي فهي الأسبق، لكن الذات حين ترتقي وعيًا تقوم بعملية التجريد اللازمة عن قواها العقلية نفسها، فيتم تجريد الخبرات القديمة العزيزة في صورة الأصل أحيانًا، وهو ما يتم في مرحلة تالية، كما أن فردوس المذهب أيضًا ناتج عن عملية تجريد أشمل وأعمق لتفسير الوضع المثالي من حيث هو مثالي، أي لماذا كان مثاليًا؟ وكيف يمكن استعادته بتطبيق نفس الشروط؟ ولا يلزم دائمًا الانتقال من مستويات الفردوس بهذا الترتيب، فأحيانًا لا يحدث الانتقال، وأحيانًا يحدث بترتيب مغاير، ولكن الأعم أن الوصول إلى آخر هذه المستويات زمنًا (المذهب) لا يحدث إلا بالمرور بالمستويين السابقين عليه، كما أن الوصول إلى ثانيها لا يحدث إلا بالمرور بأولها. وإذا كان عامل التجريد (وهي عملية عقلية نظرية) يحكم عملية الانتقال من الخبرة الفردية إلى الأصل، فإن عامل القيمة الأخلاقية أو الجمالية (وهو عامل اجتماعي وعملي) يحكم الانتقال من الأصل إلى المذهب بالإضافة إلى عامل التجريد. فكما قيل: يتم تجريد الأصل في المذهب، حيث يمكن استعادة الأصل عن طريق تطبيق نفس شروط وجوده السابق، وهو ما ينتج عنه نسق ما، لكن عامل القيمة يتدخل ليرجح مستوى المذهب على مستوى الأصل؛ القيمة الخلقية التي تظهر في الإخلاص لمذهب سياسي-اجتماعي أو ديني، والقيمة الجمالية التي تظهر في تفضيل مذهب فني.

وفي مستوى المذهب يسود المذهب الديني على المذهبين السياسي-الاجتماعي والفني كيهما عادة؛ لأن الدين أقرب إلى الذات وأيسر من حيث مصادره، وأكثر شيوعًا حولها، وأبسط لفهمها، يليه السياسي، الذي يتطلب قدرًا أكبر من الوعي والتفرغ، يليه الفني المقصور على القلة.

لكن ترتيب هذه المستويات الرئيسية: الأصل، والمذهب، والخبرة الفردية معكوس من حيث القوة، فالمذهب الديني والسياسي-الاجتماعي أقوى من الأصل؛ لأنه أكثر ارتباطًا بالجماعة والمجتمع والحياة العملية، يليه الأصل الذي هو أقوى عادة من الخبرة الفردية؛ لأنه أقدر على التفسير، فهو تجريد خبرات فردية وجماعية عديدة متسلسلة. وهو ما يعني أن الفردوس المذهبي هو أقوى أنواع الفردوس بنوعين منه: الديني والسياسي-الاجتماعي، لكنه آخرها زمانًا في نشأته في وعي الذات.

إن الفردوس المفقود هو صورة سلبية لبطاقة الهوية الميتافيزيقية للذات. قل لي ما فردوسك المفقود أقل لك من أنت.

نقيض الفردوس (الجحيم)، ونقيض الذات (الشيطان):

إذا كانت الفكرة تستدعي نقيضها بالضرورة، فإن الفردوس يستدعي الجحيم، والذات التي تسكن الفردوس، أو التي تطمح للعودة إليه تستدعي الذات التي فقدته بلا أمل في العودة، أو التي ترفضه العودة، باختصار فإن الذات تستدعي الشيطان كمفهوم.

والشيطان هو تصور الذات عن ذاتها حين تيأس أحيانًا من العودة إلى الفردوس، أو حين تفكر في أمر فقدها له وسقوطها في العالم التعس الوحشي، كما أنه تصورها عن الآخرين الذين تراهم أشرارًا. إن الشيطان هو الصورة السلبية للذات التي تتحرك حركة واعية نحو فردوسها عن طريق الأنشطة البشرية الواعية، لكن-برغم ذلك-فإن في كل ذاتٍ شيطان؛ لأن الذات تشترك مع الشيطان شركة وثيقة في السقوط أو الخروج من الفردوس. الشيطان مكوِّن أساسي من مكونات الذات، ومن أسس فهمها لذاتها، إنه الطرف النقيض الذي تحدد نشاطها بالقياس إلى المسافة التي تبعدها عنه، والتي يجب أن تزداد بلا انقطاع.

والحالة الاستثنائية في هذا المقام هي حالة الشيطانيين Satanics الذين يعتقدون اعتقادًا صادقًا في رفض الفردوس، ويعملون على تنمية الجانب الشيطاني الخبيء الذي تخاف وتخجل منه الذات وتشعر بسببه بالعار في كل وقت. إنهم يرون في الثورة قوة، ويسيرون في طريق اليأس قدمًا دون خوف؛ لأنهم عرفوا الحقيقة: أنه لا شيء وراءَ ولا فوق، وأن الذات في صيرورتها ضائعة بلا هوية ولا هدف، وأن الزمكان الذاتي هو الحقيقة، وأن الفقد هو المصير. ولكن التحليل الكامل لفكرة الشيطان والجحيم موضوع لمقالٍ تالٍ.

كريم الصياد

26.3.2014

Köln

 

 

[1]-يمكن إعادة قراءة أصول الدين وأصول الفقه (علم الأصول العام) انطلاقا من هذه الفلسفة.

 

صورة

 

من المتفق عليه اليوم بين العلماء أن كوننا ما هو إلا مجال-نسيج من أبعاد متعددة، وصلت في بعض النظريات إلى ستة عشر بعدًا. وهذا المجال أو النسيج هو كل شيء، وفي الوقت نفسه يحتوي كل شيء، ومن هنا تناقضه. إنه وعاء، لكنه المحتوى في الوقت نفسه، تمامًا كما تنبعج أجزاء من سطح نسيج، فتستقل كموجودات، لكنها تظل دائمًا أجزاء مما انبعجتْ منه.

وهذا الكون-الكون الطبيعي-كما نتصوره-يوازي كونًا آخر ذاتيًا، ليس له وجود طبيعي، فلا يمكن قياسه أو استكشافه أو ارتياده إلا في الخبرة الإنسانية الواعية. وأساس هذه الخبرة هي اشتراك كل البشر فيها، غير هذا لا أساس لها.

هذا الكون الذاتي هو “وعينا بوجودنا”، وبوجود كل ما يحيطنا، وبالتالي فهو لا يفقد الارتباط أبدًا بالكون الطبيعي. إن الزمكان الذاتي على علاقة جدلية دائمًا بالزمكان الموضوعي؛ لأن الأول هو الوعي بالثاني، والنظريات العلمية ما هي إلا تأويل الثاني، إنها هرمنيوطيقا الطبيعة، وتطور العلم من عصر إلى عصر دال على هذا. فالنظرية العلمية منظور، والمنظور ذاتي، والمنهج العلمي التجريبي يكذّب ولا يصدّق. وكذلك فإن الزمكان الموضوعي يؤثر على ويؤسس للزمكان الذاتي بشكل مستمر ونشط. إن وعي الذات يتشكل بالعمارة المجسدة والمجردة (الموسيقى) مثلاً كما ينتجهما، والوعي البشري متّصَل Kontinuum؛ لأن الخبرة البشرية متجادلة ومتصلة بين كل الذوات في كل زمان ومكان، أو في المتصل الزمكاني الذاتي Subjektives Zeitraumskontinuum. وكما تتشكل الخبرة البشرية الذاتية بالمكان كما تتشكل بالزمان فالزمان هو وعاء الفقد، ودون الفقد لا تعرف الذات الكثير مما تعرف، ولا تكون ذاتًا، ودون الضياع لا يوجد معنى الوصول، ودون الذاكرة لا يوجد حاضر. الزمان هو التاريخ والحاضر وهو الذي يوسوس للناس بفكرة المستقبل. والذات تكتسب من الزمان الشعور بالتوقت Zeitweiligkeit ومن المكان شعور المحدودية. والنتيجة أن الذات ما هي إلا تشوه في سطح الزمكان الذاتي.

إن شعور الذات بتوقتها ومحدوديتها هو الذي يجعلها ذاتًا، بما تنتجه من أفكار حول الدين والفن والقيمة والعلم والفلسفة.. إلخ. إنه كذلك-هذا الشعور-يمنحها التميز والتمايز؛ يمنحها الهوية والانفصال عن المتصل الزمكاني الذاتي السيّال الصائر بلا توقف. وتكمن العلاقة بين الزمكانين: الموضوعي والذاتي في نشاط الذات الواعي في أن الأول يمنحها هذا الانفصال وهذه الهوية بالتالي ببساطة ولكن بشكل مؤقت ومزيف، في حين أن الثاني يسحب منها هذه الهوية، وكل هوية، ويتركها في عباب التداخل واللا تحدد والصيرورة على المدى البعيد وبشكل حقيقي. إن الزمكان الذاتي أكثر تعقيدًا بما يجعل محاولة الذات لتحديد نفسها فيه أكثر فشلاً. وهي ظاهرة معقدة، يهم منها الآن أن الذات كثيرًا ما تتكئ على الزمكان الموضوعي لتحقيق انفرادها في التصور والشعور. لكن هذا المواطن الألماني مثلاً يؤكد لنفسه شعوريًا كل يوم أنه ليس عربيًا وليس مسلمًا. ولكن هل هذا صحيح؟ إن ألبرت الأكبر وتلميذه توماس الأكويني قد اتخذا كثيرًا من أفكارهما من الفارابي وابن سينا وابن رشد، وأدمجاها باللاهوت المسيحي الكاثوليكي الدومينيكاني في العصر الوسيط، الذي ورثه العصر الحديث والمعاصر. إنه يؤمن بالفارابي وابن سينا وابن رشد بشكل ما، كما يؤمن ببولس الرسول، لكنه لا يعرف، وإن عرف فهو في حيرة وشك. إنه عذاب أن تدرك الذات أنها ليست بالتحدد والبساطة اللتين افترضتهما تلقائيًا بشكل براجماتي لتسيير الحياة اليومية بما فيها من انحيازات ضيقة ووقت أضيق.

ولكن الزمكان الذاتي يرسل شباكه، التي هي تقاطعات محور الزمان مع محور المكان، في كل مجال حولها، إنه عنكبوت محيط، منسيّ، غافٍ منذ ملايين السنين، لكنه موجود ومسيطر وحاكم لكل شيء. وهو ينسج شرنقته حول الذات قبل ميلادها بقرون وآلاف السنين، ثم يهضم هذه الذات في كيانه اللا متناهي بعد فنائها لتصير عصارة تسري في عروق من سواها من الذوات التي تأتي من بعدها. إنه شرير؛ لأنه خفي ويحطم كل مفاهيمنا عن التمايز الفردي والقومي والحضاري والأيديولوجي، ويبقينا عاجزين-حين ندركه بكامل كيانه المهول-في شباكه، في دهشة، وعدم فهم. إننا لسنا نحن حين يكون هو هو. هذا المواطن الألماني ليس كاثوليكيًا ولا عربيًا ولا مسلمًا ولا أوروبيًا، إنه حتى ليس إنسانًا، إنه مجرد انبعاج عابر في سطح الزمكان الذاتي، إنه تشوه بسيط.

إن الزمكان الموضوعي يخدع الذات حين يهيئ لها تحددها، بينما يكشف لها الزمكان الذاتي حقيقتها، وهذه هي أهميته، وصدمته، في آنٍ. إن كل خيط ينسجه الزمكان الذاتي حول الذات لتتشكل في كيانه يوازي خطًا في الزمكان الموضوعي. كل نقش على جدار معبد أو قصر، كل نغمة أو تآلف، كل ضربة فرشاة أو ظل، كل لحظة تمر، توازي تغيرًا آنيًا يحدث في الذات ويعيد تشكيلها بنسبة ما. إن المكان والزمان بالمعنى الواسع لكل منهما رحمان تتشكل فيهما الذات في آنٍ واحد.

ومما سبق يتضح أن الذات حين تستسلم للزمكان الذاتي، الذي يكشف لها اتصالها بما لا يتناهى من الذوات، ومعالم الزمان والمكان، وصيرورتها الدائمة، تنكشف لها عندئذٍ أسطورة الهوية؛ فلا هوية في حال الاتصال والصيرورة. وهو ما سبب لها فاجعة وجودية.

ولكن الذات لا تستسلم لهذه الفاجعة، بل تحاول بطرق شتى التغلب عليها، واقتناص الهوية في الزمكان.  ولما كانت الذات جزءًا من الزمكان الذاتي، فإن عملية اقتناص هوية هي أشبه بقبض مساحة وحجم من الزمكان الذاتي وتثبيتها فراغيًا لأجل مؤقت، كالتقاط صورة لجسم متحرك أو متحول. إنها اقتطاع شريحة عرَضية من التاريخ لتحويله جزئيًا إلى بنية. التاريخ متحول والبنية لحظة منسلخة. إن الذات إذًا تحاول اقتناص جزء من الزمكان الذاتي في قبضة اليد، وهو ما يصنع فيها وحولها تشوهات ثانوية أو تابعة. هذه التشوهات الثانوية هي التي نطلق عليها الظواهر الإنسانية الواعية، كالدين والفن والأخلاق والجمال والعلوم والفلسفة والسير الذاتية وغير الذاتية.

1-الدين (أو فكرة الإله):

قلت فيما سبق أن الذات تكتسب من متصل الزمكان الموضوعي خبرتين سالبتين: التوقت في الزمان، والمحدودية في المكان، وهذا ما يجعلها-في محاولة التغلب على الزمكان الذاتي-تنزع نزوعًا طبيعيًا إلى فكرة الإله؛ لأنه خارج الزمان، فلا يمر عليه وقت، وخارج المكان؛ لأنه في كل مكان. ومن هنا أصالة وانتشار هذه الفكرة عند الذوات على مر التاريخ، رغم أن العلم التجريبي لا يختبرها أصلاً.

2-الفن:

 إن الفن بما هو إبداع وتلقٍّ (باستثناء الجانب النقدي منه حتى في عملية التلقي) هو محاولة مختلفة لتحديد الذات وإكسابها ثباتًا هوياتيًا. لكن الفن حين ينتج عملاً يكون محاولة لتوليد زمكان ذاتي خاص، يحتوي ذواتًا أخرى بشكل واعٍ كروافد ومؤثرات فنية، كما أنه حين يؤثر على المتلقي يمنح المبدع شعور الهوية؛ لأنه لو لم يكن متحيزًا متزمنًا ذا هوية مستقلة، بل وكاريزمية، لما استطاع إنجاز هذا التأثير. وإلى جانب ذلك فإن العمل الفني كثيرًا ما يكون هو نفسه لحظة مقتطعة من الوجود الصائر للذات، ومن ثم تجميدها عبر الزمن. والحقيقة إنها محاولة مؤقتة وفاشلة؛ لأن الذات لا تقتنع أبدًا بعملها الفني بشكل نهائي وإلى نهاية حياتها، وإنما تتجاوزه إلى غيره في صيرورة أخرى لا نهائية، وهو ما يعني أن الذات في محاولتها التغلب على الصيرورة تقوم بتوليد زمكان بديل فني له صيرورة بدوره! وربما أقلع الفنان عن الإبداع أملاً في إيقاف هذه الصيرورة التي لا توقف صيرورة وجوده هو على أية حال. كما أن العمل الفني يتبدل طيلة الوقت، فلا توجد سيمفونية تعزَف بالشكل الواحد مرتين حتى بواسطة الأوركسترا ذاتها والمايسترو ذاته، كما أن العمل الفني لا يُتلقَّى بالشكل نفسه حتى من قبل المتلقي نفسه.

 

3-القيمة:

وهي تشمل الأخلاق، كما تشمل قيمة الجمال في الفن، وهو ما يحتوي البعد النقدي منه، وتبقى قيمة الحق موضوعًا للفقرتين التاليتين. إن القيمة الخلقية محاولة لاكتساب معنى ثابت في حركة الزمكان. إنها محاول لخلق انحياز أخلاقي أو أيديولوجي أو فني لتأكيد الذات كهوية. إنها كذلك محاول لتحديد ثمن مجرد للخسارة المادية. فالذات تخسر طيلة الوقت، وهو معنى (الفقد) الذي يؤسس لحقيقة وجود الذات. إن الذات تخسر ذواتًا أخرى، وعلاقات بالذوات والأشياء، وتخسر جسدها بالتقدم في العمر، وتخاف من خسارة وعيها في الموت، فتحاول تعويض كل ذلك معنويًا. إنها تهمس لنفسها دائمًا “لا شيء يضيع في الحقيقة، إن ما هو خيّر أو جميل لا يضيع أبدًا؛ لأنه يبقى ويؤثر أبدًا” والحقيقة أنه فعلاً لا شيء يضيع في الزمكان الذاتي، لكنه ببساطة يتشوه في صورة أخرى.

 

4-العلوم الطبيعية (الفيزياء أساسًا):

إن الفيزياء محاولة لتفسير الزمكان الموضوعي، وهي في ذلك محاولة الذات للتشبث به كيلا يجرفها تيار الزمكان الذاتي. وفي الفيزياء الحديثة التي تقوم على مبدأ قصور المادة (القصور الذاتي) يبلغ هذا التشبث أقصى مداه؛ لأنه تأكيد على ثبات المادة على حال ثباتها أو حركتها ما لم تؤثر عليها قوة ما، وهو ما يعني أن المادة في حد ذاتها ثابتة، وأن للثبات والهوية معنى أصلاً، وهذا هو الأساس في إعجاب الذوات بالعلم الطبيعي؛ لأن الذات تتوق طيلة وقتها للهوية التي تقوم على مبدأ الثبات.

 

5-العلوم المنطقية والرياضية:

رغم أنها لا تدرس الزمكان الموضوعي، فإنها تؤسس لثبات من نوع غير فيزيقي؛ لأن حقائق الرياضيات والمنطق (كما يعرف دارسو فلسفة العلم) ثابتة يقينًا؛ لأنها تكرار اصطلاحي. 2+2 هو نفسه أن يقال (4). ومن هذه القضية الأولية يتولد البنيان الكامل للرياضيات، تمامًا كما يتولد بنيان المنطق من قضية أن إذا كان كل (أ) هو (ب)، وكل (ب) هو (ج)، إذًا فإن كل (أ) هو (ج). ولهذا كان طبيعيًا أن يجد أمثال راسل وآينشتين سلام الروح في الرياضيات والمنطق. إن الذات تجد سلامها في هويتها، وتقوم الرياضيات كما يقوم المنطق على مبدأ الهوية (الشيء=نفسه). إن المنطق والرياضيات وعي بالثبات بشكل مجرد إذا كانت الفيزياء وعيا به بشكل مجسّد. إن العلوم الطبيعية والمنطقية والرياضية لا تكشف هوية الطبيعة بقدر ما تخلق هوية الذات الواعية.

 

6-الفلسفة (والعلوم الاجتماعية والإنسانية التابعة):

هي المجال الوحيد الذي يحاول اختراق محدودية الزمكان الموضوعي بشكل واعٍ، وارتياد فضاء الزمكان الذاتي. وهي لهذا قصة رعب الذات الأبدية؛ لأنها دليل صيرورتها لا هويتها. لكن مشكلة هذه العلوم أنها تأثرت إلى حد لا يقاس بكل محاولات اقتناص واصطناع الهوية فيما سبق وفيما يلي. لقد حاولت الإيجاب هربًا من الفقد (اللا هوية). ولو ركزت على السلب لاستطاعت إلى حد أكبر أن تصل أبعد على سطح الزمكان الذاتي. وحتى هيجل ذاته، أول رائد حقيقي لفضاء الزمكان الذاتي، لم يخلص من الهوية، بل أكدها في مبدأ نهاية التاريخ، ونهاية الفلسفة، وشكل الدولة الليبرالي.

 

7-الموت (أو السيرة غير الذاتية):

إن تذكر من مات ونقده هو وأعماله من قبل الذوات الحية نشاط لا يقوم به الميت بطبيعة الحال لكنه سبب له. إن الموت يمنح الذات فرصة التهام الذوات الميتة أدبيًا، أي التأثر بها، واكتساب خبرتها، والإحاطة بها، وتصنيفها، وتشييئها، ثم امتصاصها وجوديًا. وهذا يحدث أيضًا بين الذوات الحية وبعضها البعض، لكنه يحدث بدرجة أكبر بكثير بعد الموت؛ لأن الموت يبلور وجود الذات الميتة، ويضع لها نقطة نهاية، من تاريخ ميلادها إلى تاريخ وفاتها، وخلال كل مواضع حياتها ومماتها، وبالتالي يجعل من الأيسر نسبيًا الاستفادة منها في عملية أيض ذاتي، أو كانيبالزم زمكاني. لا يستطيع أحد بسهولة الحديث عن نجيب محفوظ مثلاً أثناء حياته بذات سهولة ذلك بعد مماته؛ لأن الفنان يتحدد إلى أقصى حد ممكن بعد الموت. الموت هو أقرب خطوة إلى الهوية التي لا يصل إليها أحد. وهذا هو السبب في أن أغلب كليات العلوم الإنسانية لا تجيز عادة دراسة أعمال أديب أو فيلسوف أثناء حياته. إن الموت هو اكتمال مشروع. لكن هذا غير صحيح؛ لأن الذوات سرعان ما تمتص وجود الذات الميتة، وتتأثر به بدرجة أكبر مما كانت أثناء حياتها. لا أحد يموت فعليًا، لكن-الكل-يتشوه. ويبقى الزمكان الذاتي الذي تذوب الذوات الميتة في نسيجه ينمو بلا توقف، وتزداد خيوط شرنقته حول الذات تعقيدًا وإلغازًا.

 

8-الذاكرة (أو السيرة الذاتية):

إنها اختزان الزمكان الذاتي في صورة مشوهة، إنها تشوهات جديدة في الزمكان، أو هي ذوات بديلة لذات واحدة في مقبرة الذاكرة (راجع الفناء المزدوج). وبالتالي فالذاكرة رحم من الأرحام التي تتخلق فيها ذوات بديلة مشوهة في أعماق الذات الأصلية التي هي بدورها تشوه في الزمكان الذاتي. إن ذكرى ذات أخرى، وذكرى الذات عن ذاتها، كلاهما مشوهة. لكن الذات تظن دائمًا أن في الاحتفاظ بالذكرى احتفاظ بالهوية.

 

ومن كل ما سبق من تحليل محاولات خلق الهوية من منظور الزمكان الذاتي يتضح أن الذات في هذا السعي تقوم بنشاطات، هي إما محاولات للخروج من الزمكان الذاتي والزمكان الموضوعي كليهما (الإله)، وإما للخروج من الزمكان الذاتي إلى الموضوعي (العلوم الطبيعية)، وإما للوصول إلى موضوعية لكنها غير زمكانية (العلوم المنطقية والرياضية)، وإما للتكيف مع الصيرورة الزمكانية الذاتية بافتراض ثبات قيمي (القيم)، وإما محاولة لإعادة توليد زمكان ذاتي بديل مؤقت (الفن)، وإما محاولة لتأويل تشوه الزمكان الذاتي الناتج من الموت لإنتاج هوية (السيرة غير الذاتية)، وإما محاولة لقهر الزمكان الذاتي باستكشافه بشجاعة ثم تأويله هوياتيًا (الفلسفة والعلوم الاجتماعية والإنسانية)، وإما محاولة للاحتفاظ بالهوية عن طريق الاحتفاظ بفكرة عن المفقود في أثناء حركة الزمكان الذاتي (السيرة الذاتية). وكلها محاولات فاشلة.

إن الذات التي ترجو لنفسها التمكن والتزمن، وتكافح بكل وجودها نفسه في سبيل ذلك، هي أقرب إلى إله غير محدود، لكنه للأسف بلا هوية؛ لأنه كل شيء، وأي شيء؛ ولأنه يتحول باستمرار. إن الذات هي الإله الذي يرفض ألوهته في سبيل هويته. وصراع البشر وكفاحهم-من هذا المنظور-هو قتل لهذا الإله الذاتي، وصنع آلهة مفارِقة موضوعة خارج الزمان وخارج المكان، ثم عبادتها، ثم قتلها. وكما أن نفي النفي إثبات، فربما كان القتل مرتين  حياة، أو هكذا تظن الذات. وإذا كان الدين محاولة للعبور من المتناهي إلى اللا متناهي (الإله)، فإن كل الأنشطة الإنسانية محاولة عكسية، من اللا متناهي الذاتي إلى ذات بديلة متناهية، إن كل نشاط إنساني هو إلحاد، بما فيه الدين نفسه.

 

كريم الصياد

2.3.2014

Köln

Deutschland

صورة

 

 

“مَثَلُ الْلِيْلِ بِهِ مِشْكَاةٌ مُطْفَأَةٌ،

فِيهَا مِصْبَاحٌ صَدِئٌ،

بِزُجَاجَةِ نَجْمٍ مُنْطَفِئٍ، وِمُبَلَّلْ    

يَتَرَمَّدُ فِي أَقْصَىٰ الْكَوْنِ وَحِيدًا،

لا شَرْقِيًّا لا غَرْبِيّا

فَيَكَادُ الْلَيْلُ لِيُطْفِئَ بِرَخَاوَتِهِ النَّارَ،

ظَلامٌ فَوْقَ ظَلامٍ يَتَنَـزَّلْ

يَخْرِقُ سَطْحَ الأَجْوَازِ وَيُحْدِثُ ثُقْبًا كَوْنِيّا”

 

تحدثتُ في المقال السابق (الفناء المزدوج) عن المعنى المزدوج لفناء الكون: فنائه في الطبيعة، فنائه في الوعي، وعن حياة الذكريات البديلة، وكيف أن الذاكرة البشرية مقبرة وحياة أخرى للموجودات. وفي هذا المقال أتحدث عن خاصية أخرى أكثر تعقيدًا للفقد، ألا وهي خاصية “الكيّ البارد”.

والكي أسلوب متبع حتى اليوم لقتل الألم أو العلاج بأشكال بأشكال مختلفات، إنه تعريض موضع الألم ومركز الإحساس في آن لتدمير محدود يقضي على الشعور. وهي من خواص الفقد كذلك في قدرته على إزالة الألم  بالقضاء على الشعور به. وهي ظاهرة-كما سيلي وصفها وتحليلها-متناقضة مع ما يعرفه الإنسان عن الفقد. فالفقد-سيد الآلام-يُفترَض به أن يوقظها، أو يخلقها، لا أن يسكّنها، أو يقتلها. ولكن الحقيقة هي أن الفقد ضياع للألم ذاته في كثير من الأحيان؛ لأنه الضياع الأعظم. إن الثقوب السود كما يرى الفلكيون تمتص من الكون كل شيء حتى الضوء نفسه الذي به يُرى الشيء، وكذلك الفقد، إنه ينقص كل المعاني، حتى الضوء الذي تُرى فيه المعاني، أي: الألم. وهي من أوجه العلاقة المعقدة بين الفقد والألم.

يحدث الفقد حين تعبر الذات أجواز الزمكان الذي تحيا فيه بشكل استثنائي، والذي هو نسيج فيها وحولها في الوقت ذاته[1]. فالذات تتحرك في الزمان والمكان المتصلين، وهما يدخلان في تكوينها في أثناء حركتها فيهما. إن المكان يصنع الذات بخواصه المعمارية والجغرافية وسواها، والزمان يصوغها بأحداث التاريخ ووقائع الحاضر. فالذات تتكون بالمكان، وتتحرك فيه، وهي تتشكل بالزمان، وهو يمر عليها، وبالتالي فالذات تتكون بما تتحرك فيها، وباختصار: لا يمكن فصل الذات عن الزمكان إلا بكونها تتحرك فيه كبلورة ومركز يعي هذه الحركة.

وكل ذات في كل لحظات عمرها تمارس هذه الحركة الزمكانية-الذاتية. ولكن الفقد-كما قيل أعلاه-ناتج حركةٍ استثنائية، إنه نتاج مغادرة سريعة قد تكون باترة. والذات لا تغادر الزمان؛ لأنه دائم الحضور. وحتى في آلة مفترَضة لعبور الزمن يظل الزمن يمر على الذات في هذه الآلة. لكن الذات-على العكس-قد تغادر المكان. وهذه المغادرة تصنع اضطرابًا في سطح الزمكان-الذاتي. إنها حركة عنيفة تمزق الكثير من خيوط هذا النسيج، فتعرى الذات جزئيًا. والذات حساسة، وعريها لها أكبر ألم. فالعري في هذه الحالة هو وعيها بالخروج الجزئي من الزمكان-الذاتي، بل وعيها بهذا الزمكان ذاته، فكأنها كانت تمخر بحرًا كقطرة منه، ثم تحولت فجأة إلى قطرة زيت، فانفصلتْ عن المتَّصَل، وأدركتْه في آن. وهو ما يسبب لها الفزع.

إن الذات كيرقة الشرنقة في التفافها والتحافها بالزمكان. إنها لا تلبث إلا أن تعيد-في بطء شديد تراجيدي-نسج الزمكان حولها، ركنًا ركنًا، مشهدًا مشهدًا، لحظةً لحظةً، حركةً حركةً، وذلك حتى يلتئم وجودها مرةً أخرى. وهي في هذه العملية تعيد صياغة الذاكرة سطحًا لا عمقًا. إنها-كما ورد في نظرية الفناء المزدوج-تلقي في جوفها وتدفن الصور الذهنية المعقدة عن الموجودات والعلاقات وسواها من الذوات، لكنها تصنع التالي من هذه العلاقات والتصميمات الذهنية، وهو سطح لما ليس له من أثر ديناميكي زمني (درامي) هو أحرى بالتصميمات الذهنية الأعمق والأقدم، التي هي الآن كائنات مقبرة الذاكرة. إن ما هو أعمق في مقبرة الذات (الذاكرة) أكثر تأثيرًا لأنه أساس السطحي، لكن هذا صحيح إلى مدى وحين.

فتراكم الهياكل والجثث والتصاميم الوجودية المتحللة والمتآكلة قد يطغى في كثير من الأحيان على أثر ما هو أعمق منها من هياكل وجثث وتصاميم، ومن ثم يملك التأثير على ما يعلوه سطحًا.

وفي صورة أفقية-إذا كانت السابقة صورة رأسية-فإن الذات في حركتها في اتجاه ما (س) في نسيج الزمكان الذاتي تمزق خيوطه وتعرى لمسافة ما فيه، وفي هذه اللحظات تملك الخيوط المتهتكة الأثر الأعلى حيت تغيب/تحضر في التمزق الذي يكشف عن ضرورتها، وما تثيره من شعور الفقد في الذات. وهي اللحظة التي سجلها المقال السابق. لكن الذات تعيد نسج الشرنقة، فتملك الرُّقع والترميمات ما كان من أصالة سالفة للنسيج والأساسات.

ولنفترض الآن أن الذات كانت تعاني في علاقاتها بنقطة ما أخرى معاكسة في النسيج (-س)، فإن اتجاهها (س) عكس (-س)، مع إعادة نسج الشرنقة، هو خلاص تدريجي معقد، بما فيه من عمليات هدم وبناء وفك وعقد، من ألم (-س).

لكن الظاهرة التي تستدعي الانتباه فعلاً هي ذلك الألم الجديد في وعي الذات ببعدها، بسفرها في النسيج بهذا المعنى المركب، وفي تخلصها من ألم قديم. إن الذات كي تتخلص من الألم تعي أن عليها أن تقبر في ذاتها غيرها، هذا الغير الذي بافتقاده يرفع شعور الفقد إلى ذروته. ولفترة ومسافة ما في النسيج أثناء هذا السفر يظل يسري في الذات تياران من الألم: ألم قادم هو ألم فقد المؤلِمات، وألم ذاهب هو ألم تلك المؤلمات التي يجري فقدها الآن بلا رحمة. ألم يأتي تدريجيًا ثم يصل إلى الذروة ثم يهبط منحناه، وألم يذهب وله المنحنى التدريجي ذاته. ومن الطبيعي أن تتداخل الذروتان تداخلاً بناءً في لحظة ما بعينها، تكون هي لحظة ذروة الألم، لكن هذه الذروة لا تلبث إلا أن تنحل تدريجيًا كما تتناثر ببطء ذرات دقيقة مع الرياح من قمة جبل. ولكن هذا الألم الذاهب، ألم المؤلمات التي يجري فقدها، وبالتالي فقده هو نفسه، يشكل ظاهرة جديدة هامة هي: فقد الألم.

إن فقد الألم أكثر أشكال الفقد تناقضًا، وهو يزيد خطوة في تفصيل وتركيب ظاهرة الفقد، أبعد مدًى من المقال السابق. فالمقال السابق يتحدث عن ألم الفقد، وهذا المقال يتحدث عن فقد الألم، وألم الفقد، معًا.

والذات تتساءل في دهشة-وقد تحركت هذه الحركة العنيفة فرارًا من الألم-: كيف يمكن افتقاد الألم والحنين إليه؟ والحقيقة أن الذات لا تفتقد الألم، لكنها تفتقد الذوات التي سببته (في نقطة [س]) والتي الألم أثر لها، ودليل عليها، وإليها. إن الذات التي تألمت (في نقطة [س]) فارتحلت إلى الاتجاه المعاكس ارتحالاً مُمَزِّقًا للزمكان ذاته، تتألم بفعل الفقد العام، وبفعل فقد الألم نفسه. وهنا يصير الفقد فقدين: فقد الماضي، وفقد الألم الماضي الذي بسببه-كليًا أو جزئيًا-يحدث فقد هذا الماضي. إن المقال السابق إذا كان يتحدث عن الفناء المزدوج فإن هذا المقال يكشف عن الفقد المزدوج. إن الذات تتألم في حركتها المستقيمة إلى (س)، لكنها تكمل في استشهاد لا شك فيه إبحارها في ثلوج الاغتراب وبرودة المجهول، ورطوبة الظلام الرخو، لكي تتخلص من ألمها، وهذا هو الكيّ البارد. إنه عذاب لوسيفر في جحيم دانتي، الذي جعل الشيطان منغرسًا في مركز الجحيم، كرة ثلجية هائلة، ينغرس فيها جسد الشيطان إلى الأبد حتى الصدر.

إن الكي البارد عكس آية النور الواردة في أحد الكتب التي قدسها الناس {مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ ۖ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ ۖ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ ۚ نُورٌ عَلَىٰ نُورٍ ۗ} إنه انتقال من الضوء الحاد المؤلم اللاهب إلى بطانة الزمكان الباردة المبتلة السميكة القاتمة، انتقال إرادي، هو سفَر بتصميم تراجيدي عكس اتجاه النور، ومحاولة قد تكون غير إرادية لاستكناه ما وراء النور من ظلام وبرد لا يعرفه الكون، ولا يكاد يعرفه أو يصل إليه-إذا كان الإله نورًا-الله.

28.1.2014

Köln

 

 


[1] -يلي تعريف الزمكان الذاتي في مقال قادم بعنوان “شرنقة الزمكان”.

صورة
 

أسوأ لحظات الفقد ومشاعره تلك التي تلي الذكرى العميقة في عملية نسيان نازعة من الجذور. فالذكرى ماضِ واقع وحاضر متخيَّل. وهي ملتئمة لأنها بلا مستقبل، كالجُحر المتواضع الذي قد لا يمنح الراحة، وقد يبعث الألم، لكنه في الحالات جميعًا يمد بالأمان الذي لا تتسرب إليه خشية المستقبل. وحين النزعِ تتعرى الذات من أوراقها الساترة الدافئة فجأة، أو تولد ميلادًا قهريًا كطلقة الرصاص المدوّية.

كما أن الذكرى العميقة تضخ في الذات مادة الوجود، لأنها تمنح السببَ للظاهرة الحاضرة المبتورة، تمنح الجذور للجذع، والجذع للفروع، والفروع للأوراق والثمر. كما أنها تكسب هذه الذات التشابك الأفقي على مستوى البنية، لأنها تمنح العلاقة بين كل طرفين أو أكثر، وحين تتلاشى الذكرى فجأة تنهار هذه الشجرة في لحظة واحدة، فيتضاءل وجود الذات مرة أخرى بغتة، بل ينبتر سطحًا وعمقًا، كمن مادت به الأرض فسقط ثم قطعت أطرافه بضربة واحدة.

 حالة انسحاب الوجود أسوأ وأبشع من أقصى أعراض انسحاب أقوى المخدرات من الجهاز العصبي؛ لأن من يعان من أعراض انسحاب المخدر لا يفقد هويته، ولا ينزف وجوده من أوصاله وشرايينه غير المرئية المقطّعة، لكن انسحاب وجود الذات مع النسيان المفاجئ عملية انهيار وجودي وانهدام للوعي.

ومن حالات الموت الذاتي تآكل الموجودات التدريجي في الذاكرة. فالذاكرة قبر يلقي فيه الإنسان بكل ما يمر به يوميًا. لكن هذه الميتة الوجودية-كائنات الوجود الميتة-تُختزن في الذاكرة، وتتحلل، ولا تبقى منها سوى هياكل. وقد تتداخل هذه الهياكل بشكل يصعب معه فصلها وتبين ما كانت عليه، أي قد يحدث في كثير من الأحيان عجز تام عن استخراج حفريات الوجود من الذاكرة.

والحقيقة أن الذاكرة البشرية طبقات عريضة لا عدد لها من الأرض التي يندفن فيها الوجود الميت الذي لا يمكن بعثه أبدًا على حالته الأولى. وما يثبتعَث منه يكون صورة مسطّحة مع قدر لا يمكن تقديره، فضلاً عن تجنبه، من التحريف.

ولكن هذه الهياكل القابعة في الذاكرة لها حياة خاصة بعد موتها. إنها حياة أخرى تحياها الموجودات في وسط فريد بين الوجود الفيزيقي الخارجي والوعي البشري. فهذه البقايا تكتسب طاقة حياة من المشاعر الإنسانية التي ترتبط بها. وكل ذكرى وتَر يثير اهتزازه شعورًا ما.

هذه الحياة الأخرى المشوّهة، حياة الموجودات المتحللة القابعة تحت طبقات خلايا المخ، تتشابك في أغلب الأحيان مع الحياة الحقيقية الفيزيقية الحاضرة للذات البشرية. فالذات تهتدي بهذه الذاكرة لأنها خبرة التعلم أولاً، وبفعل الحنين ثانيًا،  وبالتالي تؤثر في حياة كل موجود بشري. وفي الحقيقة لا يدرك أغلب البشر هذه العملية: من اندثار الموجودات في الذاكرة، ثم تحللها، ثم تفاعلها في حياة أخرى فريدة مع الحياة الحاضرة. وبالتالي لا يدركون تآكل الهوية وتبددها وتحولها، خاصةً أن ما يُنسَى تمامًا لا سبيل أبدًا لاستعادته. لا يدرك الناس هذه الظاهرة لأنها تحدث تدريجيًا، وتحدث طول الوقت.

لكن الذات في حالتين اثنتين تعي هذه الفاجعة الرهيبة: حالة التذكر العميق المفاجئ المتلوّة بحالة النسيان المفاجئ وحالة الاغتراب المكاني والمجتمعي.

ويحدث الاغتراب المكاني والمجتمعي ببساطة بعد سفر أو سجن أو تبدل شامل في المجتمع ذاته، فإما أن تغير الذات مكانها وعلاقاتها، وإما أن يتغير المكان وتتغير العلاقات من حولها، وفي الحالتين ينحسر وجودها في الذاكرة، تلك المقبرة التي تكتسب أهمية كبرى عندئذٍ باعتبارها المخزن الأخير للهوية، هذا المخزن الذي يتبدل ويتحلل ما فيه باستمرار بفعل النسيان التدريجي. وعندما تصير للذاكرة هذه الأهمية تزداد حساسية الذات لرصد أي تغير يقع في هذه المقبرة بما لا يُقاس. ويكون كل نسيان، كل تآكل، كل صدأ، كل شرخ، كل تحلل يصيب جسم أصغر الموجودات في الذاكرة مَطْعَنًا في الشعور وفي الهوية وفي الوجود، تنداح حوله دوائر الألم والضياع والخوف.

إن الكون نفسه بالتالي مآله إلى مقبرة الذاكرة، فحين يفني سيذكر الله أنه كان هناك، كلحن يتردد صداه ويتلاشى في فراغ العدم، ويصعب تذكره أو استحضاره كما كان بالضبط من أرجاء الكون البارد المظلم.

وإذا كان هذا هو ما سيبقى بعد نهاية هذا العالم، إذا كان الفقد هو آخر مصير للمصائر، وآخر اللا أشياء التي لا تراها البصائر، فإنه سيد المعاني، ومَلِك الشعور.

وإذا كان كوننا على المستوى الفيزيقي يبرد باستمرار، إلى أن يصير ركامًا ضئيلاً يغطيه الصقيع في حجرة فارغة باردة صامتة مظلمة، فإن الكون ذاته يبرد ويتآكل ويضيع في الذاكرة البشرية. وهذا هو الفناء المزدوج للكون.

إن الفقد في أعمّ معانيه هو ضياع الكون في العقل، ولا شيء سواه.

 

كريم الصياد

Köln_4.11.2013

 

صورة

والليل واليتم والضلال والبُعد والبرْد والوحدة والرحيل والغياب والشبحية والغروب والبحث بلا هدف والتشرد وعدم الانتماء والغربة والوحشة والهبوط في الأرض وهجران الله. وما لا يأتي وما لا آتي إليه. والذهاب والموت وعدم الميلاد وعدم التحدد واللا تناهي وثورة مصر ووجوه الشهداء. وجهل الوقت، وتمني ما ضاع، وضياع ما يُتمنَّى، والضياع والتمني بلا تحقق. ومصطفى!

كل هذا نهر.

كل المشاعر نهر.

وكل النهر يسقيني.

*  *  *

صحوت من نومي متأخرًا ذات يوم، وخرجت إلى صالة بيتنا الضيقة، كنت مشوشًا وكان بصري ضعيفًا. رأيت أمي راقدة على أرضية الصالة في وضع مرتخٍ غريب، وإحدى عينيها مفتوحة جاحظة والأخرى مغمضة. ووجه شاحب أبيض كالدقيق. نظرت إلى الوجه المخيف وهُيئ لي أنه يراني. احتملت الذعر وانحنيت عليها، أفحص تنفسها أو نبضها، لا تنفُّس…. حاولت أن أكلمها كأنها حية علها تحيا. “مالك يا أمي؟.. بيكي إيه؟” لكن عينها الواحدة الجاحظة ظلت ترمقني بوحشية وتخيفني. ثم انفتح باب الشقة ودلفت أمي من الباب بحقيبة خضروات ثقيلة، صارمة حازمة، وربما مشمئزة من المخلوقة الممددة أرضًا. “صحيها خليها تنام في حتة تانية”!

لم أندهش من قسوتها، لكن روّعتني فكرة فقدان الرحم، ويد الله، والليل الأول، والمخلوق الوحيد الذي ليس سواه.

*  *  *

كل ليلة أخرج من بيتي، والناس تعود بيوتها، والبعض يغلق المحال، والعالم يطفئ شاشته ونوافذه، وانا أُخرج جهاز الكمبيوتر المحمول من حقيبتي، وأشعله، وأجلس على المقهى الوحيد المضاء.

لا يطردني النادل، لكنه يرش الماء غاسلاً المكان من اليوم.

أجفف الكرسي قبل أن أجلس، وأراجع دروسي على الشاشة، أتألم من ملل المذاكرة المستمرة المرهِقة، ومن الوحدة، ومن الخروج كل ليلة في البرد المعدني اللامع، والجلسات الطويلة، والصبر اللا نهائي؛ لأنه لم تعد هناك نهاية. وكل الليالي تذوب في كوب حبر، وتتحول إلى ليل واحد طويل، وكل الألوان تذوب في لون رمادي واحد متسخ، ليس فيه من ضوء سوى فقاقيع مشاهد من حياتي مع الأنثى الأولى في حياتي، التي أعرضها على شاشة هاتفي المحمول، أو مشاهد من حياتي الأولى (هل أنا ميت في قبر؟)

وتتحرك الصور، وتصدر أصوات، وتشع ألوان من شاشة الهاتف، مشاهد وأصوات لحياة لا أصدق أنها وُجدت فعلاً وعِيشت. كم هي عزيزة ومؤلمة!

لماذا عشت هذا الألم الرهيب وأنا لا أناهزه؟ لا عذر لهذا الألم إلا كونه غير موجود لو كان غير موجود.

هكذا أستمر، ليل واحد طويل مرهق بارد وحيد، وألوان وأصوات من حياة سابقة، مستحيلة العودة، ومستحيلة التصديق. وأنا أجمِّد كل مشاعري في قلبي الذي تحول إلى كوب ماء متجمِّد.

أفكر في الانتحار وقد صار ممكنًا. هل أنا أقتل نفسي كي لا يقتلني الحنين؟ وهكذا أستمر.

 

كريم الصياد

Köln­-30.10.2013

Umzug

Posted: 29/10/2013 in الفَقْد

umzug_goslar_01

Leben ist ein unendlicher Prozess für Umzug, in einer Entfremdungsreise, die langsam beginnt, vielleicht langweiligerweise, dann sich beeilt, schrittweise, und manchmal unerwarteterweise. Seine Geschwindigkeit steigt überraschend oder überraschend springt. Das ist der Umzug der Liebe, Freundschaften, Platz und Zeit, und des Schmerzes, der getrocknet und gekracht wurde und überraschenderweise nicht mehr tat weh, und deren Momente des Zaubers von Musik zuhören, die kalt, wie die Temperatur dieses Universums kalt wird, werden. Reisenist eine körperliche Entfremdung aber das ganze Leben ist eine lange Reise. Und vielleicht ist so, was vor und nach ihm ist. Aus einem ersten Land zu einem zweiten liegt eine erste Entfremdung und aus dem zweiten zu einem dritten gibt es eine zweite Entfremdung, und aus einem Bundesland zu anderem oder aus einer Stadt zu anderer, im selben Land, liegt eine Entfremdung in einer in anderer. Erinnerungen sind die Knochen von allen. Vergessen ist das Körper von nichts! Und ich greife, durch meine zittere Hand, die Sandkörner, Regentropfen und Brisen, und klammere an den Stimmen und Bildern der verstorbenen, beerdigten und geschmolzen in der Nichtigkeit, jeden Tag!

Karim Elsaiad

Köln-29.10.2013

صورة

-أنا لا أخاف الفقر ولا الموت ولا الفشل ولا الله. أنا أخاف فقط الأشياء حين يدفنها الوقت والفقد في الظلام، وتبقى هياكلها العظمية البيضاء في الذاكرة.

-الوطن ذكريات تسكنها، فإن غادرتَه سكنك.

-أنا طفل صغير، لا أستطيع عمل شيء وحدي، وأحتاج لشخص معي، وأبكي في الطريق. أنا لست من هذا العالم، ليس لأنني إله، ولكن لأنني لا أعرف عنوان المنزل.

-إن شتائي لا غطاء له، وبردي بلا كون ليبرد. بردي عدم مفرغ من المكان، ويمر عليه زمان بلا نهاية.

-الجمرات لا يطفئها الكحول.

-حقيقة الوجود هي الانتقال.. من بيت إلى بيت، ومن صديق إلى صديق، ومن حبيبة إلى حبيبة، ومن عزوبة إلى زواج، ومن زواج إلى وحدة، ومن مقهى إلى مقهى، ومن مسار إلى مسار، ومن خطوة إلى خطوة، ومن بلد إلى بلد، ومن إيمان إلى إلحاد، ومن إلحاد إلى شك، ومن شك إلى لا مبالاة، ومن لا مبالاة إلى دهشة، ومن دهشة إلى حزن، ومن شارع إلى شارع، ومن ناصية إلى ناصية، ومن وسيلة مواصلات إلى وسيلة مواصلات، ومن اتجاه إلى اتجاه، ثم من اتجاه إلى اتجاه، ومن لغة إلى لغة، ومن بحث إلى بحث، ومن عثور إلى عثور، ومن عُمْر إلى عُمْر، ومن شعور إلى شعور، ومن مرض إلى صحة، ومن مرض إلى مرض، ومن وجود إلى ضياع، ومن فقدِ شيء إلى فقد شيء، ومن بداية إلى بداية، ومن نهاية إلى نهاية، حيث لا يوجد خط واصل بين بداية وبين نهاية. وفي النهاية يبقى الإرهاق والسير في طريق وحيد إلى نهاية تالية غير مرئية.

-حلُمَ بيتهوفن بجدتي حين ماتت، فألّف لها مرثية. أما الناس فقد كفنوها في قماش ثم في أرض ثم في قلوب ثم في نسيان. أنا الوحيد الذي حملها من بُعد بأصبعين بعد أن جردها الموت من ثقل الحياة، ودفنتها في علبة كرتونية أصغر من الكف، وأغلقت عليها درج مكتبي بالمفتاح حتى لا أراها مصادفة. ولأنها دفينة بهذه الطريقة فإنني أحتمل موتها، ولا أبكيها، إلى الأبد.

Köln

29.10.2013