Archive for the ‘النقد الأدبي’ Category

لا شك أن “قمر على سمرقند” للمنسي قنديل عمل ممتع، يسافر بك إلى أجواز جغرافية وتاريخية من بخارى وسمرقند إلى القاهرة، من انهيار الجمهوريات السوفييتية، إلى انهيار الناصرية والقومية العربية، ومن أساطير المغول والتتر إلى أساطير الفراعنة، ومن تيمور لنك إلى أنور السادات، في حكايات داخل حكايات، تاريخية وأسطورية وخيالية، وشخوص غنية معقّدة ذات ذكريات أليمة، وآمال لم تتحقق، وحب مفقود، وفضائل وخطايا، مع قدرة عزيزة على الوصف والتفصيل، وانسياب عاطفي غامر، ولغة يسيرة، سهلٌ الولوج إليها، مرصّعة بجمل مكثّفة، مصوغة بعناية، تستطيع بكل بساطة أن تقبسها، وتكتب تحتها: قمر على سمرقند.

والمفارقة أن هذه الرواية بالذات تمتعك بقدر ما يفاجئك التأمل في بنيتها ولغتها بثغرات كبرى، يندر أن يقع فيها عمل له هذه القدرة على الإمتاع، وسلبِ الحاضر لحساب الخيال والذاكرة والتاريخ. وقد انقسمت هذه الثغرات في هذا العمل الكبير المعقّد إلى أنواع أربعة: لغوية، وأسلوبية، ودرامية، وثغرات المعالجة:

1-الثغرات اللغوية:
وهي أقلهن أهمية، بعض الأخطاء النحوية الواضحة القليلة، ولكن الخطأ الأكثر تكرارًا هو تعريف المضاف بأل (مثل: الغير كاملة)، وهو خطأ يشوب أعمال المنسي قنديل عمومًا، وبرغم أن مجمع اللغة العربية أجازها كالعادة، فهي غريبة وصادمة بالنسبة لقارئ الفصحى، وقليلة الشيوع في الكتابة بها، ويمكن بسهولة تجنبها.

هذا من حيث النحو. أما من حيث اللغة باعتبارها أداة فنية، فقد كانت اللغة مقتصَدة، لا شعرية زائدة فيها، ومناسبة لعمل سردي، بحيث تمنح تركيز المتلقي بيسر لصالح الدراما ذاتها. تمتعت اللغة بموجات صعود وهبوط في انتقال مرن ناعم، من السرد المسطّح إلى الشعرية المعتمة، بدرجات متنوعة، بحيث وصلت أحيانا-كما سبق-إلى حد الجمل المكثفة الثقيلة الموجزة. وإن كان قد أصابها بالترهل أحيانًا بعض الإطناب، مثل “صمت كأنه يزن كلماته التي سيقولها..” وهل سيزن كلماته التي لن يقولها؟!

2-الثغرات الأسلوبية:
وهي أشد خطرًا من السابقة، وأكثر عمومية في أعمال المنسي قنديل، وأهمها الحوار، فمستوى الحوار لا يتنوع باختلاف المستوى الثقافي للقائل، ولا بحالته النفسية، ولا بأسلوبه، ومثال ذلك ص 334 من (ط4 دار الشروق، 2014 ) حوار بائع الأوسمة والنياشين، وهو يتحدث عن الخلود المجمَّد في النياشين(!)، والتي تحتاج إلى فيلسوف وجودي لقولها، فضلا عن توقع فهمها، لتصدر عن بائع بسيط يبيع بضاعته لناس بسطاء. وهي ظاهرة عامة كما قلت. وهذا لا يرجع إلى استعمال الفصحى، فنجيب محفوظ مثلاً كان قادرًا على جعل الفصحى تتكلم بلسان الشخص بحسبه، وليس بحسب المؤلف. والظاهر أن لغة الحوار على ألسنة كل الشخوص هي لغة المؤلف نفسه، وهو ما يفقد الأسلوب أحد أهم إمكاناته في العمل السردي، ويجعل العمل من هذه الجهة رماديًا صامتًا مونولوجيًا، لا يكاد يكون فيه داع لوضع نقطتين رأسيتين وبدء حوار.
أما الثغرة الأسلوبية الأخرى فهي استعمال موقع الراوي العليم، ومن المعروف أنه يستعمل لحكي عدة أحداث لا يمكن لراو واحد معرفتها في آن. أما الواقع فهو أن هذه الرواية تستعمل هذا الموقع دون أية فائدة تذكر منه. كل الفصول يمكن روايتها من جهة المتكلم، خاصة وأن جلها ذكريات شخوصها.

3-الثغرات الدرامية:
وهي أخطرهن؛ فهناك حكايات وشخوص كاملة لا أهمية لها إطلاقًا في المسيرة الدرامية. شخص (نور الله) الأهم بعد الراوي، ما أهميته في الدراما؟ وهل تتأثر الدراما لو حذفنا من الرواية حوالي 150 صفحة هي قصة هذا الشخص من عمل يبلغ حوالي 560 صفحة؟! تلته حكايات أخرى تنافسه في عدم الأهمية الدرامية، مثل حكاية بيبي خاتون، وصائد الذهب، التي احتلت مساحات كبيرة، دون أن تؤثر على الدراما بسلب أو إيجاب. صحيح أنها مروية بأسلوب ممتع، وأن تفاصيلها تنقل القارئ إلى زمانها ومكانها في سفر دون حركة، إلا أنه كان بالإمكان دمجها ضمن الدراما بحيث لا تفهم الأحداث إلا بالرجوع إليها. لقد أسرفت الرواية في بناء شخصيات مثل نور الله وفايزة التهامي، دون أن تكون لها أهمية درامية حقيقية، فالأحداث تسير دونها شاءت أم أبت. ومن جهة أخرى انبهر الكاتب بقدرته على الوصف، وكثرة ما جمع وتحرى من التفاصيل والدقة، فجاءت حكاياته عن بيبي خاتون وتيمور لنك وغيرهما صالحة لوضعها في كتاب منفصل عن أساطير وتاريخ هذا البلد المعقد، دون أن يكون لها دور درامي يذكر كذلك. ثم ما السبب الأساسي في رحلة البطل غير الأسئلة التي يعرف إجاباتها بالفعل قبل سفره وهو في مصر، وهو ما يتضح في حكايته عن نفسه في الفصل الأخير؟! وهي ذات الأسئلة التي لا يعرف إجاباتها القارئ حتى النهاية، وإن كان القارئ قادرا على استنتاج هذه الإجابات -كما قد يكون المؤلف قد عوّل عليه- فإن البطل أولى بذلك. كذلك حدثت العديدات من الصدف التي أصابت العقدة بالافتعال نوعًا.

4-المعالجة:
حفلت الرواية بإمكانات غنية غير مستغلَّة للمعالجة الفلسفية والاجتماعية فضلا عن الأبعاد النفسية التي أجادت التجسد فيها. أبرزها ربما هي فكرة (غروب الإمبراطورية) وهو يتحدث بشأن الاتحاد السوفييتي أو خسائر حكومة ثورة يوليو في مصر. لم يتم التوقف عند هاتين النقطتين بما يكفي لصنع بُعد فلسفي واجتماعي كان يحتاجه العمل ليتحرر من بنية (القصّ) و(الحكاية) المسلية.

والسؤال هنا: لماذا تعتبر هذه الرواية برغم كل هذا عملاً يعتد به في تاريخ الرواية العربية؟

1-أولاً بسبب المرحلة التي ظهرت فيها، والتي سادتها النيوليبرالية في الأدب بزعامة أحمد مراد. مرحلة التسطيح، وتحول الأدب لظاهرة اقتصادية بحتة، لا تدرس في محافل النقد الأدبي، بقدر ما يجب دراستها في مجال دراسات الدعاية والإعلام والسيطرة على سلوك المستهلك وتوقع هبوط وارتفاع السوق النسبي.. إلخ. ظهرت هذه الرواية عملاً جادًا أرهق مؤلفه، مشبعا بعاطفة جارفة، وألم حقيقي، دون أن تشوبها شبهة سرقة أدبية، أو ألتراس Ultras أدبي، أو لعب على أوتار المتلقي، أو حتى النزول إلى مستواه من أجل الارتقاء به، أو رفع شعار سياسي، أو خالف تعرفْ، أو الإسراف في الجنس غير المبرر لفظًا وحدثًا لجذب شريحة معينة من القارئ، وهو ما شاب الكثير من أعمال أدباء كبار أصلاً من أمثال إحسان عبد القدوس ويوسف السباعي ويوسف زيدان (الذي قد أُردف هذا المقال بمقال آخر يفسر لماذا هو أديب كبير).

2-قدرة الكاتب على الوصف: فالكاتب يجيد هذه التقنية التي جرى التخلص منها منذ زمن طويل منهجيًا في معظم الإنتاج السردي العربي، فالقارئ الذي يتواصل مع المحيط العام عن طريق تويتر وواتس آب لا يطيق أن يقرأ وصف حجرة في مدرسة ببخارى لمساحة صفحة كاملة، مع دقة ذكر شكل الفتحات في المصابيح التي يخرج منها النور ويضيء المشهد، وشكل الشيوخ المتراصين فيها، إلخ. هذا الفن المهجور يثبت جاذبيته التي سِرها أنه يغلّف المتلقي بالتفاصيل ويستلبه بلطف لعالم آخر ناءٍ، في حالة أشبه بالحلم. لم يقم الكاتب فقط باستعمال هذا الفن، بل أجاده، إلى درجة قدرة العمل على السفر بالمتلقي وهو في مكانه كما ذكرنا.

3-الذاتية القوية والشاملة: غلبت على الوصف نفسه الذاتية، فالمصابيح الموصوفة ليست موصوفة لأجل رسم مشهد فقط على الورق، بل في الشعور كذلك، فالمصابيح كالعيون الغاضبة، والظلام يحمل عتمة الكآبة في نفس الشخوص، إلخ. وبالتالي تميزت الرواية بتوتر لا ينتهى ولا يتعب منه القارئ من المشاعر الجياشة للفقد والألم والحب والشهوة والخوف والاكتئاب والحزن والكراهية، في ما يشبه سيمفونية متناغمة في هارمونيات عديدة ديناميكية هادئة وعميقة في آن.

4-التشويق الدرامي: استطاع الكاتب أن يحتفظ بقارئه رغم تعقيد العمل، خاصة في الفصل الأخير، وذلك عن طريق الحكايات التاريخية الواقعية ذات الأهمية الكبرى (كحادث الفنية العسكرية بمصر)، أو الخيالية الجذابة، والمفاجآت، مثل ظهور نور الله في غرفة فندق البطل وهو يختلي بفتاته.

إنها رواية –كحبيبتك- تقبلها برغم عيوبها، و-ربما- بسبب هذه العيوب، التي تجعل منها إنسانًا حيًا.

كريم الصياد
Köln, Deutschland
18.10.2014

Advertisements

للأسف لا أرى الدكتور أحمد خالد موفقًا في الكتابات الدسمة الجادة إذا ما قورن الحال بما وراء الطبيعة وسواها من السلاسل. الرواية مليئة بالفقرات غير الموظفة والتي يمكن حذفها دون خسارة ولا فرق. والكثير من الكتابة الإباحية المتعمدة، مشكلتها أنها مقحمة ومبالغ فيها، بهدف مفارقة حال سلاسل المؤسسة العربية الحديثة الخاضعة للرقابة المنزلية-فيما أرى-.

الهيكل العام للعمل لا يختلف عن فيلم “حين ميسرة” مثلاً، فهو عرض لأسوأ قطعة من الواقع لهدف اجتماعي. والهدف الاجتماعي المطلوب ليس الثورة على هذه الأوضاع، بل الثورة الثانية، وكيف تتجاوز الأولى، وفيم أخطأت الثورة الأولى. من يرد اليوم أن يكون فنانًا اجتماعيًا في مصر فليبحث عن عوامل فشل أو تعثر ثورة يناير، لا أن يعود بأدواته إلى ما قبلها كأغلب العمل، اللهم عبارة واحدة عن احتمال تحول عبارة يسقط حكم العسكر إلى يسقط حكم الإخوان.الفقرات الخاصة بالوسط الثقافي المصري (ص 104-110) فيها إساءة كبيرة للوسط وتنفير لمن لا يعرفه منه، فوسْط هذه العبثية والكذب والنفاق هناك الكثير من الصدق والفن الحقيقي. الفنان الواقعي لا ينتقي من الواقع ما يثير شهوة جمهوره أو ما يوافق غرضه الأدبي، بل ينقل الواقع بأمانه قبل أن يقوم بنقده.

أتوقف في سياق نقده للوسط الأدبي والثقافي عند رؤيته للشعر الغامض أو المبهم، وكيف أنه يُكتب بهذه الصورة لمداراة ضعفه، دون إبراز أوجه الضعف نفسها ولا كيفية مداراة الغموض لهذا الضعف، وكأن كل ما هو غامض في الفن ضعيف بالضرورة!! أقترح على الجميع مطالعة بعض ما كُتب في هذا الموضوع، مثل دراسة الدكتور عبد الناصر حسن عن شعرية الغموض والإبهام، فيما يخص شعر الشاعر السبعيني الراحل محمد عفيفي مطر، الذي سخر من شعره الدكتور أحمد خالد في إحدى روايات سلسلة فانتازيا لا لشيء سوى لغموضه، وهذه الدراسة منشورة في الكتاب التذكاري الذي أصدره منذ سنوات المجلس الأعلى للثقافة (2005) بمناسبة وصول الشاعر للسبعين.

استوقفتني شخصية واحدة فعلاً في الرواية، هي الجانب الوحيد المتميز الذي أرى أن هذا العمل قد قدمه: شخصية إبراهيم المصاب بسرطان الكبد، والذي يحلم بأنه رجل أعمال فاسد مترف متزوج من حسناء، ويعيش في جنة أرضية، ثم يتساءل إذا كان ميتًا ويحلم بحياة الحارة العشوائية التي تدور فيها أحداث القصة، وهو ميت فعلاً منذ الربع الأول من الرواية. فكأن نعيمه الأخروى هو حياة أشبه بحياة أحمد عز وأغنياء الفساد.

بصفة عامة الرواية لم تتجاوز مرحلة (يوتوبيا)، هي محاولة للخروج عن المؤسسة العربية الحديثة بطابعها المميز، لكنها لم تصنع ما هو جديد ومستقل بعد.كما أن رؤية الكاتب لا استبصار فيها، باستثناء تلك التلميحة عن تحول عبارة يسقط حكم العسكر، أي أن الكاتب يجترّ الماضي، والثورة نفسها جزء من هذا الماضي، دون تسليط عين مستقبلية على القادم.وهذه هي مشكلة الجيل السابق على جيل الثورة، إنهم يعيشون زمنًا آخر! وأي أديب يجلس على مقاهي وسط البلد ويتحدث إلى الشباب الذي قاموا فعلاً بالثورة سيجد أن همومهم مختلفة، وطريقة تفكيرهم مختلفة، وإيقاعهم في التفكير أسرع، والنتائج أمامهم واضحة، والانحياز قائم في استقطاب حاد. كل هذا والجيل القديم من أساتذتنا ومفكرينا وصحافيينا وغيرهم لم يزل يتحدث عن إعطاء الفرصة للإخوان، ونقد واقع ما قبل الثورة، وما شابه!

عن اللغة والأسلوب فالكثير جدًا من التعبيرات الطريفة والمميزة معروفة لكل قراء ما وراء الطبيعة فعلاً، ومكررة بالتالي، اللغة مسطّحة أقرب فعلاً للغة سلاسل المؤسسة التي تهدف إلى السرد فحسب دون أن تكون اللغة نفسها غاية فنية ولو جزئيًا، ربما باستثناء أعمال رءوف وصفي.

الشخصيات مرسومة بشكل جيد يوافق إيقاع العمل السريع، وحجمه المختصر، فالكاتب يكتفي من النسيج بخيطين أو ثلاثة، هم ما يميز الشخصية عن سواها في صياغةأقرب إلى رسم (ماتيس) الذي كان يكتفي بخطين لتصوير رجل أو امرأة أو مقعد أو شجرة، دون الخوض في تفاصيل غير فاعلة لا امتداد لها في بقية العمل.

هناك استعمال جيد للزمن، واضح في شخصية مريض السرطان الحالم السالفة.

عنوان الرواية موفق جدًا، ويلخص الحبكة بإحكام، فالكلمة هي السنجة، والسبحة، والسيجة، والسرجة، والسرنجة، وفي كل تنويعة قصة مختلفة. وإن كان الأفضل أن يرسم العنوان بما يوحي بهذه المفردات معًا، مثلما أوحت كتابة الفتاة لها بها. لكن هذا الاقتراح يُدخل الكاتب والناشر في مشكلة تسويقية أكيدة، أنا نفسي عانيت منها في كل عناوين أعمالي الخمسة المنشورة ورقيًا(!)<br />لكن السؤال المشروع هو لماذا اختار الكاتب (السنجة) تحديدًا؟ فهي ليست أهم من السرجة مثلاً. هذه هي نقطة الضعف الوحيدة في العنوان، حيث إن الإبداع لا بد أن تدفعه شدة الاقتضاء في كل التفاصيل وخاصة العنوان، وإلا كان أقرب للعبث، والعبث له مجال فني آخر، وموجود بالفعل.

<a href=”http://www.goodreads.com/review/list/4469276″>View all my reviews</a>

حمل من هنا

معادلة الطاقة

الذاتية +الموضوعية=المشروعية

Subjectivity+Objectivity=Projectivity

في إطار الصراع البدهي والدائم بين نظريتين أو وجهتين من النظر تقول إحداهما بأن الفن للفن(مثالية ذاتية)، والأخرى بأن الفن للمجتمع(واقعية موضوعية)، يجب النظر إلى العمل الفني والشعر بخاصّة من زاوية مختلفة، وذلك من أجل وضع المشكلة وضعًا صحيحًا يجعل السؤال التالي مستقيمًا من ناحية الصياغة: هل الفن للفن أم للمجتمع؟

والواقع أن الاختيارين كليهما يشتركان في خطإ واحد يمنع كلًا منهما أن يكون بديلًا عن الآخر، والمشترك بينهما أن كلًا منهما يتحدث عن العمل الفني كما لو كان موجودًا صلبًا مصمتًا نهائيًا، والعمل الفني كالإنسان أو كالفنان الذي صنعه، ليس له وجود نهائي تامّ، وبالتالي لا يمكن الحديث عنه في إطار ضرورة قيامه بوظيفةٍ ما اجتماعية محددة، أو حتى إنكار ذلك والاقتصار به على وظيفة الإمتاع الجمالي، فالعمل الفني حالة من الشروع المستمرّ، لا يمكن الحديث عنه بهدف التأطير مهما كان الإطار المنشود شاسعًا ومهما كانت مساحة الحرية فيه مطلقة.

ومما يدل على ذلك أن العمل الفني يمكن دائمًا تأويله في العصر الواحد من قبل عدة وجهات من النظر حتى على مستوى الشخص الواحد، لدرجة أننا نجد عددًا كبيرًا من أشهر الأعمال الفنية يُعاد اكتشافها لأعظم الفنانين، فبعض أعمال بيتهوفن(+1827) المتأخرة التي ألفها بعد 1815 لم تُقدَّر نقديًا إلا في القرن العشرين باعتبارها إرهاصًا بالموسيقا المعاصرة، وأشهر هذه الأعمال الفوجه الكبيرة Groβe Fűge التي لم تقدرْ إلا بعد وفاة مؤلفها بمائة عام، ومن المعروف أن ڨان جوخ(+1890)المصور الأشهر لم يبع في حياته سوى لوحة واحدة Red Vineyard at Arles !

ولهذا نجد أن العمل الفني الواقعي قد يفقد قيمته الموضوعية وتوجهه الأيديولوجي مع نَسْخ العصر واختلاف النظرة، بحيث يتحول بالضبط إلى وجهة النظر المضادة على التمام، ويصير الهدف من تلقيه الإحساس بالجمال دون غاية وراء ذلك، وبقطع النظر عن الهدف من إبداعه، كما قد يصير العمل الفني المثالي واقعيًا مباشرًا طبقًا لحال الزمن، ونذكر في هذا المقام ما قالته هبة رءوف في ندوة بأخبار الأدب بعنوان(البحث عن الجمال الضائع): الحديث عن العولمة والسوق والهيمنة واجتياح الأنماط المعمارية المختلفة يؤدي إلي تساؤل عن: المقاومة في ظل الاجتياح؟ بمعني كيف تقاوم الشعوب بالمعمار من أجل استعادة الهوية وكيف يعبر الإنسان عن مقاومته بالمعمار، وهل هناك أشكال مقاومة معمارية ومكانية لاحظتها خلال تجوالك؟ فمما لاشك فيه أن البنيان يؤثر في الدولة،…وهنا أتساءل عن الدور النضالي الذي يجب أن يقوم به المهندسون والمعماريون.. هل هذا الدور موجود بالفعل بالإضافة إلي استهلاك الأماكن القديمة في السياحة؟ ” ( أخبارالأدب: عدد 733 بتاريخ 29 يوليو 2007)، ومن هنا يمكن للمعمار الأصيل أن يصير أقوى من الجيوش، رغم أن مبدعيه صاروا ترابًا ربما اندمج مع هذا المعمار نفسه أو المعمار المضاد.

ونلاحظ هنا أنّ أصل هذه الظاهرة أن الطرفين(المبدع-المتلقي) قد انفصلا مكانيًا وزمانيًا وثقافيًا، فالمبدع قد يُنتج عمله لهدف ليتلقاه المتلقي بشكل مغاير تمامًا،  وهو أصل حالة (المشروعية Projectivity)-نسبةً إلى المشروع- التي ذكرنا أنها تميّز طبيعة العمل الفني، وهذا الانفصال ظاهرة موضوعية لا سبيل لإنكارها، مما يعني أن قضية الفصل بين المبدأين: الفن للفن، الفن للمجتمع، قضية ساقطة لا تنبني على فهم صائب لطبيعة العمل الفني عمومًا.

ونتبيّن أن مفهوم المشروعية يجمع في قبضة واحدة كلًا من مفهومي الذاتية والموضوعية في التعامل مع العمل الفني، فهذا المفهوم يجمع بين النظرة الذاتية للفن التي تقول بنذره للفن وحده، والنظرة الموضوعية التي تؤممه ليصبح مرفقًا عامًا.

وبرغم ذلك فليس كلٌّ من المبدأين على خطإ مطلق، فإن الواحد منهما قد يعبّر تعبيرًا صادقًا عن حال الإبداع أو التلقي ولكنْ في حدود زمانية ومكانية وثقافية معينة، بمعنى أن كلًا منهما قد يصلح فقط للوصف لا المعْيَرَة، يصف ما إذا كان العمل قد تم إبداعه مثلًا بهدف بلوغ مرحلة الجمال المجرد أو تأدية وظيفة اجتماعية، لكنه لا يصلح لتوجيه الفنان والفن، يصلح للتعبير عما هو كائن، لا ما ينبغي أن يكون.

إذن لا يكون العمل الفني للفن بشكل خالص أو للمجتمع بصفة قطعية، بل الفن للحضارة، هو إعادة بناء أو اكتشاف أو إعادة اكتشاف للحدوس الحضارية الأصيلة التي تقف خلف العادات والتقاليد والطبيعة النفسية للبشر وقراءتهم حتى للنصوص المقدسة وبالتالي قيمهم العليا التي تتحكم في مسار حضارتهم في النهاية، والقول بأنه للفن فقط أو للمجتمع قول في غاية السطحية والسذاجة لا يعبر عن إدراك حقيقي لدور الفن الإنساني، ولذلك يكتسب مفهوم المشروعية بُعدًا جديدًا فهو يعبر عن حالة الشروع، كما يعبر عن خاصية من خواص العمل الفني تجعل منه مشروعًا حضاريًا كما قدمنا.

ويكتسب الشعر أهمية خاصة في هذا السياق، فالشعر هو المشروع الفني الوحيد الخاصّ بأبناء لغته، لأن العمل النثري يمكن أن يُترجم كما هو معلوم من واقع الحال دون أن يفقد أغلب خواص النص، أما الشعر فلا يمكن فهمه فهمًا جوهريًا إلا بلغته الخاصة، لأن البيت الشعري دائري البنية، يدور حول نفسه وحول لغته وصوره فتصبح أهدافًا له في حد ذاتها، وهي في الوقت نفسه صميم تجسُّدِه، أما السطر النثري فمستقيم البنية يهدف إلى إصابة هدف خارج عنه، وهذا هو السبب في ظهور البديعيات التقليدية في البيت الشعري من الطباق والتضاد والجناس ورد الأعجاز على الصدور لفظًا ومعنَى والتوشيح والتسهيم والتسميط والتسجيع وتشابه الأطراف والإرداف والتكرار والترديد وائتلاف اللفظ والمعنى والتقسيم وغيرها مع تمام المعنى بغير أي من ذلك، وغير البديع من الاهتمام بالتصوير مثلًا وبيئة اللغة وعلاقاتها التركيبية على مستوى الإبداع والتلقي في الشعر دون النثر بنسبة معتبرة.

إذًا فالشعر حدس مُشَفَّر لا يفهمه سوى من اشترك مع الشاعر في اللغة الأم حق الفهم، وهو لذلك قناة حضارية تقع في الوعي والوسائل التواصلية(الميديا)خلف وفوق القنوات النثرية والمحلية والفضائية وتؤثّر عليها جميعًا.

وليس المقصود بحدس محصور بين أبناء لغته أي نزوع قومي، بل الأمر يتسع لبلوغ هذا أو ذاك من النزعات القومية أو القطرية أو العقائدية أو الإنسانية، وذلك طبقًا لعقيدة الشاعر الكتابية.

هذا ما يحدد طبيعة ووظيفة العمل الفني والفنان بما يتوافق مع طبيعة الإبداع والتلقي وطبيعة العمل الفني، وأما قول الواقعيين أن على الفنان ألا يكون محايدًا لأنه لا شيءَ محايدًا أبدًا فقول صحيح في نصفه الثاني، لكنه متناقض بنصفيه معًا، فعلًا لا شيء محايد وهذا ينسحب على العمل الفني أيضًا أيًا كان، فالعمل مهما بدا لنا محايدًا فسوف يكتسب دورًا ويتم توظيفه مع الزمن ولو حتى بشكل لا شعوري لصالح طبقة اجتماعية أو قومية ما أو عقيدة معينة، وبالتالي فالفنان لا يستطيع ألا يكون محايدًا لأنه لا يستطيع أن يكون محايدًا، وإن معادلة الطاقة التي اكتشفها آينشتيِن مثلًا ليست محدودة باستخدام الولايات المتحدة لها لصناعة القنبلة الذرية، وإنما اكتشفها العالِم للعلم(نظير الإبداع للفن) ثم تم توظيفها، كذلك العمل الفني، وأما الشعر بخاصّة فكما أسلفنا هو معادلة الطاقة الحضارية لا التي يفجّر بها العسكر قنبلة الدمار الشامل، بل التي يطلق بها الشعراء صيحة البناء الشامل.

أشجار الصنوبر-أزمة الجماعات الأدبية

هذا الموضوع قمت بكتابته بعد الملتقى الأول للجماعات الأدبية بتاريخ 12-10-2006 الذي نظمته ورقة وقلم، وقد حاولت تقديمه في شكل ندوة في إحدى الجماعات الأدبية، غير أنني لم أكن بعد-قبل انفصالي عنها-قد أعددت الموضوع إعدادًا كاملاً، فظل لفترة-حوالي السنة تقريبًا-كامنًا في الذهن، في انتظار طرحه يومًا بشكل ما .

والنقطة التي أريد تفصيلها ها هنا هي حالة انعدام المناخ النقدي والحواري في الجماعات الأدبية، دعونا ننظم أفكارنا، كانت أزمة الملتقى هي انعكاس لأزمة الجماعات، وأزمة الجماعات أنها ليست حركات لها اتجاه وهدف بما يحقق فاعلية الملتقى من النهوض بحال الأدب والثقافة، وتختلف الجماعة عن الحركة في أن الأولى مجرد تجمع نفعي يحكمه نظام الشللية في الأعمّ دون توجه فكري أو إبداعي أو نقدي واضح، أي: دون تنظير، أما الحركة فهي تجمع نظري بالدرجة الأولى، لا يمكن الانضمام له إلا بعد الاطلاع على الفكر السائد والمعلن له، والموافقة على أساسياته،والسبب في عدم انتقال الجماعات من عنق الزجاجة (من الجماعة إلى الحركة) هو انعدام المناخ النقدي الحقيقي، ومن هنا يمكننا أن نتحدث عن أسباب انعدام ذلك المناخ فيما يلي :

  • 1. انعدام ثقة الأديب الشاب بنفسه، والشعور بالدونية أمام عماليق الأدب المحلي والعالمي .
  • 2. انحراف البنية الإدارية للجماعة مما يؤدي إلى تركيب رأسي مركزي، بدلاً من التركيب الأفقي الليبرالي (فساد البنية التحتية) .
  • 3. التعصب والاستبداد بالرأي خاصة لدى مؤسسي الجماعة، وبعضهم يريد الاستئثار بالملكية ونفي أي أهمية جوهرية لأي مساهمة من الأجيال التالية من الأعضاء (فساد البنية الفوقية) .
  • 4. المشاكل الشخصية، وهي الصغائر التي تقف للأسف بين أفراد هذه الشرائح من الأدباء الشبان- بما ملكوا من مواهب حقيقية -وبين إدراك هدفهم المقدس، وهي دون مبالغة من قبيل : فلانة أحبت فلانًا الذي تركها وأحب فلانة، فلان انفصل عن فلانة بعد ارتباط عاطفي وأدبي، فلان يغير من علان، فلان بلديات علان، … .
  • 5.الحرص على الشهرة والفوزِ بالرصيد الجماهيري والظهورِِ الإعلامي، وهو ما جعل النقد الأدبي أدخل في قضية الثقافة الجماهيرية، وابتسر المذاهب النقدية جميعًا في مبدإ الانتشار وحده، وهو ما راح أنصاف المثقفين وأنصاف الأكاديميين يؤيدونه بما سمعوا وقرأوا: مقال لتولستوي، مقال لسارتر، مقال عن الواقعية الاشتراكية ،….، الأمر الذي جعل عملية التلقي الأدبي تسير في اتجاه واحد لا ينعكس، من الكاتب إلى القارئ، لعنة أصفاد الكتّاب وأصفاد القرّاء، فصارت كل مهمة الناقد هي نقد الأديب الذي لا يكتب بأسلوب سهل مفهوم، أو يكتب ما يصطدم وعقل ومشاعر وعقيدة القارئ، وما إلى ذلك مما هو أقرب إلى دور الرقيب، فصار الأديب بدوره بائعًا جائلاً ينادي متوسلاً على بضاعته في الساقية، والمجلس الأعلى، والصحف الأدبية، ومقر الجماعة، بدلاً من إنماء حاسة القارئ الذوقية، والارتقاء بفكره ووجدانه، ففقد الأدب وظيفته أصلاً .

( لاحظوا أن من يسخّر النقد لهذا الهدف الغث من الأدباء يستطيع أن يكسب الكثير وذلك من جهتين :أولاً :أن الجمهور لابد وأن يتعاطف معه مع انتشار الجهل والأمية والبلهارسيا والتخلف العقلي والدكتاتورية الأسرية والدينية والمعرفية والسياسية، ثانيًا :أنه يضمن بذلك انتشار عمله الأدبي بعد تصفية الخصوم من الأدباء الأكثر جديّة وهو بهذا يحقق هدفه الوحيد :الشهرة والانتشار كما نرى ) .

هذا المستنقع المتشابك القذر يختبئ أسفل مصطلحات براقة مثل : الواقعية، الواقعية الاشتراكية، الماركسية، فاعلية الأديب في مجتمعه، الفن المجتمعي، …، وهي اصطلاحات لها وزنها الفكري النظري والتاريخي الثقيل، والذي لا يتحمله أولئك الحناجر أصحاب ثقافة الخطب واتحاد الطلبة والمظاهرات، فيهتفون بها بأصوات عالية وأفواه مفتوحة حتى البلعوم والمريء والمعدة والقولون، دون أن يعووا لها أي مقدمات أو نظريات أو فلسفات أو مناهج أتت بها إلى الوجود العقلي والأدبي والتاريخي، ولو كانوا يؤمنون بقضية تأميم الأدب إلى هذا الحد لقاموا أولاً بتأميم الجماعة الأدبية، وتقسيم حق ملكيتها الضمني والمعنوي بين أفرادها بما يضمن حرية الرأي وقبول أية مساهمة أدبية أو فكرية .

وأختم حديثي ببعض الوصايا أو النصائح للأديب الشاب في ضوء ما سبق :

1. اعرف نفسك، لماذا تكتب ؟ ولمن ؟ وهل أنت مؤمن حقًا برسالتك وذاتك ؟

2. أنت نبي لعصر قادم (للأغبياء فقط:نبي هنا بالمعنى المجازي طبعًا)، وعليك أن تفهم ذلك جيدًا، وأن تعدّ نفسك لذلك جيدًا، ولا تتعجل الظهور والنشر، حتى لو استغرقت سنين طويلة في تنمية مواهبك وفكرك وتحديد موقفك .

3. لا يغرنك قولهم في الحياة الدنيا، ولا شهرتهم ولا نفوذهم، فأما الزبد فيذهب جفاء، رغم أنه يطفو دائمًا على السطح .

4. لا تهمل أبدًا الجانب الفكري والنظري للعمل الأدبي، لا تخش اتهامات من قبيل (الذهنية) و(التفكير أثناء الكتابة) والتي يعتبرها البعض فضائح حقيقية، وتأكد بنفسك من تاريخ الحضارة أن مثل هذه الأعمال هو ما يبقى ويؤسس ويؤثر ويجتذب النقاد والمفكرين الجادين حقًا بطول مسار التاريخ .

5. راجع بنفسك سير الفنانين العظام وحدد مثلك الأعلى، بيتهوفن كان يعيش معظم حياته الإبداعية في بيت متواضع بريف فيينا منعزلاً، ولم يتزوج، ولم ينجب، ولم يقلد الكلاسيكيين رغم قدرته على ذلك، ولم يطاوع الذوق العام السائد، لكنه صنع بعد ذلك تاريخًا جديدًا للموسيقى، وأرسل حوارييه شرقًا وغربًا في أوروبا وروسيا (شوبرت، برامز، فاجنر، تشايكوفسكي) ليقيم أكبر مستعمرة فنية وموسيقية عرفها التاريخ، فصار_على حد تعبير الناقد بيتر جاموند_شركة مساهمة عالمية نولد جميعًا ولنا أسهم فيها .

6. اعلم أن العزلة شرط ضروري لإنضاج التجربة الإبداعية، وهو ما لاحظه ليوناردو دا فنشي من صميم تجربته الخاصة، كن_كما يقول الفيلسوف الدانماركي كيركجور_كشجرة الصنوبر، تضرب بجذورك في الأعماق، وترفع قامتك إلى العلا، ولا تلقي ظلاً على الأرض، ولا يعشش بين غصونك سوى الحمام الوحشي، وأوصِ بأن يُكتب على قبرك كما أوصى هو من قبل “هنا يرقد الفرد”.

7. خاطب الإنسان (للأذكياء فقط) .

8. لا تتسرع بمشروعات الزواج والإنجاب، واكفر بالقيم الكمية الاستهلاكية لهذا المجتمع المتخلف المتداعي .

9. للأعضاء المضطهدين في كل جماعة أدبية أو غير أدبية أقدم هذا الالتفاف : ما قيمة أن تأكل أكلاً صحيًا في السجن ؟ الأفضل أن تدخن التبغ في الهواء الطلق !


كريم الصياد

مجوسٌ جدد لأمةٍ القديمة

في ظل حالة من الفقر العقلي والإفلاس الخُلقي واليبوسة الفكرية والرطوبة الروحية، انتشرتْ في الوسط الأدبي الشابّ مجموعة من المفاهيم لا تدل على معنى بقدر ما تدل على طبيعة العقل الذي يتداولها، من حيث بنية هذا العقل، ومن حيث مدى قيامه بوظيفته من نقد واختبار تلك المفاهيم وأيّ مفاهيم قبل استعمالها بمناسبة وبغير مناسبة.

فإن الأديب الشاب الذي تربى على ثقافة انهزامية استهلاكية بطريركية، خير قيمة فيها هي التواضع والتقية والاعتذار والاعتراف والتزلّف والتسلّف والتقوْلُب والاندماج والدوران حول المراكز وحساب الأمور حساباتٍ كمّية ترد السمة إلى العدد، والاختلاف إلى المقدار، هذا الأديب لم يجد أمامه في ظروف شديدة الوطأة إلا أن يتبع آثار السلف في الأدب كما اتبعها في كل شيء لا لشيء إلا لأنهم الأسبق وإلا لأنهم ساروا من قبله وتركوا آثارهم.

هذا الأديب الذي صار لا يكتب سوى عن ثلاثة أنواع من الموضوعات: الحب، الحرب، الذات الممزقة بين هذا وذاك، فصارت قضايا الأدب قضايا أحوال شخصية أو هتافات بديلة عن مضمونها الحقيقي والفعلي، أو تسجيل لحال النفس المفككة المهزومة علها تتسوّل شيئًا بهذا التفكك والانهزام.

هذا الأديب الذي يرسم على سحنته هيئة الرومانسية البلهاء كلما جاء وذهب، أو رعشَ صوته بلهجة المتوعِّد بالحرب والغضب كلما ألقى شعرًا أو تحدث في جمع، أو ارتعد جسده ليثير شفقة المجتمعين الأكثر بلاهة منه على حاله الممزقة في عالم النسبية وميكانيكا الكوانتم وسقوط الحكايات الكبرى وانهيار النظم الشمولية!

ليس الاقتصار جريمتَه فحسب، فما هو بجدير بالحب وهو لا يجد ما يأكل، والمادية ومعوية الفكر خيرٌ من الادّعاء والتزييف والتوهُّم .

وما هو بجدير بالحرب وهو فرد ضعيف لم يجرؤ أن يقف في وجه أبيه أو معلمه أو أستاذه في الجامعة أو رجل الدين رغم أن كل هؤلاء هم أشد من أهانوه ومسحوا بكرامته الملاط والنعال.

وما هو بجدير بالتعبير عن تمزق الذات في النسبية وخلخلة الأسس وهو أشد الناس تعصّبًا وتربصًا بالمبدعين والزنادقة والمندهشين والمتساءلين والناقدين والرافضين والمتفرّدين، فلم يعرف النسبية ولم يعانِ منها ولم يعش حكاية كبيرة ليحزن لسقوطها ولم يؤمن أو يكفر بالشمولية ليبالي بها.

وهذا الأديب الذي استقرّت لديه شئون الإبداع-رغم ما في هذه العبارة من تناقض صارخ-استقرّ في رأسه العقل وركد في عروقه الدم وتعفّن في صدره القلب وضمرت فيه الروح، وصار لا يسأل عن شيء يجده على قارعة طريقه، ولا يبحث عن شيء لا يجده في يده وفي فمه، وصار البعض للبعض منهم كلماتهم في أفواه بعض كحلمات أثداء أمهاتهم، المتكلم يُرضِع الصامت، والمفوّه الخطيب الكاذب يُرضع المستمع الأحمق الساذج، والمسيخ الدجال يُرضع المؤمن المطمئن بالإيمان!

ونتيجة لكل هذا وما ترتب على طبيعة ذلك الأديب من جهة، وطبيعة الوسط الثقافي المحيط من جهة أخرى انتشرت مفاهيم شديدة الدلالة على حال الأديب العقلية:

  1. مفهوم المتلقّي العاديّ: والذي يقوم على التمييز الكمي بين طبقتين من المتلقي: طبقة متعلمة تفهم النص، وطبقة جاهلة لا تفهمه، رغم أن التلقي يختلف باختلاف الطبيعة النفسية والحالة المزاجية والتوجه العقائدي للمتلقي، ووضعه الطبقي وخبراته السابقة وجنسه ولونه وشتى العوامل التي تؤثّر في (كيفية) التلقي لا في كميته، بل هذا أثر من آثار الثقافة الاستهلاكية التي تنص على أن الزبون على حق، وان السلعة يجب أن تكون في يد الجميع، وعليها أن تكون مناسبة لذلك المستوى.
  2. مفهوم الذهنية: والذي يقوم على التمييز بين الشعور والفكر: فالنص الأدبي-خاصة الشعري-يعالج الأول لا الثاني، رغم أنه لا يوجد فارق حاسم حتى اللحظة بين الطرفين على المستوى المعرفي(الإبستمولوجي) أوعلى المستوى النفسي أو على المستوى الفيزيولوجي، وهو تمييز قديم تراثي وحديث غربي ليس له أصل سوى الأصل التاريخي والجغرافي ولا يتطوّع أحد مستخدميه المعاصرين بالبرهنة عليه وتبرير استخدامه له.
  3. مفهوم الشعر: والذي يقوم على التمييز بين الشعر والنثر على أساس الوزن الخليلي، رغم أن مفهوم الشعر يتغير مع كل شاعر قليلًا أو كثيرًا، وأنه لا أمل في اتفاق الشعراء عليه أو النقاد-وهم المنوطون بالاصطلاح على مفهوم ثابت-لأن الأساس لديهم المفترض أن يكون الاختلاف والمفارقة.
  4. مفهوم(الجمال-الخير): والذي يقوم على عدم التمييز بين قيمتي الجمال والخير، فيقدم نقدًا أو تقييمًا أخلاقيًا للعمل الأدبي يحذّر من الإباحية والعري وقلة الأدب لأن هناك بنات في الجلسة ولأن جميع الحضور لديهم أخوات صغيرات  وحريم لا يتصورون أن يطّلعن على مثل هذه الأعمال، رغم أنه لا توجد مقاييس أو تحديدات دقيقة معلنة لما يمكن أن يقال وما لا يمكن، وبهذا يتحول النقد الأدبي إلى رقابة.
  5. مفهوم(الجمال-الحق): والذي يقوم على عدم التمييز بين قيمتي الجمال والحق: فيقدم نقدًا عقائديًا دينيًا للعمل الأدبي يحذّر ويستفسر في هدوء وكياسة ونبرة رصينة خاشعة تقية عن الخروجات والانحرافات والاعوجاجات والانكسارات والانحناءات والتلولبات والتحلزنات التي شابت عقيدة الأديب وأقرّت عقيدة باطلة، رغم أن أمور العقيدة لا تنجلي بوضوح إلا لإله أو من أوتيَ من لدنه اطلاعًا على خبايا النفوس، فمن لم يجد اعتمد على مبضع لشق الصدور، وهذا نتاج ثقافة بوليسية تقعد للمبدع كل مرصد باعتباره خارجًا عن الطابور الخامس المتآمر على الإنسان باسم الله، وعلى الشعب باسم الوطن، وعلى الإبداع باسم العقيدة.

هذه المفاهيم الخمسة انتشرت بين أبناء الجيل كالبلهارسيا وتوطنتْ في أكبادهم وأمعائهم ومثاناتهم، أطلقها مَنْ أطلقها فجاءت على هواهم وجاءوا على هواها، قالها واحد لا يرى لعمله فائدة ما لم ينتشر ويحقق تصفيقًا وبيعًا، وجاءوا هم ليجدوها جاهزة للامتطاء السريع والانطلاق دون تعب ذهن أو إرهاق روح  أوحيرة نفس، فهي مقولات سهلة مناسبة لعقل الناس وجهالة الجاهلين، مباشرة لا تحتاج شرحًا، مطابقة لطبيعة العقل البوليسي الذي لا يختلف عن البوليس الحقيقي سوى أنه رتبة أدنى، وصالحة لضرب الخصوم الأعمق والأكثر تفردًا والأكثر تجديدًا وتجريبًا والأشد جرأة.

استبعد المفهوم الأول كل أديب أقل جماهيرية من الآخَر، والثاني كل أديب عميق منشغل بقضايا عامة مجرّدة إنسانية، والثالث شعراء قصيدة النثر الذين قدموا شكلًا جديدًا إلى جوار القديم، والرابع والخامس كل أديب تجاوز حدًا نسبيًا بطبعه لا مجال له في الإطلاق.

وبذا تحوّلت قضايا النقد والإبداع الأدبي إلى قضايا الانتشار والتوافق مع عقل الجمهور كمًا وكيفًا بالهبوط إلى مستواه ومحاكاة قياس حذائه، وصار جيل الأدباء الشبان المعاصرين عارًا على الأدب وعدوًا للنقد الحقيقي الذي يفرض على الناقد ضرورة مراجعة ومساءلة واختبار كل ما يجد من مفاهيم ذائعة قبل غير الذائعة، وتحول النقد في نهاية الأمر إلى شائعة.

هذا ما أدى في النهاية إلى انشطار الأدباء إلى شطرين: الأول هم السادة وهم المبدعون الحقيقيون الذين لا يخشون السؤال والمعارضة والنقد الجذري، والثاني هم العبيد الذين ساروا بلا نقد وبلا سؤال وراء كل قدم ومؤخرة، ويتميز السادة عن العبيد  في الصفات التالية:

  1. السؤال: فالسيد يتساءل عن المستقرّ والمتداوَل، في حين ينشغل العبد بالإجابة.
  2. النقد: فالسيد لا يقبل شيئًا على أنه حق ما لم يقم بنقده وتقليبه على أوجهه الشتى، والعبد يقوم بالتسليم.
  3. الابتكار: فالسيد ينهمّ بالابتكار من أجل إثبات بصمته الخاصّة وإثبات وجوده ذاته، في حين يقوم العبد بالتقليد.
  4. الرفض: فالسيد أقرب إلى الرفض لأنه أكثر شعورًا بخصوصيته وتفرّده ولأنه الأكثر جرأة وميلًا للتحدي، والعبد أقرب إلى القبول والرضا بالوضع القائم.
  5. القسوة والعنف: فالسيد يؤمن بالهدم في سبيل البناء، ويرفض الترميم والحلول النصفية الالتئامية، أما العبد فهو أميل للرقة والخنوثة والدعة والرخاوة.
  6. الكبرياء: السيد أخيرًا مترفّع عن الصدقة وعن الرياء كليهما، عن التصفيق والبيع والمديح والمجاملة، والعبد متسوّل من جمهوره ما استطاع إلى ذلك سبيلًا.

وبالمفاهيم السابقة يحاول العبد إسقاط السيد، وضمه إلى طبقته لأنه الأقوى والأسمى، وعلى السيد أن يرفض إغواءات العبيد، وأن يقاوم ضمورهم بخصوبته الروحية ، وأن يحتقر دناءتهم بكبريائه المهلِك، وأن يمزق غلالة الرقة والحب والغرام والرومانسية بالعنف والقسوة والدم والبؤس.

إن كل بدعة أصالة، وكل أصالة عبقرية.

إن الكتابة عمل إرهابي يهدف إلى التهديم من أجل التمهيد، والإنكار بديلًا عن الشك، والقتل بديلًا عن الثورة، والصخرة بديلًا عن الزهرة، والنار بديلًا عن المرأة، والجسد بديلًا عن الطبيعة، والروح بديلًا عن السماء.

نحن مجوس هذه الأمة.

لقد حل الأدب محل الدين، والفلسفة محل الإيمان، والعِلم محل النبوة، والمسوّدات محل القضاء والقدر، والكلام محل الحياة، والصمت محل الموت، والكتابة محل البعث، والقراءة محل الخلود.

كريم الصياد

3-5-2008

مـاهيـةُ الأَمْـــر

قراءة تحليلية في ديوان الأمر

للشاعر: كريم الصياد

بقلـم:

الباحثة/رشـا ماهـر

باحثة في الفلسفة المعاصرة-قسم الفلسفة-آداب القاهرة

كلـمة

لإيماني عميق الغور بأن القضية قضية الجميع، وأن المسئولية مسئولية الجميع. ولعشقي أن أكون لاعبًا حاذقًا قادرًا وليس متفرجًا عاجزًا – كما علمني أستاذي “حسن حنفي”-  كان “ماهية الأمر” محاولة للمشاركة في إنتاج النص.

10 / 8 / 2007م

“فجر”

المحتويات

1. تمهيـد

2. بعد الحِـوَاء

1. سفر التكوين

2. سفر الخروج

3. سفر أخبار الأيام “الأولى والثانية”

4. الحِــوَاء

3. الطبيعـة

1. الألـوان

2. الخلق “الخالق”

3. الطفل

4. المكان والزمان

4. ما وراء الطبيعة “القيامة”

5. إضاءات

6. البداية


1-تمهيد

حين تشعر بالملل من التكرار والدوام لأفعال وأحداث الحياة… حين تظن أن العالم انتهى، والحركة أضحت توقفًا، والجزء اضمحل وتلاشى في الكل، والفروع لم تختلف عن الأصول في شيء يذكر. حين … وحين…

قد يأتي برق خاطف، أو رعد قاصف، أو زلزال/بركان خاسف، أو صوت نداء مغاير… وتأتي النصيحة بقراءة هذا الديوان الذي جعل قراءتي كالتالي:

أولًا: بعد الحِوَاء “تحليل ذاتي” كأساس للبناء. ثانيًا: الطبيعة بكل ما فيها من تشابكات وألوان “كوسط للبناء”. ثالثًا: ما بعد الطبيعة “كنهاية للبناء”. رابعًا: اضاءات، كتعقيب. خامسًا: البداية، كخاتمة أو نهاية مطاف قراءتي وبداية ابداع جديد.

2-بعـد الحِــوَاء

1. سفر التكوين

حينما ينزعج الإنسان من كثرة الفساد الصاخب، من كثرة النقصان ينشد الكمال والقداسة، يرغب في كنف يحتويه ويطمئن إليه، كنف لا يكون له غيره، شغله الشاغل هو. ولهذا جاءت الأم العذراء.. فهي الأم (الدفء، الحنان، الاهتمام،…) وهي العذراء (البَتول، المقدسة،…). فهي لا تتحد لتكتمل، وليست كسائر البشر، الذين يمتطون الأرض، أو تحدهم الحدود([1]).

كل ما تعشقه أو يشغلها هو “حبات النور” –الله أو القبس الإلهي أو القبس الأدنى من القبس الإلهي (الابن)- وتخشى الضد؛ فهي رغم قداستها أو رغم قوتها لا تجمع في “العشق” بين الأضداد.

تخشى الظلماء والظل المقرور، تخشى السكون الليلي المليء بالخبايا والطلاسم، تخشى الوحدة والبرودة المكانية الأرضية، وتتجه صوبًا وعشقًا نحو “حبات النور”.

وتشدو دائمًا الأصل والأصالة، لا تقترب نحو المزيف أو المزخرف؛ لأنه يخبيء المكنون والحقائق، فهى ترنو الوضوح، ترنو دائمًا “الرؤية”. ولهذا تحب الموسيقى الأصيلة التي تحمل مزايا الصلادة والرقة، التي أهم مزية من مزاياها “التعبير التلقائي”([2]). أم لا تؤمن أو تبصر إلاي، وهل ترى الأم سوى أبنائها؟؟!

ويظل إلى الأبد في الرحم؛ لكونها عذراء وكونه مجرد فكرة، والفكرة لا تولد إلا بالكلمة، والكلمة لا تتكون إلا بالأمر..!

يتحدث كثيرًا ولكن حينما يتحدث إليها يتحدث “بصراحة” أنه لا يفهم حركة الفَلَك – أي المدار الذي يسبح فيه الجرم السماوي- وبمنتهى الصراحة يرفض الدوران الحتمي؛ لأنه يريد التغيير، وبالتمرد على السائد يجعل كل الموانى معًا، بل يجعل كل الساعات، الدقائق، اللحظات متصلة على الدوام –وهذا ما نادى به برجسون حينما عرف الزمان بأنه التدفق الشعوري اللامنقطع- فالاتصال ليس له مستقر يقبع فيه؛ لأنه متدفق ومتغير على الدوام([3]).

ثم يتم الانتقال إلى الحديث عن إشكالية الكفر والإيمان، التي قدرت علينا ونزلت من السماء بلغوها وصمتها. تلك المعركة التي لابد من انتصار أحد أطرافها في النهاية؛ لأنها معركة وهم دائمًا طرفي نقيض “كفر وإيمان”.

ويوضح بالدليل الداخلي –كرد على الأمر الخارجي، أي خارج الذات أو الأرض بصفته أمر مقدر- اتهامه بالكفر من بنفسجة القلب المفطورة (الأم، الأم العذراء، الحبيبة.. كما سيتضح في الصفحات القادمة)، ومطالبتها باعدامه والدليل صوت بكاء، دليل اتهامها له مجرد صوت بكاء، مجرد ضعف إنساني –إن كان البكاء ضعفًا- يحدث في لحظات الشجن الصريح. ولأنها ما زالت لا تعرفه، تظنه شخصًا آخر في كل مكالمة، هذا بالاضافة للتسليم منذ البداية بأنها مجرد “مزاعم”([4]).

يتعجب ويناديها ليوضح لها أنه أضحى دهْرِيًا(*)، وما زال نقيًا لم يتعلم أفعال الحياة المليئة بالشقاء والانفتاح، لم يتعلم الأفعال الثابتة الحادثة – أي الموجودة بالفعل- فهو من عالم مختلف ودائمًا في هذا العالم ([5]).

ثم يأتي في تراتب منطقي ليتحدث عن ذاته التي وضحت له حينما تأمل البشر، فتأكد أنه ليس منهم، وليس من غيرهم، ليس حيًا أو ميتًا، ومن ثم حطمت كل الزوايا والتأويلات –الداخلية- حطمت كل المرايا المختلفة عن ذاته، فلم تبق سواها به.. بداره([6]). وقد يكون في هذا الحديث الذاتي الرائع، إحالة إلى الفلسفة الوجودية، والتفرقة الوجودية الدائمة بين الشخص: أي الإنسان في المجتمع وتفاعلاته وانتماءاته واحتكاكاته المستمرة بالآخر، والذات: الأنا الداخلية الدفينة، المنفردة والفريدة([7]).

ومن هنا، من كونه لم ولن يكون، ما جدوى التحديد؟! من أبعاد وأسماء، فنحن حينما نحدد ونتحدد، نستطيع أن نتعامل؛ لأن أدواتنا محدودة لكوننا تَكوَّنا. لكنه يتخلق، ويتجدد، ويتحرك من خلال الفن… فن “التحاور”([8]).

سفر التكوين –إذن- يحدثنا عن عدم تكوينه، وعن الصراع الأبدي بين الداخل والخارج، عن القلق الوجودي، وعن “أمنية” الاحتفاظ بـ وفي الزمن المغاير لزماننا الأرضي الزائل([9]).

2. سفر الخروج

بعدما تم التكوين في الرحم –كحالة طبيعية- لابد من الخروج للعالم الأرضي، لكن كيف ذلك وهو عالمه؟!!

الحقيقة أنه لابد من التعامل والتحاور، وهذا لن يتم إلا إذا خرجنا من حالة الحفظ – ولو بشكل صوري- فالتعليب الدائم للأشياء، يفسدها مع مرور الزمن([10]).

يأتي الخروج بالنبوءة، والتجديد، والمنح، وإثارة الصخب والرعب في النفوس العادية… فالخروج الذي يحدث –إن حدث- ليس كأي خروج.

يأتي الخروج فيغلق الناس عيونهم عن كل عوامل الانتباه، وتقطع الصلة بكل الأشياء، والأفعال، والأحداث (الحاضر والمستقبل) وتغلو في المحو والنسيان (كماض) و…  كل هذا دون “صاحب الخروج”؛ لأن هذا شأن “المبدع” بالفتح والكسر معًا ([11]).

وحين تحدث البلبلة بين الناس ويتساءلون بكل أدوات الاستفهام من هذا؟؟ وما هذا؟؟ وكيف هذا؟؟  و… و..

حين يحاولون الفهم والامساك به وتنميطه أو تحديد ملامحه. يتم الخلاص بالفرار من جديد، بالفرار كالوليد، دون توقف أو اضمحلال ([12]).

ولوضوح هذه البلبلة للكاتب –سواء في ذهنه أو في الواقع- يجيب بحكمة وخفة ظل بأن دوام الحال من المحال، وأن كل شيء يقبل التأويل، فلا تنتظر –أيها الإنسان- إجابة محددة أو ثابتة على الدوام، ولا تتسأل عن الكنه أو الأصل، وخاصة الأول “الخالق”؛ فلن تعرفه أبدًا ([13]).

حدث الخروج والتكون الفيزيقي، ولكنه من الفتات فحسب، ولذا قد يكون تكونًا معرفيًا آخريًا، تكونًا من الضئيل الذي تناثر لنا.

وبرغم تضاؤل المتناثر إلا أنه أثار الرعب وفرق الحشود، بل وجعلهم يرجمونه ويستقر هذا الرجم في الوريد، في المسلك الرئيسي الذي يجمع الحياة من الجسد، ويصبها في “الفؤاد”، الذي بدوره ينقي هذه الحياة من الشوائب ([14]).

ولم يحدث شيء سوى مزيدًا من التحمل، والاستمرار المصر على التغيير لم يحدث سوى اهتزازًا لصورة مغايرة تمامًا للأصل، وهي التي تلاشت حينما رجمت بالأحجار مرتين، مرة من الجمهور، والأخرى من صاحبها ذاته حينما تأنى فوجدها مجرد صورة، وصورة فقط ([15]).

أما هم فكانت فترة حياتهم الوجيزة تمر من بين أيديهم دون وعي وحينما ارتأت أشكالهم في الماء –ذلك العاكس النقي- كانت دميمة. وكان الغيوم، غيوم النهاية يغطي، بل يلتهم السماء… فكان العقاب السماوي يملأ العيون، من قطرات المطر المسوَّد، فزادهم عماءً في عماء([16]).

ورغم ذلك لم يتركهم بل وقف في شط عمائهم، وخطى في بحر بكائه وبكائهم وأشار للخلاص، فكان الرد ببرق يخترق كل قلب، برق ينمي الخوف المخزون الدفين، وبرعد يشتد صوته دفاعًا وإخبارًا بنبأ أخير. وحينما انتبهوا ونظروا إليه – بعد إشارته الأخيرة- ذهب عنهم دون ضوضاء واختفى، ذهب دون مشاركتهم النظر لأنه يعي ذلك جيدًا، بل لأنه الضوء أو جزء منه… سار عنهم متجمدًا، يلتمس الدفء في ردائه، وردائه فحسب([17]).

الإيضاح بأن الكل يتأول لم يكفِ. التسليم بأن الرجم للصورة وللصورة فحسب لم يكفِ. التأكيد على عدم الخلود بين الناسخ والمنسوخ لم يكفِ. فهل مشهد العقاب والرد السماوي الرادع يغني؟!!!.  ومع المضي عنهم مازال يسمعهم، صوت السخرية، وصوت المغاير… يزداد شيئًا فشيئًا يتوغل. رباه، رغم كل ذلك مازالت هناك سخرية!!

ويأتي رد فعله ببكاء لتوغل الإيلام، يطفو على سطح صمته.. وبعد تنقيته بفعل البكاء يرى عيونهم قد حرمت من كل ضوء داخلي وخارجي، بصيرة وبصر، فينتقل لفعل القهقهة في مختلف حالاته وأفعاله، بل ويسخر منهم لكنها سخرية حانية معطاءة -إلى حدٍ ما- حيث يعطيهم عينيه اللتين قد عميا من الفساد المستشري في عيونهم، عطاءً مباشرًا قاذفًا نحو العيون، دون حديث أو تردد أو خفاء([18]).

وتوغل خفاياهم، وأضحى مدادهم الذي يحتويهم، فشعروا وأدركوا أهميته، أرادوا بقاءه معهم.. امتنع، توسلوا إليه.. امتنع، فهددوه بالفناء.. إما أن يبقى معهم أو يفنى!!!   لكنه بدهائه قد اختفى، واندثر تمامًا عنهم، بل وزادهم إيهامًا بخيوط بيت العنكبوت([19]).

وهم محابر لأنه “الحبر” الذي يملأ الفراغ، أو الروح التي تملأ الجسد، أو المخيخ الذي يتحكم في سائر الأعضاء.  وهم “محابر” لأنه “القلم” الذي به يسطرون، الذي به يتفرغون ويُعرَّفون… فهو المادة المكونة ووسيلة خروجها معًا.

ورغم الإمعان في الإيذاء، والإمعان في تجاوز هذا الإيذاء، لا زال يهتم بأمورهم، ويطرق كل البيوت.. مازال يعشق الحياة ويزداد فضولاً وشغبًا، يزداد اهتمامًا وانهمامًا ومشاركة، ويمارس الحرية([20]).

3. سفر أخبار الأيام  “الأولى والثانية”

تم التداخل والانخراط في العالم، تم الإيلام وتجاوزات هذا الإيلام. وأثناء الارتطام والاحتدام والنزوع، قد تفقد أشياء وتكتسب أشياء أخرى… فجاءت الأخبار لتعلمنا ما حدث ويستمر على التوالي حيث الالتباس والغموض والتخفي، وبالتزيين والصباغ، حتى يكون القبيح جميلًا والنقص ملفتًا براقًا زاهيًا لافتًا للأنظار والألباب ([21]).

ولا يرى هذا الزيف إلا من خلال النقاء، ذلك الذي تصيبه حمى الحيرة، فلا يستطيع أن ينطق بالإشارة نحو الباسم الخادع، فيفر خوفًا وأرقًا وتشتتًا..!!([22]).

يتشبث الخوف ويزداد في التوغل والاستشراء خاصة حينما يشعر “النقاء” أنه “وحده”؛ فالعالم يتلون ويزيد الحُلكة حلاكًا وجفاءًا ويزداد اضمحلالًا وفسادًا، والنقاء يزداد نصوعًا([23]).

أين المفر إذن؟! هل العودة لحالة التعليب؟!  أم الانصياع للإختلاف الجلي والتعامل وفق ذلك؟؟ وكيف يصير التعامل؟! وهل سيظل “النقاء” كما هو؟! أم سيظل “الكدار” كما هو؟!

أعتقد أن الأمر سيكون “بالتناوب” أي نوبة/نوبة، مرة هذا وأخرى ذاك، انفتاح/ انغلاق، انغلاق/ انفتاح على الدوام. أما التأثير المغيّر ستظل جذوته في طي الحرمان؛ حتى يلعب كل منا دوره في إنسجام([24]).

فالأمر يحتاج دائمًا “لإصرار مرن” وقرار ثاقب، لتجارب وتراكم خبرات؛ حتى تنتقي الوسيلة المثلى لتوصيل الرسالة “النبوءة”، ويتم هدف الخالق في التطوير([25]).

والأمر هنا محاولة لإعادة بث الثقة في علاقة “الترابط” الرحيم، المقدس، الخالق بين “السماء” و “الأرض” ولهذا جاء الحِوَاء كالتالي:

4. الحِـوَاء

أ. الأمام “الواجهة”: أول ما يلفت الانتباه “جنين” كامل الأعضاء في حالة سكون يتقوقع قابعًا في قلب “القمر”، ويتغذى بضوئه من خلال الحبل السري. جنين يضم ساقيه نحو معدته وصدره، ويتكأ رأسه عليهما بجوار ذراعيه متجهًا نحو الشرق المضيء ضوءًا خافتًا. أما ظهره فجهة الغرب المضيء ضوءًا واضحًا. لكن هذا الضوء الغربي الواضح هل يأتي من الخارج أم يخرج من الداخل “ظهره”؟؟!.

أعتقد أنه من كليهما حيث تجد ضوءًا مكثفًا جهة الظهر ينسحب شيئًا فشيئًا نحو الداخل، نحو سائر الأعضاء… وتجده أيضًا ينسحب شيئًا فشيئًا نحو الخارج، فاعلا هالة من النور. ونجم وضاء في الشمال الغربي، يبعد بمسافة ضئيلة عن مدار الضوء الغربي.. هذا في الجزء الأعلى من الصفحة.

ثم سحاب، بل ضَبَاب ومن ثم الواجهة تعد السماء حيث يملأها الضَّباب من جنوب الجنين المقمر.. يملأ الأفق حتى يكاد أن يلمس الماء –الجزء الأدنى من الصفحة- ونجم أخر شرق الضباب ينعكس على سَفح الماء مع اسم الديوان وكاتبه –وهما في المنتصف تمامًا أي في قلب الضََباب- لكن ما يظهر لنا أكثر من مرة على غضون الماء “اسم الشاعر”([26]).

أما اللون فأزرق قان، يتدرج في تنوع وضاء. فجهة “الجنين المقمر” كان اللون أزرق سماويًا قانيًا من جهة اليسار –على الرغم من وجود تدرج ضوئي داخل/ خارج الجنين المقمر- وأزرق فاتحًا من جهة اليمين، وهذا خلف القمر. أما لون الجنين المقمر فأزرق ضبابي كلون الضباب ذاته الذي يليه جهة الجنوب، ثم يتدرج الضوء نحو الظلام للأسفل فيضحى لون “الماء” أزرق قانيًا شفافًا يعكس النجم الجنوبي الشرقي بلونه الأبيض الوضاء، وبجواره اسم الشاعر-كما سبق ذكره- بلونه القاني يتكرر أكثر من مرة.

ب. الوراء “الخلفية”: نفس رسم وتقسيم ولون الواجهة، لكن الجنين المقمر لم يضح ملسًا، وكأنه تم تشويهه بحيث يصعب تحديد تفاصيله وملامحه –بمقارنة الواجهة- يكاد يكون كتلة واحدة. كذلك “الضباب” صار محرشفًا مجعدًا “كقمره”.

أما الماء فإن كان يعكس ويعبر عن الحركة الموجية الهادئة في الواجهة، فإنه هنا يحتفظ بالخاصية الأولى فحسب، فيعكس الجزء المنقوش من قصيدة “الأمر” –وهذا اختلاف آخر عن الواجهة- والضباب المحرشف، وفي وسط امتداد الضباب تقريبًا تجعد مخالف لأصل الصورة، يوحي بسكنات مقسمة!!. الخلفية –إذن- تعبر عن “الأرض” بطينها وجرانيتها وصخورها الرسوبية، وتعميرها بالبشر وسكناتهم.

الواجهة “السماء” والخلفية “الأرض”. يتوحدان في اللون وتدرجه، والجنين المقمر، والضباب، والنجمين، والماء الرقراق، واسم الديوان وصاحبه –ففي الخلفية المقطع الأول من قصيدة الأمر “اسم الديوان” وكذلك يعبر بصدق عن”صاحبه”-  والمألوف لنا -علميًا ومنطقيًا- أن السماء وحدها تحتوي على السحب والأقمار، في حين أن الماء العنصر الوحيد المشترك بينهما فمن السماء الأمطار، وفي الأرض الأنهار والأبحار. لكن حين إمعان النظر في كون الجنين المقمر أو القمر الجنين يعبر في البداية عن السماء وكونه جزءًا منها، ثم في النهاية عن الأرض وكونه جزءًا منها أيضًا… وذلك باختلاف ملمسه، وتغير الضباب تبعًا لتغير القمر، يتضح أن الأمر إشارة “للذات الشاعرة” بدورها ووجدانها وفعاليتها ووجودها بين السماء والأرض، وأن هذا “الضباب” قد يكون رؤية الذات لذاتها أو الآخر للذات الشاعرة.

الحِوَاءُ إذن يحوي العالم المخلوق بتفاصيل حياته ووجوده… ورؤية “ذات” لهذا العالم، تحاول أن تفصح عن دورها في هذا النظام المخلوق الخلاق… ذات ليست من الآلهة أو البشر؛ لأنها ليست خالقة ولم تُخلق بعد.

*******

3-الطبيـعــة

حينما يولد الجنين فإن أول ما يشعر به هو الضوء(*) -هذا بخلاف الانتزاع من القرار المكين الذي يصدر خفقات معينة، ينسجم معها الجنين ولهذا يصرخ حين فراقه ولا يهدأ إلا بالاقتراب من مصدر الصوت مرة أخرى “بضمة صدر”- يحمل في ثناياه أطياف لسبعة ألوان يتخلق بها الكون في الأمر. فجاء التعبير عنها بهذا الرونق:

1. الألـوان

أ. الأبيض: يحوي الكون ويلونه في نصوع وشفافية ويكسبه “الوضوح”، ويسمح للخيال بإكساب أركانه وزاوياه بعلبة ألوان متنوعة([27]). أبيض حيادي صريح يكون العالم بما فيه من حركة وسكون، حياة وموت، وكأنه لون الحقائق. وينسدل من السماء في سكون وتدرج تبعًا لقوة إدراك “المتلقي” فيتناوله ويحوله إلى اللون.

ب. الأسود: يأتي شديد القتامة لكي يوضح لنا عمق الأسرار وقوة الأقدار، فترتسم الكلمات والكيانات بوضوح فوق الوضوح الناصع، وكجزء منه([28]).

تتعقد الأشكال من كثرة التدقيق والإيضاحات، فتظلم الصورة!! ويكون الحل بمحاولة العودة للأصل –لتضح الرؤى شيئًا فشيئًا تبعًا لمستويات الإدراك- فيتم التقليل من الايضاحات المتشابكة، لكن في كل تراجع يحدث صراع بين الإحجام والإقدام، يحدث فقدان لبعض الأجزاء وتناثر لظلال أجزاء …. يحدث جرح فنزف ففناء!!

ج. الأحمر: يعبر عن الأنين والاحتراق والافتراق. لون ساخن يزيد الموقف غليانًا، والانسحاب أو المحو يزيده صخبًا وقسوة([29]).  انسحاب ورحيل “جماعي” للمراجعة والحساب، موت مؤقت للأفكار وبعض القناعات. انسحاب مدمي لهم وله ذلك “الممهد” للطريق، المخبئ سوأته وجراحه “بمفرده” بين غصون أشجار خضراء ليست لها مواسم في عالمنا([30]).  رحيل “أحمر” مخبأ في أشجار “خضراء” فيتكون الموت بلونه:

د. الأصفر: شحوب واندثار، عويل وتردي وفراغ… انذار بالعَدَم. لكن يبقى التوالد والتخارج أساس الوجود، سر أسرار الحياة والملكوت([31]).

إرادة عليا في نفس مخبأة تجعل لون الدقة والنماء يتساءل متعجبًا عن ضرورة استمراره في دوره حتى النهاية([32]). تعيد الحياة كرتها وتبدأ من جديد باللون:

هـ. الأزرق: يسود السماء والبحار والأنهار –من المعروف علميًا أن الشمس تعكس لون السماء على الماء الرقراق الذي لا لون له، في حين أن البحر الأحمر لونه كذلك لامتلائه بشعب مَرجانية ذات لون أحمر داكن- يحد الحياة من خلال سمائه، ويحييها بمائه. وعجبًا إذًا تلون الجسد المتخرج بهذا اللون تحول لجمود بارد، ولا يشعل فتيل الحياة بداخله ويحرك أعضاءه سوى رشفات من دماء حمراء([33]) أو نكهات من “عواطف” دفينة نعبر عنها بالاشتعال أو الالتهاب فنقول: عواطف ملتهبة أو مشتعلة… والالتهاب لونه “أحمر”!!. وكلما زادت الكئوس –العواطف- باختلافها في تفردها ودرجة سخونتها زاد الجسد اشتعالًا وحياة… يسعد الجسد ويزداد هوجًا فيطلب المزيد والمزيد. ثم تأتى النفس وتفكر في كنه الحياة، وهل السعادة الحقة في هذا التنوع الساخن… فيتردى حال الجسد([34]).  يتردى حال الجسد؛ لاكتشاف الفؤاد أن السعادة الحقة في العاطفة الصادقة، رغم فقدانها واندثار زمانها. ومن ثم يزداد الأنين والاختناق، فيرنو النسيم العليل ([35]). يذهب اللون الأحمر للأزرق شاكيًا باكيًا فينصت له ويتفهمه، تحدث لحظة انسجام واندماج بينهما فيتخلق اللون:

و. البنفسجي:

الحل إذن في الارتكان إلى .. والتوصية باللجوء للهدوء والسكينة والاحساس الرقيق الحزين الرصين…. اللجوء إلى “دفء الحنان”([36]).

لون الطبيعة الحزين يرمز له –عادة- بزهرة ذات أريج عطر “زهرة البَنَفْسَج”. لكنها زهرة من أزهار الطبيعة، لون من ألوانها العديدة…. فما هدف الوصية؟؟!

فعلى الرغم من كونه قد يكون مؤنسًا مُريحًا، لكنه ليس شافيًا للجراح… مُسكنًا ليس إلا!!([37]).

لا مفر –إذن- من الانخراط والتعامل مع شتى الألوان؛ لأنها تكون الطبيعة… العالم… الحياة. كل منها جزء يؤدي إلى الكل.. ويظل لون الألم والشقاء نديمًا لكل صاحب رسالة([38]).

*******

2. الخلق “الخالق”

خرج الجنين وتحددت معه الطبيعة بألوانها.. خرج الجنين وأدرك عالمه المحيط ورسالته به ودوره فيه… خرج الجنين وذاق طعم الألوان فكان لزامًا عليه أن تذوق طعمه؛ كضريبة احتكاك. ألوان تأبى غيرها، تأبى غير السائد المألوف.. ومن ثم كانت معرفته بهم تتمثل في: القسوة، الجحود، الفزع، الروح الباردة، الهروب،….. ([39]).

وأجراس الضمير تنبهه دومًا بدوره ورسالته، رغم إعيائه ويأسه منهم، فيعمل على كشف المستور والدنو من الحقيقة “لوحده” بصحبة الدموع المطهرات([40]).

ولفرط المعاناة من الجفاء والقسوة، وتوغل الوحدة فإن حدث وجاء جرس خارجي يحاول دخول عالمه فإنه يرتعد وينتابه الذعر المميت([41]).

ويظل الجنين القمري في تجدده واستمراره، والإنسان فى ظلمه وعنته وقسوته، أقسى من الشيطان ذاته([42]).

3. الطفـل

بداخل كل منا طفل دفين يعشق الحلم واللهو والنقاوة ينبهر بالجمال والجلال في صوت الشجن والحبور، في رسم الطبيعة المنثور، في كشف الغامض المغمور وفك طلاسم المسطور.

طفل ينظر للأكبر منه ( في الطول والحجم) برفعة ورهبة، فيحاول الوصول إليه والتحاور معه لمعرفته –وذلك بعد مداعبة “الكبير” له الذي تجذبه روح البراءة فكرة الطفولة المستمرة أبدًا- والطفل هنا له دور مركزي في رسم الطبيعة بجرأة وحنو، وفي التدفق والتجدد والنشاط المستمر، وفي التعامل مع البيئة المحيطة به والتمرد عليها، واللجوء للأرض أو الأم دومًا وحين الألم([43]).

ولأن لكل منا أحلامه المختلفات، فإننا نتميز ونتمايز عن بعضنا البعض لكننا نشترك في إدراكنا أنها أحلام قد تتحقق أو لا تتحقق… في حين أن طفل “القمر” أدرك دوره من أحلامه وقبض على حقيقتها، فأصر تحقيقها… ومن ثم عجزوا عن الفَهم وأعجز هو الفعل وأضحى “الطفل المعجزة”.

وحينما يحاول “المشاركة” كسائر الأطفال وكجزء من حياته الطبيعية، فإنهم يخشونه، ويُدرك ذلك في إصرار مؤلم([44]).

أدرك قوته فشحذ إرادته للإستمرار وخوض المعارك، وآمن بحفظه من الأشرار والأخطار من قبل قوى “عليا”، قوة تخرج عن العالم الطبيعي المخلوق والمنظم تبعًا لها… تبعًا “للخالـق”([45]).

كل هذا يحدث في عالمنا الطبيعي يحدث في نطاق الزمان والمكان.

4. المكان/ الزمان

يتضافر المكان والزمان في الرؤية التعبيرية فيكونان وحدة تتضح في ثنائيات: (المفتوح/المغلق)، (المتسع/الضيق)، (العالي/ المنخفض)، (قبل/بعد)، (النهار/الليل)، (الحاضر/الماضي)، (اليوم/الغد)، …..

يخرجان في انسجام مخلق بين الداخل والخارج، الذات والواقع الخارجي، الحلم وتحقيقه.. توحد تفاعلي يُشكل العالم بكائناته ومكنوناته، فيبرز فحواه ومرماه([46]).

ومشكلتنا مع الزمان أن “الذهن” يأبى دائمًا الضلال في تياره فيعمل على تجسيم كل ما يتصل به حتى يفهم ويدخل حركته ويستمر في ديمومته الأرضية. ومن ثم كان الترابط المتجانس هنا بين الزمان والمكان للتعبير عن أحدهما بالآخر، فلا يصنفان ماديًا بنحو قاطع([47]).

ودائمًا يأتيان في تجاوب وعودة مباشرة للحساسية الداخلية وأخرى غير مباشرة للحساسية الخارجية؛ فالداخل أساس التحليق والتخليق، الذات الشاعرة مركز للوجود([48]).  لكن ترى هل سيظل الصخب والاحتدام والاحتقان الإنساني الطبيعي مستمرًا في عالم الماوراء؟؟ هل سيكون لنا دور جديد وحياة مختلفة؟! أم ستكون حياتنا مرتبطة بماضينا ودورنا السابق/ الأول/…..؟؟؟.  تساؤلات ستظل أبدًا تتردد في الأجواء كالأصداء طالما مكثنا بين السماء والأرض.. فكيف فسرها وشعر بها الجنين القمري؟؟.

*******

4-ما وراء الطبيـعــة

من المتعارف عليه في تراثنا الديني ما يسمى بأهوال يوم القيامة: من قيظ عتيد، وتقلب للأراضين، وانبعاج المحيطين، وذهول البشر المنفردين،… وقبل هذا اليوم علامات صغرى وأخرى كبرى.. إلخ. وتتمثل القيامة هنا في ستة أيام بِسِتة مشاهد شعورية (أيام القيامة) ثم اليوم السابع كمشهد أخير بعد الحساب (ما بعد المحرقة). ولأن الوصول للإكتمال بدوره يؤدي إلى النهاية، كان من الطبيعي تشوه وجه الطبيعة بعد تمام وجه ودور القمر المنير([49]).

انقشع النور وذبل الكون واضمحل لونه الزاهي الرقراق، وأضحى منفلجًا جافًا تقشعر له الأنفس والأبدان([50]). وجاءت الرياح لتذرو الهشيم المتناثر، رياح عاصفة تبيد العالم وتنشر الألم الدامي([51]). وازداد الارتشاق والتشقق، ازداد الحطام والصراخ الملهب، وأضحى الكون صدوعًا في صدوع فسادَ الجنون([52]).

غابت شمس الحياة وساد الظلام المميت، وكان هذا عقابًا كافيًا لمن لم يعرفوا الحياة، فتم الخوض في سرد ما بعد الحساب (ما بعد المحرقة) وكانت المفاجأة! فقد مكثنا في الأرض ولم نصعد للسماء، وجاءت المشاهد القاصة خارج الذات وداخلها، والهجرة (الوحدة) والسكون الراقص للكون، وطفو أجسام عفنة من باطن الأرض، واغتمام نفس لأحوال أنفس ساكنة كائنة.

جاءت أحوالنا في الأرض كخروجات لمشاهد مسرح الحياة الهازلة، خمس مشاهد خارجية للعالم المحيط، ومشهد داخلى للعالم الغائر الغريق.

خروج أول للذات الراوية من بين ثنايات الرسومات والأحرف، تخلق مستمر كالغدير في عالم اللغة والتأويل([53]). خروج ثان لذرات التراب المكونة للأرض/العالم والتي نغادرها ونعود إليها دائمًا([54]). خروج ثالث للماء عنصر رئيسي للحياة على الأرض/العالم. ورابع للرواسي المثبتة للعالم كالأوتاد الغائرة في جوف الأراضين([55]). وخامس للحدود المحددات للعالم المعيش حدود ثنائية خالقة (محددة) للوجود كالسماء والأرض وبينهما “البشر”، والفك العلوي والسفلي وبينهما “اللسان”، والجفن العلوي والسفلي وبينهما “حدقة العين”، والأب والأم ومنهما “الوليد”. تحديد/ خلق/ حماية/… مفردات مترادفات لفحوى الوجود([56]).

والغريب في الخروجات الأربعة الأخيرة المكونة للعالم فيما بعد المحرقة، أن الراوي موجود وصاحب دور في كل خروج.. ترى هل لكونه راويًا أم لأنه مكلف برسالة؟؟([57]). ومشهد سادس –أخير- داخلي، مقسم لستة أجزاء، وكأنه مشهد مفسر لأسئلتنا ودهشتنا كقراء/ بشر/ مرسل إليهم… مشهد جامع لكل المشاهد الخارجية والمشهد الداخلي ذاته.. ومن ثم كادت الرحلة التعبيرية أن تنتهي للإفصاح عن…!!.

1-لا أحدْ
داخلي

وائدًا ما اتقدْ

أنا والفراغ بداخلها، وجروحي،
على منزَل الزمن المائلِ
نتحدْ

الفراغ بتجويفها يحتشدْ
فأذوب بهِ
أشتهي
أن أرى طرَفًا في امتداد الفضا الكاملِ
لا أجدْ
لا أجدْ

فرأيت كأني وقفت لكي أتجسدْ
أتجمدْ
واقفًا للأبدْ
والجسدْ
يتخددْ
إذ هويت أخيرًا ترمد عمريَ فيما ترمدْ
والشموس على بدني اجتمعت، قذفتْ كل ضوءْ
ونظرت بداخل جسمي المحطم في لحظةٍ
لحظةٍ…. تبددْ.

أي شيءْ.! 2-سرت في عمريَ الموغلِ 3-قشرةٌ قد أحاطت بروحي، 4-الفراغُ 5-في المنام أرى كل بدءْ 6-لم أجد أي شيءْ

ومن ثم كان لابد من البحث عن البشر/ الطيور، بل إحدى هذه الطيور كي تكون معاونًا/ أنيسًا، لكن هل يمكن إيجاد ذلك؟؟ هل ستستطيع الصمود والمشاركة، أم ستهجر مثل بقية الطيور؟؟([58]).

وواأسفاه، حين توأد الفكرة بتجسيدها، فتضمحل الرغبة في تحريرها، وتظل حبيسة منشئها، كحل وحيد للشعور بها وأنسها..!!([59]). وبعد أن ماجت الأرض وخلت من الفساد، تبدأ الدورة الحياتية من جديد، ويدفن فيها البشر من جديد، ويبعثون فتطفو أجسادهم من باطنها من جديد.. ويظل لكل منا دوره، سواء كنا نحن أم تغيرنا، فالأدوار كما هي في لعبة الحياة، في حين أن الأجساد تتغير وقد يكون تمايزها في إكمال الدور وعجلته، وتستمر الحيرة الملغزة منذ أبد الدهر([60]).

الأمر –إذن- إعادة لبث الثقة في أدوارنا وأهميتها في العالم الكائن، بل وقداسة هذه الأدوار… الأمر إذن محاولة لجعلنا نعيد التفكير في كيفية البحث والمعرفة، بحث في حياتنا ومعرفة دورنا كي نحياه ونكمله كما ينبغي أن يكون. لحظات حاسمة لابد من المرور بها، حتى لو اكتشفنا فى النهاية أننا “غرباء([61]).

*******

5-إضـــاءات

بدأ ديوان الأمر بممهدات (مقدمات) للعالم وتكوينه من خلال التقسيم الضوئي/ الزمني، بدأ من الفجر ثم الضحى فالظهر (النهار)، فالغروب، فالظلام، فالحلاك ثم العودة من جديد فجر… ضحى… إلخ. خلق، تواجد، إدراك التواجد، إكتمال، تقهقر، اندثار ثم العودة من جديد.

ثم الحديث عن طبيعة العالم وكيفية المخلوقات الكائنة فيه، والاحتكاكات والانقسامات والصراعات و… كطبيعة للحياة في هذا العالم، ثم محاولة معرفة ما بعد هذا العالم كاستمرار لتحليل أجزاء العالم المحيط، فالعودة مرة أخرى للبحث في طبيعة الجنس البشري ومحاولة استخراج هذه الطبيعة في نصوص ذاتية محددة ثم…!!.

جاء النص الابداعي كبناء متكامل الأركان من بداية (المقدمات)، ووسط (لا آلهة ولا بشر، أيام القيامة، ما بعد المحرقة، حفريات الجنس البشري)، ونهاية (نفخ الغبار عن منكري الاعصار)، وفهرس شامل للبناء والهدف منه (دائرة الخلق). دورة قمرية كاملة تنتهي لتبدأ من جديد. ومن ثم كان التركيز هنا –في إضاءات- على:

  1. الفحوى:

حينما تلوح للإنسان/الشاعر فكرة خلق أو معرفة عالمه فإنما يمكث في محرابه ويشحذ قلمه بقطرات وجدانه.. لكنه يمكث “لوحده”.

  1. 1. الوحدة

جاءت تيمة “الوحدة” بديوان الأمر كبداية ونهاية للخلق والحياة والعالم أجمع.. جاءت باللفظة ذاتها أو بالتعبير عنها طيلة قصائد الديوان من “المقدمات”: “كان الظلام يدق فوق زجاج نافذتي/ ويعلم أن أمي لم تعد حتى المساء من العمل/ فجلست في ركن وحيدٍ في انتظاري/ واعتصاري/ معدتي/ تلك التي اعتادت لأمعائي مذاقًا لو أجوع/ إني أجوعْ”. وحدة تكونت كحقيقة من الظلام والجفاء، وتعتصره إيلامًا فيطلب الغذاء والارتواء كمحاولة للتجدد وابتعاث الحياة من خلال منبعها “الأم”.

ووحدة في قصيدة “الأمر”: “وحدي الكون حولي يكون.. ويكون وأنا أتفتح في الظلمات كمثل العيون” تأتي حينما تبرق ذات في ثنايا شظايا معطيات الحياة المتناثرة. ثم في السفر الناقص “قصيد الأجراس”: “وحدي أنقب في الخفاء عن الظهور/ وفي الظهور عن الغياب.. فقط الدموع بلا انتحاب، فقط الدموع تعيد للعين التي نظرت إلى غدها.. التماعات الثقة”. تظهر الوحدة في إعادة تركيب تلك الشظايا لتكوين عالم فني متماسك.

وأخيرًا في قصيدة “دائرة الخلق”: “سيعود ظلامٌ/ وأعودْ /وحدي/ سأعود وحيدًا في جسدي، ويعود الفجر بعيدْ”. حينما ترتد النفس لكنفها من شدة حرقة صحراء العالم الجدباء، لتحاول أن تخلق العالم من جديد بوفرة الماء ليكفي تلك الصحراء.!! وكأننا نسمع صوت صلاح عبد الصبور حينما كان يناجي نفسه في ديوان شجر الليل “قصيدة تأملات ليلية” قائلاً: “أبحرت وحدي في عيون الناس والأفكار والمدن/  وتهت وحدي في صحارى الوجد والظنون…. سريت وحدي في شوارع لغاتها، سماتها عماءٌ/ أسمع أصداء خطاي/ ترن في النوافذ العمياء/ وطرت بين الشمس والسحابة/ ونمت وحدي في أحضان ربة الكتابة”([62]).

فكلاهما يستخدم نفس الدوال (عيون/ دموع/ أبحرت/ أنقب/ عماء/ ظلام/ نوافذ عمياء/ ظلام فوق نافذتي…) تعبر عن حقيقة مؤرقة “الوحدة”. وقد ترثي تلك الذات لذاتها في لحظة فتبحث عن:

  1. 2. الذات الغائبة

فشعورها بفقدان شيء ما في لحظات الاحتقان، قد يكون ذاتها أو ذات أخرى تلجأ إليه لدنوها منها (صديق/ صديقة/ حبيب/ حبيبة/ زوجة/ أب/ أم….). شعور يجعلنا نسمع في قصيدة السفر الناقص “علبة التلوين”: في انكسار الضيا فوق مائدتي/ في انكساري لكي أخفيا/ نبرة للحياء بصوتي/ أفتش عنك بكل كرستالة/ وأوخر ساعتيا/ وأؤجل موتي/ أحس الرحيل/ وأسمع صافرة للذهاب/ وأذهب كل مكان بلا ذكريات الإياب/ فأقبض فوق الخيوط/ وفوق الخطوط/ وفوق الصحاف/ لكي أفضيا/علني لو أقول على الصفحات أراك بصمتي/ علني لو أراك..”. وفي حفريات الجنس البشري:” اخبرني بأنه رآه.. وغاب/ مشيت خلفه أقبل الظلال/ أقبل التراب../ وأغسل الشفاه/ وأغسل الطين العصي بالسحاب”.

وقد يكون البحث عن “الحقيقة” حقيقة الوجود والوجود الإنساني. أو الحقيقة الكلية المطلقة واستحالة النفاذ إليها في عالمنا كما في التجربة الصوفية. ومن ثم يغلب على الديوان تيمة:

  1. 3. الجدال التناقضي

بحيث نجد دوال من طراز ” السماء/ الأرض- الليل/ النهار- الظلام/ النور- الداخل/الخارج- الوعي/اللاوعي- الخير/الشر- الحياة/ الموت….إلخ”. وسيلقى الضوء هنا نحو دلالة الظلام والنور في قصائد الديوان نظرًا لتغلغلها البيّن به. فقد جاء في المقدمات- كما تم توضيحه أعلاه- البداية بالفجر والنهاية بالظلام، وفي سفر التكوين: عشق النور وخشية الظلام (تعشق حبات النور/ تخشى الظلماء)، وفي سفر الخروج: نوال نور المعرفة (عيناي قوت/ وستأكل النار المضيئة منها في كل بيت/ في الليل فوق الشمعدان)، وفي سفر التثنية: “يؤلمنا أحياء/ خروجنا إلى عوالم العمى –”الجهل”- والضوء –”المعرفة”-/ هبوطنا/ وبؤسنا أمام رهبة اللاشيء –”الفراغ”-/ وسلطة الأشياء -“الامتلاء”- وأحجيات/ تفرقات/ وتثنيات في رقعة البياض والسواد/ في مدى سماء دون ألوان/ وألوان بلا سماء) الألغاز والطلاسم “رقعة الشطرنج” لعبة الحياة من المواراة والإقدام والإحجام والانتظار المترقب وحراسة الـ….!!. وفي سفر أخبار الأيام الأولى: ظلمة الجفاء ونور اللقاء (الشمس تشعل مقلتي/ تغلي بحيرات الشموع/ في ظلمتي/ كي تنطفي/ كل العناصر في الدموع/ وحبيبتي تأبى إلى الرحم الذي كنا نكون بليله تأبى الرجوع). وفي السفر الناقص: ظلمة الاتباع ونور التميز والابداع ولهذا جاء “النور” بين قوسين (“نور” فتاةٌ ألتقيها في المساء/ “نور” أتت من بين صفحاتي/ ارتقت/ فيما ارتقي/ وتغلغلت من بين طيات الغطاء…) وكذلك (كان النهار يلوح في أفق الليالي كالسراب/ كنت السراب..). وفي سفر الانعكاس: نور المجيء والعطاء “آتي بهدوء/ أتفتح في ضوء الشمس كما النور وأطوَي/ في الطقس البارد حين يسوء/ فانتظروني… انتظروا قلبي الطفلَ الرخوا/ انتظروه لو أحمله بيدي، ألمسه…. فيضيءْ!). ثم في قصيدة أيام القيامة: انسحاب النور وانطفائه وانتشار الظلام (كل نور/ يتسرب من بين فلجات سطح المشاهد حين تفلج/ وانسحبت إلى المشهد المنطفي في السكون المثير/ لحظةً …).

وهذا لكي تعود الدورة من جديد، بحيث تكون في قصيدة حفريات الجنس البشري بهذا الشكل (وفي الصبح انتهى لقرار/ سيخرج مرةً في العام/ ويفتح قلبه للنار/ من البيت العميق القر للشارع/ لتنهل عينه من ضوئه الساطع/ بلا طرفه..). هذا بالإضافة إلى تقسيم الديوان ذاته من الداخل في نهاية كل قصيدة إلى: “فجر- ضحي /غروب-ليل / ليل عميق / ظهر / ليل “7مرات”/ ليل- فجر “مرتين”/ ثـم نهار”.

كل هذا يصلنا بلب ثنائية الظلمة والنور في تلك الرؤية الابداعية الثاقبة والذي يتضح في ما يمكن أن نطلق عليه “أسطورة الإنسانية” و “الإنسان المغترب في تحديد مصيره، وإحساسه بالقلق والتوتر إزاء واقعه الذي لا يملك فيه سوى العيش في الأوهام والأحلام متشرفًا آفاق المستقبل المجهول”([63]).

والذي يكاد أن يكون قد اتضح هنا ومن ثم انتهى الديوان بـ”النهار”. ولهذا يكون أمل الاستمرار والتحقق الجديد في تيمة:

  1. 4. التأويل

تلك التيمة التي تنبض بجسد الديوان، فتصيبنا برعشة الحيرة والاندهاش، وتأتي الإجابة بصوت الجسد “كل يتأول/ لا تضرب أسباعًا في أثمان/ لا تستفت الإنسان/ لا تسأل عن ماهية ما هو أول… بين الناسخ والمنسوخ لا تحسب نفسك خالد/ سنظل طوال العمر نكابد…” سفر الخروج. وكذلك “قد ولدت كثيرًا قبيل المجيء… أرتديني وأصرخ… أرتديني قليلًا لكي أتفسخ” تجسدات نصفية.

وإلى هنا تبقى تيمة أخيرة في الصندوق السحري الحاوي لعوالم عدة –العالم الطبيعي واللاطبيعي، المعرفي، والوجداني، واللغوي، والصوفي،….- ألا وهي:

  1. 5. المرأة

تلك “الباندور” في العالم اليوناني وبالتحديد في الأدب لدى الشاعر “هزيود” تقريبًا في “الأعمال والأيام” أو “أنساب الألهة”… باندورا التي جلبت معها الشرور والشقاء لهذا العالم، أو “إرما لادوس” في سينما العالم الغربي، أو “الغانية” في واقع الحياة العملية الشرقية –كخارج- و “أمينة” المطيعة المستكينة –كداخل-

ومن ثم نجد الدلالات الغالبة في الدواوين المنتشرة بين أيدينا عن المفاتن والمفاصل والمداخل والمخارج و…  بنحو مفرط فيه فيجعلك تشعر بـ”الغثيان”!!.

وتأتي هنا بنغمة –إلى حدٍ ما- يشوبها “القداسة” بحيث تأتي في الاستهلال “الأم العذراء” وما لدلالة السيدة العذراء في نفوسنا من قداسة، وغرابة خروج الوليد من العذراء ذلك الخروج الذي يتفتح في الظلمات –بقصيدة الأمر- وكأنها إحالة لقوله تعالى في سورة الزمر/6: ﴿… يخلقكم في بطون أمهاتكم خلقًا من بعد خلق في ظلمات ثلاث ذالكم الله ربكم..﴾ ظلمة الرحم، وظلمة المشيمة، وظلمة البطن. وقد تتضح الرؤية التعبيرية المرجوة هنا عند رؤية رمزية المسيح لدى “السياب” حينما قال: “من يحمل عبء الصليب/ في ذلك الليل الطويل الرهيب؟/ من الذي يبكي ومن يستجيب/ للجائع العاري؟/ من ينزل المصلوب عن لوحه؟/ من يطرد العقبان عن جرحه؟/ من يرفع الظلماء عن صحبه؟/ ويبدل الأشواك بالغار؟/ أواه يا جيكور لو تسمعين/ أواه يا جيكور لو توجدين/ لو تنجبين الروح، لو تجهضين/ كي يبصر الساري/ نجمًا يضيء الليل للتائهين”([64]).

فالسياب هنا هو النجم الذي يحقق آمال التائهين والحيارى في عالم المدينة المليء بالظلم والأشواك والجوع، ويبحث عن فردوسه المفقود النابع من منبعه “جيكور العراقية” رمز النقاء والبساطة. والصياد هنا هو القمر الذي يحقق فردوسه في العالم أجمع، ويحمل مسئولية هذا العالم.

وهي “الحبيبة” القريبة/البعيدة التي تبعد وتأسى وتأبى العودة، وحين اللقاء تدمع حنينًا وتعود في لحظةٍ للمسامرة والمشاجرة([65]). والتي قد تقابل بتجاهل وشرود رغم دموعها المدميات، فالقلب قد رق وضعف، والنبع نهل منه واغترف. وحينما يعود للإضاءة والحنين يحدث الانشقاق والصدوع ثم السقوط كوجبة لقطعان قطط لاهثة([66]).

وهي “الفكرة الخالدة” أو الأمل المفقود، والتي ترتقي فيما يرتقي صاحبها.. وتظل نورًا ساطعًا وأملا نابضًا وطفلة مليئة بالحياة والوداعة وعونًا في الوصول للسماء([67]).

لكن تبقى فكرة المرأة “المقدسة” كجوهر في كيان الديوان برمته، فيبدأ بالأم العذراء التي لا تمشي فوق الأرض ولا تحت سماء، وينتصف –تقريبًا- بالأم العذراء التي تمشي فوق الماء، ثم ينتهي بالأم الراهبة التي تتحرى التوبة المضيئة والغفران([68]).

2-التعبير الرمزي

يتطرق الصياد بمفردات رمزية منتقاة للتعبير عن رؤياه، وهو أمر يتسق مع التواجد المستمر من خلال تيمة “التأويل”، وإذا حاولنا أن نمارس هذه التيمة الآن سنجد على سبيل المثال لا الحصر أن:

1. الغضون:

تعرف لغويًا بأنها كل تثن وتكسر في ثوب أو درع أو جلد، وفي غضون الكلم: في ثناياه وطياته. وحينما تأتي في الديوان بقصيدة حفريات الجنس البشري المقطع السابع تحت عنوان “مرايا” تكون مفردة هادفة ومعبرة عن التأويل، بل فعل التأويل.. وهذا ما يتضح في ثنايا المقطع وخاصة الجزء الأخير: “من أكون؟ الغضون إجابه/ وكتابه/ في رحيلي لمن كان بعدي يكون..!”.

2. العين:

هي النافذة المطلة على العالمين معًا الخارجي والداخلي، العالم الأكبر “عالم الطبيعة” والعالم الأصغر “عالم الذات الإنسانية”. وكثيرًا ما يقال عنها أنها تعبر عن روح الإنسان الدفينة، فهي تفيض بما يحويه الجسد، وتعبر عن المعرفة الحكيمة “البصيرة”.

وهى هنا وسيلة للمعرفة الحرة، وأداة للتطهر من الفساد المستشري النافذ([69]). وقد تكون هي العضو المعبر عن الجوهر المميز لكل إنسان، فمن خلاله سيتم التعرف على الآخر دون التباس، ولهذا نجدها –هنا- باقية بعد فناء ودفن سائر الأعضاء، كعضو معرف ومجمع لسائر الأعضاء بعد ذلك([70]).

3. تصوفات:

يغدق الديوان بألفاظ ورموز تحيلنا للعالم الصوفي الرحب بالمعاني والروحانيات، فمن خلال أمر الخلق بين الفكرة والماصدق تتجلى مفردات كالشمس والقمر والبحر والمحابر والقلم والماء والعلو للسماء والنور وتدرج الألوان والسراج الراقب الحافظ…. إلخ. فالأمر يبدأ بفكرة ما، ثم خيال لتكوين هذه الفكرة “رسم ذهني”، ثم وجود واقعي لهذه الفكرة.

ومن ثم عبر الصوفية عن هذا الفعل –فعل الخلق- بثلاث عوالم تتدرج من النور الأصلي –ويرمز له عادة بالشمس التي تمد العالم بضيائها طوال اليوم وبصحبة القمر المنير من خلالها- فعالم الملكوت هو العالم العقلي، وعالم الجبروت هو عالم الخيال، وعالم الحس والشهادة هو الوجود الواقعي.

ويكون البحر رمزًا للتطهر والمعرفة الربانية، فحينما يأتي قوله تعالى: ﴿ قل لو كان البحر مدادًا لكلمات ربي لنفد البحر قبل أن تنفد كلمات ربي ولو جئنا بمثله مددًا﴾ يكون البحر معبرًا عن الديمومة والتجدد، والكلمات عن الخلق…. فيأتي في السفر الناقص “أوحى إليّ البحر وحيًا مالحًا/ أوصيك خيرًا بالبنفسج كلما عاد البنفسج للسما وتفتحا!!…./ لكنني عبثًا أحاول فهم هاتيك الوصية، والبحار الثائرة/ لأشد مقتًا عندها أن تمزحا…” وفي دائرة الخلق: “وأسير بشط الخلد/ وأذهب في موج البحر لأغسل كل شقوقي/ وعروقي/ ومعالم وجهي/ وأعود جديدًا/ لا تعرفني أمي/ لا يعرفني أمواتي!.”.

وقد تعود رحابة هذا العالم لكونه يقوم على التجربة الشعورية والتأويل، ولهذا فهو يتجدد باستمرار وتتجدد معه رؤانا للأشياء والأحداث والوجود.

*******

6-البـدايـة

حاول صاحب ديوان الأمر في كتابة ابداعية ذات عمق دفين، ومعرفة مستندة إلى خبرة جمالية.. أن يعيد بناء الكون، العالم، البشر،…. جمع الشتات المتناثرات في أرجاء الكون، جمع الأحياء والأموات وقام ببناء فني متسق ومتماسك.

فجاء الأمر مقسمًا لسبعة مقاطع رئيسية، ولهذا الرقم دلالته في تخلق العالم –الشعري والواقعي على السواء- ومقاطع فرعية تطول وتقصر تبعًا لكيفية اللبنة المكونة للقصيدة في أيام البناء!!. وعناوين تصف فعل الخلق الشعوري –فمثلًا جاء التعبير عن أيام القيامة بالقشعريرة والعاصفة والتشقق والجنون والغياب و.. ولم يكن الساهرة ﴿فإذا هم بالساهرة﴾ أرض المحشر يوم القيامة أو غيرها مما هو في نبعنا الديني- وتدرج هذا الخلق ودور الخلائق واضطراب أنفس لأحوال أخرى إلى الحد الذي يجعلها باخعة نفسها على آثارهم.

وجاءت الخيوط/ الألفاظ المكونة للَبِنَات النسيج الهندسي بمزيج من مفردات فصحى جَزُلَة وأخرى عامية جالية فتكون: “الظل المقرور، ظلام داهم، البكاء عصارة ممقوتة، قلبي منبلج ومختلج، الغضون، هزيع الحزين، تكوير قطرات الندى…… وكذلك خشونة رق، كورنيش الكون، مكياجك… إلخ” وإن غلبت الأولى الثانية.

وقد تخلل الايقاع الموسيقي الكيان القصائدي عبر فضاء الديوان، بحيث يقيم تكرار حرف ما توازنًا بين عناصر القصيد كالجيم مثلا في “قلبي إليهم منبلج/ قلبي عليهم مختلج/ مجرح، مجرح!” و “شاه وجه الطبيعة بعد المحاق وتبعج/ درج اللون حين تدرج/ يتسرب من بين فلجات سطح المشاهد حين تفلج..” وهكذا تتوالى الحروف وتتعاقب فتعطي التمازج اللحني أو الهارموني بين أصوات متزامنة، يكاد يتم التعبير عنها كلحن أساسي “سيمفوني السكون”([71]).

ومن ثم جاءت قراءتي كتحليل/ تفكيك لوحدات القصيد؛ للفهم ومعرفة الأجزاء والتفاصيل ثم الكليات، فتم التعبير واللجوء لفقرات القصائد في هامش القراءة بتدوينها من خلال الترقيم للصفحات فحسب لإيضاح مدى التجانس البنائي الدائري النبضي بحيث إذا امتزقت إحدى الصفحات انقطع التيار، ثم في إضاءات تم ذكر عناوين القصائد للتعبير عن كيفية وخصوصية كل قصيدة.

جاءت هذه القراءة كمادة أولية/ أرضية/ ذاتية خالصة بحيث قد يليها قراءات تفصيلية مغايرة –صوفية، ولغوية، وسيكولوجية،….إلخ- مفعمة بمقارنات مع مدارس مختلفات لعمالقة الشعر العربي كالسياب وصلاح عبد الصبور وأمل دنقل ومحمود درويش وأدونيس وعفيفي مطر وغيرهم؛ لإيضاح التأثير والتأثر والتجاوز، فنخرج من إبداع لميلاد إبداع جديد على الدوام.

وكانت الفكرة العامة والمحورية للديوان التفكير في فعل الخلق بالأمر: ﴿أن يقول له كن فيكون﴾ ومن ثم كان اسم الديوان “الأمر”، فنتسائل عن “مَلاك الأمر” أي مضمونه وعنصره الأساسي لـ”مَليك الخلق” أي رَبُّهم ومالكهم. والفكرة الفرعية –التي تكاد تغلب على الفكرة العامة بكثرة التعبير عنها بأكثر من شكل ولحن فتضحى الفكرة الجوهرية- دور الإنسان في هذا العالم المخلوق، والكلمات المرحلية المسترسلات في أدوار التطوير، ومعاناتها المستمرة وكأن لسان حالها يقول:

“ألا ليتنـي كنت شجرة لا تزهر ولا تثمر، فألم الخصب أمر من ألم العقم، وأوجاع ميسور لا يؤخذ منه لأشد هولًا من قنوط فقير لا يرزق…

ليتنـي كنت بئرًا جافة والناس ترمي بي الحجارة.. فذلك أهون من أن أكون ينبوع ماء حيًا والظامئون يجتازونني ولا يستقون…

ليتنـي كنت قصبة مرضوضة تدوسها الأقدام.. فذلك خير من أن أكون قيثارة فضية الأوتار، في منزل ربه مبتور الأصابع وأهله طرشان..!!”  جبران خليل جبران.

2/11/2007

“مساء”


(1). كريم الصياد: ديوان الأمر، صـ12: ” أمي العذراء / لا تمشي فوق الأرض / أو تحت سماء”. الطبعة الأولى،      دار اكتب للنشر والتوزيع، 2007، القاهرة.

(2). المصدر السابق، صـ12: “تخشى الظلماء والظل المقرور/ وتحب الموسيقى الريفية/ بخشونة رق/ وأنوثة ناي”.

(3). المصدر السابق نفسه، صـ13: “إني أكفر بالدوران/ وأكفر من يسألني عن كم الساعة دون حياء –كان لابد أن يسأل عن الكيف– وعن الآن – لأن لفظة الآن تؤكد الانقطاع– إن الساعات لدي ليس لها ميناء”.

(4). المصدر السابق نفسه، صـ14: “إذ تسمعني في كل مكالمة شخصًا آخر/ تسألني إن كنت أنا حقًا / أم أخطأت الليلة في ضرب الأرقام”.

(*). أي قديم مسن، المعجم الوجيز، مجمع اللغة العربية، طبعة وزارة التربية والتعليم، 1999.

(5). كريم الصياد: مصدر سابق،  صـ14: “فمتى أهبط من ليل الأرحام/ ومتى أهبط من جنة آدم”.

(6). المصدر السابق نفسه، صـ15: “حطمت جميع مراياي/ لم يبق بداري إلاي/ قد صار شخوصي عن ذاتي .. غرباء”.

(7). لمزيد من الايضاح انظر: نيقولاس برديائيف: العزلة والمجتمع، ترجمة: فؤاد كامل، مراجعة: على أدهم، مكتبة السائح، طرابس، د.ط، 1985.

(8). كريم الصياد: المصدر السابق نفسه، صـ16: “هل أجرؤ كي أكسر؟/ هل أكسر كي أعبر؟/ هل أعبر كي أهبط؟/ وأخطط/ وأعود كيانًا يتحور/ وأظل نبوءة مجهول لا يظهر”.

(9). المصدر السابق نفسه، صـ17: ” أنتم كنتم وأنا ما زلت أصير/ في طور التكوين/ أنتم في الزمن الأرضي/ وأنا في الزمن الأول/ وأنا للأبد جنين/ وقصيدتيَ المحفوظة تحفظني في معمل/ أتألم من موجات الضوء المكسور على بلور القاروره/ أسبح في الفورمالين !!”.  وفي هذا الجزء حوار بديع بين الداخلي والخارجي، بين الحقيقة والوهم، بين الأمنية والواقع المرير.

(10). المصدر السابق نفسه، صـ18: “كلٌّ يتحول/ وثبوتك حالة تعقيم/ حالة تعتيم/ حالة تعليب في معمل”.

(11). المصدر السابق نفسه، صـ19: “سيغلقون عيونهم/ وكتابهم/ ويقطعون صَلاتهم/ وسيسدلون ستائر النسيان دونـي”.

(12). المصدر السابق نفسه، صـ19: “وسيدركوني بعد أوقات الفوات/ وأفر من قبضاتهم، سأفر في مهد الوليد إذا نما في مهده مثل النبات/ وأفر منهم كالوليد”.

(13). المصدر السابق نفسه، صـ20: “كل يتأول/ لا تضرب أسباعًا في أثمان/ لا تستفتِ الإنسان/ لا تسأل عن ماهية ما هو أول”.

(14). المصدر السابق نفسه، صـ20: “لما رأوني خارجًا متكونًا/ مما تناثر من فتات/ الرعب فرق ما تجمع من حشود/ وتوقفت أحجار رجمي في الوريد”.  وهناك تفرقة علمية لغوية بين “الوريد والوتين“، فالوريد: عرق يحمل الدم من الجسد إلى القلب. في حين يكون الوتين: شريان رئيس يغذي جسم الإنسان بدم نقي خارج من القلب نفسه. فكيف يقوم القلب بعمله إذا  لم تصله الحياة؟؟ العمل الأول يؤدي للعمل الثاني، فالإصابة موقفة/ معطلة… الإصابة مؤلمة!! .

(15). المصدر السابق نفسه، صـ21: “وتوقفت أحجار رجمي في الوريد/ فحملت أكثرها/ نظرت لصورتي في الماء تجمع ما تفرق من بعيد/ ورميتُ بالأحجار فاهتزت شتاتًا/ في شتاتٍ/ في شتاتْ!”.

(16). المصدر السابق نفسه، صـ21: “كانت سويعات الحياة تفر منهم في جنون/ وتشوهت أشكالهم في كل ماء/ كانت غيوم نهاية الأشياء تلتهم السماء/ وتقطر المطر المسوَّد في العيون”.  لكن لماذا تم اختيار الماء كعاكس أو موضح لأشكالهم التي باءت مشوهة؟! أعتقد أنها إحالة لدلالة رمز الماء في لغة الصوفية… أم ماذا؟؟

(17). المصدر السابق نفسه، صـ22: “وقفوا إليه ينظرون/ فمضيت عنهم، في هدوء أختفي/ ورفعت ياقة معطفي/ ودسست كفيَّ المجمدتين في جيب الرداء”.

(18). المصدر السابق نفسه، صـ23: “خلعت عيني اللتين/ أعماهما لون الرمادْ/في كل عين/ بهما قذفت عيونهم/ بالنظرة المدهوشة الخرساء/ من دون جفن”.

(19). المصدر السابق نفسه، صـ23: “وضربت في الأستار نحو محابري/ فتوسلوني للبقاء/ واستحلفوني بالفناء/ لكنني كنت اختفيت بخيط ليلٍ من ظلام داهمٍ/ وخيوط بيت العنكبوت”.

(20). المصدر السابق نفسه، صـ24: “عيناي قوت/ عيناي قوت/ وستأكل النار المضيئة منهما في كل بيت/ في الليل فوق الشمعدان/ وتكون لي كل البيوت/ كل البيوت”.

(21). المصدر السابق نفسه، صـ33: “رباه!! ها الشيطان بدل سمته/ في وضح قارعة الطريق/ لبس الثياب الزاهيات/ قضي النهار يلوّن الوجه المشوّه بالصباغ”.

(22). المصدر السابق نفسه، صـ33: “ما كان يلمحه سوى بعض الصغار/ توقفوا عن لعبهم كي ينظروه بالعيون الزائغات تشرنقت تفاحة الخوف المعلق في الحلوق/ ورأي الصغار فحرك الوجه الملون باسمُا/ لكنهم لم يبسموا وتفرقوا مثل انفراط حبوب نور المسبحة”.

(23). المصدر السابق نفسه، صـ51: ” يفتر الماء في مضغتي بالضياع/ وحدي الكون حولي يكون/ ويكون/ وأنا أتفتح في الظلمات كمثل العيون”.  ظلمة الجهل، والليل، والجفاء…!! كظلمات يونس -عليه السلام – الجهل بحكمة الله،، والسجن في بطن الحوت”الوحدة”، والليل الدامس.

(24). المصدر السابق نفسه، صـ51: ” وتكون/ لي.. عيون!!/ يتفتح بالنقش والضوء في كتلتي الكون مثل انطباع/ أتكون بالكون أم يتكون..هذا النزاع/ يعتريني عُضيًّا عضيًّا  من الماء حتى الشطوط/ من الضوء حتى شروق المشاهد”.

(25). المصدر السابق نفسه، صـ34: “قبل هبوب الصور وموتي/ وفناء .. أصوات الشعراء وصوتي/ أطلق آخر مزحة/ فوق مسارح هذا الكون الهازلة/ ألبس أحدث صيحة/ من كل الأزياء”. = وكذلك انظر صـ61: 62: “سأعرف شيئًا يسمى نهار/ سأعرف كيف أكون/ سأعرف كيف استحالت إليّ صورتي –بعد أمر السماء– حفنةٌ من غبار/ وأكون من الخالقين…”.

(26). المصدر السابق نفسه، صـ146- 148:  “الغضون ارتعاشة ماء وجوهي إذا / ألقيت في وجوهي حجار العيون….. الغضون معالم بيتي لكل صديقٍ/ معالم قبري لكل خئون/ من أكون؟/ الغضون إجابه/ وكتابه/ في رحيلي لمن كان بعدي يكون.!”.

(*). علميًا يفتح الجنين عينيه في فترة تتراوح ما بين خمسة أيام إلى سبعة.

(27). المصدر السابق نفسه، صـ70: “الكون أبيض مثل بطن سحابةٍ/ سارت إلى طرف السماء/ تحدّرت في منحناها مثل قطرات الندى/ سقطت في كفي ببطءٍ/ واستدارت لي ببطئي/ الرمل أبيض حين ترسو فوقه سفن الشطوط/ والموت أبيض في أساطير السقوط.

(28). المصدر السابق نفسه، صـ70-71: “وأنا سواد محابر الأقدار أسكب كل شيئي/ داخلي سفر التكون قد تهاوى/ في المهاوَى/ قد تساوى كل بدئي/ مرََََََََََََّ خيطٌ ثم خيطٌُُُُُُُُُ في يدي ليغوص في مقل العيون لكي ترى الكونَ/ المخيط/ فإذا تشكابت الخطوط وأظلمت، يجتاحني ضوء الحنين لكل ضوئي/ كي أمر بثورتي بين التشابك تاركًا أشلاء جسمي في السماء/ معلقاتٍ/ في الخيوط.!”.

(29). المصدر السابق نفسه،صـ71: “الكون أحمر مثل نزف داخليٍّ في النوايا للخلايا/ في رحيل الزائرين إلى فِناء الأضرحة/ حتى يداروا سوأة الموت المؤقت في الجبين /كي لا يحين…”.

(30).  المصدر السابق نفسه، صـ71: “لكنني وحدي أداري سوأتي وجميع آلام النوايا المبرِحة/ بين اخضرار غصون أشجار مواسمها تئون بلا زمان/ كلما ليست تئون”.

(31). المصدر السابق نفسه، صـ72: “الكون أصفر في حقول الموت وَ../ريح المنية قد سرت خلف اتساع/ وارتفاع للصراخ وللصدى/ حتى هوى في الأرض عرش للردى/ ثم استوى/الكون لما انداح يومًا وابتدا/ لم ينتهِ/ لم يشتهِ/ أفقًا سوى/تكوير قطرات الندى/ حتى يصير ويغدوَ/دون انتهاء/ لو تلاشى الشيء منه تجسدا…”.

(32). المصدر السابق نفسه، صـ72: “فأيـا هو/ فأيـا هو/ هل لي بلون الطمي أنتظر القيامة موعدا ؟!”.

(33).  المصدر السابق نفسه، صـ73: “الكون أزرق في البحار/ وفي السماء/ وفي امتناع القلب عن دمه المعتق في قوارير الدماء المسكره/ قلبي إذا شرب الدماء ترنحا/ واهتاج يطلب كل كأس ضامره”.

(34). المصدر السابق نفسه، صـ73: “فإذا تردى الجسم في موت الليالي/ وامّحى/ عادت لتقلقني خطاه على سقوف المقبرهْ”.

(35). المصدر السابق نفسه، صـ73: “قال الطبيب بأن قلبي لا يمارس مهنة النبض احتفاظًا بالعهود الغابره/ نبضت قلوب ما مضت حتى تُجاوز ظلمةً حين المساء/ وتصبحا/ إلا فؤادك قد هوى نزوات نبضٍ عابرهْ…..”.

(36). المصدر السابق نفسه، صـ74: “أوحى إلي البحر وحيًا مالحًا “أوصيك خيرًا بالبنفسج كلما عاد البنفسج للسما وتفتحا!!!”.

(37). المصدر السابق نفسه، صـ74: “فملأت داري بالبنفسج/ لهفتي/ لهف البنفسج في الليالي القمريهْ/ وظللت أعدو في زماني رائحًا/ وظللت أغدو مصبحًا/ في كل يومٍ/ بانيًا أمل الخلاص وهادمًا/ وظللت أبصر رسمةً في كل منثور تبعثر بين شقيّ الرحَى/ وظللت أُبحر في الدما/ لكنني عبثًا أحاول فهم هاتيك الوصية….”.

(38). المصدر السابق نفسه، صـ74: 75: “ظللت أبحر في الدما/ لكنني عبثًا أحاول فهم هاتيك الوصية/ والبحار الثائره/ لأشد مقتًا عندها أن تمزحا/ بعد السنين ذهبت صوب البحر أسأله السؤال فغيّما/ غض الضباب السابحا/ ثم استدار ولملما/ أطراف لحيته عن الموج انصرافً للغروب وظل بين جميع ألوان الدنا متراوحًا/حتى إذا احتجب الوجود وأظلما/ هتف اندهاشًا: من درى يومًا بحكمة أبحرٍ تملا الوجود لتنزحا؟”.

(39). المصدر السابق نفسه، صـ48: “مالك تجحدني؟ / تخلعني عن ذاتك كرداء/ تلقيني أرضًا كسماء/ عيني الحية بالأمس اليوم ألاقيها تلقى في أشلاء الأشياء….. ملعونٌ إني/ ملعونٌ أنك حين تقابلني/ تتجاهلني كالأخطاءْ”.

(40). المصدر السابق نفسه، صـ78: “كانت لحون الليل تسعى كالضباب/ من مسمعات في ممرات الضمير الضيقهْ…. وحدي أنقب في الخفاء عن الظهور، وفي الظهور عن الغياب/ فقط الدموع بلا انتحاب”.

(41). المصدر السابق نفسه، صـ 79: “أفقى لحون في الهواء ممزقهْ/ قطع الحون الجرس خلف الباب لما قرقعا وتسارعا/ وتفرعا/ في مسمعي مثل انفجار للثواني الحارقهْ/ كان اختناقي مشنقهْ/ كان احتباس الروح روحًا غارقهْ/ وأنا أحدق نحو بابي بارتعابٍ بارتعابٍ/ بارتعابْ”.

(42). المصدر السابق نفسه:      “الشيطان/ ينظرني فى آخر كورنيش حياتي، يخفق/ حين يراني أتمزق… لكن في الأرض البائسة الإنسانْ/حين يرانى أتفرق/ في كل لسان/ لا يقلق/ لايقلق”. صــ93.

“الإنسان/ يفزع حين يراني في آخر كورنيش حياتي.. أشرق/ يهرب في كل مكان/ يهرب حين يراني أنبت شيطانيًا/ كالأحزان… حين يراني أتسلق/حبلي السًّري من الأرض إلى المطلق”.  صـ94: 95.

(43). المصدر السابق نفسه:    “سأعرف كيف أصير، وكيف أثور على فطرتي زمنًا/ وأكون من الخارجين.. “صـ62.

“كنت أرفع عيني لأسند رأسى على دفء صدر/ يظللني نصف ثوب ونصف جديلهْ/ من عرا أعين الغرباء.”  صـ63.

(44). المصدر السابق نفسه، صـ155: “والمدافع تقنص كل الضحايا/ بكل احتراف/ كان يعدو ويخرق كل الصفوف،    ويسبق خطو الكبار/ أدرك الطفل أن على كل طفل هنا…. أن يخاف/حين غاضت رصاصتهم في حشا القلب حتى القرار/ وختام المباراة كان ختام المطاف/ والنتيجة: صفر، وأصفار..!”.

(45). المصدر السابق نفسه، صـ131: “ها النار بعد النور ما عادت ترى/ كي تهدي الإنسان، ما عادت تصوغ الصلب من صلصاله/ كان السراج يشعّ ثم يغيب ثم يشع ثم كأنه عين الإله تطل لائمة وتطرف من قذى/ دخان نيران الجميع المقترب/ وظلالهِ/ وأخي يقوم محدقًا، متحديًا، متسلحًا… بالحقد، والرفقاء والقلب المحطم، واتساع العين في ظلماتها، والأرض تشهق في سفور الجرم، خبأت السحابات العيونَ/ عوت رياحٌ تنتحبْ/ والعين تطرف ما تزال بحزنها، وأخي يهم بفأسه، ويصيح بي: “هيــا بنــا”.

(46). المصدر السابق نفسه، صـ9: “الشمس عادت من نهار يرتحل/ من يومه، أوبعض يوم يسكن الخط الرفيع/ كان الظلام يدق فوق زجاج نافذتي، ويعلم أن أمي لم تعد حتى المساء من العمل”.

(47). المصدر السابق نفسه، صـ58: “دمائي تسافر/من القلب للغرب دون شروق بليل الطريق وفجر الطريق المجاور/ وكل شهيق يهاجر/ ليفتح في كتلتي رئةً فى زمان سحيق وغابر/ دمائي جميعًا لو استُنزفت/ لن تزيد على نصف كوب..”.

(48). المصدر السابق نفسه، صـ162: “أشار لي/ وجدتني بداخلي/أمشي على المياه/ على المرايا/ وألف ألف صورة تفر مني/ رغم إني.. أصلهن/ مركـزٌ/ هن الزوايـا”.

(49). المصدر السابق نفسه، صـ97: “شاه وجه الطبيعة بعد المحاق/ وتبعج/ وتشقق بالظل حين خطا/ صاعدا..”.

(50). المصدر السابق نفسه، صـ98: “في طريقي وجدت هلالاً قد تهاوى/ على الأفق المتعرج ودنوت/ سمعت به صوت طقطقة الإحتراق/ ورأيت خيوطًا من النور تهجر كل العيون/ تسافر فوق الطباق/ خلع الشجر المتشابك كل ملابسه/ وتعوّجْ…”.

(51). المصدر السابق نفسه، صـ100: “بعد أن باد كل رجال وكل نساء/ كان برق يثور، يطير/ على جبهة الليل، ينبت شجرته في الهواء/ ويغور/ ليضرب أصل الجذور/ يرقرق خيط الدماء/ ليسيل على سطح وجه السماء المقرح..”.

([52]).المصدر السابق نفسه، صـ104: “تتناسل كل الشقوق، وتشنق/ كل بيت تعالى على الأرض/ ثم أبى أن يعود…”.   وكذلك انظر صـ105: “قلت أن الدماء على الأرض يومًا ستسفك ويسود الجنون/ قلت: يهرب من سار فى الصبح من ظله/ ثم يدفن في الليل/ تأكله الأرض حتى العظام/ وتبقى… عيون.”  لكن لماذا بقيت العيون بعد أن باد الكون وسائر الأعضاء؟؟.

([53] ). المصدر السابق نفسه، صـ115: “بعد رسم الحروف الأواخر/ بقياس صغير/ كنت أخرج من صفحتي وأعيد إلى الرأس عيني/ ثم أعيد العروق إلى ساعدي/ أعلق قلبي على الصدر/ أضبطه ليعد حراك الكواكب حين تدور حوالي/ أو حين تسقط في صفحتي/ وتثير الدوائر/ الكسور..”.

([54]).المصدر السابق نفسه، صـ116: “كل شيء يدور/ لو نزور المقابر/ كل شيء يعود إلى الأرض حين يغادر/ ويغادرها لحظة/ ثم يهوى إليها ويقطع فيها العصور/ كل شيء على الأرض يأتي كزائر/ يتصعد من جوفها/ ويكافح –مثلي- ليولد/ يوجد، مثلي/ ومثلي يعود إلى أرضه/ ويظل .. يغور.!”.

([55]).المصدر السابق نفسه، صـ117/ 118: “الخرير/ لغة تتحدثني فى بلاد اللغات الغريبة/ لغة لا تقول الكلام الكثير… في استدارات شكل الجبال/ أستدير/ في ارتفاعتها سوف ألقي إلى الأرض ظلي/ لكي أتخفف منه/ ومني….”.

([56] ). المصدر السابق نفسه، صـ 118: “بعد قوس صغير/ كنت أخرج من عالم بين قوسين/ عالم بين جفن وجفن/ يتمدد فوق السطور/ فأراه قليلًا قليلًا/ يكاد يغادر من صفحة العين ثم يقبع فيها بركن/ كنت أقبع فى داخلي/ وأعد الوجيب المثير..”.

([57] ). المصدر السابق نفسه، صـ117/ 118: “حين تمشي على لوحة للوجود الكسور/ سوف أعبرها في غرابة/ ومعي في الحقيبة/ كل ماءٍ أبى يمر بمجراه تحت الجسور…. في ارتفاعاتها سوف ألقي إلى الأرض ظلي/ لكي أتخفف منه ومنّي…. وأنا أنزع الصفحة الماضية/ وأمزقها فوق مقبرة البشر الخالية/ ثم أدفنهم، وأكون الأخير.!”.

([58]). المصدر السابق نفسه، صـ121: “عجيبٌ أنني وحدي/ بكل مساء/ أرى عصفورة حطت على إفريز نافذتي بكل صفاء… وحين أعود يوميًا أكذب ذاتي الحمقاء/ أرتّق سحنتي كغشاء/ يداري الخوف في جلدي/ وأهمس: لو غدًا أدخلتها بيتي؟، فهل تدع الأثاث وساعتي، كتبي، وأوراقي، ومصباحي، وأقنعتي/ على مرآتيَ الشوهاء؟.”

([59] ). المصدر السابق نفسه، صـ122: 123: “وهل ستطير ثانية لعمق الغيم/ أم ستظل في رأسي/ تضج وتخفق المرات والمراتِ/ ذاهبة وعائدة/ بلا عدد/ بلا عدد؟!… عجبت لأن من بعدي/ تزول خطاي من تلقاء أنفسها/ عجبت لأن طيرًا ظل يصحبني، ويقفوها/ يظللني/ ويصرخ فيّ/ يفزعني/ أحدق فيه مشدوها/ عجبت لأنني وحدي/ وسربي سار فى الأبعاد يهجرها إلى الأبد.. إلى الأبد.!”.

([60]). المصدر السابق نفسه، صـ124/ 125: “للأرض وجه قد خلا/ من كل إنس كان يفسد/ كان يعبد في الفؤاد النارَ/ يهلك حين يعبر عمره الحرث الحزين/ للأرض وجهٌ كان يبصر كل إنس قد مشى يومًا عليه مظللًا/ والآن يرقد في لفائف من غضون…. في آخر الأيام من عمر السما المنكسه/ رأيت صفحة الدما المدنسه/ يطفو عليها إبن آدمٍ إلى شطوط غربه/ منتفخًا بالطحلب النامي عليه كالرغيف… لكي يسير فوق ماء النهر حيًّا في الليالي القارسه/ فلا تصيبه ارتعاشة الجسم الكثيف/ لكنه أبَي، اكتفى باليابسه….”.

([61] ). المصدر السابق نفسه، صـ128: “أم أنني… أم أنني حيُّ أداري جيفتي،/ وخيفتي/ من اكتشاف موقفي/ أظل منسيًّا هنا/ وموعدي… هناك!”.

([62] ). صلاح عبد الصبور: ديوان شجر الليل، دار الشروق، القاهرة، طبـ4، 1986، صـ7.

([63]). محمد عبد الحكم عبد الباقي: دلالات الظلام والنور في القصيدة العربية، الآداب، القاهرة، طبـ2. د.ت، صـ81.

([64] ). نص مأخوذ من محمد عبد الحكم عبد الباقي: دلالات الظلام والنور في القصيدة العربية، مرجع سابق، صـ68.

([65] ). كريم الصياد، المصدر السابق نفسه، صـ140/ 141: “وحين تلاقيني بعدما نختصم/ تعودين في لحظةٍ واحده/ برغم جروح الجناح/ ورغم سهادك بالحب حتى الصباح/ ورغم أنوثتك الوافده/ صغيرة احتشدت للشجار ولا ترضى من جواب على كل سؤال/ بغير نعم”.

[66]) ). المصدر السابق نفسه، صـ157/ 160: “كانت تحوم بصوتها الهفاف حول المائدة/ حتى تنال عطية من عطف قلب قد ضعف/ لكنني أبعدت عيني الشارده… برقت بما صعق الفؤاد لينخطف/ فأضاءت القلب المعلق في الظلام بداخلي/ ومددت كفي بالطعام لفوهها/ فسمعت صوتًا كانشراخ في العظام،… وسمعت صرخًا في الظلام/ سقطتُ فوق المائدة…. ساد السكون لبرهة/ ثم استكانت دون جفن للدموع/ ثم استكانت في خضوع/ حين استبانت في انتصاف الليل قطعان القطط!!” حفريات الجنس البشري.

([67] ). المصدر السابق نفسه، صـ66: ” (نور) فتاة ألتقيها في المساء/ (نور) أتت من بين صفحاتي/ ارتقت فيما ارتقي… (نور) خيوط مشمسات رقرقتها في اللقاء/ شمس الشتاء”. السفر الناقص.

([68] ). المصدر السابق نفسه: سفر التكوين صـ12، سفر الانعكاس صـ89، حفريات الجنس البشري صـ135.

([69] ). المصدر السابق نفسه، صـ22: “كان البكاء عصارة ممقوتة من كل شيء/ يطفو على سطح السكون/ وعيونهم من حولهم محرومة من كل ضوء… وعلى سبيل السخرية/ خلعت عيني اللتين أعماهما لون الرماد..” سفر الخروج.

([70] ). المصدر السابق نفسه، صـ105: “ثم يدفن في الليل/ تأكله الأرض حتى العظام/ وتبقى… عيون/ تتقوقع في الصدف المتناثر/ يلهبها ملح بحرٍ تآكل شاطئه/ وتفكك/ وهى تنظر في الموج دون جفون”. قصيدة أيام القيامة، مقطع يوم الجنون.

([71] ). في أحد أنواع التأليف الموسيقي السيمفوني وما يسمى بـ”الفوجة” تبعًا للموسيقى البوليفونية يتم التمازج اللحني بين أصوات عدة متراتبة بعضها فوق بعض من الأدنى للأعلى في السلم الموسيقي، فيكون الصوت الأول كلحن “قرار” والثاني كلحن “جواب” ثم تتبادل الأماكن؛ للإستزادة من تنويع اللحن الأساسي. وهذا ما يقوم عليه التنويع الجرسي لموسيقى الديوان، من خلال عالم الحروف المتجانسة بحيث يجمعها في البداية والنهاية وحدة لحن “السكون”، أي تسكين نهاية الحروف –في الأغلب الأعم- المكونة للقصائد، بشكل جعلني أطلق على هذا التنوع اللحني “موسيقى السكون“.! وللمزيد من التفاصيل عن الموسيقى البوليفونية انظر: اعتدال عثمان، إضاءة النص “قراءات في الشعر العربي الحديث”؟، الهيئة العامة المصرية للكتاب، طبـ2، 1998. وكذلك محيط الفنون/ الموسيقى، مادة “الفوجة”، بدار المعارف مصر. والذي يعتمد عليه “إضاءة النص” بشكل أساسي.