Archive for the ‘النقد الأدبي’ Category

الثنائيات الجدلية في ديوان “الأمر” للشاعر كريم الصياد

بقلم الشاعر/ محمد منصور

إن أول ما يلفت انتباهنا فور أن نطالع ديوان “الأمر” للشاعر ” كريم الصياد ” أن الذات كثيرًا ما تضع نفسها في جدلٍ دائمٍ مع العالم ومفرداته، وقد يكون السبب في هذا الطرح الجدلي أن الذات الشاعرة تعاني الاغتراب بين العديد من الثنائيات التي تشغل حيزًا كبيرًا من هذا العالم.

ولقد قصد الشاعر -حين اعتمد الثنائيات- إلى خلق أفضيةٍ عديدةٍ تهدف إلى تنوع الرصد الشعري وتَجَنُّبِ الانحياز إلى أداةٍ أحاديةٍ من أدوات الرصد. إنه يود أن يتجول ما بين الوعي واللاوعي، الزمان والمكان، الذات والموضوع.

بالإضافة إلى ذلك فإنه لم يختر أي ثنائية وما يقابلها فقط، وإنما انحاز إلى تلك الثنائيات الجدلية “الدياليكتية” إيمانا بالمبدأ القائل بأن الضد يُظهر حسنه الضد، وهي نزعة صوفية تأثر بها الشاعر، وقد ظهرت في قوله: الناس ناموا، وامّحوا/ حتى إذا ماتوا صحوا وقد خلق من خلال هذه النزعة الصوفية نوعًا من الرصد المغاير، ومن ثَمَّ يقوم بتحليل ما رصد.فعلى سبيل المثال لم يستوقفه الوجود “كمفهوم موضوعي خارجي” وإنما تغلغل برصده إلى الانسجام والاغتراب “كمفهومين ذاتيين داخليين”.

وسطوة الثنائيات هذه سوف تصل بالشاعر إلى أن يلجأ كثيرًا إلى ما يُسمى بالانزياح الشكلي والمضموني في آن. وذلك بسبب انسراب التوتر والقلق إلى الذات الشاعرة، ومن ثَمَّ إلى كل معارفها. والتوتر والقلق -وهما وجهان لعملة واحدة- هما سببٌ ونتيجةٌ لموقف الذات الشاعرة وجوديًا، فهما يدفعان الذات الشاعرة إلى أن تطرح رؤيتها المعرفية بطريقة متوترة وقلقة، فتعمد -بغرض الكشف- إلى الاستناد إلى رؤيةٍ تحليلية لمعارف الذات الشاعرة وموقفها الوجودي، مما يجعلنا في مواجهةِ ثنائيةٍ أخرى أعم وأشمل من ثنائية الشكل/ المضمون، وهي ثنائية الذات/ الموضوع وما بينهما من توتر وقلق.

وقبل أن نعرض إلى كل ثنائيةٍ -على حدة- بالتحليل نود الوقوف أولاً عند عنوان الديوان، إذ أن للعنوان أهمية بالغة التأثير في السياق التحليلي. وهو أول مفتاح أسلوبي يقوم بتكثيف المحتوى كما يقوم ببنائه وتفكيكه في آن. علاوة على أنه يعد أحد المؤشرات النصية الدالة، وهو علامة إجرائية تهدف إلى مقاربة النص. وكما عبَّر عنه “جيرار جينيت” فهو عتبة النص التي نستطيع من خلالها أن نقوم باستكناه بنياته التركيبية والدلالية والرمزية.

فعنوان الديوان هو “الأمر” بأل التعريف. وقد انطبع العنوان بطابع تقريري. وللوهلة الأولى يظن القارئ أن هناك أمرًا ما محددًا قد انكشف للشاعر، وأتى الشاعر بدوره ليكشف للقارئ عنه. فوق ذلك فإن “الأمر” في ثقافتنا الإسلامية له الكثير من الدلالات التي تُعظِّمُه، ففي القرآن الكريم كثيرًا ما نقرأ قوله تعالى: قُضِيَ الأمرُ وإلى الله تُرجعُ الأمور، وقوله تعالى مخاطبًا رسوله: ليس لك من الأمر شيء أو يتوب عليهم أو يعذبهم فإنهم ظالمون. وقوله تعالى: حتى إذا فشِلتم وتنازعتم في الأمر…، كما أن الأمر يأتي بمعنى الملك والحكم، والملوك والحكام هم أولو الأمر والأمراء.

إذن فإن أمر هذا الديوان جدُّ خطير، إذ أن الشاعر وضع نفسه في رهان صعب، وذلك لأنه سوف يتحدث في شيء يرجع إلى ثابتٍ دلالي عند القارئ، والشعر لا يرجع إلى ثابت. وبذلك نظن أن الشاعر قد وقف عند ثنائيةٍ أخرى، ولكنها في هذه المرة تخص الرؤية والتناول الشعريين. فالمادة التي استهدفها الشاعر مادة تراثية وثابتة في المقام الأول، لذا فيجدر به أن يُعيد تشعير هذه المادة وفق تناولٍ حداثي.

وإذا انتقلنا إلى عنوان القصائد بالتحليل -بعد معرفتنا بأهمية العنوان- فإننا سنلحظ أن أغلب قصائد الديوان لها عنوانان: أحدهما إجمالي جامع، والآخر تفصيلي تخصيصي، فعلى سبيل المثال نرى القصيدة التي تم عنونتها بـ “سفر التكوين”لها عنوان تفصيلي آخر، وهو “مادة رحمية”، كما نرى القصيدة التي تم عنونتها بـ “سفر الخروج” لها عنوان آخر وهو “مادة أرضية”.

وبعد أن نفرغ من أمر العناوين نجد أن الشاعر قد أولى اهتمامًا خاصًا بحالة الجنينية التي تتصدر الغلاف والقصيدة الأولى من الديوان “المقدمات”. وحالة الجنينية تلك التي يترصدها الشاعر نراها تمثل عنده الخلاص المتجسد في عدم الانحياز لأية فكرةٍ بشرية، ليس هذا فقط. وإنما حالة الجنينية تجعل الشاعر لا ينتمي لا إلى البشر ولا إلى الآلهة ولا إلى الأحياء ولا إلى الأموات. وذلك باعتبار أن الجنين هو الخلقة التي لم تكتمل ولم تظهر ملامحها بعدُ. ففي قصيدة “سفر التكوين- مادة رحمية” يقول الشاعر:
تحملني لأصيرْ/ وأنا طورًا طورًا في التحويرْ/ أتأمل بشرًا لا يدرونْ/ أن هناك شخوصًا مثلي/ ليسوا آلهةً أو بشرًا/ ليسوا أمواتًا أو أحياءْ.

وتفضيل الشاعر لحالة الجنينية تلك تجعله في مأمن من أن يتعرض إلى ما يتعرض إليه من نزلوا إلى الحياة، وعن هؤلاء يقول الشاعر في قصيدة “سفر الخروج- مادة أرضية”:
كانت سويعات الحياة تفر منهم في جنونْ/ وتشوّهتْ أشكالهم في كل ماءْ/ كانت غيوم نهاية الأشياء تلتهم السماءْ/ وتقطّر المطر المسوَّد في العيونْ.

إذن، فإن الجنينية تعبر عن موقف ضدي من الحياة، وهو موقف وجودي يتغلغل داخل جلِّ قصائد الديوان. إذ أن هذا الموقف الوجودي يجعل الذات الشاعرة في تصد دائم لما يطرحه العالم عليها من ماهيات قلقة، فكثيرًا ما يناقش الموت والحياة وما بينهما من حيوات صغيرة تؤثر في بنية الإنسان الوجودية: ففي قصيدة “سفر التثنية” يقول الشاعر:
يؤلمني في الموتْ/ عريي أمام الناظرين قبل تكفيني/ لا ثوبَ يخفي عورتي/ ولا الدماء تكفيني.

ثم يستطرد بعد ذلك في القصيدة نفسها قائلاً:
تؤلمنا حياتنا بلا سماءْ/ وموتنا بلا سماءْ/ وضحْكنا بلا سماءْ/ بكاؤنا بلا سماءْ/ تؤلمنا السماءْ/لكي نفرّ دومًا من سماءٍ../ لسماءٍ../ لسماءْ .!

وبعد أن يحاصر القلق تلك الذات الشاعرة تلجأ إلى من هو أصلب عودًا منها وأقوى على مواجهة الأسئلة الوجودية والإجابة عليها، وأول من يلجأ إليه الشاعر هو الأم التي تساعد الذات الشاعرة على إكمال كل شيء، وذلك لأننا نظن أن الأم هي أصل كل شيء، كما هي المنبت الأكثر ضمانًا وإليها ترجع كل الأمور ..
ففتحتُ عيني كي أراني في ابتساري/ كالجنين مُكسّرَ الأعضاء أنهض في انكساري/ ثم أترك راحتي في كف أمي../ تكتملْ .!

كما نلحظ أن الأم تشارك الذات الشاعرة عشق النور والخوف من الظلام؛ ففي قصيدة “المقدمات” نرى الشاعر يقول:
الظهر أشرق كوكبًا/ يجري إلى الصالونِ/ يلعب في نواحيهِ/ يضيعْ/ فوقفتُ أرمق صورتي،/ أكملتُ -فيما أستطيعْ-/ شكلَ الكيان المرتَجَلْ.
أما في قصيدة “لا آلهة ولا بشر” نرى الشاعر يقول:
أمّي العذراءْ/ لا تمشي فوق الأرضْ/ أو تحت سماءْ/ تعشق حبات النور/ ْتخشى الظلماءْ/ والظل المقرورْ.
ولعل عذرية الأم توحي بصفة ما تنسحب على الابن/ الشاعر. وأول ما تستدعيه عذرية الأم من دلالات أن الابن قد يكون مسيحًا يتحمل خطيئة البشرية ويلقى مصير من أتى للبشرية بالإيمان، ولكن الشاعر لا يأبى إلا أن يكون أكثر إيمانًا بالمفارقة، وتكون معجزته هي الغرق لا النجاة، يقول في قصيدة “سفر الانعكاس”، في النص المعنون بـ “سطح الماء”:
معجزتي أني أغرق في الماءْ/ ما جاء نبيٌّ إلا ومشى فوق الماءْ/ لكنْ معجزتي غرقي.

بالإضافة إلى ذلك فإن صورة الأم تستدعي من الصور التراثية الصورة الأقرب إلى مساندة الأبناء وتحمل الآلام من أجلهم، وبذلك كان من الطبيعي أن يتم استدعاء صورة خديجة بنت خويلد في تلك الحادثة الشهيرة التي قامت فيها بمساعدة محمد بن عبد الله حين نادى دثرورني مرتعبًا من هول ما رأى في غار ثور، ففي قصيدة “سفر أخبار الأيام الثانية- الأمر”:
أمدّ يدي من ظلام المخاوفْ/ كي تناولني يدها،/ أو تدثرني برداءْ/ فأرى مخلبي/ تتقاطر منه الدماءْ.

ثنائية الذات /الموضوع وعلاقتها بالمعرفة:
أما بالنسبة إلى البنية المعرفية التي تحتفي بها الذات الشاعرة فيتم طرحها -على طول الديوان- على مستويين نقيضين، فتارة نرى الذات الشاعرة تفتقد تلك البنية المعرفية، وتارةً نجدها تُلقي علينا معرفتها المطلقة بأمر من الأمور..

ففي الفقرة المعنونة بـ “الأجراس” من قصيدة السفر الناقص” -ولنا أن نقوم باستكناه ما يحمله العنوانان من دلالات- نرى الشاعر يقول:
وحدي أنقّب في الخفاء عن الظهورِ،/ وفي الظهور عن الغيابْ/ فقط الدموع بلا انتحابْ/ فقط الدموع تعيد للعين التي نظرت إلى غدها التماعاتِ الثقةْ.

ولكننا حين ندقق النظر في أمر تلك المعرفة نجدها ذاتية في المقام الأول مغرورقة بالدموع. وحين يطمح الذاتي إلى أن يقف مع الموضوعي وقفةً متساوية ليكونا في المنظومة المعرفية كفرسي رهان نرى الذات الشاعرة لم تأخذ موقفًا ذرائعيًا من تلك البنية المعرفية، وحين تحاول الإجابة عن أمر ما فإنها تقف حياله صامتةً، ففي المقطع الرابع من الفقرة نفسها من قصيدة “السفر الناقص” يقول الشاعر:
صحت : اصمتوا، فلتصمتوا،/ لكن_وقبل الصمت_لا تنسوْا جميعًا/ أنني….!

إن الذات الشاعرة لا تقوم بعقلنة بنيتها المعرفية عن طريق نقد الفكرة أو تفكيكها، (وذلك لأنها تؤمن في قرارة نفسها بأن المعرفة الأسمى هي معرفة الذات بالموضوع)، ولكن حينما تقوم الذات بإخضاع بنيتها المعرفية تلك إلى الموضوعي Objective فإنها تكتشف فراغه، ولكنه ذلك الفراغ الذي يسطو ويحكم من سطوته على الذاتي Subjective فيفقده يقينيته ويصيبه لا بقلق وجودي وهو سمة أساسية من سمات الذات الشاعرة، وإنما يصيبه بالخواء وانعدام القدرة على الإجابة عن أمر من الأمور، يقول الشاعر في قصيدة تجسيدات نصفية:
كل شيءٍ يذوب يقلّ، يقلّْ/كي يضيق الفؤاد بما رحبهْ/ ثم كان الفراغ، وكان/..وكان../ الفراغ يبوح بما حجبَهْ/حين أبصرت شيئًا به، لم يكن هيَ .. لا../ لم يكن هيَ../ بلْ ….!

لم تعد الذات الشاعرة قادرةً على الاحتفاظ بكينونتها حين تكون في مواجهة مع الواقع، وبذلك فإن امتلاك المعرفة أو فقدانها لم يعد ميزةً في حد ذاته، وإنما الميزة الحقيقية تتجلى في تجربة الوجود نفسه، يقول الشاعر في قصيدة يوم الظلام:
قلتُ إن الظلام سيأتي،/ ونبصرهُ../ من شروخ السما../ يتسرّبْ/ ثم يقطر فوق البيوتْ/ حين يأتي أموتْ/ أتغرّبْ/كنت أول من قص للناس عنهُ،/ وأول من أبصر الشرخَ،/ أول من غاب فيهِ.

وفي حالة خضوع الذاتي لما هو موضوعي قد تصاب الذات بما يُسمى بالعدمية، تلك العدمية التي تجعل من الاحتفاء بالمعرفة ضربًا من المًحال. ولكننا بقليل من التدقيق نرى أن الحصول على المعرفة ليس عدمًا مطلقًا، فالعدمي لا نستطيع أن نصفه إلا بالعدمية، وذلك لأنها -أي العدمية- لا تمتلك صفة فيزيائية تحددها وتصورها، فالعدمي ليس له مكان ولا زمان في الوقت الذي حدَّد فيه الشاعر المعرفة بأنها بعيدة. ففي النص الرابع من حفريات الجنس البشري يقول الشاعر:
بصرف النظرْ/ عن سطور القصيدْ/ وما استغرقتْه كتابته من سهرْ/ أقول بدون مزيدْ :/ أيا ناظرًا لا تهم بصرف النظرْ/ تعلمْ حقيقة أن جميع الذي يستحق مشاهدةً/ سيظل _ومهما اقتربْتَ_بعيدًا، بعيدًا/ بعيدْ .!

وفي النهاية نود أن ننوه عن أننا شعرنا خلال قراءتنا للديوان بقليل من التداعي الذي ظهر في بعض القصائد والذي نظن أن سببه هو قلق الذات الشاعرة من أن تُهمل شيئًا أرقَّها ولم ترصده، هذا على النقيض من أن القافية قد جذبت الشاعر بإيقاعاتها المقيدة فقيدت المعنى وبترت الحالة الشعرية، وأفقدت الصوت قدرته من أن يمنح الحالة والمعنى صورتهما الحقيقية. ففي قصيدة “سفر التثنية” يقول الشاعر:
هذي محابر الأقدار تنسكبْ/ تثور، تغتربْ/ ثم تقرُّ، تركدُ/ وتنتفخْ.

وحبذا لو قال : تنسكبُ بضم الباء ليمنح الكلمة حركة الحدث.

Advertisements

رواية يوتوبيا لأحمد خالد توفيق

الدكتور أحمد خالد من أكثر الأدباء المصريين شعبية اليوم خاصة بين الشباب ، بل والأطفال أيضًا ، وهو يتمتع بثلاث ميزات أدبية أساسية في تقديري أهلته لذلك :أولًا-أسلوبه السهل الشيق الوثّاب ، والذي يُكسب العمل إيقاعًا سريعًا ، وثانيًا-ثقافته العالية الموسوعية التي تجعل من سلاسله موسوعة مصغّرة عند كل من يقتنيها ، وهذا لا ينفصل عن قدرته الحقيقية على تطويع المادة العلمية في البناء السردي الدرامي ، وثالثًا-أفكاره المبتكرة بالنسبة لسياق الرواية العربية ، ويكفي بالنسبة لهذه النقطة كونه رائدًا لأدب الرعب في الأدب العربي المعاصر ، سوى سلسلتين أخريين: فانتازيا التي يقص فيها على جمهوره قصة الأدب والتاريخ ذاته ، وسافاري أول سلسلة طبية فيما أعلم في أدبنا العربي ، علاوة على الكثير من الابتكارات في سلسلة الأعداد الخاصة بالذات .

هذه الرواية بالنسبة لمؤلفها أيضًا قد تكون نقطة تحول ، فالكتابة في إطار سلاسل المؤسسة العربية الحديثة تلزم الكاتب بموعد محدد لإنهاء عمله ، وكلنا يعلم أن هذا تكليف بما لا يُطاق ، كما أنها تعتمد على الكم نوعًا ما ، مما لا يمنح الكاتب فرصة التركيز والتكثيف في أحيان ، وغير ذلك تُقدم رواياتها وقصصها إلى الشباب في بيوتهم وبين أفراد أسرهم مما يجعل التعفف في التعبير والوصف وفي عرض الكثير من الأفكار والحديث عن كثير من العقائد والمذاهب في إطار رقابي صارم حتمًا مقضيًا !

تبدأ الرواية بالتنبيه الشهير”يوتوبيا المذكورة هنا موضع تخيلي ، وكذلك الشخصيات التي تعيش فيها ومن حولها”وهو تنبيه كما نعلم عند القراءة له غرض أمني وبلاغي ، الأول معروف والثاني غرضه السخرية والتهكم ، فيوتوبيا معناها الحرفي لا-مكان أو المكان التخيلي فعلًا ، وبالرغم من هذا فالأحداث تسير في مسار طبيعي للغاية وإلى مصير شديد البشاعة ، وربما هذا ما يجعلنا نتعمد عدم التصديق ، فنسم المكان الموصوف بسمة الخيالية واللا-مكانية .

وتتصدر الرواية أبيات لبرشت :

“حقًا إنني أعيش في زمن أسود

الكلمة الطيبة لا تجد من يسمعها

الجبهة الصافية تفضح الخيانة

والذي ما زال يضحك..

لم يسمع بعد بالنبإ الرهيب

أي زمنٍ هذا؟!”

ثم يبدأ السرد ، ومن اللحظة الأولى تدرك أن الأحداث والشخوص برغم غرابة المشاهد والمواقف والمشاعر ليست بعيدة عن الواقع ، بل تدرك أنها –فقط- منظور إليها من منظور مستقبلي ، أي أن بناء الرواية لا يغير من الواقع شيئًا أكثر من دفعه بضع سنين للأمام ، وهو ما يعني أيضًا أن الرواية أقرب لأن تُصنّف ضمن أدب الخيال العلمي ، ولكنْ نوع خاص منه وهو أدب ضد اليوتوبيا Dystopia ، أي اليوتوبيا المقلوبة ، المجتمع الذي أسس لنفسه مدينة فاضلة لكن خطأً ما يكمن في هذا البناء من البداية مما يؤدي إلى تحولها إلى كابوس ، أشهر الأعمال تحت هذا الصنف رواية 1984 لأورويل، والتي عنها أخرج المخرج الإنجليزي تيري جيليام http://en.wikipedia.org/wiki/Terry_Gilliamثلاثية من 3 افلام، هي: Time Bandits (1981), Brazil (1985),  The Adventures of Baron Munchausen (1988) ، لكن”يوتوبيا”تختلف على أساس أن الخلل القائم في عالم اليوم-وفي المجتمع المصري بخاصة-هو السبب في تكوين هذه اليوتوبيا بالشكل الذي صارت عليه ، فالكابوس سابق إذًا لا تالٍ .

تنجح إسرائيل في الرواية باختصار في تحقيق حلمها الثلاثي: المال الخليجي ، الأيدي العاملة المصرية الرخيصة ، الإدارة الإسرائيلية ، لكنها لا تفعل ذلك بالاستيلاء على النفط بل بالاستغناء عنه ، فليس للخليج ثروة حقيقية ، وتؤسس دولة في شمال مصر ، هي يوتوبيا ، وهي دولة أو دولة-مدينة مثالية يعيش فيها البطل الأول(الصياد) ، ويتمتع أهلها الإسرائيليون المصريون الأمريكان بهوية واحدة ويعتبرون المحيط المصري(بلد الأغيار) ، ويقوم تكوينها البشري أساسًا على المستوطنين اليهود ، ورجال الأعمال والسلطة المصريين الذي فروا بثرواتهم إليها ، وضباط المارينز المتقاعدين الذين يقومون على حماية المدينة من التسلل ، ويعيشون في رفاهية مادية هائلة وصحة ممتدة بلا شيخوخة تقريبًا ومجتمع مفتوح على أعلى درجة من الإباحية والتحرر ، ولكن مشكلة شباب هذا المجتمع هي الملل-محرك التاريخ كما قال مورافيا-لهذا يمارسون صيد (الأغيار) أي المصريين الفقراء بالخارج ! بل لا تكتمل رجولة الشاب هناك إلا إذا قام بصيد واحد منهم وأتي بعضو منتزع منه .

يقول أحمد خالد على لسان البطل الأول:

“مثل أباطرة الرومان قد جربتُ كل شيء ، وعرفتُ كل شيء ، ليس هناك من جديد يثير فضولك أو حماسك في يوتوبيا ، لا شيء يتغير ، أحيانًا أحسب أننا معتقلون وأن الذين بالخارج هم الأحرار” ص20

ولهذا يسعى الشباب إلى كسر الملل ، فيقول:

“الإثارة

الإثم

التعدّي

خرق القواعد

التحدي

كسر التابو

المشاغبة

المخالفة

الهدم

التوتر

الأدرينالين

التغيير

التمرد

الانحلال

الصدمة

التميز

الدهشة

هذا هو اسم اللعبة.”ص 24-25

ومن ثم ينتقل البطل الأول إلى يوتوبيا ليلتقي (جابر) البطل الثاني ، والحبكة أن الأول يريد الظفر بالثاني وينتزع يده كتذكار ، إلا أنه يسقط في قبضة الثاني تمامًا بسبب خطإ ما ، وينتقل المؤلف لوصف حال المصريين في دولة الأغيار قائلًا على لسان بطله الثاني المخيف:

“يمكن للمرء أن يتحمّل الحياة بلا مأوى

بلا مأكل

بلا مشرب(ربما بضعة أيام)

بلا ثياب

بلا سقف

بلا حبيبة

بلا كرامة

بلا أسرة(باستثناء صفيّة)

بلا ثلاجة

بلا جهاز هاتف

بلا جهاز تلفزيون

بلا ربطة عنق

بلا أصدقاء

بلا حذاء

بلا سراويل

بلا فلوجستين(مخدّر)

بلا واقٍ ذكري

بلا أقراص للصداع

بلا مؤشر ليزر

لكنه لا يتحمل الحياة بلا أحلام

منذ طفولتي لم أجرب العيش بلا أحلام

أن تنتظر شيئًا..أن تُحرم من شيء..أن تغلق عينيك ليلًا وأنت تأمل في شيء..أن تتلقى وعدًا بشيء..

فقط في سن العشرين أدركت الحقيقة القاسية ، وهي أن علي أن أحيا بلا أحلام ، لن يكون هناك شيء يا صاحبي ، لا اليوم ولا غدًا ولا بعد غد ..

حياتك حاضر طوييييييييييييييييييييــــــــــ (ماذا تنتظر؟) ــــــــــــــييييييييــــــــــــ (لا شيء) ــــــــــــييل قاسٍ “!

المجتمع المصري هناك ليس به أية فضيلة من التي يتشدق بها المصريون اليوم ، فهو مجتمع يأكل رجاله من أثداء نسائه ، وتغتصب فيه الأطفال كعادة مألوفة يومية ، وتؤكل فيه القطط والكلاب وجلود الدجاج وأرجله ، وتنتشر فيه العصابات والأمراض والطفيليات والقذارة والمخدرات والعاهرات والجرائم الرهيبة ، ورغم ذلك يتمتع بكثافة سكانية عالية جدًا ، ويمثل سوقًا مهمًا لتجارة يوتوبيا ، برغم أن سكانه لا يملكون شيئًا تقريبًا لكن لو أن كلًا منهم-كما يقول المؤلف-اشترى زيتونة واحدة لكون البائع ثروة .

ورغم أن جابر عليم بما ينتظره على يد (الصياد) إلا أنه لا يستطيع قتله لسبب ما ، شيء ما اكتشفه جابر ينبض داخله-ربما هو الإنسانية-يمنعه من الفتك بخصمه ، ومن ثم يصر على تهريبه من أرض الأغيار إلى يوتوبيا ثانية ، لكن الصياد وهو على بوابة مدينته يقتل جابرًا وينتزع يده برغم هذا ، وهنا يتم إلقاء الضوء على نفسية الصياد ، فهو كاره لهؤلاء الحمقى الذين رضوا بحالهم وبقدر البشر كأنه قدر الله وانتظروا ليحدث لهم كل هذا ، ولكن جريمة الصياد تفجّر ثورة في الأغيار الذين يندفعون إلى يوتوبيا ، ويبدأ المارينز في حصدهم على الحدود ، وتنتهي الرواية بمشهد الصياد وهو ينتزع سلاحًا من يد أحد المارينز ليطلق النار بنفسه على الجموع الغاضبة مدفوعًا بالكراهية لهؤلاء الضعفاء الخنوعين الذين ثاروا بعد فوات الأوان .

من وجهة نظري تقع الرواية في بعض السلبيات الأدبية ، أهمها عدم استغلال المناطق السيكولوجية والفكرية لدى البطلين ورفيقتيهما ، والتي كانت قد تسمح بالتعميق ، مما يوحي بأن الرواية ما تزال إلى حد ما في إطار الأدب السلاسلي إن جاز التعبير ، ومشكلته أنه قليل العمق ، يمكنك مثلًا أن تتساءل عن موقف البطل الأول الأيديولوجي من الاشتراكية ، من حقوق الإنسان ، من النزعات العرقية والقومية ، وموقفه النفسي من أمه وأبيه وعشيرته ، موقفه من الإسرائيليين بشكل أكثر تفصيلًا ، ومن العرب والأمريكان..إلخ .

غير ذلك مناطق التسجيل في الرواية ، ففي رأيي لم تخدم السياق ، وكان أغلبها زائدًا عن الحاجة ، إما لأنها معلومات معروفة ومعيشة ، وإما لأنها ليست قوية الارتباط بالحدث ، مما قد يؤدي إلى الظن في اقتطاعها دون مساس بالدراما ومصداقية السرد ، كما في ص52 ، ص81 ، ص98.

الغلاف كذلك لأحمد اللباد تقليدي جدًا وغير معبّر إطلاقًا .

يقول الصياد:

“الشتات!!

هذا لن يكون..هذه أرضي وهذا عالمي ، ولدت هنا ، لو كان أبي قد سرق هذه الحقوق فهي قد صارت لي بحكم الوراثة ، ولن أتخلى عنها من أجل أمثال جابر والمتسولين وعاهرات الأزقة.”

ويقول جابر:

“لقد جمع بلفور اليهود في وطن واحد وعدهم به ، وبهذا أراح العالم منهم …اعتقادي أن هناك وعدًا آخر ..ثمة شخص جمع الأوغاد والخاملين والأفاقين وفاقدي الهمّة من أرجاء الأرض في وطن قومي واحد هو مصر ، لهذا لا تجد في اليابان فاقد همة ، لهذا لا تجد في ألمانيا وغدًا ، لهذا لا تجد في الأرجنتين أفاقًا ، كلهم هنا يا صاحبي!”

ويقول المؤلف على الغلاف الخلفي:

“كنت أقول لهم:

-هأنتم أولاء يا كلاب قد انحدر بكم الحال حتى صرتم تأكلون الكلاب ..! لقد أنذرتكم ألف مرّة..حكيت لكم نظريات مالتوس وجمال حمدان ونبوءات أورويل و هربرت ج. ولز..لكنكم في كل مرة تنتشون بالحشيش والخمر الرخيصة وتنامون…الآن أنا أتأرجح بين الحزن على حالكم الذي هو حالي ، وبين الشماتة فيكم لأنكم الآن فقط تعرفون..غضبتي عليكم كغضبة أنبياء العهد القديم على قومهم ، فمنهم من راح يهلل ويغني عندما حاصر البابليون مدينته..لقد شعر بأن اعتباره قد تم استرداده أخيرًا حتى لو كانت هذه آخر نشوة له .. إنني ألعنكم يا بلهاء..ألعنكم !”

مناقشة ديوان الأمر-د.حسن طلب


من اليمين: كريم الصياد، د.حسن طلب، أ.خالد عبد الهادي

كانت أهم فقرات اليوم 4-11-2007 بمركز طلعت حرب الثقافي، في مناقشة ديواني الأول، حديث الدكتور حسن طلب الشاعر السبعيني الكبير، وأحد الأقلام الأصيلة والمجددة في شعر التفعيلة، شكلًا ومحتوى، وقد منحني ما لم أستحق من جهة، وما لم أستطع الموافقة عليه أو رفضه كذلك من جهة أخرى من حديث عن الأفكار الرئيسية في العمل، كان د.حسن طلب متحمسًا للعمل بما لم أتوقعه، وأثرتْ في كلماته، وأشعرتني أنني بلغت الرضا عن عملي في المرحلة السابقة، لا أستطيع كما قلت أن أحسم الجدل الذي بدأ حول أفكار هذا الديوان، فهو من أهداف العمل، ومن أساسيات موقفه التأويلي الذي كُتب في سياقه، على أن أغلب حديث د.حسن طلب دار حول الفلسفة الوجودية كما يلاحظ أي متخصص يستمع إليه، وكذلك حديث الناقد أحمد حسن من بعده، ولو قارنّا كل ذلك مع دراسة محمد منصور عن الديوان ذاته”الثنائيات الجدلية في ديوان الأمر” لوجدنا اتفاقًا في الرؤية، مما يجعلها الرؤية الأكثر شمولًا وغالبية.

مرفق به بعض الصور من اليوم، عدسة محمد عبد الله، الشاعر الآدمي الفظيع، لم أستطع تفريغ غير الجزء الخاص بـ د. حسن طلب، وقد تلاه بالحديث النقدي الأستاذ خالد عبد الهادي الباحث الفلسفي والشاعر، والناقد الشاب أحمد حسن، والشعراء والأدباء:مصطفى علي، عادل محمد، مصطفى رزق، ثم قمتُ بالرد على المداخلات، وقام الشاعران محمد مجدي ومحمد سالم بإلقاء قصيدتين من الديوان، ليكون مسك الختام .

د.حسن: أيها الأخوات والأخوة، طاب مساؤكم، هذه هي المرة الأولى التي أحضر في هذا المكان، وأتمنى ألا تكون الأخيرة، وإن كان ابني وتلميذي وصديقي كريم قد أعطاني في تقديمي أكثر من حقي؛ لأنني أومن بضرورة متابعة الأعمال الجديدة، ومتابعة أخبار أصحابها، خاصة وإن كانت متميزة، وهو واجب لا يُشكر عليه أحد، وسأحاول في هذه الجلسة التي تجمعنا في هذا اللقاء الحميم أن أقدم لكم بعض الانطباعات، التي يمكن أن يقولها شاعر عن شاعر، ربما كانت المهمة النقدية من وظيفة النقاد، ولكن هذه الانطباعات ستحمل بالضرورة بعض الرؤى والآراء النقدية قدر ما أستطيع، وقد أقرأ لكم بعض الشواهد الشعرية من شعر كريم، غير أنني لن أستطيع قبل أن أعثر على نظارتي التي نسيتها في الدور العلوي، فإلى أن أعثر على هذه الآلة يمكن للأستاذ كريم أن يقرأ قصيدةً من الديوان لكي تكون خير مفتتح لهذه الجلسة .

كريم: يبدو أن آخر شيء أستعد له هذه الجلسة هو الإلقاء، وأتمنى على أية حال ألا تكون هذه القصيدة موضوع الإلقاء من اختيار أحد الملقين لشعري اليوم:

“لما هوت كل السقوفِ،
وأفرغت كل القلوب تدفقاتٍ من دماها
كانت سطوح جوامد الأشياء تَجْعَدُ في انكماشْ
وعيون كل الناس تقفز في اندهاشْ
تتحرر اليوم العظيم من المحاجر في انتعاشْ
وعظامهم تحتج فيهمْ،
ثم تخرج من رداها
أحسستُ برد الروح فيهم عندما..
سافرتُ كالتظليل فوق ثيابهمْ
من بين طيات القماشْ
ورأيتهم يتساقطون على ظهور الأرضِ،
والأرض استساغت طعمهمْ
وتحرّقتْ في شهوة الأرض التي..
احترقت لتأكل ما سواها
أنذا أرى عظْماتهم بِمِعَى الأراضين التي..
قبضت علي أطرافهمْ،
أنذا أراها
لو أُلقيتْ في القبر جثةُ واحدٍ
فَتحتْ بجوف القبر فاها
بلعته في شبقٍ لتنظر للذين بقوْا عليها..
في ارتعاشْ .!
* * *
ها هم أولئك يجمعون قليلهمْ،
يبنون بيتًا من هواجس الانقراضْ
صارت مخاوفهم كدين الغالبيةِ،
والأقليات مثلي لم يروْا لهمو إلها
نادى عليّ دعاتهمْ،
فغضضت قلبي في انقباضْ
وأريتهم صورًا لوجهي حين شاها
من عسف منطقهم بكل مسلمات الإفتراضْ
لما رأوني هاربًا من كل سقفٍ ساقطٍ دون اكتراثٍ لا يُضاهَى..
خرجوا من الأجساد لما رجرجتْهم في انتفاضٍ
وانتفاضٍ
وانتفاضْ
كانوا يضلون الطريقَ إليّ دومًا كلما..
صارت لعيني قدرةٌ..
أن تبصر الآفاق أوضحَ
في الطريقِ
إذا تماهَى .!
* * *
أنتم أولئك سائرون إلى المصيرْ
وأنا أصيرْ
أنتم تظللكم سماءٌ ما عرفتم منتهاها
وأنا أطيرْ
وأرى بمرآة الصباح إذا وقفتُ لأربط الكْرافتَّ في لمس احترافٍ ما تلاها
مرآة صبحي لوحتي،
لو أنني أبصرتني..
لو أنني ما رقت لي..
لرسمتني
في كل تفصيلٍ شرارة عبقريٍّ كلما هدأتْ تثورْ
كي تخرق المعهود بعد مدارس الخَلْق القديمةِ،
لمعةٌ منها تصير لكل فنٍ تقنياتٍ محدثاتٍ واتجاها
أنتم أولئك تهربون بلا مفرٍّ من سماءٍ آتيهْ
وأنا أهندم ملبسي،
وأمشط الموجات في شَعري القصيرْ
قلقي تحول ساعةً
كي لا تؤخرَني الحياةُ لثانيهْ
عن..ملتقاها .!”

د.حسن: يعني أنا أظن أن هذه القصيدة التي قرأها عليكم كريم تمثّل الاتجاه العام للديوان ككل، فإذا بدأنا من عنوان الديوان وهو “الأمر”، هذه الكلمة الدالة الموحية الحاسمة الحادة كالسيف التي اتخذها الشاعر عنوانًا لهذه المجموعة الشعرية الفريدة -وسأقول لكم لماذا هي فريدة بعد قليل-فمن حقنا أن نتساءل أي أمر هذا؟ ومن الذي أصدره؟ وإلى من؟ هذا الأمر في حقيقة الأمر حين نقرأ هذا الديوان قراءة متأنية واعية، فسوف لن نبذل جهدًا كبيرًا لكي نتبين أن الأمر هو هذا الفعل الخالق، هذه الكلمة الخالقة، هذه الكلمة التي لا تحتاج إلى وسائط للخلق، هذه الكلمة التي تشكل أولية الوجود قبل أن يظهر الوجود إلى الوجود، هذه الفكرة موجودة في التراث الديني المقدس، وفي التراث المصري القديم، الإله خنوم الذي يخلق من الفخار، والإله بتاح الذي يخلق من الكلمة التي صدرت من اللسان وأوعز بها القلب بدون وسائط، فهذا الأمر لو تأملناه يمكن أن يكون لغزًا ميتافيزيقيًا ولغويًا، كيف يكون هذا الأمر الخالق؟ وهو ما يحيلنا إلى اللغة، اللغة التي بدونها لا يتحقق الوجود، والقادرة على أن تترجم الوجود وأن تظهره، تمظهره، تجعله محسوسًا موجودًا بالفعل، إن المكانة التي يتحدث بها هايدجر عن أن اللغة بيت الوجود لا يمكن فصلها عن الخلق، ووجودنا كبشر مرهون بوجود اللغة، وهو ما يُلاحظ في اعتداد كل شعب بلغته الخاصة، وقد كان العرب يقولون عن الأجانب أعاجم، واليونانُ عن الأغراب برابرة، وفي رأيي أن مفتاح النظر إلى الديوان هو إعادة تشكيل الوجود من جديد ابتداءً من اللغة، وما دام استعمل كلمة الأمر في العنوان بهذا المعنى فالبطولة هنا للغة، بوصفها هي الحامل لهذا الأمر، وما دمنا نعرف أن الديوان يتعامل مع هذه الفكرة الفلسفية العميقة، فعلينا ألا ننتظر تقديم أي رسالة أخري من الرسائل التي اعتدنا أن ننتظرها من الشعراء، فقد مرت بنا تجربة الرومانسية التي كنا ننتظر فيها الشعراء أن يعبروا عن عواطفهم، هو لا يعبر هنا عن عاطفته، لأن المنطلقات الأساسية والرؤى وراء الديوان لا تسمح بذلك، ومرت بنا تجربة الشعر الواقعي، حيث كنا ننتظر من الشعراء أن يعبروا عن همومهم الاجتماعية والسياسية وما إلى ذلك، وعلينا ألا ننتظر ذلك أيضًا من الديوان، فاللغة في هذا الديوان غاية في حد ذاتها باعتبارها سر الوجود، وإنسانية الإنسان، والإنسان-هذا الكائن اللغوي-عليه ألا يتعامل مع اللغة باعتبارها مفردات، ولكن باعتبارها كائنات، وهي فكرة ليست غريبة أيضًا عن تراث الفكر الإسلامي، كما نجد لدي فرقة الحروفيين في القرن الرابع الهجري وخاصة لدي فضل الله الحروفي، حيث اهتموا بتفسير الحروف المقطّعة في أوائل بعض السور، حتى وصلت القضية إلى الوجدان الشعبي أيضًا في ظاهرة الأحجبة .

إذن فالقضية هنا في هذا الديوان قضية اللغة الخالقة، وقضية الخلق، وقضية الوجود، ولذلك أنا سعيد بتجربة كريم وأحس بتفردها لأننا نفتقر لهذا النوع من الشعر الفلسفي العميق، أذكر أن في الأربعينات من القرن الماضي دعي طه حسين لتقديم ترجمة عبد الوهاب عزام للشاعر الكبير محمد إقبال، وأنتم تعرفون أن شعر محمد إقبال أيضًا يتضمن هذه الدرجة من العمق الفلسفي، وكان أهم ما قاله طه حسين في هذه المقدمة: هذا ثاني شاعر فيلسوف في الشعر العربي بعد أبي العلاء المعري، وهو ما يعني أن هذا اللون من الشعر الفلسفي يكاد يكون غائبًا، فلا يوجد أحد يكتب ديوانًا يحكمه همٌّ فلسفي من أوله إلى آخره بهذا الشكل، هذا الهم الكوني عندما يستولي على شاب مثل كريم، ويستطيع كريم أن يجسد هذا الهم من خلال لغة بهذا المستوى، فعلينا أن نقف ونقول أن هناك اتجاهًا قد وُجد على استحياء في تراثنا، ولكنه وجد من يحييه ويستمر فيه ويقدم وجهًا آخر له، فهو هنا لا يكرر المعري، ولا يكرر إقبال، مثلًا إقبال شاعر صوفي، وكريم بعيد إلى حد ما عن الصوفية، وسأقول لماذا بعد قليل، أما المعري فله وجه فلسفي عقلاني، أنتم تعرفون أن المعري اتخذ لنفسه فكرة أساسية واعتبر نفسه رسولًا، فكرة الإعلاء من شأن العقل، والشك في كل شيء، والمعري حين يكتب رؤية فلسفية يكتبها من وجهة عقلانية، خاصة في اللزوميات، وكان هذا للمرة الأولى في الشعر العربي، يتعامل مع الأسرار ويبحث عن الحقيقة على ضوء العقل، لكن كريم لا، فالعقل عنده ليس هذا العقل الذي يرتب النتائج على المقدمات، لكن الفلسفة عند كريم موظفة توظيفًا آخر لا هو عقلاني محض كالمعري، ولا صوفي كإقبال، فكريم يستفيد بكل ذلك .

فهو يتعامل مع الإنسان كذات، بل اعتبرَ أن ذاته هو تنوب عن كل الذوات، واستعمل كل التراث الصالح ليخدم هذه الفكرة، من أول قصة الخلق، وكانت التوراة أقدم الكتب المقدسة التي تعاملت مع هذه القصة، وهو يعود هنا ليستلهم هذا التراث، لا ليتبع رؤاه، بل ليوظف هذه الأفكار لخدمة القصيدة، ولصالح التجربة، فالديوان كله في رأيي برغم كثرة عناوينه إلا أنه قصيدة واحدة، هو يخدعنا بهذه العناوين، ولو لم يكتبها لشعرنا أننا أمام قصيدة طويلة واحدة تجسد ما رآه.

فما الذي رآه ؟

إن الرؤية التي رآها كريم رؤية واحدية تريد أن تتغلب على الثنائيات في الوجود، نحن نعلم أن هناك مدارس كثيرة فسرت كيفية خلق العالم وطبيعة الوجود، فهناك النظرة الواحدية التي ترد الوجود لمبدإ واحد، كالإله الواحد، أو الماء، أو الهواء، وهناك مذاهب ثنائية كالخير والشر، النور والظلام، الوجود والعدم، وهناك مذاهب الكثرة كالذرية والبراجماتية مثلًا، والرؤية عند كريم رؤية ذاتية، ترى الوجود عبر مرآة الذات، فلو رأيناه عبر العقل لوقعنا في الثنائيات، لكن كريم يجعل الذات مركز الوجود، وبالتالي يضع يده على وحدة الوجود ويعبُر الثنائية، وهناك ثنائيات غير ما ذكر، هناك مثلًا ثنائية الإنسان والظل، وثنائية الإنسان والله، ومذهب وحدة الوجود يتجاوز هذا الفصل، طبعًا أنا أحاول أن أترجم شعر كريم بالمفردات الدينية لكن شعره في الحقيقة في وادٍ آخر، وادي الذات التي هي المركز، وحينما يبدأ الإنسان بذاته تنتهي الثنائية وتصبح الذات مشتملة على الحقائق التي تدركها، وسنرى كيف يتجاوز ثنائية الخالق والمخلوق ويعبر الفجوة بينهما، كما نقرأ في دائرة الخَلق:

“أعكس نفسي في كل سطوحي
أنشر كل دعاتي
لتعود الأرض بيوتًا للإنسانِ،
وبيتًا للهِ،
ويصبح بيتي متحف كل غريبٍ لتلاميذ الفنِّ،
وطلاب التاريخِ،
وعلم أجنة كل الأشياءِ،
وتصبح روحي..
ترشدهم في غرفاتي .!”

فهذا عبور للثنائية.

وهناك ثنائية الإنسان والظل، كما في تجسدات نصفية:

“هكذا ..
كل يومٍ تضيع الصلهْ
بين ما كنت أوشك أن أفعلَهْ
وجميعِ الذي سوف أفعل حتمًا إذا ..
كل ظلٍّ يعود إذا دارت الشمس دورتها كاملهْ
يتحرك حين يراني
بلا أغنياتي
بلا ممكناتي
بدون لساني
ويسقط فوق بياض الصحاف بقامته المائلهْ
ثم يقعد حيث مكاني
ويكتب سكتته الهائلهْ
ثم يهرب حين أراها وأنطق فيها المعاني
إذا جاءني اليوم سوف أقاوم رعبًا،
وطفلًا،
وشيخًا
بقلبي، إذا ..
جاءني
سوف أقبضه في انشطار الثواني
وأنظر في عينه الذاهلهْ
ثم أفعل شيئًا رهيبًا
وأفعل شيئًا رهيبًا بهِ
هكذا ..
هكذا ..!”

وهناك فكرة أخرى هامة عند كريم : هي فكرة العوْد الأبدي، وهي فكرة تعتمد على أنه لا شيء يفني، ولا شيء يوجد من العدم، وإنما كل شيء يتحول فحسب، كي يعود كل شيء في دورة أخري جديدة وهكذا، وهي فكرة السنة الكبرى قديمًا، ونجدها أيضًا عند نيتشه حديثًا، وعندئذٍ تُطرح فكرة خلود الذات، هل توجد الذات إلى مدى لا نهاية له ؟ ونجد شيئًا غريبًا-في الديوان-فالخلود أسهل من الموت، ولا توجد فكرة الموت في الديوان ككل، فكل شيء يتحول من حالة إلى حالة لكنه لا يموت، بل يتحدث أيضًا صراحةً عن استحالة وجود الموت، أليس كذلك؟؟

كريم: (صمت)

د.حسن: سأقول لكَ صفحة كم، صفحة 113، نجد :

” لم أمتْ
صرتُ طيفًا وراء الستار تذبذبْ
وأنا سائرٌ خلف آثار من ماتَ،
أعرف أن خلوديَ أقربْ
في طريقيَ من أن أموتْ .!!”

الموت لا يوجد، أما الخلود فهو سهل جدًا، فكرة لا نستطيع أن نقول عنها أنها صوفية، فلو كانت كذلك لوجدنا فكرة وحدة الوجود كما طرحها الصوفية المسلمون وغيرهم، لكننا نجدها متحققة من خلال الذات، في هذه التجربة الحية والخصبة والمثيرة، والتي جعلتني أتوقف عندها، لأنني في حقيقة الأمر أستغرب حقيقة غياب الشعر الفلسفي، وكريم مثلي، فأنا أدرّس الفلسفة، وكريم كذلك، ولكنني لا أقبل أن يكون الشعر عنصرًا ثانيًا في أي معادلة، كما أنني أجد شكلًا من أشكال احتقار الثقافة لدى الكثير من الشعراء الجدد والقدامى أيضًا، لذلك تجدونهم يكتبون شيئًا أقرب على تداعي الخواطر، ويكتبون النثر الرخيص، أنا لست ضد قصيدة النثر، ولكنني ضد النوع الرخيص منها، الذي يخلو من القدرة على توظيف اللغة، والقدرة على بناء معمار مثل هذا المعمار، وقد لاحظنا منذ أعوام سيطرة شعراء النثر على الصحف الأدبية وبعضهم أعلن نهاية شعر التفعيلة والعمود، وقد قلتُ لهم أن في الفن لا شيء ينقرض، ومن الممكن أن يطلع علينا غدًا شاعر كامرئ القيس والمتنبي، وفي بريطانيا في القرن 19 نشأت حركة تدعى
Pre-rafaelism
أي: العودة إلى ما قبل رافائيل، لأن الفن لا يعرف القديم .

إنني سعيد بهذا الجيل الذي رأيت فيه مجهود شباب (كنزار شهاب الدين) أيضًا، وبرغم أنه يكتب في إطار مختلف إلا أنهم كلهم تجمعهم هذه الجدية، وهذه الرغبة في تقديم شيء جاد محترم، شيء كان لا يمكن أن يقدم إلا بعد ثقافة هائلة، ومعاناة هائلة، وتركيز شديد يستطيع أن يضفي الوحدة على هذا الشتات من الأساطير ومن التراث الديني والقضايا الفلسفية ويخلع عليها هذه الوحدة، بقوة الكلمة الخالقة، بقوة الشعر، فتحية إلى كريم على هذه التجربة .

الفيلسوف السلبي

“صورة امرئ القيس ومعلقة دوريان جراي”
قراءة في ديوان” هنجراني” لمحمد سالم عبادة


إن الفكرة التقليدية عن ثبات العالم واستقرار القيمة تحدُث في الذهن نتيجة غض البصر التلقائي عن الكون، أما الشاعر هنا فتوجهه قيمة النظر والتأمل والاستغراق في الرؤية، إنه الفيلسوف السلبي الذي اختار أن يعبّر عن سياقه الخاصّ باللا سياق، وعن رؤيته الخاصة بإغماض عينيه، هو صورة امرئ القيس الذي أسرف الشاعر في ذكره في قصائده، صورته الخالدة التي لا تبيد وتظل شبابًا، كلاسيكية الشكل واللغة حول مضمون حداثي وما بعد حداثي، فهو معلقة دورْيان جراي الذي خاف من أن يشيخ فطعن صورته كما طعن الشاعر هنا قصيدته

1- تمهيد:

نحاول في هذه الدراسة المختصرة تطوير خطوات المنهج الفينومينولوجي (الظاهرياتي) في دراسة الأدب لمناسبة موضوعه، مع تحديد خطواته ووظيفة كل خطوة، وعلاقة هذا التطوير بالنقد الغربي المناظر، ويمكن للمهتمّ بالعملِ الأدبي والتطبيقِ النقدي أن يتجاهل القسم الأول النظري من الدراسة ويعبر إلى القسم الثاني التطبيقي مباشرة بعد التمهيد، فالجانب النظري لا يهم سوى النقاد أو الباحثين المتخصصين.

وتحاول هذه الدراسة تجاوز الأزمة المزدوجة الشهيرة في نقد الحداثة: اللا حكم عند البنيويين، واللا معنى عند التفكيكيين، وهذا يعني أن الدراسة ستحاول النفاذ إلى عقل المؤلف في النص من جهة، والربط بين هذه المرحلة ومرحلة الحكم على المعالجة التي تمت في النص لهذا العقل(أو الموضوع الأساسي) من جهة أخرى، أي: الجمع بين الفهم والقيمة، بين الحكم الوصفي والحكم المعياري، ضد موت المؤلف، وضد التأويلات اللامتناهية واللعب غير المقنن وغير المحدود في النص وبالنص.

2- القسم الأول: القراءة:

تتم هنا إعادة بناء خطوات المنهج الفينومينولوجي مطبَّقًا في الأدب باستلهام مبادئ المنهج الفينومينولوجي عند هوسّرْل، وتطبيق المنهج عد مدرسة جنيف النقدية، مثل: مارسيل ريمونMarcel Raymond، وجان روسيهJean Rousset، وجان بيير ريتشاردزJean-Pierre Richards، وجورج بوليهGeorges Boulet، وألبير بيجانAlbert Beguin، وجان ستاروبنسْكيJean Starobinski ، حيث رأى هؤلاء أن النص الأدبي شكل من أشكال الوعي، وأن النقد شفافية متبادلة بين الأذهان(الناقد-المؤلف-القارئ)، وهؤلاء الستة بالذات يوسعون من مفهوم الوعي المقصود ليشمل سائر أشكال المعتقدات والمفاهيم(انظرْ:Hillis Miller:Theory Then and Now,Hemel Hempstead,Harvester Wheatsheaf,1991)

وليس الهدف الوصول إلى حقيقة موضوعية توافق عليها كل الأطراف، بل أن تعود للنقد الأدبي والفني عمومًا وظيفته في التفسير والحكم على العمل، تلك الوظيفة التي يعتبرها البعض (أو الغالبية) الآن سذاجة لا تُوصف، ولكن بحيث لا يُسقط الناقد على النص رؤاه سابقة التجهيز، وقد تطرف النقد الغربي الحداثي في اتجاهين: الأول يضم الذين تمرّدوا على الذات الوجودية(البنيويين)وحاولوا أن يؤسسوا علمًا للنقد يقوم على الموضوعية المطلقة، فاستبعدوا الحكم القيمي أي: الذات الناقدة، والثاني يضم من تمرّدوا على الموضوعية الآلية وعلى مركزية المعنى وواحدية التفسير، وهؤلاء استبعدوا الموضوع تمامًا من النص ومارسوا طريقة اللعب الحر بالنص من أجل الوصول إلى معانيَ لا نهائية بالنص الواحد تختلف باختلاف القارئ، هؤلاء استبعدوا الذات الناقدة، وأولئك استبعدوا الموضوع النصّي، فكيف إذًا يمكن للناقد من جهة أن يفسّر ويحكم، ومن جهة أخرى أن يستبعد ذاتيته مؤقتًا فيقي النص من التشويه؟ كيف يمكن للنص أن يحتفظ بموضوعيته والناقدِ بذاتيته في الحكم والتذوق في آن واحد؟

نقترح الخطوات الأربع الرئيسية التالية:

1. الإخلاء Evacuation: كما يقول ميللر: يجب أن يبدأ النقد كعملية طرح وإخلاء(المرجع السابق)، يبدأ الناقد إذًا بتلقي النص على براءته الأصلية، بإفراغ الذهن من الشعر عند تلقي الشعر، ومن النثر عند تلقي النثر، فيصل النص إلى تكوينه لا هو(الناقد) الذي يصل إلى تكوين النص، فيتحول الناقد إلى القارئ المنحوت، المنقوش، المنصبّ في قالب العمل، وهو مفهوم القارئ المنحوت Inscribed Reader والقارئ النموذج Model Reader الذي ورد في مؤلفات هُوْثورْن وإمبرتو إيكو(انظرْ: Jeremy Hawthorn: A Concise Glossary of Contemporary Theory, London, Edward arnold, 1994) وانظر أيضًا: Umberto Eco: The Role of The Reader, Explorations in The Semiotics of Texts, London, Hutchinson,1981)

2. المناهزة Approximation أو: بعث المؤلف: بعد الإخلاء والاستعداد التامّ لتقبل وعي المؤلف يجب أن يحاول الناقد قدر المستطاع أن يناهز(يقترب من)فكر الكاتب، كأنه هو الذي يفكر، يحاول أن يتحرك بخطوته، أو يتحرك معه، هذه هي الطريقة الوحيدة لاقتناصه، ولكن الوعي عند الفينومينولوجيين ليس وعيًا محايدًا أو آليًا، بل هو وعي تحكمه قصدية Intentionality وتُوجهه، وبالتالي تنقسم هذه الخطوة إلى خطوتين فرعيتين: الأولى: الإحالة إلى الخارج Phonocentrism أو Logocentrism عكس تفكيك دريدا (انظر مثلًا صيدلية أفلاطون، ترجمة كاظم جهاد، دار الجنوب للنشر، تونس، 1998)، الثانية: فهم المقصد الموجّه للرؤية والرسالة المعرفية في النص، تعنى الأولى باقتناص الوعي والعقل خلف النص، وتعنى الثانية بإبراز طبيعة المقصد ودوره في توجيه وعي الكاتب، وليس المقصد الموجّه لعملية الكتابة(كالمحاكاة أو التعبير أو التغيير أو الاكتشاف والتفسير، ومنها مدارس الفن كالكلاسيكية والرومانسية والواقعية والحداثة)، ففرق كبير بين المقصد الموجه للوعي والمقصد الدافع للكتابة، وفي هذه الخطوة(المناهزة) يتم الحصول على الموضوع الأساسي Theme ، وهو ما قد يكون لا موضوعًا باعتبار اللا موضوع نفسه موضوعًا من الموضوعات، وعلى الناقد في هذه الخطوة إجلاء وتنقية وتنقيح وتخريج وتحقيق الموضوع قدر الإمكان، مع تلخيصه أقصى التلخيص. وهنا يظهر النص الممكن Possible بين النص القابل للقراءة(التلقي السلبي) Readable والنص القابل للكتابة(التلقي الحرّ الإيجابي التأويلي اللامتناهي)Writable، وقد ورد فقط عند رولان بارت المصطلحان الثاني والثالث، ونقترح نوعًا ثالثًا من النصوص.(انظر: Roland Barthes: S\Z: trans. by Richard Miller, Oxford, Blackwell, 1990, p. 4,5) وهذا النص الممكن هو ذاته المُحال إليه خارجًا.

3. المقاربة Approach والحكم Judgement : بعد الحصول على الموضوع يمكن حينئذٍ معالجة هذا الموضوع كما تشكّل في النص، ومحاولة تصوّره في الوعي، وإبراز عناصر الكمال والنقص في هذا التصوّر فلسفيًا، وعناصر التآلف والتخالف بين أجزائه المكوِّنة مع بعضها البعض من جهة، ومع الشكل الذي عبّر عنها من جهة أخرى، وبالتالي تتم المعالجة على مستوى الموضوع المجرّد مرّة، وعلى مستوى الموضوع المجسّد(في القصيدة)مرة أخرى، وهي خطوة نعود فيها إلى النص مرة ثانية بعد الإحالة في المناهزة، وبالتالي أيضًا يمكن الحكم على المعالجة التي تمت في العمل للموضوع من زاويتين وعلى مستويين: فأما من زاويتين أي من حيث كونه مجردًا ومجسدًا كما سبق، وأما على مستويين أي من حيث هو(في ذاته)بشكل نقدي دون مقارنة، ومن حيث هو(مقارَن) أي مع المعالجات السابقة التي تمت للموضوع نفسه إن وُجدتْ في أعمال أدبية أخرى. والحصيلة النهائية هي تحليل وتقييم الموضوع ثلاث مرات: مجردًا ومجسدًا ومقارَنًا.

4. الإغلاق Closing: أي اعتبار رؤية الناقد للعمل والفنان رؤية مغلقة حتى إشعار آخَر بضرورة تطويرها أو تعديلها أو نقضها، واعتبار أنها رؤية يمكن لها أن تكون موضوعية وخاضعة للاشتراك وحكم الآخرين عليها نقادًا وكتابًا وجمهورًا، رفضًا أو قبولًا، وليست رؤية ذاتية محضة لا يمكن النظر إليها، فمثل هذه الرؤية ليست نقدية، بل هي في أحسن الأحوال عمل فني مجاور للعمل الأصلى، والإغلاق لذلك ضد المبدإ التفكيكي المفتوح من كل جهة، الذاتي، الذي لا يُوجه باعتباره موضوعيًا، ولا يمكن الحكم عليه إيجابًا أو سلبًا.

-بطبيعة الحال لا يظهر في التطبيق سوى الخطوتين الثانية والثالثة: المناهزة والمقاربة، أما الأولى فهي خطوة مبدئية سالبة توازي مرحلة الشكّ الديكارتي، وأما الرابعة فهي خطوة ممتدة في لغة الناقد وعند الاعتبار بالعملية النقدية من حيث مستواها المعرفي.

3-القسم الثاني:

أ_الموضوع الأساسي:

بالرغم من مظهر الديوان الذي يوحي بكونه ديوانًا مجمَّعًا تقليديًا، إلا أن هناك روحًا واحدة واضحة تجمع قصائده، وهو ما يبدو حتى من الوهلة الأولى بعد قراءة خمس أو ست قصائد، ويبدو الشاعر حريصًا في عمله على أن يصل القارئ من البداية إلى هذا الجوهر، فعنوان القصيدة الأولى: في الفعل الهنجراني.لابد وأن يلفت القارئ المتأنّي في تناصّه مع عنوان الديوان، بالفعل، فهذه القصيدة بمثابة مدخل لقراءة العمل كله، ويقدم لنا فيها الشاعر خيوطه الأساسية كلها، ويبقى لنا أن نتتبعها على امتداد الديوان ونجمّعها في بؤرة تصوّرية واحدة، وهذا يعني أن هذه المرحلة من الدراسة(مرحلة اقتناص واستخلاص الموضوع الأساسي)سوف تنقسم بدورها إلى ثلاثة أقسام: الخيوط الأساسية، تتبع الخيوط، ثم جمع الخيوط، وذلك كما يلي:

1- الخيوط الأساسية: وهي التي يمنحنا الشاعر إياها في القصيدة الأولى:

1- السخرية المباشرة:”الأوله صلّ اللهم على الآلاتي/اللي نوتتها شاربه حاجه أصفره”

2- الإشارة إلى حال العبث الوجودي والمجتمعي:”أصل الوجود نفرة حمار”

3- النزعة التأدبية Literariness(باستعمال الفصحي من حين إلى آخر):”والوعدُ مكذوبٌ خبيثٌ هنجراني”

4- اللا سياق كبناء فني وظاهرة عالمية:”أنا سارق اللحظة ومسروق من سياق”

5- اللا مبالاة(عند القارئ)واللا مبالاة المقابلة(عند الشاعر):”خلصت قصيدة الوادْ/وهو ف وادْ/وباقي الناس ف وادْ”

2- تتبع الخيوط:

1- السخرية المباشرة: أظهر الخيوط وأكثرها امتدادًا، فالشاعر غزير السخرية، يعبّر عن أغلب مشاعره وأفكاره بالسخرية من الآخرين ومن الذات، والأمثلة كثيرة من الديوان في هذا المسار: كقصيدة (تشنج) كلها، خاصّة”سأرهق محبوبي صعودًا على اللولب”، و(عسير عنب) مع ألفاظها التي لا معنى لها: تلاتشرات، خعيخع، عبـ وموي، والإضافة الساخرة”أبو لهولهم وأبو لهولي”في تشبيه للشاعر (عماد بعرور) بأبي الهول المعاصر الذي يلقى بالألغاز على مدخل مصر، وقصيدة (تناكة)، وفي(بحث علمي)نقرأ”الإرج في عين أمه غزال”وهو أسلوب الشاعر في صياغة الدعابة، ليس من المعنى، بل من اللفظ واللا معنى المصاحب لتشويه اللفظ الموجود أو اختلاق لفظ غير موجود، ليس من المفارقة التي تفترض أسبقية الفهم، بل من اللعب بالألفاظ واعتصار اللا معنى لتقطير اللا شيء، وهو ما يتصل بموقف الشاعر الذي سيلي ذكره وتفصيله، فهنا تم تشويه(القرد) أو(الإرد) إلى الإرج(وحدة قياس للطاقة)، وألفاظ قصيدة (فصام) التي يلعب فيها التركيب المزجي دورًا في الحبكة الشكلية(القوافي) وبناء المعنى في كل مقطع جديد، وأما الأمثلة على الألفاظ التي لا وجود لها فألفاظ(عسير عنب)سابقة الذكر، وغيرها.

2- الإشارة إلى حال العبث الوجودي والمجتمعي: كما في قصيدة(بناقص دوريان جراي):”كل الكلام عندي أبيض من الطهر أسود من الأغربة”فالأسود كالأبيض، ومثل”لاعلم مريديني: مايدوروش ف الحقايق على الأجوبة” ومثل:”وها نقش على المية دوريان”،”وأضيّع ميراث الحقايق ميراثي وأبيعه بأشعار زهيدة”، وفي(صورة رامي يحيى):”بعدها تخسر تظفر كله محصّل بعضه ف غزوة رامي”، وفي (فصام):”يرفض الحلم من غير أساس”،”ملاك الضياع…الأمينْ”فالوحي المعاصر هو الضياع كما يشير استعمال التركيب(ملاك-أمين)، والرقص بلا هدف، وفي(المعلم الأول):”النصوص اللصوص”ومساواة البديلين الدرويشيين، والعطس من الحقيقة في النهاية، فالزيف والوهم وضع صحّي أو وضع بشري(ص 65)، وفي تكعيب لقصيدة: “في البدء كان الكون نهد”(ص60).

3- النزعة التأدبية Literariness: وهو ما يعني أن الشاعر يفتعل التعبير الفصيح أحيانًا-أحيانًا كثيرة في الحقيقة-ليسخر من الأدب والثقافة والمثقف الذي لا فعل له، وعلى مدار العمل يظهر استعمال الألفاظ الفصحى وبعضها نادر الاستخدام حتى في شعر الفصحى، مثل:”وراغَ إلى الفراغِ فراغ”في قصيدة(بلوتو)ففعل راغَ نادر الاستخدام، والأكثر شيوعًا صيغة راوغَ، تظهر الألفاظ الفصيحة كذلك في:”واعرّي عن العلم بالذات ذوات أصلها الجهل عريًا”مع استخدام المفعول المطلق(عريًا)وفي العامية للتأكيد نستخدم اسم المرّة(قعد قعدة، أكل أكلة،..)، وكذلك نقرأ:”سأرهق محبوبي صعودًا على اللولب”، وفي نوة قاسم:”والله يا مصر وثغرك باسم”، وفي بلوتو”إله البرد والظلمة” وليس (الضلمة)بالضاد، وغيرها.

4- اللا سياق كبناء فني وظاهرة عالمية: فبرغم توحد قصائد الديوان تحت حدس واحد كما سيلي الذكر، لكن طبيعة كل قصيدة على حدة تبدو كما لو كانت بالفعل لحظة منتزعة من سياق كما يقول الشاعر عن نفسه”أنا سارق اللحظة ومسروق من سياق”، وهو هنجراني، لص النَّص، ونَص اللص، وهي ظاهرة بنائية فنية، النص النكتة أو الفزورة، كما هي ظاهرة عالمية واقعية في ملاحظة الشاعر لانهيار الأبنية والنظم المعرفية والقيمية والمؤسسية كما سنرى في قصائد(بحث علمي، فصام، المعلم الأول) على الأخصّ.

5- اللا مبالاة(عند القارئ)واللا مبالاة المقابلة(عند الشاعر): كما في(أحكام اللام الساكنة):”لما تنظر فِ وشوش الناس تشوفهم بالملل ماشيين”وفي(فصام):”غير أنه اتولد وسط مجتمع المغلقين”، وفي(تكعيب لقصيدة):”صلوا عليك بالشعر زورًا يا نبي”. أما اللا مبالاة المقابلة فتظهر في تيمة السكر والعربدة والغيبة المنتشرة في العمل:مثل مقطع(هذيان)، و”وِفْ عزّ ما الدخان ما بيسطلني”في(الدوران حول راس الرجا)، وفي قصيدة(ويسكي باللمون).

3- جمعُ الخيوط:

تجتمع كل هذه الخيوط في(موضوع التفكك) المعرفي والقيمي والمجتمعي، فهذا هو الموضوع خلف النص، والعقل خلف الفن، أو: في الفن بتعبير الفيلسوف جورج سانتايانا، فالنص هنا(وعْيٌ بتفكك العالَم ونسبية العقل)، وهذا الوعي ليس وعيًا وصفيًا شاملًا خالصًا، فالإنسان في الفينومينولوجيا ليس آلة، والمعرفة يوجهها قصد واهتمام وعاطفة وغاية، ما يدركه الرجل يختلف عما تلاحظه المرأة لاختلاف الصفات النفسية والاهتمامات بين الجنسين مثلًا، وما يؤدي إلى الاختلاف في الرؤية هو الاختلاف المبدئي والأسبق في توجه الوعي، لأن الفكرة التقليدية عن ثبات العالم واستقرار القيمة تحدث في الذهن نتيجة غض البصر التلقائي عن الكون، أما الشاعر هنا فتوجهه قيمة النظر والتأمل والاستغراق في الرؤية، إنه الفيلسوف السلبي الذي اختار أن يعبّر عن سياقه الخاصّ باللا سياق، وعن رؤيته الخاصة بإغماض عينيه، هو صورة امرئ القيس الذي أسرف الشاعر في ذكره في قصائده، صورته الخالدة التي لا تبيد وتظل شبابًا، كلاسيكية الشكل واللغة حول مضمون حداثي وما بعد حداثي، وهو معلقة دورْيان جراي الذي خاف من أن يشيخ فطعن صورته(أنا الوقتِ دوريان جراي/مش هموتْ/صوت اللذة يعلَى/وصوت الساعات في خفوتْ)كما طعن الشاعر قصيدته(كل الكلام عندي أبيض من الطهر أسود من الأغربة/وأضيّع ميراث الحقايق ميراثي وأبيعه بأشعار زهيدة)، وآثرَ الزيف على الحقيقة التي تثير العطس(عشان لما ها رجع واشممكوا ريحة الحقيقة أكيد مش ها سامح أكيد لو عطستوا).!

الفكرة إذًا هي الوعي بالتفكك والانهيار(انهيرضع، انهيرفض، انهيرقص، انهياره، انهيار)-في قصيدة فصام، والقصد هو الرغبة في الفهم من جهة، وفي التغيير من جهة أخرى، تلك الرغبة التي لم تجد لسؤالها حلًا ولا لنشاطها فعلًا.

هكذا يكشف هذا النص الذي يبدو لأول وهلة ساخرًا مداعبًا كتابًا في النكت عن عقل فلسفي يعبّر عن فاجعة العدمية، بأسلوب وطريقة لا تقل عدمية، ولا تقل مرارة كذلك، هذا هو الفيلسوف السلبي الذي يعبر عن فلسفته بنقيضها،صاحب النصّ-اللصّ، الهنجراني.

ب-مقاربة الموضوع:

1-الموضوع مجرَّدًا:

الوعيُ بفكرة تفكك العالم وسيولة المعارف والقيم، وهي فكرة شائعة عند الأدباء الشبان من الجيل نفسه، تحت تأثير فساد المؤسسة السياسية بخاصة من جهة، ووافد غربي ما بعد حداثي من جهة أخرى، على أن أكثر الأدباء الشبان في تناولهم للموضوع نفسه يعبّرون عن وضع سيكولوجي في الأساس، كاليأس أو الحزن أو الإحباط مما يدفعهم دفعًا إلى تقلُّد(أو تقليد)حال الوعي بالتفكك كوضع معرفي، فالسيكولوجي أدى إلى المعرفي وهو افتعال، أما محاولة سالم فجاءت على قدر من الأصالة والصدق، فهي تبدأ من الوضع المعرفي(الوعي بالتفكك والانهيار)كما نجد في التركيز على قضية الخصخصة ولو لا شعوريًا: “رنده أقسى من سنين الخصخصة”ص51، “ما فضلش لابن البلد غير لحمه يتخصخص”ص72، وقصيدة (فصام) كما ذكرنا، وكما سنذكر، وفي (بحث علميّ)التي عنوانها الفرعيّ: Uncertainty (الارتياب، وهو مبدأ فيزيائي اكتُشف عام 1927)يتضح الوعي المعرفي باللا يقين العلمي المعاصر على المستوى المنهجي، وكذلك(بلوتو)حيث يبدو فيها الوعي بالانقلاب العلمي على مستوى الحقيقة العلمية، وهذا كله ينتج عنه حالة من الرفض والتآمر على الواقع بالحلم، وعلى الحقيقة بالزيف، هذا هو الفيلسوف السلبي الهنجراني.

2-الموضوع مجسَّدًا:

وهنا نعالج كمثال قصيدة فصام، والمعلم الأول:

أ_فصام: تعتمد القصيدة على توليد المعاني الجديدة المركبة من التركيبات اللفظية المختَلَقة المتمازجة، ويمارس التركيب الجديد دورًا في الحبكة الشكلية من جهة، وتوليد المعاني الجديدة من جهة أخرى، وهذا يحكمه قانونان: الأول عنوان وموضوع القصيدة(فصام)حيث يميل الفصاميون إلى نحت كلمات جديدة لا وجود لها من جذور أصلية(هامش ص 55)، وهي كلمات لا معنى لها، لكنها ذات معنى حاضر في النص، وهو الفعل الهنجراني في الإيجاب والسلب، والرؤية خلف الجفن، والتعقّل بالفم، والإحساس بالمعدة أو الكليتين، أما القانون الثاني فهو ترابط هذه الكلمات الدلالي وبالتالي المقاطع لإفادة الرؤية الكلية: الانهيار، ويمكن تحليل القصيدة مع تقسيمها لمقاطعها أو كلماتها المفتاحية في بداية كل مقطع كالتالي: انهيرضع، انهيرفض، انهياره، انهيرقص، انهيار:

1- انهيرضع:يمكن تحليل اللفظ بالفصحى إلى (انهيار-يرضع)، كما يمكن تحليله بالعامية إلى(إنْ-ها-يرضع)حيث تفيد(ها)التسويف، فيصير المعنى: إن سوف يرضع، وهو التحليل المعتمَد ها هنا وفيما يلي من كلمات مزجية، يقول الشاعر:”لو كان سيرضع فنزّ صدر الأمل طينًا، لو كان سيرضع ولا أمل، لو كان سيرضع من أمه في الأندلس(الغرب المتحضّر)-وواضح أن الشاعر متأثر بتجربته في الغرب-فرفض الرضاع لأنه وُلد في مجتمع المغلقين(الشرق المتخلف)، وحين يرجع من الغرب سوف يرضع بدلًا من الحلم العذاب والأنين.

2- انهيرفض: (إن سوف يرفض): يرفض وجوده في القمقم، وخارج القمقم، ولو سيعرف محبوبته التي داست قلبه، فسوف يرفض تعليق حبال المشانق لنفسه، لكنه سيشنق قلبه بحبل الوتين.

3- انهياره: (إن تكن يارِه): وياره(أو يارا)اسم علم فارسي الأصل بمعنى(قدرة)، فربما كان المعنى: إن تكن قدرة، غير أن ذكر (البنت) يقطع الشك، فربما هي فتاة عرفها الشاعر عمومًا، أو عرفها في الغرب لو كانت إشكالية(الغرب المتحضر-الشرق المتخلف)هي المحور، أو اسم مغنية مشهورة(يارا)، على أية حال لم تصر البنت شكل يارا كما تمنى والدها، فماتت حضارة(حضارة الغرب المتمناة) وبقيت يارة التي ليست على شكل يارا تواسي أباها الحزين.

4- انهيرقص: (إن سوف يرقص): إن سوف يرقص فمايْكل جاكسون مَلاك الضياع الأمين، وهو حامل الوحي المعاصر: الضَّياع والرقص بلا نهاية ولا هدف.

5- انهيار: (إن سيكون يار): واليار بالفارسية هو الجبروت والقدرة مثل (يارِه)، والأمر شبيه في الفارسية بالتحوّر الذي دخل على (زاد لتصبح زادِه أو العكس: بمعنى بِنت)، الإحالة إلى الفارسية نتيجة استعمال لفظتي يارا وشهريار في المقطع السابق والحالي على الترتيب، ومعنى شهريار بالفارسية(جبروت البلد)ويتناصّ مع يارا إيجابًا، ومع البنت(شهرزاد=بنت البلد)سلبًا، ولفظة (انهيار) بتحليلها السابق إلى مركباتها تجهل اللفظ مزدوج المعنى: الجبروت+الانهيار، وهما ضدان كذلك فيه، ويشير المقطع تصريحًا إلى توقّع الانهيار من بُعد في ديار ألف ليلة (المشرق) ولو بعد حين.

وهكذا يحصل لدينا نص متماسك، بل عالي التماسك، يمارس فيه اللفظ دورًا فريدًا غير تقليدي، ويرتبط برؤية التفكك والضياع القابعة خلف النص، بل هي النص الممكن ذاته.

ب_المعلم الأول: يتم هنا كذلك تحليل القصيدة على أساس قسمة مقاطعها، وهي أقرب إلى حوارية شعرية كالتالي:

1- م1(المقطع الأول)-على لسان الشاعر ثم أفلاطون:

تبدأ القصيدة من الهيولى، والنطق الصحيح لها في اليونانية(هيولِيHylo= ὑλο بكسر اللام)، وإن كان الشائع بالفتح، والوجود المنظور عند أرسطو (المعلم الأول) يبدأ كذلك من الهيولى كالقصيدة، يتأمل الشاعر هذه الهيولى كوجود أنثوي محض لم يلقح بعد “وجود أنثوي محض ما فيهش ريحة الفحولة” ، لأن الخلق يحدث من غير عدم عندما تُداخِل الصورة Form المادةَ Matter وهو التلقيح الكوني في ميتافيزيقا أرسطو.

ثم ينتقل الشاعر من الوجود إلى المعرفة وهي القضية الأساسية في القصيدة، “عقول الخلايق ناقصْها الكافولة” أي ما تزال في مرحلة طفولة الوعي وسذاجته، تلك السذاجة ليست الجهل، بل طلب العلم دون الخبرة به، لأن العلم لن يفيد كما يتصور الناس، وستبدو من القصيدة بعد ذلك المبارزة بين أفلاطون وأرسطو على عقول الطلاب، وفي هذا المقطع الأول نقرأ: “وأستاذ بيضحك ويزعق عليهم أكيد إنتو بظتوا” وهم يغنون: “أرسطو يا لهوي في وسطه” والوسط هنا يشير إلى الوسطية الأخلاقية الشهيرة عند أرسطو(الفضيلة وسط بين رذيلتين)، فالطلاب مهووسون بأرسطو، والناس مبهورون بمنطقه وعلمه وموضوعيته وواقعيته، في مقابل أفلاطون الرومانسي الحالم، برغم أنه سيتضح في النهاية أن أفلاطون بخياله ولا علميته أرحم على الناس من أنفسهم.

2- م2-على لسان أرسطو:

(السمين) هنا يشير إلى أفلاطون”سمين المزيَّف وسادد عليكو الطريق لو لاحظتوا”، فاسمه الأصلي: أرسطوكليس: أي الأحسن الشهير، ولُقب بأفلاطون Plato :أي العريض لضخامة بدنه، وهو يسد على الطلاب الطريق حين يوحي لهم باكتمال الحقيقة ونهاية الفلسفة بفلسفته هو الخاصّة التي يراها أرسطو مزيفة.

3- م3-على لسان الطلاب وأرسطو بالتبادل:

الطلاب: تعالَ يا أرسطو يا وحي الهيولى.

أرسطو: من المؤكد أنكم تريدون أرسطوَ خاصًا لأغراضكم.

الطلاب: سنقتل بيدك أفلاطون، فتعال.

أرسطو: كلمة تخرج من أفواهكم، وحين آتي ستنسون أنكم لفظتم.

4- م4- على لسان الطلاب وأرسطو بالتبادل أيضًا:

الطلاب: سنقتل بيدك، ولهذا دلالات كثيرة.

أرسطو: سأقلب هدوءكم، وأقلّب عليكم سنينكم، وسيعرف الكل حينئذٍ مقامه.

5- م5-على لسان الطلاب:

أغنية في مدح أرسطو.

6- م6-على لسان أرسطو:

-سأرى حين أجىء لو كنتم اختنقتم بعد أم لا، سأعيدكم مرة أخرى لبطن الهيولى، هل حفظتم الدرس؟ لأني حين أعود وأجعلكم تشمون رائحة الحقيقة فإنني لن أسامح لو عطستم!

فأرسطو صادم بصرامته، والحقيقة صادمة بأرسطيتها، وأفلاطون الحالم الرومانسي المثالي أفضل من حقيقة بلا أمل ولا يقين فيها(عودٌ على قضية الديوان الأساسية).

3-الموضوع مقارَنًا:

مقارنة عُقدتْ فعلًا بين حال سالم وحال أغلب شعراء عامية جيله، ومقارنات أخرى أكثر تفصيلًا وعددًا يمكن أن تعقد لذيوع الفكرة من جهة، ولتميز موقف الشاعر منها من جهة أخرى، والمقام لا يتسع سوى لمقارنات محدودة كمقارنة فكرة العبث عند سالم بالعبث عند عادل محمد في ديوان تعودْ أن تموت(انظر دراستنا عن عادل محمد بعنوان “الظاهرة السيزيفية” على هذا الموقع):

فالعبثية التي أشار لها عادل محمد عبثية مجتمعية جعلت المواطن المتعيِّن بظروف موضوعية كزمان ومكان وشخصية محددة سيزيفَ جديدًا، يرفع صخرته بلا طائل ولا نهاية، أما عبثية سالم فهي مجتمعية وميتافيزيقية أيضًا، فهي عبثية الحق والقيمة، على المستوى المعرفي والقيمي معًا، عبثية وضع الإنسان في العالم كإنسان في قصة لا يعرف نهايتها ولا قيمتها، عبثية أوسع نطاقًا وأكثر تفردًا في جيل يعاني أغلبه من العبثية المجتمعية كعادل محمد، لذلك كان عادل أقرب للجمهور من حيث الرؤية، وسالم أكثر تفردًا من الزاوية نفسها.

واختلف التناوُل، فعادل يعبر عن العبث باستعمال أسطورة هي بمثابة عنوان فكرة العبث وتجسُّدها الميثولوجي والفولكلوري والفلسفي(كما عند كامو)، أما سالم فعبّر عن العبث بالعبث ذاته، العبث بالألفاظ والدلالات وبالسخرية على حال نفسه والآخرين، وكان عادل قريبًا من الموضوع، وسالم متحدًا به، هو الموضوع.

كما يمكن مقارنة الموضوع بموضوع كريم الصياد في ديوانه الأمر: فالوعي بالعبث والتفكك واضح في قصيدة تأسيسية في ديوانه(سفر التكوين)إذ قال:

“ما جدوى الأسماءْ ؟

الأبعادْ :

أرضٌ وسماءْ

ويمينٌ ويسارْ

وأمامٌ ووراءْ

وأنا أتحرك فيها بحوارْ

بين فناءٍ

وبقاءْ

هل أجرؤ كي أكسرْ ؟

هل أكسر كي أعبرْ ؟

هل أعبر كي أهبطْ ؟

وأخططْ

وأعود كيانًا يتحوّرْ

وأظل نبوءة مجهولٍ لا يظهرْ

في لوح الغيبِ ،

وكُتُب الشِّعرِ ،

ونشرات الأنباءْ”

فالصيرورة هي الجوهر وهي الطبيعة، وكأنه لا كينونة ثابتة للأشياء، ولا للذات، وهو حال التغير والسيولة الدائمة، أما في قصيدة(سفر الخروج)فنقرأ:

“كل يتحول/كل يتأوّل/بين الناسخ والمنسوخْ..لا تحسبْ نفسك خالدْ/بين الأول والأول”

لكن بينما يقف سالم عند مرحلة التعبير عن المعاناة من العبث بالعبث، يخرج الصياد من الحالة:”اليومَ أخرج بالنبوءةِ، أفسخ المنصوص في كل العقود”ثم يقدم الحلّ وهو الذات الفردية المتعالية”سأظل أنسخني وأملأ بي النظامَ أكوّن المستعمراتِ به أحير كل طب النفس فيّ بكثرتي وتعقدي وتداخلي”-قصيدة(مستعمَرَة)، فالأمل قائم لكنه صعب المنال، والإرادة هي الحل، والفردية كلمة السرّ للدخول إلى عالم جديد.

وقد استعمل سالم اللفظ(كما في قصيدة فصام)، واللغةَ(كما وضح في ظاهرة النزعة التأدبية)، لكن الصياد لم يقدم جديدًا على مستوى اللفظ أو اللهجة، وإنما انبهر بموضوعه وقدمه بلغة مراوِغة فحلّ التأويل والغموض عنده  محلَّ التمويه واللعب التفكيكي عند سالم.

والسؤال لسالم:

  1. 1. ماذا بعد الوعي بالتفكك؟ وإلى أين يصل الوعي؟ أو الإرادة؟
  2. 2. ألم يحن الوقتُ للسياق؟ وإلى متى يظل سارقًا مسروقًا؟

3. ماذا عن موقف الشاعر من الثوابت والمستقرات عند الجمهور؟ ومتى سيحاول خلخلة هذه الثوابت أو خلق ثوابت جديدة معرفية وقيمية؟

4. متى سيتحول النص الممكن إلى نص ضروري؟ لتكتمل الرباعية: Readable/Writable/Possible/Necessary؟ وهل سيخرج الموجود بالقوة(النص الممكن)إلى الوجود بالفعل(النص الموجود فعلًا)، هل سيخرج من الهيولي إلى الصورة؟ صورةِ امرئ القيس أو دورْيان جراي؟

كريم الصياد

21-6-2008

ــــــــــــــ

*المصادر والمراجع

1.Hillis Miller: Theory Then and Now,Hemel Hempstead,Harvester Wheatsheaf,1991.

2. Jeremy Hawthorn: A Concise Glossary of Contemporary Theory, London, Edward arnold, 1994.

3. Umberto Eco: The Role of The Reader, Explorations in The Semiotics of Texts, London, Hutchinson,1981.

4. Roland Barthes: S\Z, trans. by Richard Miller, Oxford, Blackwell, 1990.

5- دريدا: صيدلية أفلاطون، ترجمة كاظم جهاد، دار الجنوب للنشر، تونس، 1998.

حداثة الفكر وحداثة الأدب

(البنية الفوقية)

مطر

ما يزال أدب الحداثة العربية متعثرًا في طريقه إلى المتلقي على أرضه ، وبين أبناء لغته ، بل صار كأنه لغة أخرى مستقلة لا سبيل لحل طلاسمها وفك شفراتها في كثير من الأحيان ، وما يزال أهم أعلامه لا يكاد الجمهور يعلم عنهم ألبتة شيئًا ، برغم غزارة إنتاجهم وتنوعه ، وطول العمر الإبداعي لهم من جهة ، ولحركة الحداثة العربية من جهة أخرى .

وتتعقد الأزمة كلما تكشّف المزيد من أبعادها تحت ضوء جديد في كل مرة يُعاد فيها النظر إلى  هذه النقطة ، فإشكالية الهوة التي تفصل المتلقيreceptor عن الأديب لا مفر من دراستها في السياق الحضاري العام الذي هو ما قبل حداثي بكل مقياس ، والفرض الذي تنطلق منه هذه الرؤية تحت ذلك العنوان هو أن المذهب الأدبي قد سبق حضارته وعصره ، وصار أقرب إلى النبوءة prophecy من التعبيرexpression ، وذلك بعد افتقاده عنصر التزامنsynchrony مع المتلقي(التزامن المعرفي) ، ومع أحداث عصره(التزامن التاريخي) .

أدونيس

وربما أمكن الولوج إلى الإشكالية بقدر أكبر من النفاذية بعد ضبط الاصطلاحات ، فالحداثة modernism تطلق في الفلسفة على الفترة الممتدة بين1850و1950م في العالم الغربي ، وبشكل عام هي حالة المجتمع الغربي بعد ازدهار البرجوازية مرورًا بالحرين العالميتين ، وبداية الحرب الباردة(1)، أما من حيث البناء الفوقي الخالص فهي فلسفة المجتمعات الغربية في الفترة نفسها التي ارتأت التأكيد على الفاعلية الإنسانية طريقًا للتقدم والتطور ، واعتبرت مبدأها –العقل- وسيلة نقل الفعل من الخيال إلى الطبيعة ، ومبدأ السيطرة لأنه مصدر المعرفة النظامية غير المقيدة بنماذج إرشادية paradigms سابقة التجهيز ، أي أن هذه المرحلة الفكرية هي النقيض المباشر لفكر العصر الوسيط بتصوراته المسبقة ، وغائيته في التأمل والاستنباط(2) .

أما الحداثة في الأدب فاصطلاح يستعصي على التحديد الدقيق ، وعلى كل يبدو أن التركيز على الثوابت البنيوية للمذهب أقرب إلى استهداف الإشكال الأساسي مباشرة ، دون المرور بمحاولات التحديد الزمني المتعددات المختلفات(3) ، وربما أمكن تلخيص الحداثة العربية في الأدب بأنها الحركة التي نزعت إلى تغيير هيئة الكتابة بالمعنى الأشمل(من حيث الشكل والمضمون)في آن واحد ، تحت تأثير أزمات قومية جسيمة ، ووافد غربي أدبي وفكري عظيم الثراء ، واستهدافًا لغايات ثقافية وسياسية بعيدة المدى ، وذلك اعتمادًا على المبادئ الأربعة التالية :

1. الاعتماد على التجريب بديلًا عن البلاغة ، والتي تقتضي التقييم رجوعًا إلى الشكل الأسمى النموذجي(4) .
2. الاعتماد على تأثير العمل بديلًا عن المعنى(5) .
3. الاعتماد على الرؤية بديلًا عن الطرَب(6) .

4. الاعتماد في الكتابة على الإنتاجية في القراءة ، أي قدرة المتلقي على تأويل النص وإعادة إنتاجه ، وليس على (فهمه) له ، وبالتالي صار النص غير المفهوم ظاهرة لا تعكس خطأً في الإبداع بل في التلقي(7) .

وربما أمكن الاطلاع السريع المركز على هذه المبادئ مجتمعة في شعر محمد عفيف مطر ، وأدونيس ، فهما أهم من مثل الحداثة العربية في مقتبلها ومكتملها(8) ، وتتجسّم الأزمة حين يُتهم الأول بالغموض اتهامًا لا ينقطع(9) مع تجديداته الأدبية الأبدية ، أما الثاني فهو القائل بنفسه أن”الشعر الحقيقي لا يمكن أن يكون جماهيريًا”(10) .

وإذا أكمل المقال مداه في سياق البنية الفوقية تحديدًا ، لأمكن القول بأن سبب اتساع الهوة بين الأديب الحداثي وجمهوره – أو (لاجمهوره)- هو أن المجتمع العربي بكل تأكيد وإلى اليوم لم يمر بمرحلة الحداثة ، وما تزال بينه وبينها عدة قرون من السنوات الضوئية نظرًا لحالة التخلف الثقافي التي استفحلت واستشرت إثر الضغوط الفادحة داخليًا وخارجيًا على عقول المفكرين والمبدعين ، وذلك من خلال عدة مركبات يكفي أحدها لنسف المؤسسة الثقافية عن بكرة أبيها وتسويتها بالأرض في لحظات ، منها المركب السياسي والأبوي والذكوري والديني …إلخ ، ويكتسب التحرير الثقافي أهمية كبرى كآلية تحريرية بعد غلق أغلب السبل أمام الآليات الأخرى ، ويبدو أن الاتجاه المعاكس هو ما سارت فيه الواقعية العربية التي ركزت على التزام الأديب ، في مقابل الحداثة التي ركزت أكثر على استنارة المتلقي .

الهوامش :

1. أوليفر ليمان(محرر): مستقبل الفلسفة في القرن 21 ، ت: مصطفى محمود محمد ، سلسلة عالم المعرفة ، المجلس الأعلى للثقافة والفنون والآداب ، الكويت ، عدد301 ، ص142 .


2. آلان تورين: نقد الحداثة ، ت: أنور مغيث ، المجلس الأعلى للثقافة ، القاهرة ، بدون رقم الطبعة ، 1997م ، ص19 .

3. عبد الرحمن القعود: الإبهام في شعر الحداثة ، سلسلة عالم المعرفة ، المجلس الأعلى للثقافة والفنون والآداب ، الكويت ، عدد 279 ، 2002م ، ص120 .

4. السابق ص140 .

5. السابق ص190 .

6. السابق ص130 .

7. السابق ص15 .

8. السابق ص227 .

9. حلمي سالم(إعداد وتقديم): شاعر مئذنة الدمع ، دراسات في شعر محمد عفيفي مطر ومختارات ، المجلس الأعلى للثقافة ، ط1 ، 2007م ، ص198 .

10. عبد الرحمن القعود: السابق ص129 .

الإنسان الغربي بين الحضور.. والديكور..!

“إذا كان زماننا يسلّم دونما صعوبة بأن للقتل مبرراته، فذلك بسبب عدم الاكتراث بالحياة التي تتميز بالعدمية”

ألبير كامو:الإنسان المتمرّد:ص11

تقديمٌ :

تحاول هذه الدراسة التوغّلَ تحت القشرة الأدبية للحضارة الغربية إلى عمقها السيكولوجي والفكري، وذلك عن طريق تحليل موضوعات وآليات المسرح الكلاسيكي والمعاصر بالتركيز علَى ما يسمي ها هنا بالمركب التراجيدي العبثي، في كل من مسرح التراجيديا ومسرح العبث، وإبراز الطابع المزدوج لكل منهما، والإحالة المتبادلة بينهما، وتتبُّع العوامل التي أدت إلى ظهور هذا المركب على هيئة (ظاهرة) فنية وعقائدية وسياسية واجتماعية، تكاد تفسّر سلوك الحضارة الغربية في تاريخها المعاصر، أو تكون مفتاحًا على الأقل لفهم روحها المعقدة.

وسيتضح في نهاية الدراسة أن هذا المركب الأدبي يمكن إحالته إلى مركب آخر فكري وعقائدي هو المركب الإلهي-الإنساني، الأمر الذي يمكن من خلاله فهم أساس الأزمة القيمية الغربية، وأزمة العالم الإسلامي الحضارية أيضًا، من أجل إكمال الدائرة النقدية .

ومحاولة فهم الظاهرة الحضارية عن طريق تحليل موضوعات التعبير وأشكاله تشبه ما قام به الغرب-على نطاق أصغر-من تحليل للأحلام(من حيث الموضوعات وأشكال التعبير)بغية فهم الشخص، وهو انعكاس/رد فعل منهجي وعلمي يمثّل لما استهدفه مشروع علم الاستغراب Occidentalism-وهو إحدى جبهات مشروع اليسار الإسلامي-من تحويل الغرب إلى موضوعٍ لدارسٍ/لدراسةٍ بدلًا من الاستمرار في اعتباره دارسًا/دراسةً لموضوع .

والهدف من هذه الدراسة-ومن علم الاستغراب عمومًا-هو فهم وتقييم التجربة الغربية باعتبارها تجربةً-من-التجارب الحضارية، وقياس مدى نجاحها، ووصف عناصر هذا النجاح إن وجدتْ .

وتنقسم الدراسة إلى خمسة أقسام رئيسية:

1-  العنصر التراجيدي : وينقسم بدوره إلى : 1-1 : حبكة المسرح التراجيدي

1-2 : الطابع العبثي للحبكة التراجيدية

2- العنصر العبثي : وهو الذي ينقسم إلى:

1-2 : حبكة المسرح العبثي

2-2 : الطابع التراجيدي للحبكة العبثية

3- المنشأ العقائدي للمركب التراجيدي-العبثي : وفيه يتم بحث الأسباب التي أدت إلى ظهور المركّب الموضّح سالفًا في تاريخ الفكر الغربي .

4- العناصر المسرحية بين الإنساني والديكوريّ : وهو تحليل لوظيفة العناصر المسرحية الأساسية للكشف عن دورها الذي لعبته في المسرحين، وعن مؤدَّى هذا الدور، وعن مدى ومتجه التطور الداخل على الأدوات المسرحية من التراجيديا إلى العبث، ويتضمن:

1-4 : اللغة

2-4 : الحَدَث

3-4 : الشخص

5- خاتمة : الأزمة العقائدية الغربية في ضوء المركّب الإلهي_الإنساني.

1-العنصر التراجيدي:

1-1 : حبكة المسرح التراجيدي:

يعرّف أرسطو التراجيديا بأنها”محاكاةٌ لعمل جدي كامل ذي طول معيّن، بلغةٍ مشفوعةٍ بألوان من التزيين يرد كل منها على انفراد في أجزاء العمل نفسه، وبأسلوب درامي مسرحي لا قصصي، وتثير حوادثها الشفقة والخوف لتحقيق التطهير من حدة الانفعالات”[1] ، وأهم ما في هذا التعريف عنصر التطهيرKatharsis، الذي يفترض كون البطل غير مستحق لما يحل به من شقاء، برغم أنه ليس خيرًا كل الخيرية كذلك، وهو ما يثير الإحساس بالخوف والشفقة، أما عن رؤية أفلاطون فقد اعتبرها فنٌا لا أخلاقيٌا إذ تضيّع اعتدال النفس[2] ، ورفضَ تضمنها لعنصر التطهير بالتالي، فالاعتدال فضيلة الفضائل عند أفلاطون، ذلك وإن كانت محاوراته أقرب إلى روح التراجيديا إذ تدور حول المثل العليا(وهي خاصية تعظيم البطل في التراجيديا)ولا تنتهي إلى حل واضح [3].

أما عن الطرح الحديث للفكرة حين النظر في رأي كل من شوبنهورSchopenhauer(1788-1860)، ونيتشهNietzsche(1844-1900)، فيشير إلى تطور واضح في المفهوم ومتجه المعالجة، فشوبنهور يرى أن التراجيديا قمة فن الشعر وذلك لأنها تقدم لنا صراع الإرادة مع نفسها، وتوقظ في الإنسان تلك المعرفة التي تذكره بأن الحياة ليست جديرة بأن يتمسك بها وأن السعادة فيها غير ممكنة، وهي تقدم ذلك المعنى من خلال صراع يرجع مصدره إلى الشر أو القدر الأعمى أو تصادم الإرادات [4]، ويتضح هنا أن شوبنهور حين مجّد التراجيديا فعل ذلك لأنها تلخّص فلسفته في الحياة ومصير الإنسان، بمعنى من المعاني يمكن القول بأن الإنسان بالمعني العامّ للكلمة من منظوره هو بطل التراجيديا، وأن التراجيديا تُحيل إلى ما خارجها بشكل ما .

أما نيتشه فيرى على العكس من شوبنهور ضرورة إطلاق إرادة الحياة على هيئة إرادة القوة der willen zur macht، فالتراجيديا ككل الفنون في رأي نيتشه تعبر عن الصراع بين عنصري العقل والإرادة، أو بين الحلم والسُّكْر، بحيث يجسّد الفن في النهاية اللامحدد في إطار المحدد، الإرادة في إطار العقل، وحين يجسّد كذلك صراع الإرادة البشرية مع الطبيعة[5]-وما وراء الطبيعة أيضًا-.

والواضح أن المفهوم اكتسب تعميمًا كبيرًا في الفكر الأوروبي الحديث(قبل الحربين)على مستويات أخرى غير الأدب، ورغم التعارض الظاهر بين شوبنهور ونيتشه في مسألة إرادة الحياة، إلا أن كليهما يمارس هذا التعميم على الحياة والمصير البشري، فإذا كان (الإنسان) ممثلًا تراجيديًا في رأي شوبنهور، فإن (الإنسان الأعلى) هو من يلعب دور البطولة التراجيدية في نظر نيتشه، فقط نظر شوبنهور إلى الإنسان من وضع رأسي يرى كل الرءوس سواءً، ونظر له نيتشه من وضع أفقي يرى تفاوت القامات والإرادات على الخشبة المسرحية ذاتها ووسط الديكور نفسه، وهو تعميم يرتبط بالعنصر العبثي الذي سيأتي عليه البحث، وعلى فحوى ذلك التعميم أيضًا، فيما يلي .

2-1 : الطابع العبثي للحبكة التراجيدية:

إن جوهر التراجيديا كاصطلاح هو ذلك التناقض الذي يلحظه المشاهد أو القارئ بين الخير والألم في شخصية البطل، فرغم أن البطل قد لا يكون مثاليًا من الناحية الأخلاقية إلا أن مأساته تقع لأسباب خارجة عن سيطرته، أو خارجة عن بشريته، ونظرًا لذلك التناقض يمكن للمشاهِد أن يستشعر الطابع العبثي للحبكة التراجيدية بسهولة، ذلك في ضوء تماهي القيم وتعارض المقاييس بين العالمين : الإلهي-الإنساني، وضياع معنى العدالة الموضوعية، بل إن أسطورة سيزيف ذاتها-والتي كتب عنها الفيلسوف العبثي الوجودي المعاصر ألبير كامو كتابًا شهيرًا عام 1942م-مثال من أمثلة التراجيديا، ويتضح من تحليل نموذجه أن المأساة في التراجيديا القديمة ارتبطت في الأغلب بصراع بين الإنسان والآلهة، فسيزيف أخ سلمونيوس-وهو فرعون اليونان-هو الذي خدع بلوتو إله العالم السفلي ليعود إلى الحياة، وادعى أنه يريد أن يقسم تركته بين أولاده فحسب ثم لم يعد، ويقال أن سبب غضب بلوتو عليه أنه حبس آلهة الموت، ويقال أنه أغضب زيوس حين دلَّ صديقه سوبوس على مكان ابنته إيجينا التي كان زيوس قد اختطفها[6]، كما يتضح فيما سبق أيضًا الصراع بين الإنسان والموت، وهو صراع عبثي في حد ذاته، عامّةً يمكن التمثيل لذلك في إطار رصد ظاهرتين أدبيتين-فكريتين-دينيتين لدى الإغريق كالآتي:

1-2-1 : ظاهرة انعدام العدالة الإلهية:

نظرًا للدين الشركي(الهيراركي)والطبيعة البشرية لآلهة اليونان كان من المستحيل تصوّر الحساب العادل الأخلاقي، بل كان من المستحيل تصور ميزان موضوعي محدد للأخلاق في الحياة الدنيا، وقراءة محاورة أُطيفرون لأفلاطون مثلًا تتيح تأمل هذه الظاهرة فيما يشبه النقد الحضاري الذاتي(وسيلي حديث عنها)، وتحت هذا العنوان يكن إدراج ظاهرتين فرعيتين يتمثل فيهما ضياع معنى العدل الموضوعي : أولًا ظاهرة اللعن : كلعنة بلوتوس أو زيوس على سيزيف، ولعنة زيوس على بروميثيوس، ولعنة لابداكوس التي بدأتْ مأساة أوديب، ولعنة أتريوس التي بدأتْ الأورستيّا(أجاممنون-حاملات القرابين-آلهة الرحمة)[7] ، وغالبًا ما تكون هذه اللعنات لأسباب تافهة من جهة، أو لأسباب ناتجة عن الأنانية في طباع الآلهة من جهةٍ أخرى، ثانيًا : ظاهرة النبوءة : فمعظم المآسي تحققُ نبوءة ما، مما يوحي بفكرة القضاء والقدر التقليدية، وانه لا مفر من المصير المرّ من ناحية، وأنه محدد سلفًا دون أن يخضع لقواعد من ناحية ثانية، نظرًا لاختلاف الأخلاق الإنسانية عن الإلهية باختلاف حدود الحق بين الحالتين .

2-2-1 : ظاهرة عبثية الموت :

نظر الفكر الغربي القديم للموت نظرة تشاؤمية لا خير فيها ولا نعيم ولا حساب عادلًا، بعض أدباء اليونان اهتمّوا مثلًا بموت الأطفال بشكل ملحوظ، كيوريبيدس في(إيفجينيا في أوليس) و(إيفجينيا في تاوريس)حين هدد أجاممنون بقتل إيفجينيا ابنة كليتمنسترا، وكذلك في (الطرواديات)حين توفي استيانالس ابن أندروماخي من هكطور وهو طفل[8](8)، وغير ذلك، والسبب في شعور اليونان بتراجيدية الموت العالية هو شعورهم بأنه عقاب لا حساب، وأن الميت لا يستحقه في الأغلب .

والناظر إلى الإلياذة مثلًا يتبين ذلك الطابع التراجيدي العبثي في كل قصة من قصص أبطالها كل على حدة، فهكطور مثلًا أعظم أبطال الملحمة مجرد متورّط في الدراما لا أكثر، هو غير متضامن مع باريس أخيه أخلاقيًا، ويريد الدفاع فحسب عن مدينته، حتى يصطدم في النهاية بأخيل الذي هو-بشكل ما-شبه إله، وأخيل نفسه يريد الدفاع عن شرف مدينته وملِكه، فيلقى الموت على يد أتفه أبطال الملحمة-باريس-بمعاونة أبوللو .

ذلك الطابع العبثي لم يقتصر على روح التراجيديا قديمًا، بل إن أهم الفلاسفة التراجيديين(شوبنهور ونيتشه)ربطوا بين فكرة عبثية الحياة ولا غرضيتها المطلقة من جهة، وموقف الإنسان التراجيدي من جهةٍ أخرى، ذلك إن لم يكونا قد استخرجا ذلك الموقف من تلك الفكرة أساسًا .

فشوبنهور في (العالم إرادةً وتمثلًا) يعرض نظريته في إرادة الحياة، ولا يجب أن يُفهَم  هذا التركيب ليعني أنْ نحيا أو أن تحيا، بل المقصود أن للحياة ذاتها إرادة تتجلى في طبيعية وحتمية غريزة التكاثر في جميع الكائنات الحية حتى البشر، وما يرتبط بهذه الغريزة الأصلية من حب وفن وجمال، ومن البدهي أن النظر إلى الحياة البشرية من هذا المنظور يضعها في سياق الحتمية Determinism  التي تتنافى مع الغائية Purposiveness، ويجرّد الحياة من كل غرض إنساني إرادي ويجعلها مسرحية عبثية حقيقية، فليس للحياة  الإنسانية هدف إلا تحقيق هدف ذلك السياق الكلي الشامل اللامتناهي غير العاقل: الحياة، وما نحسبه أهدافًا لنا هو في الحقيقة نتيجة لها سبب حتمي طبيعي بيولوجي، يقول شوبنهور مثلًا عن الحب: إن رعشة أيدي المحبين هي ارتعاشة الجنين القادم في الرحم بعد هذا الحب [9](9)، وهكذا يصل شوبنهور-انطلاقًا من العبث-إلى التراجيديا، فموقفه كفيلسوف، وموقف كل من يرى ما رأى، يعبّر عن مأساة اكتشاف الخدعة، واكتشاف تفاهة السعي البشري والمثل البشرية، وذلك دون جناية معروفة .

أمّا نيتشه فأمره أكثر تعقيدًا وإنْ كان سيصل إلى النتيجة نفسها، نظرًا لتعدد المداخل إلى فلسفته غير النسقية، ومنها المدخل الوضعي  Positivisticالذي قدمه كامو في(الإنسان المتمرد)[10](10)، وطبقًا لصورة (نيتشه-كامو) فالفيلسوف الألماني الثائر على قيم عصره لم يفعل أكثر من اكتشاف مغالطة منطقية وعلمية في صورة الأمر الأخلاقي(يجب عليك أنْ تفعل كذا)، هذه الصورة القياسية فاسدة لسببين:أولًا(منطقيًا) أنّ ذلك القول الإنشائي يفترض قولًا خبريًا هو(ما يجب أن يكون هو كذا)، و(ما يجب أن يكون) ليس كائنًا من كائنات العالم لذلك لا يمكن الربط المنطقي بين الموضوع والمحمول(المبتدإ والخبر في النحو)في الجملة، أي أنّ أداة الربط-فعل الكينونة في اللغات الغربية وضمير هو في هذه الصياغة-لا معنى لها هنا، وانطلاقًا من هذه النقطة يستبعد نيتشه هذا الموقف القيمي الذي يقوم على افتراض (ما يجب أن يكون) بوصفه خيرًا دون تقديم مبرر، “الخير هو الذي يحتاج إلى تبرير”[11] (11)، ويمكن تبسيط ذلك بأنه من غير المشروع في رأي نيتشه أن يُقال لك(لا تشرب الخمر) مثلًا، لأنك ستسأل:لماذا لا ؟، وسيُجاب السؤال عدةَ أنواع ومذاهب من الإجابات، يرفضها نيتشه جميعًا : منفعة المجتمع-الاتساق مع الوضع الطبيعي للحياة والعالم-الأمر الإلهي..، وستسأل أيضًا لماذا بالنسبة لكل إجابة، فلماذا عليك أن تنفع المجتمع مثلًا ؟ لماذا لا تنفع ذاتك فقط ؟ وقد تُجاب بأنك لو لم تنفع الآخرين فلن ينفعوك، وبالتالي تقل محصلة المنفعة بالنسبة لذاتك، ولكنك ستسأل: وماذا لو كنت أنا الأقوى ؟ عندئذٍ تصل على الأفق النيتشوي الشهير(الشهير كالأفق):الإنسان الأعلى Übermensch، ولن تحتاج بعد إلى نظريات القيمة وفلسفة الأخلاق، وسيكون هناك قانون واحد فحسب:كن أقوى، فإن لم تكن فلا تعطل الأقوياء من فضلك .

كان ذلك بصدد المغالطة الأولى المنطقية، أما المغالطة الثانية العلمية فأمرها أسهل، هي عدم وجود دليل علمي تجريبي في رأي نيتشه على وجود الإله، فينتفي في نظره الآمِر الخلقي من حيث الوجود، وبالتالي من حيث الفاعلية(مقولة موت الإله)[12](12)، ويرى دولوز في بحثه عن نيتشه أن الأخير حين صرح بهذه المقولة كان يعارض التراث المسيحي أساسًا، ففي جدة العهد بعد الصلب يحدث الارتكاس Atavism، أي العودة إلى الأصل الخيّر الذي ظهر مرة واحدة في الماضي الزماني(تاريخ حياة المسيح في الأناجيل)، والماضي القيمي(الضمير الخلقي للمسيحيين)، وبكوْن الخير نموذجًا في الماضي تصير الحياة الخلقية للعالم المسيحي هي ذلك الارتكاس للماضي، بينما كان نيتشه ينظر إلى مركّب التفوق Superiority في المستقبل[13](13)، “إننا نرى إلى أين يريد نيتشه الوصول، كان المسيح نقيض ما صنع منه القديس بولس، كان المسيح الحقيقي على غرار بوذا، بوذا على أرضٍ غير هندية، كان متقدمًا جدًا بالنسبة لعصره، وفي بيئته كان يعلّم الحياةَ الارتكاسية كيف تموت بهدوء وتنطفئ بسلبية،…ما كان المسيح يهوديًا ولا نصرانيًا بل كان بوذيًا، أقرب إلى الدلاي لاما من البابا “[14] (14)، ويركّز دولوز على أن المعنى الجوهري لمقولة موت الإله ليس الإلحاد بل الانتقال من المستوى المجرد إلى المستوى الدرامي[15] (15)، هذا هو الجديد، أي أن التصور الإلهي (كان) موجودًا في نفوس البشر ثم انتهى بحلول عصر الثورة العلمانية وخروج الدولة من فناء الكنيسة، وكأن الأوروبيين يقتلون المسيح مرة ثانية[16](16) على مستوى أشمل وغير دافع للأسطرة (صناعة الأساطير) على الإطلاق، وكأن نيتشه هو الذي يسجل الإنجيل في المرحلة الحديثة والمعاصرة، ولكنه إنجيل الإنسان الواحد الكلّي اللامتناهي .

هناك عدة مداخل أخرى لفلسفة نيتشه كالمدخل البراجماتي والوجودي[17](17)، ولكنها جميعًا تصل إلى منطقة العدم الخلقي ذاتها، إن لم يكن قانون، فكن أنت القانون، وإن لم يكن القانون(الله)موجودًا فكل شيء مباح(إيفان كارامازوف) .

هذه الحالة من العدمية الحديثة هي ما يناظر حالة تضارب القوانين والإرادات الإلهية لدى الإغريق قديمًا، هي منطقة تساوت فيها نتائج نفي وجود الإله مع نتائج تعدد الآلهة، كلاهما أدى إلى هذا الموقف العبثي الذي لا ثمن فيه للألم، في الوعي الأوروبي الحديث يقوم إلحاد إيفان كارامازوف وستاندال ونيتشه(في تفسيره الوجودي)على أساس أن الحقيقة لا تستحق كل هذا الألم البشري”إذا كانت آلام الأطفال أمرًا لا غنى عنه لإكمال مقدار الألم الذي سيكون فديةً للحقيقة فإنني أعلن جازمًا أن الحقيقة لا تستحق أن يُدفع ثمنها باهظًا إلى هذا الحد…إنني لا أريد الانسجام بل أرفضه حبًا في الإنسانية”[18](18)، ولا يقوم على النفي الأصلي لوجود الإله من الناحية الفيزيقية، هو إذًا موقف قيمي يحاول أنْ يرد للبشر براءتهم الأصلية، ويحررهم من الخطيئة بالفلسفة لا بالدين، وبالإلحاد لا بالإيمان، “إنني لا أُجحد الربّ يا أليوشا، وإنما أقتصر على أنْ أُعيد له بطاقتي بكثير من الاحترام”[19](19)، ونتائج هذا الموقف من حيث النجاح والفشل هي موضع السؤال فيما يلي من أجزاء الدراسة، ولكن الألم العبثي الذي لا استحقاق له، والذي يدينه المفكر هنا إلى درجة الإلحاد هو أساس تراجيديا الجنس البشري، وتمجيد الألم عند دمتري كارامازوف وراسكولنيكوف وزرادشت هو ما يُناظر تمجيد الألم قديمًا في الأبطال التراجيديين، “كان راسكولنيكوف ما يزال يجهل أن هذه الحياة الجديدة لن تُوهب له من غير تضحية، وأن عليه أن يدفع ثمنها غاليًا …، ولكن هنا تبدأ قصة أخرى، قصة إنسان تجدد شيئًا بعد شيء، قصة انبعاثه”[20](20)،”ما معنى الألم؟ إن معنى الوجود يتوقف عليه بكامله، إن للوجود معنى بقدر ما للألم من معنى في الوجود”[21] (21)، وهو موقف تراجيدي يتأسس على الموقف العبثي سالف الذكر بجميع أعمدته وجدرانه .

2-العنصر العبثي:

1-2 : حبكة مسرح العبث:

(التعبير عن لا معقولية الحياة، ولا معناها، ولا جدواها، ولا غائيتها عن طريق الطرح المباشر للنموذج المختار، واتخاذ طريق من اللامسرحة سبيلًا إلى التعبير عن اللامعنى في حياة الإنسان المعاصر).

ربما يمكن الوقوف على هذا التعريف لموضوعة المسرح العبثي على مستوى البنية، دون التطرّق إلى نشأته التاريخية، فأمّا(الطرح المباشر للنموذج)فبيانه أنه من الممكن دائمًا كتابة مسرحية(تتحدث عن)عبثية الحياة بدون أن تكون عبثية بالضرورة كمسرحية، فهي تواجه الجمهور بـ(معنى) العبث، ولا تترك له استنتاج هذا المعنى من اللامعنى الذي يراه على خشبة المسرح العبثي حين يتم طرح النموذج المختار طرحًا مباشرًا مفاجئًا دون تعليق، وأما(اتخاذ طريق من اللامسرحة سبيلًا إلى التعبير عن اللامعنى)فذلك أن مسرح العبث يمثل صدمة وانقلابًا يتعمّدهما إن لم يكن يتعمد ثورة على المسرح الكلاسيكي(وسترد مقارنة بينهما من بعض الزوايا)من حيث اللغة والصراع والشخص، وهذه الضد-مسرحية متعمّدة للتعبير عن الضد-معقولية في الحياة المعاصرة الواقعية، يمكن القول مؤقتًا أن الفرق بين المسرحين الكلاسيكي والعبثي في هذه النقطة كالفرق بين مسرحيتين على الترتيب : إحداهما تُمثّل بالشكل المعروف الذي يجلس فيه الجمهور قبالة الممثلين على الخشبة، والأخرى تُمثل حين يجلس الجمهور فلا يرى الخشبة بالمعنى التقليدي، بل نافذة أو مرآة .

2-2: الطابع التراجيدي للحبكة العبثية:

طبقًا لتعريف التراجيديا السابق فإن الصراع العبثي يتميّز بمذاق تراجيدي لاذع، وإن كان يبدو فحسب في أحد نوعي العبث دون الآخَر، فالعبث:ميتافيزيقي(ما ورائي)، ومجتمعي، الأول فكرة تقول أن وضع الإنسان كإنسان عبثي من الأصل، والثاني فكرة تقول بأن وضع إنسان بعينه في مجتمع متعيّن بحدود درامية أي:زمانية ومكانية وموضوعية هو العبثي نتيجة لفشل ما في الجهاز السوسيولوجي أو السيكولوجي غالبًا[22] (22)، ومن ثم فالنوع الأصلي الميتافيزيقي من العبث هو الذي تنطبق عليه الملامح التراجيدية دون اشتباه، نظرًا لكونه ألمًا بلا مبرر أو استحقاق، صحيحٌ أنّ بطل المسرح العبثي ليس على قدر أهمية ومركزية و(بطولة)البطل التراجيدي الكلاسيكي، أحيانًا يبدو تافهًا، وستلي هذه النقطة حين المقارنة بين المسرحين، غير أن البطل العبثي ليس مذنبًا إلى هذا الحدّ، إلى حد السقوط المصيري إلى الضياع واللاتناهي-أو التناهي وكلاهما أسوأ-، ومن الهامّ ملاحظة أن البنية التحتية الفكرية المنتجة لهذا النوع من الأدب في الغرب كانت تنكر فكرة الخطيئة الأصلية Peccatum Originale جملةً وتفصيلًا، إمّا لاعتناقها أطروحة الوجودية الأولى القائلة بأسبقية الوجود على الماهية(أي:أن وجود الإنسان النفسي والاجتماعي والمادي يسبق التحديد الضروري لصفاته زمنيًا)، أو برفض الأطروحة المسيحية التقليدية القائلة بعكس ذلك، على أية حال كانت النتيجة واحدة .

إن الحبكة العبثية العنيفة في(الغريب)لكامو تُظهر ذلك الطابع، فالبطل يُعدم في النهاية لارتكابه جريمة القتل المتعمد، ولكن من الهام هنا توضيح دور الصدفة (بالنسبة لهذا البحث ولكامو أيضًا) فالبطل أطلق الرصاص تحت تأثير أشعة الشمس التي ضربت عينيه مباشرةً فأردى المجني عليه صريعًا، وعندما صرّح بهذا السبب حين طُلب منه الدفاع عن نفسه في المحكمة ضحك الجمهور في سخرية، يريد كامو القول بأن حال الإنسان عمومًا كحال هذا الرجل خلف القضبان لأي سبب إلا الخطيئة، سواء كانت مكتسبة (وهو ما تنفيه دراما كامو)، أو أصلية(وهو ما تنفيه فلسفته الوجودية) .

أما بالنسبة للفكر الغربي القديم فالناظر واجدٌ إياّه موضِّحًا ومؤصِّلًا لهذا الطابع، بل تتضح فيه العوامل المؤدية لذلك أيضًا .

فسقراط الأفلاطوني في محاورة أُطيفرون يحاجّ أُطيفرون بأن تعدد الآلهة لا يسمح بمفهوم موضوعي واحد عن التقوى، وهي التي يريد أطيفرون الشهادة ضد والده في المحكمة في سبيلها[23](23)، فالاستشهاد ذاته عبث لا معنى له، برغم أنه قمة ما يمكن تقديمه من تضحية أخلاقية، فتعدد الآلهة ظاهرة مرصودة من حيث نتائجها القيمية:الأخلاقية والسياسية والحقوقية في الفكر الغربي القديم .

أما أرسطو فلم يكن مؤمنًا بالتعدد كأطيفرون(وليس كسقراط أو أفلاطون الذين كانا موحِّدين Monotheists غالبًا)، ولم يكن منكرًا لوجود الإله(المحرّك الأول الذي لا يتحرك)، بل كان مؤمنًا ومبرهِنًا على وجوده بدليل الحركة Kinesis، وهو من أقوى الأدلة على وجود الإله إن لم يكن أقواها على الإطلاق، لكنه كان منكرًا للعناية الإلهيةProvidence، وهي اكتراث الإله بأفعال المخلوقات وصلواتهم ودعائهم[24](24)، وهو ما يمكن التعبير عنه بالتصور الإلهي المحفوظ في(تِرْمُس)معزولًا عن العالم في وحدة لا متناهية، عقلًا وعاقلًا ومعقولًا، ومن هنا تمركزت نظريته الأخلاقية حول مفهوم السعادة[25](25)، والغريب أن عددًا من فلاسفة الإسلام قد تبعه في تأسيس الأخلاق على هذا المفهوم .

ومن الاتساق المنطقي ملاحظة أن هذه النظرية يمكن لها أن تتحوّل بسهولة حديثًا إلى تأليه الإنسان عند نيتشه، ما دام المعيار هو كل ما يجعلك أسعد/أقوى، مثلما أدتْ أَنْسَنَة الآلهة Humanization of Gods عند أطيفرون قديمًا(تعددها وطبيعتها البشرية)إلى عبثية موقف التضحية .

وإذًا يمكن رسم ذلك الخط التجريدي الممتد من أرسطو إلى نيتشه مرورًا بشوبنهور طبقًا لمركزية فكرة لا غرضية الإله أو لا وجوده، فكلاهما يؤدي إلى النتيجة نفسها، وهي أن العالم آلة عمياء لا يكترث لها الإله(أرسطو)، وهو ما قد يؤدي إلى خروج الإله من الآلة Deus Ex Machina(نيتشه)، وما يؤدي إلى التصور العبثي للحياة والعواطف والفنون والمساعي البشرية بعامّة(شوبنهور) .

الأهم من ذلك أنه بالإمكان أيضًا رسم خط مباشر بين المركّب التراجيدي-العبثي من جهة، والمركّب الإلهي-الإنساني من جهة أخرى بناء على ما سبق .

إذًا فالظواهر العبثية في الفكر الأوروبي قديمة وحديثه متأصّلة في أساس عقائدي يتعلق بالشرك أو بالإلحاد النسبي أو المطلق من جهة الإلهي، ويتعلق بانعدام مسؤولية الإنسان عن هذه الفوضَى والعماء من جهة الإنساني، وينتج من هذا الموقفًُ التراجيدي، الذي تمثل قديمًا في التراجيديات الغربية مرتبطًا بالعبث، وحديثًا في مسرح العبث المعاصر مرتبطًا بطابعه التراجيدي، وهو ما يدفع إلى مناقشة المنشإ العقائدي للمركب التراجيدي-العبثي مباشرةً، فيما يلي .

3- المنشأ العقائدي للمركب التراجيدي-العبثي:

تنقسم العوامل العقائدية والاجتماعية والمعرفية المؤدية إلى تكوين هذا المركب إلى عوامل أدت إلى تكونه قديمًا(عصر الفلسفة اليونانية قديمًا)، وعوامل أدت إلى ظهوره حديثًا(عصر الفلسفة الأوروبية الحديثة والمعاصرة)، ويبدو أن هذه الأسباب اختلفت بين المرحلتين لاختلاف هام جدًا في البنية المعرفية بينهما، ألا وهو ازدهار منهج العلم الطبيعي الحديث، وربما كان هناك تشابه ما في العوامل السياسية والاجتماعية غير أن التركيز غالبًا سيكون على المرحلة المعاصرة(1900-2000م) عند الحديث عن هذا النوع من العوامل لقربها التاريخي النسبي واستمرار تأثيرها المباشر إلى المرحلة الحاضرة(الفلسفة الجارية Current) .

ورغم التعرض فيما يلي لعدة أنواع من العوامل إلا أنها جميعًا مُجْمَلَة تحت عنوان المنشإ العقائدي نظرًا لأن (الشعور) الذي اختبر هذا المركب موضوع الدراسة ناتج عن أزمة عقائدية، هذه الأزمة بدورها هي الناتجة عن هذه العوامل المتعددة .

فالبنسبة لمرحلة الفكر القديم الذي أنتج التراجيديات الكبرى يمكن وصف عدة ظواهر عقائدية كانت أسبابًا لهذا الطابع العبثي للتراجيديا، وهو الطابع المسئول عن كونها تراجيديا بالمعنى الاصطلاحي كما سلف، أهمها تعدد الآلهة في الدين التراتبيHierarchical religion، كما وضح في محاروة أفلاطون السابقة، فأفلاطون ينكر موضوعية القيم الأخلاقية والدينية اعتمادًا على صراع الآلهة، كذلك التشكُّل الإنساني للآلهة Anthropomorphosis of Gods  في الأديان القديمة، والتي صوّرتْ الآلهة في صورة السوبرمان لا أكثر، غير أنها لا تموت، مما صوّر الكون كله حول وعي الإغريقي القديم على هيئة عاصفة مخيفة، لا ثبات فيها لقانون، ولا أمل فيها في عدالة، أمّا الظاهرة الثالثة فهي انعدام العناية الإلهية لدى بعض المفكرين، وأهمهم أرسطو، فالتصور الإلهي بالنسبة إليه عزلة معرفية وأخلاقية وفيزيقية وميتافيزيقية بعيدًا عن العالم، مما قطع آخر أمل في موضوعية القانون، وفي وجود عهد بين الآلهة والبشر يحفظ حقوقهم، وهو ما أهدر حقوق البشر قبل أن يولدوا، وقبل أن يوجدوا، في التصور الغربي القديم .

أما بالنسبة لعودة العبث للظهور في الفترة الحديثة المعاصرة فيمكن تقسيمها إلى أسباب فيزيقية، وأسباب ميتافيزيقية، وقد تم التركيز على الأسباب الميتافيزيقية وحدها عند الحديث عن الفترة القديمة، أما بعد نشأة المنهج، واعتماده، وتحقيقه للنجاح الغربي المعرفي الباهر فقد صار مؤثِّرًا قاهرًا على جميع النواحي العقدية الغربية، ويمكن إجمال القول في ذلك وتفصيله :

فأما إجماله فهو أنَّ (تعوُّد) الإنسان الغربي على التفكير بمنطق سببي يرد كل الظواهر إلى أسباب سابقة الحدوث في الزمان، أو سابقة الموضع في المكان أثّر على سيكولوجيته، فصار أقل ميلًا إلى الاعتقاد في وجود إله، وإنْ اعتقد فيه صار أقل اعتقادًا في عنايته به، وإن صار أكثر اعتقادًا في عنايته به صار هو أقل اعتقادًا في عنايته هو به، كمفهوم وحق ومصدر للقيمة، وهي ظاهرة رصدها المفكّر الإنجليزي سير ولتر ستيس W. T. Stace (1886-1967) الذي حجبته الصهيونية عن الاهتمام العالمي الذي يستحقّه، عامةً أرجع ستيس هذه الظاهرة إلى تلك العوامل السيكولوجية، ولاحظَ أن الاعتقاد في وجود الإله وغائية العالم لا يتعارض مع الاعتقاد في السببية، أي أن الفصل بين الطرفين كان سيكولوجيًا لا منطقيًا [26](26)، وهو ما يُسمّى بالتصور الملتئم عن الكون، أي: التصور الطبيعي الذي لا يدع مجالًًا لثغرة يتسلل مفهوم وجود الإله وفاعليته في الطبيعة منها، نظرًا للاكتفاء الذاتي الذي لقوانين الطبيعة الحتمية من جهة، والقصور الذاتي الذي للمادة من جهة ثانية، والاكتفاء بهذه المعادلة : القانون+المادة=كل شيء، من جهة ثالثة .

وأما تفصيله : فهو عدد من الاكتشافات العلمية بغض النظر عن مدى صحتها، التعامل هنا مع صفتها العلمية، والتي أثرت على النظرة الكلية للطبيعة من المنظور الغربي الحديث والمعاصر، هذه الاكتشافات لم تكن اكتشافات تجريبية محدودة، وإنما غيّرت نموذج العلم الحديث كلية في عدة مجالات .

أهمها بالطبع_وربما أسبقها_نظرية كوبرنيقوس عن مركزية الشمس، ولا مركزية الإنسان، فشعر الإنسان الغربي الحديث بصدمة هائلة أدت إلى اعتقال وتعذيب وإعدام المئات، وهي لم تكن أزمة دينية بقدر ما كانت أزمة نفسية، أي أن الاصطدام بهذه النظرية لم يكن لتعارضها مع التصور الديني المقدس الإلهي، بل لتعارضها مع التصور السيكولوجي الذاتي الإنساني، إننا حين نقلل من مركزية الإنسان الطبيعية نقلل منها سيكولوجيًا وعقديًا، وبالتالي يفقد المجتمع الغربي استقراره القيمي الذي كان يتناسب طرديًا مع استقرار موقع الإنسان الطبيعي الذي كرّمه الله به في مركز الكون، فعاد الشعور بالعبثية تدريجيًا بعد بيات قروسطي طويل .

لم يكد يندمل هذا الجرح حتى قدّم تشارلز دارون نظريته عن أصل الأنواع(1859م)، وتسلسل الإنسان(1871م) وبدأ الإنسان الغربي يعرف أنه لم يهبط من جنة عدن، بل من مؤخرة قرد، وصار الإنسان ينظر لذاته كامتداد للحيوان، وبرغم أن دارون اعترف برقي الإنسان عن سائر الحيوان بالوعي الأخلاقي(1871م)[27] (27)، فإنه من الممكن فهم كيف أن معرضة نظريته جاءت على هذا القدر من الاشمئزاز الديني والخلقي[28](28)،  لكنها اكتسبتْ أنصارًا متزايدين مع حماسة المجتمع الغربي للعلم الطبيعي كأيديولوجيا، وليس فقط كمنهج أو نظرية أو تقانة، أهمهم كان كارل ماركس(1818-1883م)شخصيًا الذي أهدَى كتابه الأشهر رأس المال إلى دارون، ومن المعلوم أن دارون رفض إهداء ماركس بسبب إلحاد الأخير، غير أن الهامّ هنا ملاحظة التغير العقائدي الذي طرأ على العقلية الغربية الحديثة من أثر انتشار نظرية تشارك في القضاء على قداسة الإنسان، إن كوبرنيقوس قضى بشكل ما على قداسة الإنسان السماوية، وحفظ له قداسته في نفسه كمخلوق سامٍ مملكته ليست من هذا العالم، لكن دارون قضى حتى على قداسة الإنسان في نفسه وأدرجه ضمن شعب المملكة الحيوانية .

صاحبتْ الموجة التطوّرية Evolutionism موجةٌ أخرى من النقد الأخلاقي المباشر، وخطورتها في مباشرتها، فالنتائج الأخلاقية التي ترتبت على النظريتين السابقتين جاءت غير مباشرة، أما موجة النقد الأخلاقي بقيادة فريدريك نيتشه(1844-1900م)فجاءت ضربة في الصميم، يرى نيتشه على الإجمال أن القيم الأخلاقية التقليدية خطاب زائف يجب أن يُنظر له على ضوء تفسيرية الارتياب Hermeneutics of Suspension (بتعبير بول ريكور)، فهو يخفي أسفله لاشيء إلا صراع القوَى الرهيب، الخير هو مصلحة الأقوَى، برغم أننا نظنه الأفضل أو الأشرف أو المشروع دينيًا، وهو من جهة أخرى مصلحة الأضعف الذي حاول أن يستقوى وفشل، فصار يحارب الأقوى بالقيم والوعظ الإرشادي القائم على أساس أن الفقراء والمساكين يدخلون الجنة، ومن الهامّ في هذه النقطة أن يتضح أن الطرف المناقض لنيتشه والمعاصر له(ماركس)قدم النقد نفسه للأخلاق السائدة بشكل مختلف، بدلًا من صراع القوى يجد ماركس في الصراع الطبقي مصدرًا للصراع الفوق-بنيوي Super-structural، أي على مستوى القيم والمذاهب والعقائد والفنون…إلخ .

ثم قدم فرويد نظريته عن اللاوعي، وكيف أنه البنية التحتية للنفس البشرية، والنتائج القيمية السلبية المترتبة على هذه النظرية مرصودة من المنظور الغربي قبل سواه، المهم أنها جاءت لتأتي تقريبًا على ما تم استنقاذه من أيدي نيتشه وماركس الناعمة نعومة إكلينيكية معقَّمة .

أما الضربة الكبرى التي غيّرت وجه العلم حقًا ويعرفها كل المتخصصين في فلسفة العلوم ومناهج البحث فهي نظرية الكوانتم Quantum (1900م)، والنسبية العامة GTR (1915م)، وكل منهما على وجه الإجمال قضت على الثبات واليقين المعرفي الذي ساد الحقبة العلمية السابقة، كان العلم الحديث جاء باليقين العلمي ليزلزل البنية القيمية ثم رحل بعد زلزالها، ففقد المجتمع الغربي الموضوعية القيمية واليقين العلمي كليهما .

وبعد تفصيل الجانب الفيزيقي-العلمي يمكن فهم الجوانب الميتافيزيقية، والتي تتلخص في الشك في وجود الإله أو عنايته، والذي وصل إلى الإلحاد المطلق أحيانًا وزلزلة موضوعية القيم، وهو شك وإنكار قائم على الأسباب الموضحة أعلاه أساسًا .

غير أن القيم قد تقوم على الإلزام العقلي الصارم(كانط)، أو على المنفعة الاجتماعية أو الطبقية العامة(جيرمي بنتام، وجون ستيوارت مِل، والماركسيين بشكل ما)، أو على الرغبة في تحقيق الذات والتفوّق(نيتشه والوجوديين)، أو على خبرة ذاتية لا دينية(ستيس)، وقد تكون هذه المذاهب هي الملاذ الأخير للأخلاق بعد سقوط سقف العقيدة، ولكن السقف الإنساني أيضًا-والذي كان يمكن له أن يحتوي القيم بشكل علماني لا ديني في الغرب-هوى بأسرع مما هوى السقف الديني القديم، وذلك لعوامل سياسية واجتماعية، ففشل المشروع التنويري الغربي الذي بدأ في القرن 18، وتحوله إلى مشروع استشراقي-استعماري في القرن19 صار واقعًا، كما أن المشروع الليبرالي(بنتام ومل)بات لا يخدم سوى المصالح السياسية المحدودة بحدود مجتمعه على حساب المجتمعات الأخرى، وكذلك المشروع الاشتراكي الذي تمخض عن آلة اجتماعية سياسية إرهابية عملاقة في ظل السياسة الداخلية الشمولية التي أنتجت طبقية من نوع جديد سياسي لا اقتصادي، ثم جاءت قيم التفوق وتحقيق الذات الوجودية لتخلق وحشًا مثل هتلر والنازية، يحاربه وحش آميركي يهودي نووي يقتل الأطفال بالقنبلة الذرية، فانتهى المشروع الأخلاقي الثالث، أما المشروع الرابع الصوفي اللاديني(ستيس)فقد نجح جزئيًا على مستوى الفرد كمشروع للرهبنة والفرار الرأسي، مفتقدًا أية آلية للعمل الاجتماعي، فانحصرت القيم الغربية في نهاية النهاية  في هذا المشروع الضيق جدًا، وهؤلاء الأفراد المتناثرين القليلين جدًا جدًا، وقد ارتبط كل هذا كما هو معلوم بواقع الغرب إبان النصف الأول من القرن المنصرم متضمنًا الحربين العالميتين ونتائجهما الاجتماعية والنفسية والمعرفية والسياسية .

لكل هذا جاء أدب العبث التعبير الأصدق والنقد الأوقع لحال مجتمعه حين أكّد على فراغ العالم حول الإنسان الفرد، وتلاشِي الديكور الذي يتضح أنه مجرد ديكور، كما في (مسرحية هذا الحان العجيب) ليونسكو، وذلك يتضح عند الحديث عن عناصر المسرح الأساسية في المسرحَين، حين يظهر استفحال تأثير هذه العوامل السابقة على تلك العناصر كلما (تقدمَ) المجتمع الغربي، كما يلي .

4-العناصر المسرحية بين الإنسانيّ والديكوريّ :

نتيجة لشعور الإنسان الغربي بتضاؤل العنصر الإنساني أمام الطبيعة، أو الآلة الاجتماعية، أو التشكُّل الإلهي لبعض البشر Theomorphosis، تعاظم شأن الديكور على حساب الوجود الإنساني، وصار المعنَى، والحدَث، والشخص نفسه مجرد ديكور يمكن الاستغناء عنه، وذلك يظهر في مقارنة تالية بين المسرح التراجيدي الكلاسيكي والعبثي من هذه الزوايا :

1-4 : اللغة:

كانت اللغة عنصرًا هامًا جدًا بلا شك في تنظير أرسطو العمدة للتراجيديا، وهي من العناصر الستة للتراجيديا في كتاب الشعر الأرسطي، ولكنها اقتصرت على لعب دور وسيلة التوصيل المنمّقة المنظومة “لغة مشفوعة بألوان من التزيين” .

أما في المسرح العبثي فقد تعاظم شأن اللغة كثيرًا على حساب الحدَث، مرتبطًا في ذلك بارتفاع شأن اللفظ على المعنى، فصارت اللغة هي خشبة المسرح، إن تضاؤل المعنى ودور المعنى في الصياغة المسرحية يُكسب اللغة أهمية ومركزية غير مسبوقة بين كل عناصر البناء، مسرحية (تدريبات في اللغة الفرنسية في الإلقاء والمحادثة للطلاب الأمريكان) ليونسكو مثلًا ليس فيها غير محادثات(ديالوجات)فقط دون محتوَى، أي أن الحوار المسرحي صار هو المسرحية ذاتها .

والأساس في هذه النقطة أن الظاهرة العبثية المتعاظمة حديثًا طالت اللغة ففرغتها من المعنى في الواقع الاجتماعي المعيش، فصار اللفظ هو الأبرز والأظهر والأهم، مما يُلقي الضوء على نظرة مثقفي الغرب-أو بعضهم على الأقل-إلى الخطاب السياسي والديني بوجهٍ خاصّ .

2-4 : الحدث:

قلَّ شأن الحدث بالمعنى التقليدي لحساب اللغة كما تقدم، وربما تلاشَى الحدث كليةً كما في مثال يونسكو السابق(تدريبات..)، ولكن يمكن القول أن الفارق لم يكن كميًا فقط في الحدث على مستوَى المسرحين، بل صار كيفيًا أيضًا، فالحدث لم يعد يتضمن التمهيد للشعور بالتعاطف مع البطل والشفقة عليه والخوف من أن نكون هو كما نص تنظير أرسطو، بل صار يمهد للثورة على البطل وضدّه لأننا هو فعلًا، أي أن الحدث صار خارجيًا وسقط الحائط الرابع، وصار المسرح أكثر واقعية وتكثيفًا وشمولًا في نظرته إلى الخارج المجتمعي والإنساني .

3-4 : الشخص:

يصير البطل أكثر تسطيحًا وتفاهةً، ربما يصير نكرة، إن التبديل في تسمية البطلين(جان-ماري) و(ماري-جان) في (تدريبات..) لا يعكس سوى هذا، صار الشخص ككل شخص، الشخص كذلك يظهر بلا فعل أو انفعال في (هذا الحان العجيب)لأن الانفعال أساس الفعل، في حين تُسحب الديكورات من حوله تدريجيًا، الشخص صار مجرد ضمير في اللغة مثل)هو) و(هي) في (تخريف ثنائي)ليونسكو، وهو شخص تجده عرَضًا في أي بيت: (الزوج) و(الزوجة) في(الكراسي)ليونسكو أيضًا، بينما ينداح من حوله الفراغ المظلم الهائل باستمرار، فراغ خشبة المسرح في (هذا الحان العجيب)، وفراغ الألفاظ في (تدريبات)، وفراغ العقول في (تخريف)، وفراغ الكراسي في (الكراسي) .

الشخص كذلك لم يعد أسطوريًا لأن الإنسان لم يعد أسطورة، صار شخصًا عاديًا يرتدي القميص والبنطال ويعاني البطالة ويدخل الحمّام، ولم يعد مصير البشرية متوقفًا على قدرة أمعائه على الاحتفاظ بالضغط الأُسموزي لكي لا يُصاب بالإمساك، وربما حتى الإله لا يهتم به(مفهوم الهَجْر السارتري l’abandon)، وربما كان حظ البطل التراجيدي الملعون أفضل، على الأقل تكشف ظاهرة اللعن عن اهتمام ما، طبعًا الواضح الآن أن العكس هو الصحيح، البطل العبثي-المواطن الغربي-هو الذي صار لا يهتمّ بالإله ولا بالإنسان وليس العكس .

5- خاتمة : الأزمة العقائدية الغربية في ضوء المركّب الإلهي_الإنساني:

لم تكن العصور الوسطى فترة ازدهار حضاري كما يعلم الغربيون قبل غيرهم، صحيح أنها المرحلة الوحيدة في حياة الغرب التي احتفظت باستقرار نسبي للقيم، إلا أنها حافظت على هذا الاستقرار بتحويل الحقبة الوسيطة كلها إلى محكمة تفتيش كبرى تحكم على الحقبة القديمة بالكفر والوثنية والضلال، وتسجن الحقبة الحديثة خلف قضبان السجون كيلا يتملص منها عصر النهضة، النتيجة أن المشروع الحضاري الغربي عبارة عن علامة استفهام كبيرة بلا إجابة .

إن المشروع الحضاري الغربي لم ينته-على نقيض رؤية أستاذنا الدكتور حسن حنفي[29](29)-وربما لن يفعل في القريب، إن مَن ينظر إلى المعمار الفني الهائل في السينما الأمريكية مثلًا يفهم هذا، وتأثير الغرب الحضاري امتد إلى اليابان نفسها وحاصر الصين .

صحيح أن المشروع الغربي لم ينته، لكن يمكن القول أنه قد فشل في تحقيق أهدافه التنويرية الإنسانية التقدمية بفشله في حل مشكلة تفكك القيم في داخله هو، وليست المشكلة موضوع الرصد هنا علمانية القيم(بعد انهيار أساسها الديني)، فقد قال المعتزلة بهذا المبدإ قديمًا في الحضارة الإسلامية، ولكن المشكلة فشل المشروع القيمي بعودة المركّب الإلهي-الإنساني مرة أخرى للظهور، بإعادة إنتاجه حديثًا بالتشكّل الإلهي للبشر Theomorphosis، بعد أن أُنتج قديمًا بالتشكل الإنساني للآلهة Anthropomorphosis، وذلك بظهور بونابرت وهتلر وستالين وترومان وبوش بدلًا من زيوس وآرس وبوسيدون وهيرا وهيدس، في دين-أو لا دين-شركي تراتبي جديد .

وإن عبثية التراجيديا وتراجيدية العبث تمثُّلٌ وتمثيلٌ تبادليان للمركب نفسه قديمًا وحديثًا، في الشعور والوعي النظري والإبداع الأدبي الغربي .

تلك الأزمة الغربية قد امتدّ صداها إلى الشرق الجغرافي، فقد تأثّر عدد من أدباء العرب مثلًا بأدب العبث، وبمذاهب الفكر العبثي، وقدموا التراجيديا الإنسانية بشكل مباشر أو غير مباشر، ولكن التأثر بمركبات الفكر والإبداع الغربي ظاهرة عالمية لا تعكس خصوصية حضارية كعلة من علل التأثر المحلي، إن الأزمة شرقًا تُخلَق خلقًا، ثم يتم التعبير عنها أدبيًا ونظريًا بهدف التجديد أولًا، وبهدف مزامنة الغرب-الحداثة إبداعيًا وفكريًا ثانيًا .

صحيح أن هناك وعيًا بظواهر عبثية في الحضارة الإسلامية بالمعنى غير الجغرافي، لكنه وعي بالعبثية المجتمعية، لا الميتافيزيقية، الفكرة ليست أن الله غير موجود، أو أنه لا يعتني بالبشر، أو أنه متعدد، بل لأن النظام السياسي قائم، ولا يعتني إلا ببقائه، وهو واحد لا يتعدد، ليست افتقاد العدالة الإلهية، بل افتقاد العدالة الإنسانية، افتقادها داخل المجتمع الإسلامي وفي ذلك العالم الذي شكَّله الغرب الحديث ويُسئَل عنه .

يبقى أن تُقدم الحضارة الإسلامية حلًا حضاريًا يحفظ التوازن الحقوقي بين المستويين فيحل أزمة الغرب، ويُتيح إمكانية التعددية السياسية ليحل أزمة العالم الإسلامي الخاصّة، توازن الإلهي-الإنساني من جهة، وتوازن الحاكم-المحكوم من جهة أخرى، هذا هو ما يحتاج إلى اجتهاد حقوقي وقانوني ونصّي ممنهج في سبيل إعادة تقديم الأطروحة الإسلامية كمشروع حضاري وليس كمجرد دين قومي .

الهوامش:


[1] أرسطو:الشعر، نقلًا عن: أميرة حلمي مطر:فلسفة الجمال، أعلامها ومذاهبها، الهيئة المصرية العامة للكتاب، 2002م، ص89 .

[2] محمد غنيمي هلال:النقد الأدبي الحديث.

[3] أميرة حلمي مطر، السابق، ص52-53.

[4] المرجع السابق، ص181 .

[5] المرجع السابق، ص187-189 .

[6] نادية البنهاوي: بذور العبث في التراجيديا الإغريقية وأثرها على مسرح العبث المعاصر في الغرب وفي مصر، الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1998م .

[7] المرجع السابق .

[8] المرجع السابق .

[9] عبد الرحمن بدوي:شوبنهور .

[10] كامو: الإنسان المتمرد، ت: نهاد رضا، دار عويدات، بيروت، 1983م، ط3، ص 85- 104 .

[11] السابق: ص 88 .

[12] نيتشه:هكذا تكلم زرادشت، ت:فليكس فارس، منشورات المكتب العالمي للطباعة والنشر، بيروت لبنان، د.ت، د.ط، ص29 .

[13] دولوز:نيتشه والفلسفة، ت:أسامة الحاج، المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع، 2001م، ط2، ص197 .

[14] السابق:ص200 .

[15] السابق:ص195 .

[16] السابق:ص199 .

[17] انظر مثلًا :فؤاد زكريا:نيتشه، دار المعارف، القاهرة، ط3، د.ت .

[18] دوستويفسكي:الأخوة كارامازوف، م1، ت:سامي الدروبي، دار رادوجا، موسكو، الاتحاد السوفييتي، 1988، د.ط، ص519 .

[19] السابق:ص520 .

[20] دوستويفسكي:الجريمة والعقاب، م2، ت:سامي الدروبي، دار رادوجا، موسكو، الاتحاد السوفييتي، 1989، د.ط، ص488،489 .

[21] نيتشه:نقلًا عن جيل دولوز، نيتشه والفلسفة، ص166 .

[22] أنظر دراستنا عن ديوان الشاعر عادل محمد:الظاهرة السيزيفية في ديوان تعودْ أنْ تموت لعادل محمد، قُدمتْ في مناقشة الديوان بساقية الصاوي، سبتمبر2007، ومنشورة على موقع مدارات(www.madarat.info)، وموقع رابطة نون للثقافة والحوار(www.adabhome.com) .

[23] أفلاطون:أُطيفرون، ت عن الإنجليزية:د.زكي نجيب محمود، بعنوان محاورات أفلاطون، الهيئة المصرية العامة للكتاب .

[24] د.مصطفى النشار:أرسطوطاليس، حياته وفلسفته .

[25] أرسطو:الأخلاق إلى نيقوماخوس، ت عن الفرنسية:أحمد لطفي السيد، وعن الأصل اليوناني:بارتلمي سانتهيلير .

[26] ولتر ستيس:الدين والعقل الحديث، ت:إمام عبد الفتاح إمام، مكتبة مدبولي، القاهرة، 1998م، ط1، ص23.

[27] إرنست ماير:هذا هو علم البيولوجيا، ت:عفيفي محمود عفيفي، سلسلة عالم المعرفة، 277، المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، الكويت، 2002، د.ط، ص276 .

[28] جون هرمان راندال:تكوين العقل الحديث، ج2، ت:جورج طعمة، مراجعة:برهان الدين الدجاني، دار الثقافة، بيروت، د.ت، د.ط، ص225 .

[29] أنظر له مثلًا:التراث والتجديد، موقفنا من التراث القديم، المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع، بيروت، 2002، ط5، ص183 .