Archive for the ‘ترجمات’ Category

الآلهة الأخرىٰ

The Other Gods

هـ. ب. لافكرافت

ت. كريم الصياد(*)

 

فوق أعلى قمم الأرض تسكن آلهة الأرض، ولا تسمح لإنسان بالقول أنه اطلع عليها، لقد سكنت ذات مرةٍ قممًا أقل ارتفاعًا، غير أن البشر ساكني السهول كانوا كثيرًا ما يتسلقون جبال الصخور والثلوج دافعين بالآلهة إلى جبال أعلى فأعلى، إلى أن سكنوا الجبل الذي يقطنونه حاليًا، وعندما غادروا القمم القديمة أخذوا معهم كل ما يدل عليهم من آثار، ما عدا-فيما يُقال-صورة منحوتة على وجه الجبل الذي دعوه (نَجارْنيك).

لكنهم الآن ارتحلوا إلى عالم (كاداث) المجهول في القفر البارد حيث لا يخطو بشر، وحيث طعنوا في السن بقسوة، وحيث لا يعرفون قمةً أعلى للفرار من بني الإنسان، لقد كبروا في العمر ولهذا سمحوا للإنسان بأن يحل محلهم ذات مرة، وهم لا يسمحون للإنسان أن يأتي إليهم لينكث بوعده، إنه لمن الخير بالنسبة للإنسان ألا يعرف شيئًا عن عالم كاداث المجهول في القفر البارد، وإلا كان سيحاول بحماقته المعهودة أن يتسلق إليه.

أحيانًا حين تشعر الآلهة بالحنين إلى بيوتها القديمة تقوم في سكون الليل بزيارة القمم التي تعودت سكناها في الماضي، إنهم يبكون في رقة وهم يحاولون استعادة اللهو على الطريقة القديمة، على المنحدرات التي ما زالوا يذكرونها، إن الناس يشعرون بدموع الآلهة حين تبكي من أثر الذكرى على جبل (ثوراي) ذي القمة البيضاء بالرغم من أنهم ظنوها مجرد أمطار، كما أنهم يسمعون تنهدات الآلهة تسري في تيارات الريح على جبل (ليريون)، لقد تعود الآلهة أن يسافروا على سفن السحاب، والفلاحون ذوو الحكمة كانوا يؤمنون بأساطير تحذرهم من قمم عالية معينة في الليل حين تتلبد السماء بالغيوم، نظرًا لأن الآلهة ليسوا متساهلين في تلك السن المتقدمة مع من يقتحم حجب السرية التي أحاطوا بها أنفسهم.

وفي مدينة (أولثار) التي تقع خلف نهر (سكاي) كان يسكن ذات مرة رجل عجوز شديد الطموح لرؤية آلهة الأرض، رجل درس بعمق كتب الأرض السبعة الخفية، وعلى دراية بالمخطوطات الناكوتية (المخطوطات التي ألفتها كائنات سبقت وجود الإنسان على الأرض)، والتي جاءت من مدينة (لومار) المتجمدة البعيدة التي تقع قرب القطب الشمالي، كان اسم هذا الرجل هو (بارزاي) الحكيم، الذي حكى القرويون كيف أنه صعد جبلاً ما في ليلة الخسوف الغريب.

عرف بارزاي الكثيرَ عن الآلهة من الكتب والمخطوطات التي درسها، لدرجة أنه صار يستطيع التنبؤ بمواعيد قدومها ورحيلها، وعرف الكثير من أسرارهم لدرجة صار معها يعتبر نفسه كما لو كان هو ذاته نصف إله، إنه هو مَن نصح أعضاء برلمان مدينة أولثار حينما مرروا قانونهم المعروف ضد ذبح القطط (حيث تشتهر أولثار بهذا القانون)، وهو من أخبر الكاهن الشاب (أتال) للمرة الأولى أين تذهب القطط السوداء في ليلة القديس يوحنا، لقد تعلم بارزاي حكمة آلهة الأرض وصارت لديه الرغبة في رؤية وجوههم، لقد اعتقد أن معرفته العظيمة بأسرارهم سوف تحميه من غضبهم، لذلك فقد قرر أن يتسلق قمة جبل (هيثج-كلا) الصخري، الذي سكنه الآلهة ذات مرة والذي يزورونه أحيانًا على سبيل اجترار الذكرى، وذلك في ليلة بعينها يعرف أنهم سيكونون هنالك فيها.

يقع جبل هيثج-كلا بعيدًا في الصحراء الحجرية خلف مدينة هيثج التي اتخذ اسمه من اسمها، يقف كتمثال من الصخر في معبد صامت، وحول قمته يدور الضباب دائمًا في إيقاع جنائزي، لأن الضباب هو ذكريات الآلهة، ولأن الآلهة أحبت مدينة هيثج عندما سكنوا الجبلَ على مقربة منها في الأيام الخالية، كانت الآلهة كثيرًا ما تزور جبل هيثج-كلا في سفائنها السحابية، وهي تصب الأبخرة الباهتة على المنحدرات، حيث تروح ترقص منتشية باستعادة الذكريات القديمة تحت وجه القمر الناصع.

كان أهالي هيثج يقولون أنه من الخطر تسلق الجبل في أي وقت، وأنه من المميت تسلقه حينما تغطي الأبخرة الباهتة قمته ووجه القمر، ولكن بارزاي لم يستطع إقناعهم بالعكس حينما جاء من مدينة أولثار المجاورة مع الكاهن الشاب أتال الذي كان تلميذًا له، كان أبو أتال صاحب حانة بسيط، لذلك فقد كان يشعر بالخوف على أثر الاستماع إلى أساطير الفلاحين، لكنّ أبا بارزاي كان نبيلاً متعلمًا يقطن قلعة عتيقة، لهذا لم تكن تجري في دمه أي من الأساطير المعتادة، ولم تثر فيه إلا ضحكًا على الفلاحين الجبناء.

خرج بارزاي وأتال من هيثج إلى الصحراء الحجرية بالرغم من صلوات الفلاحين، وأخذا يتحدثان عن الآلهة في الليل حول نار حفل السمر، أيامًا كثيراتٍ سافرا، ومن البعيد شاهدا جبل هيثج-كلا الشامخ بهالته من الضباب الحزين، وفي اليوم الثالث عشر وصلا إلى سفح الجبل الخالي، تحدث أتال عن مخاوفه، لكن بارزاي كان مسنًا ومتعلمًا بما يكفي لكي يقهر المخاوف، لهذا فقد قاد المسيرة إلى أعلى، إلى حيث لم يصعد إنسانٌ قط منذ عهد (سانسو) الذي جاء ذكره في سياق مخيف في المخطوطات الناكوتية التي نخرها العفن.

كان الطريق صخريًا محفوفًا بالصدوع والحواف الحادة والصخور الهابطة، ومع الوقت صار الجو باردًا مثلجًا، وكان بارزاي وأتال ينزلقان ويسقطان كثيرًا وهما يثقبان الثلوج ويتسلقانها بالعصيّ والفئوس، وأخيرًا صار الهواء رقيقًا خفيفًا، وتغير لون السماء، ووجد المتسلقان التنفس صعبًا، لكنهما تسلقا مندهشين من غرابة المشهد، ومرتعدين من تصور ما قد يحدث على القمة حينما يخسف القمر وتنتشر الأبخرة الباهتة حوله، لمدة ثلاثة أيام ظلا يتسلقان أعلى فأعلى نحو سقف العالم، ثم خيما بانتظار أن يتوارى القمر خلف الغيم.

لأربعة ليالٍ لم تظهر السحب، ثم أشرق القمر باردًا خلال الضباب الحزين الرقيق حول القمة الشاهقة، وفي الليلة الخامسة التي كانت ليلة البدر رأى بارزاي سحبًا كثيفة آتية من الشمال، وبقي مع أتال مستيقظًا ليراها وهي تقترب، مبحرة في السماء، عملاقة، مهيبة، بطيئة متأنية وهي تتقدم في سبيلها، ومجمّعة أنفسها حول القمة العالية فوق الساهرَين، ومُخفية القمر وقمة الجبل عن البصر، نظر الساهران لساعات محدقَين، بينما تدور الأبخرة كالدوامة، وحجاب السحاب يتكاثف باستمرار، كان بارزاي دارسًا لحكمة آلهة الأرض، واستمع بإمعان إلى أصوات معينة على القمة، لكن أتال أحس ببرودة الأبخرة، ورهبة الليل، وخاف كثيرًا، وعندما راح بارزاي يتسلق أكثر ويدعوه في لهفة، كانت المسافة بينهما تزداد اتساعًا.

أصبح الطريق عسيرًا بسبب كثافة الأبخرة، وبالرغم من أن أتال قرر أن يتبع معلمه أخيرًا، إلا أنه كان يستطيع بالكاد من مكانه رؤية الخيال الرمادي لبارزاي على المنحدر المعتم، فوق، في ضوء القمر الممتزج بالغيم.

كان بارزاي يصعد بسرعة رأسًا، وبدا برغم سنه المتقدمة صاعدًا أسرع من أتال، غير خائف من الارتفاع الذي بدأ يظهر شاهقًا بالنسبة لأي إنسان صحيح وقوي الجسد وغير هياب،

غيرَ متوقف قبالة الصدوع الفاغرة المظلمة التي كان أتال بالكاد يستطيع القفز من فوقها، وهكذا استطاعا الصعود بعزيمة ماضية فوق الصخور والهُوَى، منزلقَين، متعثرَين، وشاعرَين بالرهبة أحيانًا أمام الانفساح، وأمام صمت القمم الثلجية المظلمة، والمنحدرات الخرساء.

وفجأة، خرج بارزاي عن مجال بصر أتال، وهو يتسلق جرفًا صخريًا فظيعًا بدا كأنما ينتأ إلى الخارج ليقطع الطريق إلى السماء على أي متسلق غير مدعوم بوحي من آلهة الأرض، كان أتال بعيدًا في الأسفل مفكرًا فيما عليه أن يفعل حين يصل إلى الأعلى، حين لاحظ باهتمام أن الضوء على القمة يزداد سطوعًا، كما لو كانت القمة الصافية من السحب ومكان لقاء الآلهة المقمر قد أصبحا قريبين جدًا، وبينما هو يتسلق الجرفَ الناتئ والسماءَ المضيئة شعر بمخاوف صادمة لم يعرف مثلها قط في حياته، وعبْر الضباب المرتفع بلغَهُ صوتُ بارزاي يصيح في فرحة:

“لقد سمعت أصوات الآلهة، لقد سمعتهم يغنون في مرح صاخب على قمة جبل هيثج-كلا، إن أصوات آلهة الأرض يعرفها بارزاي النبي، الضباب أرقّ، والقمر أسطع، وسوف أرى الآلهة ترقص بصخب على قمة هيثج-كلا الذي أحبوه في شبابهم، إن حكمة باراي جعلته أعظم من آلهة الأرض، وفي مواجهة إرادته صارت تعاويذهم وحجبهم لا شيء، إن بارزاي سوف يرى الآلهة، الآلهة المتكبرة، الآلهة السرية، آلهة الأرض التي وطئت بازدراء بصيرة الإنسان”

لم يستطع أتال أن يستمع على الأصوات التي كان بارزاي يسمعها، لكنه صار الآن قريبًا من الجرف الناتئ ومتحسسًا إياه من أجل موضع لقدمه، وعندها سمع صوت بارزاي يصرخ أعلى وأكثر حدة:

“الضباب رقيق جدًا، والقمر يجمع الظلال على المنحدر، أصوات آلهة الأرض عالية صاخبة وهي تخشى مقدم بارزاي الحكيم الذي هو أعظم منها، إن نور القمر يخفق حين ترقص آلهة الأرض قبالته، سوف أرى الأشكال الراقصة للآلهة التي تقفز وتصرخ في ضوء القمر، الضوء يضعف، والآلهة خائفة….”

وبينما بارزاي يتلفظ بهذه الأشياء، شعر أتال بتغير طيفي في الهواء، كما لو أن قوانين الأرض تنحني لقوانين أخرى أعلى، وبالرغم من أن الطريق إلى القمة صار أكثر انحدارًا فإن السبيل إلى أعلى صار سهلاً بشكل مخيف، ولم يعد الجرف يمثل عقبة حقيقية حينما وصل إليه وانزلق على سطحه الأحدب، كان ضوء القمر يبهت بشكل مريب، وبينما أتال يغطس إلى أعلى في سحب الضباب سمع بارزايَ الحكيمَ يصرخ في الظلال:

“إن القمر يظلم، والآلهة ترقص في الليل، هناك رعب في السماء، والقمر يغرق في خسوف لم تتنبأ به كتب البشر أو الآلهة، هناك سحر مجهول على قمة هيثج-كلا، إن صرخات الآلهة المرتعبة تتحول إلى ضحك، ومنحدرات الثلج تندفع إلى أعلى بلا نهاية في السموات المظلمة، حيث أغرق أنا، هاي.. هاي..، أخيرًا، في الضوء الخافت.. أرى آلهة الأرض!”

وبينما أتال يتسلق مترنحًا منحدرات لا تُصدَّق، سمع في الظلام ضحكات كريهة، ممتزجة بصرخة لم يسمع مثلها إنسان عاقل قط يسبح في نهر من النار في كوابيس مجنونة، صرخة رددت صدى رعب وألم حياةٍ كاملةٍ طُوردَتْ لتعبَّأ في لحظة واحدة أليمة:

“الآلهة الأخرى.. الآلهة الأخرى.. آلهة الجحيم الخارجي التي تحرس آلهة الأرض الواهنة، انظر بعيدًا عنها، ارجع، لا ترها، لا ترها، انتقام الهُوَى اللا نهائية، جهنم اللعينة الملعونة، يا آلهة الأرض الرحيمة.. إنني أسقط في السماء!”

وحين أغمض أتال عينيه وسد أذنيه وحاول أن يسرع إلى أسفل ضد جذب الارتفاعات المجهولة، دوّى على هيثج-كلا ضجيج رعد رهيب أيقظ فلاحي السهول الطيبين وأعضاء البرلمان وأيقظ مدينة (نير) وأولثار، وجعل الكل ينظر إلى السحب حيث خسوف القمر الغريب الذي لم يتنبأ به كتاب على الإطلاق، وحينما ظهر القمر أخيرًا، كان أتال آمنًا على الثلوج الخفيضة دون أن يرى آلهة الأرض، أو الآلهة الأخرى.

إنه مذكور في المخطوطات الناكوتية التي نخرها العفن أن سانسو حين صعد الجبل في عهد شباب الكون لم يجد شيئًا إلا ثلوجًا وصخورًا، وعندما استطاع رجال أولثار ونير وهيثج قهرَ مخاوفهم وتسلقوا المنحدر الخطر بحثًا عن بارزاي الحكيم، وجدوا رمزًا غريبًا وضخمًا بعرض خمسين ذراعًا منحوتًا في الصخور، كما لو أن الصخر قد تم نقشه بإزميل عملاق، كان هذا الرمز شبيهًا بالذي علّم الناسَ يومًا أن يدققوا في المخطوطات الناكوتية، التي كانت أقدَم من أن تُقرأ قبله، هذا كل ما وجدوه.

لم يجدوا بارزاي الحكيم قط، ولم يستطع الكاهن أتال المقدس أن يقتنع بأن يصلي من أجل الراحة الأبدية لروحه، وبجانب ذلك فحتى اليوم ظل سكان أولثار ونير وهيثج يخشون الخسوف، ويصلّون في الليل حينما تخفى الأبخرة قمة الجبل والقمر، وفوق سحب الضباب على قمة هيثج-كلا ترقص آلهة الأرض أحيانًا منتشية من الحنين، لأنهم يعلمون أنهم بخير، إنهم يفضلون أن يجيئوا في سفن السحاب من عالم كاداث المجهول، ويلهون على الطريقة القديمة، كما كانوا يلهون عندما كانت الأرض جديدة، وعندما لم يكن مسموحًا للبشر بتسلق المستويات المحظورة.

10-9-2009

(*)-حاولت في هذه الترجمة عدم تهميش أي شيء، أي ألا أقطع سياق القصة بالهوامش الكثيرة التي علينا في العادة أن نكتبها عند ترجمة لافكرافت، فهو يذكر في سياق القصة الواحدة غالبًا عدة أماكن وشخوص وتفاصيل خيالية، لكنها مشروحة في قصصه الأخرى، بما يفرض عليك مراجعة كثير من قصصه قبل الشروع في ترجمة إحداهن، وعلى سبيل المثال هنا جاءت: المخطوطات الناكوتية، مدن أولثار ونير وهيثج ونهر سكاي وعالم الأحلام كاداث، وهي أسماء مخترعة حاول بها لافكرافت أن يحاكي اللغة العبرية صوتيًا، نظرًا لما حملته له وقرأ فيها وفي اللغات السامية عمومًا من المعارف السحرية، لفظة كاداث مثلاً مقاربة صوتيًا للفظة حاداث التي تعني في العبرية: المعرفة، والصلة بين الحلم والمعرفة معهودة في العلوم الباطنية ومذاهب العرفان، هذا بالإضافة إلى استخدامه للكثير من مفردات القاموس الباطني هنا وهناك، مما يعني أن لافكرافت كان يقصد من هذا أولاً: الإيحاء بالجو العرفاني الغامض ذي الأصول البعيدة الشرقية، والسامية تحديدًا، وثانيًا: تركيب شبكة متكاملة عبر قصصة القصيرة والطويلة بحيث يشكل بها عالمًا خاصًا له مقاييس مختلفة، هو العالم الذي تدور فيه أحداث أغلب قصصه.

Advertisements

صبيّ الساحر

بول دوكا: القصيد السيمفوني صبي الساحر

“عن قصيدة لجوته بالعنوان نفسه كتبت عام 1797، قدمتْ في هيئة فيلم بواسطة شركة ديزني عام 1940، بعنوان (فانتازيا)، مستخدمةً القصيد السيمفوني الذي ألفه الموسيقار الرومانسي الفرنسي بول دوكا عام 1897 المسمَّى بالعنوان نفسه-الترجمة الإنجليزية لبريجيت دوبييل”

شيءٌ رائعْ
أن يتركك الساحر وحدك في هذا الكون الشاسعْ
سيدك الطاعن في السنِّ،
الساحرُ في الكونِ،
الكائنُ في السحرِ،
المتخفي في الظلمات عن الجمهورِ،
عن التصفيقِ،
المتواضعْ
شيءٌ رائعْ
أن يتركك الساحرْ
ويغادِرْ
والآنَ.. فمن منطلق الشيء الآخَرْ
فستسمع كل قواه كلامي،
سأحاول أن أتذكرْ
ما كان يقول، ويقدِرْ
شيءٌ آخَرْ
أن يتركك الساحرْ
في الكون وحيدًا..
كي تسحَرْ.!

“روحي.. روحي
في الطرقات وسيحي
إياكِ الإبطاءْ
وائتيني بالماءْ
ودعيه ليسري مهراقًا
ليغسّلَ سِجّاداتِ جروحي؟!”

يا مكنستي البائسةَ اتخذي ثوبا
هذي الأسمال أنيقهْ
أيْ والله أنيقهْ!
وعلى أية حالٍ لستِ سوى خادمةٍ في الأرض سحيقهْ
ما أعجز مثلكِ إنسيًا في الأرض وما أعجزه هربا
أنا سيدك اليومَ ومولاكِ
فلتصبحْ لكِ قدمانِ،
ورأسٌ فوق عصاكِ
وخُذي الدلوَ أيا مخلوقهْ
واءتيني من ماكِ
الدلوُ بيمناكِ
في الخلد سيبلع بحرًا
والبحر مع الخلدِ
فقط
سيبلل يسراكِ
وسيملأ في القلب وعاء العدَمِ المُنقَلِبا

“روحي.. روحي
يا روحي!
في الطرقات وسيحي
إني أعدُ النفسَ سماءا
كالإسفنجهْ
ملأًى.. ماءً.. ماءا
لأذيبَ عليها صابونة قلبي الزَّلِجَهْ
أتحمم في آخر عمري بالقلبِ،
وأفقد أقوى سببٍ
قد يخضعني يومًا
لجراحات القلب المفتوحِ”

(بين الرنجة والمَنْجَهْ
يسبح في خَلِّ العالمِ
مبتلاً كالإسفنجهْ.!)

يا مكنستي إني لأراكِ
مُهرعةً من ضفة نهرٍ لضفاف الريقْ
والأسمال الممزوقة تكشف عورتكِ الخشبيهْ
والأشجار حواليكِ تراكِ
خشبًا مَيْتًا يتحرك كالأحياءِ،
وزومْبيًّا يحيا كالمخلوقْ
يا مكنستي المشقوقة بشقوق الموت الطوليهْ
سترين على مرآة النهر الموتَ،
الموتُ.. يراكِ
لا تبتئسي حين ترينَ ولا تبحثْ في وجهكِ عن عينٍ عيناكِ
يا مكنستي الحيّهْ

(بين المرحلة الحرجة والمرحلة الما بعد الحرجهْ
بين الحوض الملآن المحتجّ وبين الأنهار اللائي تفرغ محتجّهْ
ما زالت مكنستي تحمل ماءَ العالمِ
تملأ كلَّ وعاءٍ في البيت وكوبٍ،
تأخذ أرضًا من تحتي..
كي تلقي لي.. موجَهْ.!)

كُفّي.. كُفّي
عندي ما يكفي
البيت تحول ثمرهْ
ينفخ منها النضجُ الجدرانَ لتسقطَ
مُحدثةً.. غَمْرَهْ
هل أتطورْ
في الزمن الأغبرْ
وأصير محارًا في صَدفي؟

لا توجد أحرفْ
ترغم مكنسةً رأت الموتَ بلا عينين تعود بلا أطرافْ
لا يوجد عرافْ
يقدر أن ينسى مخلوقًا ما يعرفْ
انزفْ
انزفْ
انزفْ
يا بحرَ العالم بين يدي مكنسةٍ
دون ضفافْ
وأنا -عن نفسي-
سوف أمدد جسمي في الشمس طوال العمر لكي أتجفّفْ

لا..
هذي المرّة جادٌّ جدًا،
البلطة بين يديّ ْ
والموت أمامي
يجعلني أبصر بأشعةٍ سينيهْ
يطبع أعضاءَ الناس بشبكية عينيّ ْ
وأنا أبسط تلك الشبكيهْ
أقبض تلك الشبكيهْ
أُحصي ما اصطدتُ من الأشكالِ،
من المخلوقات الإشعاعيهْ
وأُغَلّق -كي لا تهربَ- جفنيّ ْ
لا..لا
هذي المرة جادٌّ فعلاً،
والموت أمامي
يمشي مثل المكنسةِ
ويحمل معها الماءَ بروحٍ أخويهْ
الموت يسير ليدفع خطوَ الأحياء من الخلفِ،
فإن وصلوا.. أسرع ليواجههمْ،
الموت وراء الأحياء بعيدٌ،
لكن حين يروهُ.. قريبٌ،
وأنا الآن أراه يروح يجيء ويختلس النظرات إليّ ْ
لا.. لا
هذي المرة جادٌّ جادٌّ
لكن الموت ضحوكٌ يضحكني
ليس يكفّ طوال الوقت عن الحركات الكوميديهْ
-هاها.. مضحكْ.. مضحكْ
-اضحكْ.. اضحكْ
أنت مليء بالحبّ وسير الأبطال وبالعقد النفسيهْ
كن مرحًا، وتخلّصْ
لا تتقلّصْ
أنت أمامك مستقبلُ عمرٍ هائلْ
ستكون القاتلْ
فتقدمْ، واضربْ، اضربْ
حتى تتحطمَ طفلتكَ الخشبيهْ

طَخْ طَخْ
لم تصرخْ
وتهاوت نصفينْ
طخْ طخْ
لم تتشرّخْ
ضرباتي كانت بالملليمتر وبالملليمترينْ
يا للحزنْ! ياللحزنْ!
ما كان هنالك حلٌّ إلا: طخْ طخْ
كانت تتمدد دون حياةٍ
وأنا أطفو مذهولاً
في سائليَ الشوكيِّ
من الجمجمة إلى المخّ ْ

أطفو.. أطفو
هل أحلم، أم أني..؟
كان الموتُ يبالغ في الواقعْ
لم أغدُ القاتلَ وحديثَ الساعهْ
كان أمامي توأمتانِ تصبانِ الماءَ،
وبيتُ الساحرِ يتحوّلُ حوضًا،
وأنا يسبح بي الكرسيّ من المكتب للغرفة ومن الغرفة للقاعهْ
البيت تحول جرّةَ ماءٍ،
وأنا أسبح في الماء إلى السقف كفقّاعهْ
والمدّ يتابعْ
المد يتابعْ

هل أحلم، أم أني..؟
هذا الساحرْ
جاء فسحب الماءَ بكلمهْ
سحب السحرَ من الأختينِ بكلمهْ
شيءٌ آخَرْ
أما الآن فليس أمامي
إلا أن أبحث عن كونٍ آخَرْ
أتعلم فيه كلمهْ
أعصر فيه غيمهْ
أرعى فيه المخلوقات الخشبيات المنقسمَهْ
كونٍ يرحل فيه الساحرُ، لا يرجع في الأوقات الضائعةِ،
وفي الأمكنةِ المنعدمهْ
كونٍ يرحل فيه الساحرْ.!

كريم الصياد
9-9-2009

النص الأصلي بالإنجليزية:
The Sorcerer’s Apprentice
Translation by Brigitte Dubiel

Good! The sorcerer, my old master
left me here alone today!
Now his spirits, for a change,
my own wishes shall obey!
Having memorized
what to say and do,
with my powers of will I can
do some witching, too!

Go, I say,
Go on your way,
do not tarry,
water carry,
let it flow abundantly,
and prepare a bath for me!

Come on now, old broom, get dressed,
these old rags will do just fine!
You’re a slave in any case,
and today you will be mine!
May you have two legs,
and a head on top,
take the bucket, quick
hurry, do not stop!

Go, I say,
Go on your way,
do not tarry,
water carry,
let it flow abundantly,
and prepare a bath for me.

Look, how to the bank he’s running!
and now he has reached the river,
he returns, as quick as lightning,
once more water to deliver.
Look! The tub already
is almost filled up!
And now he is filling
every bowl and cup!

Stop! Stand still!
Heed my will!
I’ve enough
of the stuff!
I’ve forgotten – woe is me!
what the magic word may be.

Oh, the word to change him back
into what he was before!
Oh, he runs, and keeps on going!
Wish you’d be a broom once more!
He keeps bringing water
quickly as can be,
and a hundred rivers
he pours down on me!

No, no longer
can I let him,
I must get him
with some trick!
I’m beginning to feel sick.
What a look! – and what a face!

O, you ugly child of Hades!
The entire house will drown!
Everywhere I look, I see
water, water, running down.
Be you damned, old broom,
why won’t you obey?
Be a stick once more,
please, I beg you, stay!

Is the end
not in sight?
I will grab you,
hold you tight,
with my axe I’ll split the brittle
old wood smartly down the middle.

Here he comes again with water!
Now I’ll throw myself upon you,
and the sharpness of my axe
I will test, o spirit, on you.
Well, a perfect hit!
See how he is split!
Now there’s hope for me,
and I can breathe free!

Woe is me! Both pieces
come to life anew,
now, to do my bidding
I have servants two!
Help me, o great powers!
Please, I’m begging you!

And they’re running! Wet and wetter
get the stairs, the rooms, the hall!
What a deluge! What a flood!
Lord and master, hear my call!
Ah, here comes the master!
I have need of Thee!
from the spirits that I called
Sir, deliver me!

“Back now, broom,
into the closet!
Be thou as thou
wert before!
Until I, the real master
call thee forth to serve once more!”

النص باللغة الألمانية:
Der Zauberlehrling
Johann Wolfgang von Goethe

Hat der alte Hexenmeister
sich doch einmal wegbegeben!
Und nun sollen seine Geister
auch nach meinem Willen leben!
Seine Wort’ und Werke
merkt’ ich, und den Brauch,
und mit Geistesstärke
tu ich Wunder auch.

Walle, walle,
manche Strecke,
dass zum Zwecke
Wasser fliesse,
und mit reichem, vollem Schwalle
zu dem Bade sich ergiesse!

Und nun komm, du alter Besen!
Nimm die schlechten Lumpenhüllen
Bist schon lange Knecht gewesen:
nun erfülle meinen Willen!
Auf zwei Beinen stehe,
oben sei der Kopf,
eile nun, und gehe
mit dem Wassertopf!

Walle, walle,
manche Strecke,
dass zum Zwecke
Wasser fliesse,
und mit reichem, vollem Schwalle
zu dem Bade sich ergiesse.

Seht, er läuft zum Ufer nieder!
Wahrlich! ist schon an dem Flusse,
und mit Blitzesschnelle wieder
ist er hier mit raschem Gusse.
Schon zum zweiten Male!
Wie das Becken schwillt!
Wie sich jede Schale
voll mit Wasser füllt!

Stehe! Stehe!
Denn wir haben
deiner Gaben
Vollgemessen!
Ach, ich merk’ es! Wehe! Wehe!
Hab’ ich doch das Wort vergessen!

Ach, das Wort, worauf am Ende
er das wird, was er gewesen!
Ach, er läuft und bringt behende!
Wärst du doch der alte Besen!
Immer neue Güsse
bringt er schnell herein,
Ach, und hundert Flüsse
stürzen auf mich ein!

Nein, nicht länger
kann ich’s lassen,
will ihn fassen,
das ist Tücke!
Ach, nun wird mir immer bänger!
Welche Miene! Welche Blicke!

O, du Ausgeburt der Hölle!
Soll das ganze Haus ersaufen?
Seh’ ich über jede Schwelle
doch schon Wasserströme laufen.
Ein verruchter Besen!
der nicht hören will!
Stock, der du gewesen,
steh doch wieder still!

Willst’s am Ende
gar nicht lassen?
Will dich fassen,
will dich halten,
und das alte Holz behende
mit dem scharfen Beile spalten.

Seht, da kommt er schleppend wieder!
Wie ich mich nur auf dich werfe,
gleich, o Kobold, liegst du nieder!
Krachend trifft die glatte Schärfe.
Wahrlich, brav getroffen!
Seht, er ist entzwei!
Und nun kann ich hoffen,
und ich atme frei!

Wehe! Wehe!
Beide Teile
steh’n in Eile
schon als Knechte
völlig fertig in die Höhe!
Helft mir, ach ihr hohen Mächte!

Und sie laufen! Nass und nässer
wird’s im Saal und auf den Stufen,
Welch entsetzliches Gewässer!
Herr und Meister, hör’ mich rufen!
Ach, da kommt der Meister!
Herr, die Not ist groß!
Die ich rief, die Geister,
werd’ ich nun nicht los.

„In die Ecke
Besen, Besen!
Seids gewesen,
denn als Geister
ruft euch nur zu seinem Zwecke
erst hervor der alte Meister!”

Johann Wolfgang von Goethe