Archive for the ‘قصص قصيرة’ Category

اللؤلؤة
أو
ذرّة رمال من سِجِّيل

من مجموعة الرجال-واي

 

بقلم: أشواع بن دارع

ترجمة وتعليق وتقديم: د/يوسف حمدان

مدير مركز المخطوطات بمكتبة (…)

 

-مقدمة:

هذا النص كشف جديد فريد يحتل موقعه بجدارة بين أهم الكشوفات في مضماره، فهو نص مذكرات ترجمان أبرهة الحبشي، الذي تولى الترجمة من وإلى العربية في المحادثة الشهيرة التي دارت بين أبرهة وعبد المطلب جد النبي صلى الله عليه وسلم، وكما سنرى فالنص يبدأ بهذه المحادثة ثم يتطرق إلى وصف المعركة ليتحول بعدها في الشكل والمضمون إلى يوميات شخصية غاية في الغرابة، وإن كنا نستطيع الوقوف على تفسيرات علمية ممكنة لها، غير أن أغلبها يبقى بلا تفسير.

 أترك القارئ مع ترجمة النص الذي قمت بقسمته طبقًا لقسمة النص الأصلي فصولاً وفقراتٍ، وأكتفي فقط بالتدخل في مساحات الهامش للتعليق والتوضيح، أما الأجزاء التي عجز قلمي عن بيانها فأرجو ألا يبخل عليّ القارئ بتفسير لها، لأنني فعلاً أتوق إلى الفهم!

د/يوسف حمدان

 

-الفصل الأول: المحادثة بين الزعيمين وواقعة الفيل العجيبة:

“قد كنتَ أعجبتَني حين رأيتُك، ثم قد زهدتُ فيك حين كلّمتَني”

 كذا نطقتُ في أسف مترجمًا عبارة أبرهة المعظّم لسيد قريش عبد المطلب بن هاشم، وقد أحرجتْني حدة طبعه أمام لين الزعيم العربي وتواضعه وهيبته، لكنها الحقيقة! إن العربي لا يطالب سوى بمئتي بعير كانت له سلبها جيش أبرهة، وأما البيت فلم يبدِ الاهتمام الذي توقعه أبرهة بشأنه، وهو ما أدهش بطلاً كأبرهة كان يتمنى مقارعة بطلٍ يناهزه قوةً بدلاً من أن يقتصر دوره على ما يقوم به عامل هدم من رعاياه.

 رأيت أن وجه أبرهة الأسود الصخري يزداد سوادًا وجفافًا، ثم يرفع رأسه ويأمر برد القطيع، ثم يدير رأسه ويأمر بتجهيز الجيش غدًا لهدم الكعبة.

 وفي صباح اليوم التالي نهضنا على صوت النفير، واغتسل الجند، واستعدوا، وأعدّوا الأفيال التي أتى بها أبرهة المعظم ليرهب العرب، وعلى رأسها فيل عظيم شارك في ثلاث حروب ودمر أبنية أعظم من الكعبة، ثم توجه الجمع إلى مكة.

 وهنا حدث شيء عجيب رأيته بأمّ عينيّ، فقد توقف الفيل، ومنيت كل محاولات دفعه ووخزه بالحراب وضربه بالسياط بالفشل، حتى أن أحد الجند عمد إلى استفزازه بإدخال عصا رفيعة في أذنه، وهو كفيل بإثارة جنونه، لكنه تحمل في صبر حيواني غريب، وإن كنت أقسم أنني رأيت على ملامحه الألم.

 وجهوه إلى كل الجهات فاتّجه، وإلى مكة فبرك.

 

كانت عيون الجند تتسع، راحوا يتلفتون، وساد الصمت بينهم.

 نزل أبرهة عن عرشه وأمر وقد زاد غضبه بالتوجه إلى الكعبة بدون الفيل، فتحرك الجيش، والغريب أن بقية الأفيال الثلاثة عشر التي جئنا بها تململت وعصت قادتها، كأنها تحذو حذو كبيرها.

 اقتربتُ من أبرهة، وهمست في أذنه:

-أبرهة المعظم.. الأفيال تتمنع والجند خائفون، وقد سرت بينهم الأقاويل عن عقاب السماء…

 نهرني مقاطعًا:

-أنا السماء!

 وازداد وجهه اكفهرارًا ورجفة، ففهمت أنها معركة بينه ونفسه، قبل أن تكون بينه وقريش.

 

-الفصل الثاني: المعركة:

فجأة تصايح الجنود، وأشاروا إلى الأفق، فلما نظرنا وجدنا غيمًا أسودَ كثيفًا كالدخان يفوح ويقترب، وقال أحدهم:

-طيور.

 توقف أبرهة ونزل عن عرشه مرة أخرى محدقًا في طرف السماء، فتوقف الزحف، وساد صمت رهيب قوامه ستون ألف مقاتل عقد ألسنتهم التوجس، راحت الخيول تصهل وتحمحم بقوة كأنها ابتلعت جمرًا، وراحت تتحرك وتثير الغبار فنزل أغلب الفرسان عنها.

 وبعد لحظات كانت الطيور فوقنا، وعرفنا أنها تحمل في مناقيرها وأرجلها قطعًا من النار تنشر كل هذا الدخان، وحين أفلت أول طائر شظية ملتهبة رأينا الرعب الذي لم نتصوره.

 كانت الشظايا تسقط على رءوس الجند فتخرج أدمغتهم من رءوسهم، ثم قلوبهم من صدورهم، ثم أمعاؤهم من البطون، فيسقطون أجسامًا خِلْوَة رخوة يتصاعد منها الدخان، بعضهم خرجت عظامهم من جلودهم، البعض خرجت جمجمته حيًا من وجهه، والبعض ذابت دروعه وثيابه وجلوده وخرجت عظام صدره كما تطفو أضلاع السفين الغارقة في بركة آسنة، والبعض كانت فقراته تتفرط كحبات العقد المنقطع وتتطاير في كل جهة.

 ملأ الدنيا الدخان والظلام والدم، لم أعد أرى فرحت أعدو دون هدى، تغوص قدماي في أجساد بلا أحشاء، وأحشاء بلا أجساد، وأثناء عدوي الأهوج اخترقت قدمي من أسفل عظمةُ صدرٍ حادة كالمسمار، فلم أهتم وأكملت عدوي حتى غادرت دائرة الدخان.

 ورأيت طائرًا من الطيور يقذف شظيته على أحد الجند، غير أن ذرة دقيقة منها كحبّة رمالٍ انفصلت عنها في الهواء وأصابت رأسي، فأحسست كأن إبرة محمّاة تخترق دماغي، وانتظرت أن تخرج الذرة من رأسي، أو أن يخرج رأسي من وجهي.

 لكنّ شيئًا لم يحدث.

 احتملت ألم الرأس والقدم، وأنا أرى الطيور تنسحب، والجند يتشتتون على مساحة هائلة، وعرفت أن قادة أبرهة أصدروا أوامرهم بالانسحاب، لأنه لم يعد يقوى على إصدار أمر أو شيء باستثناء أمعائه التي بدأت تتكشف عنها جلدته.

 في ذلك اليوم الرهيب لملمنا ما استطعنا من المتاع وغادرنا بأقصى سرعة، وكنت في حالة أشبه بالمجنون، لا أكاد أميز شيئًا أراه أو أسمعه، المشهد الوحيد الذي ظللت أتخيله مشهد أبرهة الذي يتفسخ ويرى أمعاءه تزحف من بطنه كالثعابين، وأنبأني صداع رأسي أن الجحيم الذي ساقته إلينا الطيور يدخر لي مصيرًا أكثر بشاعة مما رأيت، أو تخيلت.

 

-الفصل الثالث: عودتي والرؤيا العجيبة التي زارتني:

بعد عودتي إلى أكسوم([1]) غبت في غيبوبة طويلة، أفقت بعدها في أسوإ حال، وتوسلتُ إلى امرأتيّ أن تحضرا لي ساحرًا أو مُعالجًا ليخرج العظمة من قدمي، فجاء أحدهم بعد طول توسل، وحاول كسر العظمة أو نزعها، لكنني كنت أصرخ من الألم، وبعد أيام أخبرني المعالج أن العظمة لسبب ما صارت جزءًا من عظام قدمي وأن نزعها مستحيل، وقد بدأ اللحم والجلد ينموان عليها، فصار مشهد قدمي كرأس وحيد القرن الذي رأيته في الغابة.

 وخطر لي خاطر غريب: أن العظمة التي اخترقت قدمي قد أعاقت بشكل ما الشظية الدقيقة عن أداء أثرها الجهنمي، لهذا لم أمت كمن مات.

 لا أعرف كيف، ولكن من ينتظر بصدد شظية تسبب إصابتها خروج الدماغ والقلب والكبد أن يفسر أو يعرف شيئًا بوضوح؟!

 مكثت على هذه الحال عدة أيام، والصداع لا يسكن في رأسي، وكانت زوجتاي تتشفيان فيّ أو لا تعيرانني أي اهتمام.

 وفي إحدى الليالي رحت في غيبوبة معتادة من قلة النوم والطعام والألم، فرأيت أنني أسير على ضفة النيل، وأن سطح الماء لامع مستقر أراني فيه من رأسي إلى قدمي، لكنني كنت داكنًا كالدخان، وكانت عظامي وأحشائي بادية في انعكاسي شفافة بلون السماء، مررت كفي أمام الماء فرأيت فيه عظام كفي كلها شفافة وسط لحم أسوَد، وأصابني الفزع([2]).

 فلما نظرت إلى رأسي في المياه.. رأيت دماغي راقدًا وسط عظام رأسي الشفافة، وفي مركزه رأيت تلك الحبّة اللامعة، إنها الشظية التي اخترقته ولم تغادره.

 صحوت وأنا أنادي على زوجتيّ، لكنْ لم يستجب أحد.

 

-الفصل الرابع: الرؤى:

تتابعت الليالي وقد خفّ الألم، ومعها تتابعت الرؤى المشابهة، لكنني كنت ألاحظ ليلةً بعد ليلة الشظية اللامعة القابعة في لحم دماغي وهي تتحوّط بغلاف نصف شفاف لامع.

 وبعد ذلك أخذت ألاحظ هذا الغلاف وهو يزداد ثخانة ويتراكم ليصير كرة صغير بحجم عقلة الإصبع، يحيط بالشظية، ويبيت في دماغي، فزال أثر الصداع تدريجيًا.

 لكنني بدلاً من الصداع بدأت أعاني إحساسًا آخر، كأن أحدهم يلمس بإصبعه عيني، إحساسًا بجسم غريب عني، غير أنه في الدماغ.

 كنت أبكي من الخوف، لكن حين تصحو إحدى زوجتيّ كنت أداري عنها كل ضعف.

 

-الفصل الخامس: اللؤلؤة:

صرت في الرؤى أرى حقيقتي، فقد بدأ رأسي يتضخم، مما صار يعني أن الرؤيا حقيقية، وأن البلورة التي تكبر ليلة بعد ليلة في دماغي ليست حلمًا.

 وذاتَ حلم.. مددت يدي في الماء نحو انعكاس رأسي، ولمست البلورة، فأحسست بيدي الباردة تعبث في دماغي، أحسست بأصابعي تتوغل تحت عظامي وتغوص في مخي اللزج، لكنني احتملت الألم، وأمسكت بالبلورة، فرأيت يدي على صفحة الماء تمسك بلؤلؤة كبيرة بحجم عقلتي إصبع، لم أر أجمل ولا أكبر منها.

 أفقت فجأة من الرؤيا لألمح يدًا تنسحب بخفة من رأسي، كانت يد إحدى زوجتيّ وقد رأت أنني صحوت، وخطر لي أنها أوحت لي بهذا الحلم، فقد أحسست بيدها وظننت في الحلم أنني من يفعل ذلك، أو…

 نهضت وهرعت إلى المرآة الفضية، ودققت النظر في رأسي وأزحت عنه الشعر، كيف أدخلتْ المرأةُ أصابعها في رأسي؟!

 فرأيت رأسي مشقوقًا كثمرة رمان ناضجة، ومن الشق يخرج بريق، بريق جسم أبيض لامع يغشي ضوؤه الأبصار([3]).

 

-الفصل السادس: (بلا عنوان):

تتالت الأيام، ورأسي يتضخم، والشق فيه يتسع حتى ليصير رأسي كفلقتي محارة، واللؤلؤة في الرؤيا والحقيقة تزداد حجمًا وتكويرًا وبريقًا.

 وفي صباح رهيب.. أحسست أثناء نومي بيد تعبث في دماغي، فأفقت فزِعًا على إحدى زوجتيّ وهي تغوص بأصابعها في رأسي وتقبض على اللؤلؤة، أحسست بألم شديد، وخوف أشد، حاولت دفعها لكن الأخرى ضربتني في صدري ضربة مهلكة، والأولى تنزع اللؤلؤة، فلما نزعتها أحسست أنني موشك على الموت كأنها نزعت دماغي نفسه، تمددتُ مرتخيًا، ورأيت ضمن ما رأيت قبل أن أضيع في الغيبوبة زوجتي وهي تحمل اللؤلؤة التي صارت بحجم قبضتها أو أكبر، ومنها تتدلى أحبال غريبة دامية كالأحبال السُّرية التي تتدلى من المواليد، كلها تتراقص وكلها تنزف.

 ولما أفقت من الغيبوبة كانت بقايا الأحبال تتدلى من رأسي الذي بدأ يلتئم، غير أنني صرت مشلولاً وفاقد النطق.

 لم أعد أتحرك سوى في الرؤى.

 

-الفصل السابع: (بلا عنوان):

كانت الرؤى تتابع في النوم واليقظة، وأصبح بإمكاني أن أرى تلك التفرعات التي تتمدد داخل جسمي من رأسي إلى عنقي إلى صدري وبطني وحوضي.

 وفي أغلب الفروع كنت أرى لآلئ جديدة كالثمار الصغيرة، في القلب، في الصدر، في أمعائي، في حوضي، وكان عمودي الفقري يلمع في ظلام الحلم كحبات عقد من اللؤلؤ، وفي كل فقرة لؤلؤة.

 وبدأت أفهم أن اللؤلؤة قد نشرت بذورها بعد نضجها عن طريق الأحبال الـمُخية التي ظننتها أحبالاً سُّرّية، وأن اللؤلؤ انتشر كالمرض.

 هذه هي اللعنة التي فررت من المعركة وأنا أحملها في مخي.

 ليتني متُّ ميتة أبرهة.

 

-الفصل الثامن: المزرعة:

لم تكن أي من زوجتيّ على علم بالرؤى، لكنها كانتا تصيران على علم باللآلئ في أمعائي حين تكبر وأصرخ من ألمها، عندئذٍ تقوم إحداهما بسقياي خمرًا، بينما تحضر الأخرى سكينًا وتستخلص اللؤلؤة.

 وكانت إحداهما إذا احتاجت مالاً تحدث الأخرى برغبتها في استخلاص لؤلؤة منّي، فتعترض الثانية بأن اللؤلؤ لم ينضج بعد، لا زال طريًّا أو صغيرًا، فتقنعها الأولى بحاجتها، فتشقان جزءًا من بطني حيث تستشعران جسمًا صلبًا وتخرجان ما تبغيان.

 حاولت لعدة أيام أن أعصيهما فلا أبتلع ما تدسان في فمي من الطعام وما تسكبان من الشراب، وأنا عليمٌ أنني لو مت فسوف تخسران ما تجنيان من حياتي وألمي، والموت عندي أفضل الأحوال، لكنهما شقتا أمعائي وصارتا تصبان فيها الخمر والسوائل مباشرة كي أعيش رغمًا عني، ورغم أن أمعائي لو نفدت لآلئها فسوف تضطران إلى شق عظام ظهري أو حتى قلبي لتحصيل آخر اللآلئ.

 

-الفصل التاسع: آخر اللآلئ:

حدث ما كنت أخشاه، فقد نفدت لآلئ أمعائي، وطيلة أسابيع لم أمنح المرأتين الشرهتين شيئًا، تشاورتا أكثر من مرة في أمر قتلي وإخراج بقية الكنز، تناقشتا أمامي كأنهما ستذبحان حيوانًا، لكني فهمت أنهما تخشيان انكشاف الجريمة، وأثناء ترددهما سقطت إحداهما أرضًا متألمة من بطنها وهي حبلى، كانت قد حبلت مني بعد عودتي بأسابيع من الحملة الخاسرة، وهي ملاحظة هامة، لأنها وضعت لؤلؤة.

 لؤلؤة أكبر من أية واحدة سابقة، وإنْ لم تكن منتظمة في شكلها، وخطر لي أن جسد المرأة لا يكوّن اللآلئ بالانتظام الذي يحدث في جسد الرجل، لكنها لؤلؤة تساوي أكثر مما في جسدي كله من اللؤلؤ، وبدأتا تعرفان ما لديهما من ثروة ممكنة تفوق ما حصّلتاه مني فعلاً بأضعاف.

 أرغمتني الثانية على مضاجعتها، وبعد شهرين أرغمتني الأولى لتحبل بلؤلؤة ثانية، لكني كنت أتوقع لهما مصيرًا مرتبطًا بمصيري.

 كانت الرؤى لا تتركني، وكنت أرى جسد كلٍ منهما مكشوفًا من داخله في صفحة النهر، واللآلئ تتفرع فيه وتنقل بذورها إلى كافة الأعضاء، إلى اليوم الذي تنضج فيه.

 بعد شهور صارت التي وضعتْ ممددة إلى جانبي، وقد نزعتْ التي لم تضع لؤلؤةَ دماغِها ولآلئَ أمعائها، وبعد شهور وضعت حملها بدورها وتمددت جوارنا من الألم.

 لم نصرخ.

 لو عرف الناس لما رحمونا.

 حان الوقت لاستقبال موتٍ هادئ.

 كانت الرؤى تظهر اللآلئ التي تتضخم في القلوب، موشكةً على أن تلدها الصدورُ.

 لكنني كنتُ سعيدًا.

 وربِّ الكعبة كنت سعيدًا!

***

 

 


[1] – المملكة التي كان أبرهة حاكمًا على الأراضي العربية التابعة لها، وكان مركزها الحبشة. (المترجم)
[2] – يرى صاحب النص هنا مشهدًا شبيهًا بصور أشعة إكس (X)، وإن كنا لا ندري تفسير ذلك. (المترجم)
[3] – يطابق النص بشكل ما التفسير العلمي لتكوّن اللؤلؤ، فهو يتكون داخل أجسام الرخويات التي تسكن المحار بسبب دخول جسم غريب إليها، مما يجعل الكائن الرخوي الحساس يقوم بعزل الجسم الغريب عن كيانه بإفراز مادة ما لتجنب الألم، تظل تتراكم تلك المادة حتى تصنع لؤلؤة،، انظر في ذلك مثلاً:– George Frederick Kunz, Charles Hugh Stevenson: The Book of the Pearl: Its History, Art, Science and Industry, Dover Publications Inc., USA, 2001, p. 42.(المترجم) 

بئر لَمْلَم

من مجموعة الرجال-واي

الخريف الحار المترب الذي هو أقرب إلى ربيع الخماسين، لم يعد بإمكانك التمييز بين الفصول في مصر، مجرد صيف طويل حار جاف يتخلله موسم بردٍ قصيرٍ قاسٍ، لقد جنت الطبيعة في مصر كما جنّ كل شيء فيها في الفصل الوحيد الطويل القاسي من الفقر والقهر الذي يمتد بطول العام وعرضه.

 

فكرت في هذا وأنا أشهق من الحرارة حاسدًا صديقي على معطفه الأبيض ولائمًا نفسي على قميصي الداكن، ونحن ندخل بوابة المستشفى ونقطع حديقته، ونرمق المرضى العقليين المتناثرين في أرجائها التي عريت أشجارها من الأوراق، حتى بدا لي مشهد الفروع العارية الذي أتشاءم منه كأنما الشجر قد جن هو الآخر فراح يمزّق ثيابه ويطوحها مع الريح الساخنة.

 

لفت نظري مشهدها، لم يلفت نظر صديقي الذي أظنه يعرف معظم هؤلاء، كانت تنحني بقامتها النحيلة جدًا ذات السنوات الستين تقريبًا وتحفر في الأرض، كان شعرها الأبيض تمامًا يغطي كتفيها ويتدلى مع انحنائها في البئر، بئر صغيرة بقطر وسطها واضح أنها قليلة العمق، حيث كانت تدخل ذراعها إلى منتصفها لتزيد عمقها وتجمع قلب الحفرة المتراكم في أكوام منظّمة جوارها.

 

لاحظ صديقي اهتمامي فتوقف بنا، صمت قليلاً ثم قال:

-الحاجة (زهرة)، نزيلة عندنا منذ عشر سنوات، وتحفر بئرًا جديدة كل ثلاثة أو أربعة أيام، فشلنا في إثنائها عن ذلك وقد نصحنا أحد الأساتذة بأن نتركها تفرغ طاقتها في هذا النشاط، على كل حال نحن نردم ما تنتهي من حفره بمجرد أن تنتقل إلى موضع آخر.

-ولا يعلم أحد لماذا تفعل هذا؟

-بل نعلم، إن لها قصةً غريبة كما تتوقع.

 

تركناها منهمكة متسخة زائغة البصر، واتجهنا نحو مدخل المبنى، ألقيت نظرة أخيرة عليها ففاجأتني نظرتها المباشرة الثابتة عليّ من بعيد، كأنها تعرفني أو تعرف أننا نتكلم عنها برغم أن هذا مستحيل.

 

فما أن دخلنا البناية حتى قال صديقي شاردًا:

-وهي قصة مخيفة أيضًا.

 

وتحاشى النظر لي.

 

لا أذكر فيمَ تحدث ونحن نتجه إلى حجرة مكتبه أو وهو يطلب لي شايًا، كان يتحدث في أكثر من موضوع، وبدا لي أن يحاول تشتيتي، الأمر الذي أزاد فضولي، فصمتَ وشرد من جديد، وفهمت القدْر الذي تحدثه هذه القصة فيه من التشاؤم والسوداوية، انتظرَ الساعي حتى غادرنا ثم راح يروي..

***

كنت طبيبًا حديث التخرج في ذلك الوقت ولم أكن قد تخصصت بعد.

 

وعرفت هذه القصة من قرب.

 

جاءتنا هذه السيدة في البداية محتفظة بعقلها، منهارة نعم، مجنونة لا، لأنك غير متخصص فسوف أتجاوز كثيرًا من التفاصيل العلمية وأقفز على لحم الحكاية، لقد جاءتنا بولدها الوحيد الذي أنجبته على كبر نسبيًا وهو في سن السابعة عشرة وهي لا تعرف حقيقة ما به، ولا نحن عرفنا، مجرد حالة تصلب عامة مدهشة، إن ذراعيه وأصابعه كانت أكثر صلابة من خشب هذا المكتب الذي نجلس حوله، كان في شبه غيبوبة وواضح أنه سيموت، وكنا سنموت نحن أيضًا بجهلنا لو لا زيارة الطبيب الإنجليزي، طبيب وعالم شهير من بناة إمبراطورية الطب، شاهد الحالة وفحصها باهتمام علمي حقيقي، ثم بدأ يمارس مهمته المقدسة في إبهارنا بالتشخيص.

 

هذه حالة من سرطان الزجاج.

 

بما أنك غير متخصص فلن تشعر بتلك القشعريرة التي سرت في جسمي كسرطان من الرهبة، إن من علائم تأثري بالأدب نظرتي إلى الأمراض باعتبارها شخوصًا متفاوتة في العبقرية والشر، وقد بدا لي هذا الاسم بالذات شريرًا إلى درجة الفتك.

 

بدأ العالم يشرح لنا، إن سرطان الزجاج لا يربطه بالسرطان التقليدي سوى تشابه الأسماء، إذ إنه ليس حالة انقسام غير طبيعية للخلايا مع اختلال التوازن الطبيعي بين معدلَيِ الموت والحياة الخلويين، هذا قاتل عبقري آخر لا يقل عبقرية عن السرطان المعروف وإن كان أكثر ندرة وتفردًا.

 

يحدث سرطان الزجاج بعد تعرض الجسم لصدمة قوية مفاجئة تصيب مساحة كبيرة منه، كما في حادث سيارة أو سقوط من علٍ، مما يجعل الجسم-ولأسباب غير معروفة حتى الآن-يتزجّج.

 

عملية التزجيج Vitrification هي تصلب عامّ هائل يصيب الجسم بأجمعه تدريجيًا ويبدأ في الأطراف وصولاً إلى الأعضاء الداخلية، حالة شاملة من تجمد السوائل الخلوية والأنسجة كأنها بالفعل تعرضت لتجميد شديد مفاجئ، وهي ظاهرة تحدث فعلاً للأجسام الحية في عملية التجميد، وهنا تصير قابلة للكسر.

 

المرض لا يكتمل إلا مع انتشار الشقوق وتناسلها على السطوح والأعماق بشكل متسارع رهيب، ومن ثم ينهار الجسد دفعة واحدة وهو في موضعه، تمامًا كسرطان الزجاج.

 

أنت غير متخصص ولهذا لا تعرف أن أحدًا لم ينج من سرطان الزجاج.

 

أكد العالم الإنجليزي أن كل ما بوسعنا لا يتجاوز إعطاءه المسكنات القوية، وبعد أيام لن يكون بوسعنا شيء.

 

لقد شاهدتْ السيدة ولدها وهو يتشقق حرفيًا وينهار بين يديها في ليلة واحدة، ويا له من مشهد حاولنا ألا تراه دون جدوى!

 

وفي قمة انهيارها هدأت السيدة وراحت تكلم نفسها..

 

“كنت أعرف أنه يتبدّل”

كذا همستْ بعينين متسعتين بدأت تطفو عليهما شوائب الجنون.

 

نصحتْه مرارًا بالرجوع، بالعودة إلى خالقه، بالكف عن كلامه عن المقدسات بهذا الاستهتار وبالعودة إلى الصلاة، إلا أن ولدها كان يملك قدرًا نادرًا من الأصالة الذاتية فيما يبدو، قالت أنه عصاها، عاملها بلطفٍ وبقي على ما هو عليه.

 

فسّرت الأم كل ما حدث له على هذا الظلّ، ففي إحدى الليالي استيقظت وزوجها على صوت دويٍّ كالرعد، قالت أنه كان أشبه برعد مشروخ، رعد مهشَّم غريب، وأن الصوت كان يأتي من غرفة ولدها بالذات.

 

دخلا غرفته في فزع، ورأيا المشهد الرهيب، فجوة مظلمة كبيرة في السقف الذي تهاوى ذلك الجزء منه على الجسد النائم على ظهره، ومنها بدت الغيوم تتحرك في سرعة مدهشة ومخيفة، بدأ ينهض في صعوبة متألمًا متأوهًا من المفاجأة أكثر من الألم، فراحت تتحسس بكفيها جسمه كأنها تتأكد أن كل شيء فيه كما هو، كما تكوّن في رحمها، وقضت بقية الليل تساعد ابنها على تغيير ملابسه والاغتسال وتضميد جروحه وتهدئة رجفته التي كانت تأكل في قلبها، راحت تردد دامعة كأنها تخاطب ولدها أمامنا:

-ألم أقل لك ارجع؟ ألم أقل لك؟

 

ثم أمسكت بتلابيبي أنا بالذات وهمست في جنونها الذي بدأ بلا نهاية:

-لقد أصابته اللعنة يا دكتور، لقد سقطت عليه السماء، الطب لا يداوي اللعنات، لا شيء يداويها.

 

أنت غير متخصص، ولهذا لن تفهم إلى أي حد كانت صادقة.

***

قلت له بصوتٍ مبحوح:

-ولكن لماذا تحفر في الحديقة؟

 

تنهد في عمق ثم قال في إشفاق:

-بعد أن انهار جسد ابنها منهيًا آلامه التي لم يتمكن حتى من التعبير عنها أصرتْ على جمعه، نعم، لن يمكننا فهم منطق تفكيرها في تلك المرحلة، لقد بدا لها أن سيعود إلى الحياة لو لملمته ثانيةً، أو شيء من هذا القبيل.

-ما زلت لا أفهم.

-صبرًا، لم يكن زوجها قد جن هو الآخر بعد، لذا منعها بقوله أنه دفن الحطام البشري في مكان مجهول غير مقابر الأسرة، وأنها لن تستطيع فعل شيء، ثم أدخلها هذا المستشفى، المستشفى نفسه الذي كانت تعالج ابنها فيه، ومن لحظتها وهي تحفر في أي مكان مستخرجةً أي حطام، أحجار أو طوب أو زجاج، وتجمعها في أكوام صغيرة، انظر معي.

 

ونظرتُ من النافذة المنخفضة المطلة على الحديقة، فرأيت السيدة العجوز النحيلة ثلجية الشعر، تجلس القرفصاء أمام ركامها وتقول في إلحاح بصوتٍ رقيق مرتجف، كأنها تحدث قطع الطوب والزجاج:

-لِمِّي.. لِمِّي.. لِمِّي.. لِمِّي!

 

فبهتُّ قليلاً، ثم بدأتْ تتسلق ظهري وكتفي تلك القشعريرة التي وصفها صديقي منذ دقائق، ووجدت نفسي أقول في مأساوية ساخرة:

-بئر لَمْلَم!

 

ابتسم صديقي متغلبًا على اكتئابه، فسألتُه:

-وزوجها المجنون؟

-دخل المستشفى بعدها بشهور.

-وهل هو الآخر مشغول ببئر لملم؟

-بل بلغز سِمْسِم.

-سمسم؟!

-تعال معي.

 

جذبني لنخرج من الحجرة ونصعد إلى الطابق الأعلى حيث عنبر الذكور، وفي قاعة واسعة تناثر فيها المرضى بين هادئ ومضطرب رأيت ذلك العجوز الجالس منحنيًا أمام منضدة صغيرة وأمامه بعض الأوراق.

 

قال صديقي همسًا:

-سمسم هو اسم التدليل الذي كان يطلقونه على ابنه.

 

وأمام الرجل رأيت صورة مرسومة بيد لا تنقصها الموهبة، صورة لوجهٍ شاب بمنظار طبيّ يبتسم في حزنٍ لا شكّ فيه، كانت الصورة ممزقة ويبدو أن العجوز جمعها ثانيةً، لاحظت هذا وصديقي يهمس:

-إنه يرسم ابنه ثم يمزق الصورة، ثم يعيد تجميعها كألعاب الصغار.

 

وكان العجوز يقول باكيًا:

-إسماعيل، سمسم، حبيبي، لماذا لا ترجع؟ لقد طالت غيبتك يا (وِلْدِي)، طالت.

 

وسقطتْ دمعة على وجه الشاب، فبدت لي الصورة التي ذاب حبرها مع القطرات كأنها تبكي، وكأن بكاءها يذيبها فلا ترجع أبدًا.

***

الشبكيّـة

Posted: 23/12/2009 in قصص قصيرة
الشبكـــيّة
من مجموعة الرجال-واي

 

 

-ماذا رأيت؟

-رأيتُ كلبًا برأسين.

-وماذا أيضًا؟

-آخَر بثلاثة رءوس.

-وماذا أيضًا؟

-حصانًا مجنحًا.

وأيتُ أبا الهول.

ورأيت غولاً.

ورأيت زاحفًا مجنحًا.

ورأيت أطرافًا آدمية تتحرك وتزحف على الأرض والجدران.

ورأيت رجلاً من نار وامرأةً من ماء.

ورأيت أيضًا زهورًا ونباتات من زجاج،

وكانت حيةً،

وتنمو.

ورأيت محَارًا فيه عيونٌ حيةٌ دون رءوس.

ورأيت رءوسًا دون أجساد.

ورأيت نساء حوامل ببطونٍ شفافة.

ورأيت الأجنة تسبح في البطون.

ورأيت أجسامًا بلا جلودٍ،

ميتةً.

ورأيت هياكلَ من جلودٍ كاملةً حية.

ورأيتك وأنت تستجوبني هنا.

ورأيت أنني جالس أقول كل هذا أمامك.

ورأيت أنني أراك.

وأنت ملقًى دون جلدٍ في الطريق،

عاريًا،

وميتًا.

…………………

أنت الذي طلبت أن أقول ما رأيت.

***

كنتُ أرى الكائنات في كل مكان، كنت ألتفت لهم وأحدثهم، أو أطردهم بيدي، هكذا عرف الناس أنني مجنون.

 كنت أنا آخر من يعرف.

 ولكنني قبلت في النهاية قرار أبي بدخول تلك المصحة النفسية في لندن، وهو قرار أسهل نسبيًا في المجتمع الغربي، إن المجتمع المصري الذي جئت منه مع أسرتي لا يعترف في الغالب بالمرض النفسي ولا بالعلاج النفسي، وقد خضعت في المستشفى للفحوصات اللازمة وجداول الأدوية، ومرت أيام دون أن أرى شيئًا، أو دون أن يراني شيء.

 ثم بدأت أرى.

 عاد كل شيء كما كان، ومن ثم فقدت ثقتي في الأدوية والتشخيص، وعدت إلى اعتقادي السابق بأنني من أعقل العقلاء على الأرض، وأن ما أراه له تفسير لا يعلمه أحد، وبالطبع لم يصدقني سوى من كان لديه الاستعداد المسبق، أعني الدكتور هُورْكْهايْمَر.

 هوركهايمر طبيب من أصل ألماني متوسط العمر، متوسط الشهرة، متوسط الذكاء، لكن لا أحد مثله في الطموح والإلحاح على النجاح، ولا عجب أنه تنقّل بين عدة تخصصات تبدأ بالعيون وتنتهي بالأمراض النفسية والعصبية، إن الطموح هو محرِّك التاريخ، لكن طموح هذا الرجل كان نهاية التاريخ.

 ما زلت أذكر يوم جاء إلى حجرتي وأبدى تفهمًا كبيرًا لحالتي، وصرّح لي أنه ليس مقتنعًا مثلي بسلامة التشخيص، لكنه لم يقدم البديل، لم يشرح أكثر لكنه أخبرني بنظرية غاية في الغرابة:

-نظريتي تقول أن ما تراه موجود، ليس موجودًا في العالم الخارجي، ولا في عقلك، لكنه موجود في عينك، تطوعْ لخوض تجربتي، وقد يساعدني الفهم كي أساعدك.

 وكانت التجربة غاية في السرية، تعتمد على جراحة دقيقة لاستئصال جزء من شبكيتي ثم فحصه بطرقٍ معقدة، وقد مررت بالتجربة بعد صعوبات كثيرة جدًا، وبعد كل هذا.. لا شيء، لم أسمع بعد ذلك عن الدكتور لمدة تزيد على العام، لدرجة أنني نسيت كل شيء عنه مع ما نسيت عن العالَم.

 جاءني الممرض الذي ربطت بيننا لعبة الشطرنج، وأخبرني أن د. هوركهايمر يريدني.. هوركهايمر؟ الطبيب المجنون؟ المفترض أنك أنت المجنون يا عزيزي، اخرج وقابله.

 كان متعجلاً ولم يشرح شيئًا كعهدي به، ارتدِ ملابسك وتعال معي إلى المعمل، هل هذا بشأن فحص الشبكية منذ عام؟ لم يرد، ولم أتأخر.

 قاد السيارة في صمت، اصطحبني إلى باب معمله في صمت، دلف إلى الداخل في صمت، تحدث في صمت، ستنبهر، صدقني ستنبهر، سترى ما لم يرك إياه الجنون، .. أنا فخور جدًا بعملي ولن أقبل له انتقادًا، ولم أنوِ انتقاده على كل حال.

 لكنني لم أنبهر لأنني لم أفهم، فتح الباب المؤمَّن ببطاقة ممغنطة وجهاز لقراءة البصمة، وكان قد أجبرني على ارتداء زيّ خاص أشبه ببدل الجراحة وأن أمرّ بمرحلة من التعقيم، كل هذا ليضيء النور فأرى أمامي حجرة دون نوافذ مغطاةً بورق حائط أسود يبطن الجدران الأربعة.

 فقط جدران مغطاة، ليس فيها أحد أو شيء، لكنني حين دققت رأيت أنابيب دقيقة جدًا، آلاف الأنابيب تدخل وتخرج من الحوائط قرب الأرضية والسقف، وتتجمع في أنبوبين كبيرين أحمر وأزرق يمران عبر أحد الجدران إلى حجرة مجاورة.

 -أين أنا بالضبط؟

-أنت في عينك، نحن الاثنان في عينك.

 ثم رفع عينيه إلى أفق غير مرئي، وتابع حالمًا:

-لقد حققت أعظم تجربة أنجزتها البشرية منذ شطر الذرة، هذا الذي يبطن الحجرة نسيج شبكيتك الذي استنسختُه بآليات متطورة، وبالتالي استطعت في النهاية تخليق عين عكسية مجسمة للداخل، عين ترى داخلها دون مجاز، ترى بالعكس، تعال معي.

 خرجنا من الحجرة إلى الحجرة المجاورة بعد أن أحكم ثانيةً غلق الأولى، ثم جلس أمام جهاز كمبيوتر واضح أنه يتصل عبر حِزمٍ من الأسلاك بالعين المجسمة للداخل على حد تعبيره، هل يلعب هذا الجهاز إذن دور المخ أو الأعصاب في المقابل؟

 -بل يتحكم في العين ويجعلنا نرى ما فيها، سترى الآن أن الأمر لا يحتاج لكي تبصر هذه العين إلى مخ..

 ثم ضغط عدة أزرار متابعًا:

-.. بل إلى عدسات.

 بالفعل ارتسمت على الشاشة صورةٌ للحجرة ببطانتها السوداء، ثم رأيت جدرانًا شفافة تهبط في بطء من السقف، صارت الحجرة أربعة جدران سوداء تحيط بأربعة جدران شفافة، فأضاءت علامة إنذار على الشاشة تفيد حظر دخول حجرة العين، ثم..

 -لقد جئت بك لتخبرني إذا ما كنت ترى هذا.

 أول ما رأيت كان البطيخ، البطيخ الحيّ الذي كنت أراه في هلوساتي بفمه العريض وأسنانه البارزة، كانت لهذا البطيخ عادة سيئة حين يبدأ بالقفز والصراخ بصوت حاد، بالفعل بدأت خمس أو ست بطيخات يقفزن ويصرخن داخل الزجاج، ربما من الجوع.

 نظرت إلى هوركهايمر في ذعر ودهشة وانبهار لن يجدي وصفه، فنظر لي بفضولٍ علميٍّ نهِمٍ، وسألني:

-هل كنت ترى شيئًا كهذا؟

 ازدردت ريقي بصعوبة:

-هل تريد أن تقول.. أن هذا ما هو موجود الآن في الحجرة المجاورة؟

-طبعًا، لقد أخبرتك من البداية أن كل هذا يعيش في عينك.

 ثم كرر في نفاد صبرٍ:

-هل كنت ترى هذا؟

-نعم.

-وهذا؟ هذا هو ما ظهر لي أمس.

-نعم.

-وهذا؟

-نعم.

-وهذا؟

-كل هذا، كل هذا.

 أغلق برنامج الصور وسألني:

-هل كنت ترى ذلك بترتيب معين له دلالة؟ أي ترتيب وأي دلالة؟ أم كنت ترى كل ذلك متفرقًا، مجرد كائنات؟

– متفرقًا، مجرد كائنات.

 ثم أمسكتُ بذراعه متوسلاً:

-كيف استطعتَ؟ أنت عبقري، أنا أومن بك، لكن أخبرني.

 استرخى في مقعده في خيلاء وعيناه المجنونتان تتألقان، وتتابعان البطيخ على الشاشة حيث راح يحطم بعضه بعضًا ويسفك عصارته الحمراء لتلوث كل شيء:

-إن شبكيتك الآن تعيش في دورة صناعية بالضبط كدورة الدم، ولم أعرف بعد السبب.. لكن شبكيتك تملك هذه الخاصية الفريدة على التخليق المادي، لقد أجريت التجربة كثيرًا على مرضى آخرين دون تخليقٍ واحدٍ.

-د. هوركهايمر.. هل هذا آمِن؟

-وما الذي يمكن أن يحدث؟ لو خرجت هذه الكائنات عن السيطرة أستطيع قطع دورة الدم والغذاء والأكسجين عن الشبكية فيتوقف البثّ.

-لكن يا دكتور..

 صمتُّ مرغمًا، إنه في تلك النقطة التي تمتزج فيها العبقرية بالجنون في حين تزيده نشوة الإنجاز جنونًا ويزيده الجنون ابتكارًا، كنت أنظر إلى الشاشة التي كانت تنقل في تلك اللحظة مشهد السحالي العملاقة بحجم الرجل البالغ، وهي تنقّب في أشلاء البطيخ، إنها مخلوقة حديثًا وتحتاج طعامًا، حملقتُ في الشاشة بدهشة، فالتفت لي قائلاً:

-هل هذا جديد عليك؟

-لا يا سيدي، بالمرة، الجديد هو صوتها، هذا هو صوت البطيخ.

-ربما كان صوتها.

-أنا أعرف صوتها.

-ومعنى هذا؟

-معناه أن هناك بطيخةً على الأقل ما زالت حية.

-ولكننا لا نراها.

-لأنها ليست هناك..

 ثم قفزت فوق مقعدي واقفًا صارخًا:

-.. إنها هنا.

 أمام عيوننا المتسعة كالآبار دخلت علينا من الباب المفتوح أربع أو خمس بطيخات صارخات، قفز الدكتور من مقعده وتراجع حتى الجدار وهو يهتف:

-كيف؟ كيف؟ كيف؟ كيف؟..

 لا أدري لماذا يضيع الإنسان آخر لحظات حياته في أسئلة لن تنفعه في الدار الآخرة، بينما يلتهمه البطيخ.

***

عرف العلماء والأطباء القصة، وكان التفسير أن (نظام هوركهايمر) كما اصطلحوا على تسميته لم يكن محكمًا، وأنها كارثة تهدد الأمن العام الآن، لأن الكائنات تسربت وتعيث فسادًا في الأرض.

 وبرغم تدمير العين-عين هوركهايمر العكسية-إلا أن آثاره وأوراقه تفيد وجود عيونٍ أخرى من الشبكية نفسها للأسف، ولما لم تستطع الشرطة العثور عليها بكل قوتها لم يكن أمامهم سوى..

***

-وماذا أيضًا؟

-سترون كذلك باتمان وسوبر مان والرجل العنكبوت والمرأة القطة.

-وماذا أيضًا؟

-سترون كل ما جاء في قصة أليس في بلاد العجائب للويس كارول، راجعوها لأنها مستقبلكم الآن.

-وماذا أيضًا؟

-سترون الأشجار المتحركة التي جاءت في فيلم سيد الخواتم.

وسترون.. ولكن.. قد لا يكفي الوقت لذلك.

 قلتها وأنا أشير إلى النافذة فالتفت المحقق، ثم نهض في ذهول تامّ.

 كانت الطابيات العملاقة بحجم البنايات تكتسحن كل شيء في حركاتهن المتعامدة المتصلة، في حين دمّر البيادق في الأفق عدة مبانٍ، ووسط الغبار بدا رأس الملك الصليبي وهو يستعد لدخول لندن.

 كان الدمار شاملاً والضجة تعلو مقتربة، إن الملكات (أو الوزراء) سيدمرن المدينة لأنهن لا يعرفن الرحمة.

 التفت لي منهارًا وقال في شبه بكاء:

-إنها نهاية العالم، نهاية العالم.

-هذا تأثير لعب الشطرنج في المستشفى، إن شبكيتي تكرر دورًا حامي الوطيس، وهي المرحلة قبل الأخيرة.

-قبل الأخيرة؟

-قبل أن يأتي هوَ..

 اتسعت عيناه محدقًا في وجهي برعب، وقال بصوت كالفحيح:

-هوَ؟؟!

 نظرت إليه مباشرةً كقسٍّ يتقبل اعترافًا وسألته:

-هل تؤمن بالله يا سيدي؟

 فانهار الرجل في مقعده.

 وفي الأفق كانت الأرض تنتفض كسجّادة، وكل من عليها فانٍ، ووسط الصخور والشظايا والأعاصير وسمٰوات الغبار كان يشق طريقه بلا رحمة، إنه عظيم، فخيم، مطلق السيطرة، كانت العمائر تتصدع من مَرآهُ قبل أن يمسها، لن تجد موقفًا أشد رهبة.

 كانت بريطانيا كلها ترزح تحت ثقله، وكانت تغرق.

 تغرق.

***

الترسيب

Posted: 23/12/2009 in قصص قصيرة

 

الترسيب

من مجموعة الرجال-واي

 


 

 

(1)

صباحٌ لا مراء فيه، كالنبوّة، لماذا أفتتن بضوء الشمس بعد طول هذا العمر، عمري، وعمر الشمس، وعمر الأرض، وعمر الإنسان؟ كثيرًا أتساءل عن مشهد تلك الشمس التي سطعت على الديناصورات، أو على وجه إنسان نياندرثال، شمس لم تكن قد علاها صدأ الحضارة وعادم السيارات والطائرات، لم تكن ضعفت بطاريتها، ربما لم تكن في المتناول إلى هذا الحد، ربما كانت بعيدة جدًا كالنجوم، أو قريبة تلمس الأرض بألسنة لهيبها وليس فقط بأشعتها، كنت أتبع شعاع الشمس الوليد وهو يتسلل إلى حجرتي الصغيرة الباردة مغلقة النوافذ الزجاجية كحوض السمك، أنا سمكة في حوض، ربما يداعبني الملائكة بالطرق على زجاج الحوض بأطراف الأنامل، ربما يتسلون بتأملي ضوء الشمس ودهشتي المكررة كل صباح.

 

كما ترون.. هذه حجرة معيشتي، أعيش فيها وحدي بلا امرأة، وبقليل من الأشياء، أستمتع بالاستماع إلى الفراغ ومشاهدة الصمت، أتريدون شايًا؟ لديّ أكوابٌ محدودة لا أستعمل أغلبها، إنها تلعب دور الثريا حين تنعكس عليها الشمس الطفلة ذات اللثغة، لماذا تنطق الشمسُ السين ثاءً في الصباح؟

 

من يرد استعمال الحمام منكم فهو على اليمين، أنت.. أرجوك لا تدخل هناك، تلك حجرة الفحص، هذه عيادة خاصّة كما تلاحظ، لن أعيد ترتيبَ كل ما تعبث به، لقد فرغت توًّا من ترتيب العالم الذي بعثره يونسكو وبيكيت وكامو أمس، أنا لا أطيق الفوضى.

 

لن يأتيني أحد قبل انتصاف النهار، لماذا يلتئم النهار كلما انتصف؟

هدوء..

لا شيء..

النقاء الكوني..

وحدة الوجود الحقة أن توجد وحدك.

المتصوّفة يصعدون سلمًا لا ينتهي.

هيجل غامض.

يحب المثلثات.

يكره رائحة الدخان.

ماركس لا يحب الدخان.

لكنه يؤمن أن الفكر ناتج احتراق المخ.

كل هذا كلام فارغ.

الحقيقة تُخلق هنا.

الألم البشري هو الحق.

وأنا الكاهن.

هدوء..

لا شيء..

النقاء..

كل ممتلكات الله في أمان.

لماذا يلتئم النهار؟

لن يأتيني أحد قبل انتصافه.

ماذا لو لم ينتصف؟

……………….

دعوني أعدّ لكم شايًا.

(2)

غريب! أنتم تسمعون ذلك بلا شكّ.

 

خطوات مريضٍ يصعد درجي، أحدهم يطلب الكاهن، لا أحد في هذا الطابق المرتفع غيري، لا أحد في هذه السماء سواي، ماذا لو صدر قرار إزالة للسماء الزائدة؟ أأجد نفسي في الأرض؟ أتمنى ألا يصل البشر إلى هذا المستوى من الروتين.

 

أحدهم قادم قبل انتصاف النهار، أحدهم يعاني من حالة وحي متقدمة، إنه يتألم، أشعر بألمه في الأرضية، في سور الدرج، في ملامسة سبابته لمفتاح الجرس، كل شيء عبارة عن ذبذبات أوتار، هكذا فهمتُ نظرية الوتر الفائق.

 

لا أذكر كيف استقبلتُه، ها هو جالس أمام مكتبي، وجهٌ كوجوه الدمى، وسيم كأنه مرسوم، رجل في منتصف العمر، تحدثتْ النظرات: أنا مريض-أنا أعرف-أنا أعرف أنك تعرف-أعرف أيضًا أنك خائف-هل تحب الموسيقى الكلاسيكية؟-لا تدّع اتساع الأفق لأنك ضحل الروح، إن روحك لا تعلو جلدك سوى بملليمترات قليلة، حتى إنني أراه بوضوح، وجوه الدمى من أمثالك يصلحون للعرض فقط، وادعاء البراءة أمام الأطفال، والأناقةِ أمام الكبار، والحياة أمام الجميع، لا أعرف لماذا كانت تبدو عينا هذا الرجل حين تثبتان كعينيْ ميتٍ.

 

هدوء..

لا شيء..

 

إنني أتلقى وحيه، الألم وحي يُسمع بالجلد ويُكتب بالأعصاب، غريبٌ ألم هذا الرجل، كأنما يُعزف على أرغن متحشرج، آلاف القصبات الصائتة المكتومة، كآلاف المزامير التي وقفت في حلوقها تفاحات آدم.

 

حين حرك فاه لينطق أدركت المشكلة، إنه يحرك فكيه بخشونة كأنما يمضغ حجرًا، ملامحه نفسها متصلبة توشك أن تنكسر، حالة تصلب عامة في الجلد والعضلات، مع ذلك غريبة جدًا بالنسبة لي.

 

-أنا أعاني من تكلسات يا دكتور.

-ما معنى تكلسات؟

-مركب ما يدخل فيه الكالسيوم، لا أدري بدقة، أنا أتغيّر.

-تعني أنك تتكلس؟

-لم أقل غير هذا.

-لأنك لا تعرف هذا، سنأخذ عينةً، والآن.. دعني أعد لك شايًا.

-لا داعي أرجوك.

 

وغاب الرجل، حين يرحل المرضى يرحلون كالموتى، لم أذكر قط مشهد أي مريض وهو ينصرف ولا وقع رجليه.

 

مرّ يومان، وجاء تقرير فحص العينة كالتالي:

  • Flour ..%
  • Sugar ..%
  • Baking powder ..%
  • Salt ..%
  • Albumin ..%
  • Oil ..%
  • Vanilla ..%
  • Orange juice ..%
  • Butter ..%
  • Red raspberry preserve ..%
  • Ground nuts ..%
  • Raisins ..%

 

دقيق؟ سكر؟ بيكنج بودر؟ ملح؟؟ هل هذه مركبات العينات التي أخذتها من جلده وفمه؟

 

سأغيب قليلاً عن المشهد، يجب أن أسأل المعمل، أن أفكر، أن أبحث عن مرض يحوّل الإنسان إلى بسكويتة مملحة.

(3)

باخ يجلس على الأرغن ويعزف المزامير.

باخ الذي يسبّح الأرغن بين يديه.

قد عاد الرجل.

(4)

حين عاد كان أكثر بطئًا، أكثر تصلبًا، وأكثر معاناة حين الكلام، تحدثتْ النظرات: دعني أعد لك شايًا-لا داعي أرجوك.

 

حين صافحته لاحظت خوفه، لاحظت أيضًا بعض الفتات، مرحى! اجلس ودعني أخفك بما اكتشفته.

 

طبعًا لم يجلس.

 

-ظهري يا دكتور، أخشى أن..

-فلتنم على سرير الفحص مفرود الظهر، لا داعي أن تبقى واقفًا إلى الأبد.

-أنت لا تدري حالة ظهري يا دكتور.

 

فعلاً لم تكن لديّ فكرة، هذا غريب أيضًا، خشونة ظاهرة، بل نقوش سطحية، كأنها خطوط طولية متصلة، ربما تقطعها خطوط عرضية أو منحنيات، لست أدري، أيًا كان هذا فهو جميل.

 

-هذا جديد.

-هناك جديد آخر، عيناي تجحظان.

-أنت واعٍ بجسدك كعارضة أزياء.

-كلا يا دكتور، إنهما تؤلمان، كما أنني لم أعد أستطيع تحريكهما.

 

فعلاً منذ جاء هذه المرة وهو يلتفت بمجمل رأسه.

 

-هذا التقرير ليس فيه جديد يا دكتور، إنني أذوق فمي بنفسي، هذا لا يعني أنني لست خائفًا، لكنني أتصلب وأخشى أن أكسر شيئًا يصعب إصلاحه.

-أريد وقتًا لسؤال زملائي، لأنْ أفكر، لأبحث عما يجب أن أبحث عنه، ذُبْ الآن، ودعني أعد لك شايًا.

-هل تسخر منّي؟

(5)

لا جديد، الرجل يزداد بسكويتًا، عرفت أن تاريخه المرضي تضمنَ السكّريّ.

 

لم أعد أستقبل أحدًا غيره

 

سأعرف ماذا حل به، الآن أو فيما بعد، لو مات سأحتفظ بجثته، لا أحد يُعاقب على الاحتفاظ ببعض البسكويت.

(6)

مرضٌ غريب، طبعًا مع ندرة الحالة وتدهورها السريع لن نعرف كيف يحدث، لكنه يشتمل على ترسيب مركبات الدقيق والسكر والزيت والعصير..إلخ في الجلد ثم ما تحته حتى يصل إلى العظام والأعضاء الداخلية، بالضبط كما يقوم الجسم بترسيب أملاح الحصوات المختلفة أحيانًا، مع الفارق.

 

ربما لو أمكن أن نعكس الترسيب…

 

لكن هذا أشبه بأن نحاول إعادة بيضة مقلية إلى حالتها الأولى.

 

فكرت في هذا وأنا أمام سريره، لم يعد يغادره، كما أنه ينام على الأخشاب مباشرة ليتجنب الانحناء، لقد صار هشًا.

 

لم يعد يلتفت، ينظر إلى السقف ويأتي بإيماءات رمزية، عيناه لم تعد لهما صلة بأعين البشر، زبيبتان كبيرتان ترصعان وجهًا يختلف جدًا عن وجهه القديم، يا له من بسكويت!

 

نقوش جميلة تملؤه، على الأقل ليس رديء الصناعة على الإطلاق.

 

نظرتُ في عينيه الرمزيتين الرهيبتين، إنه يراني ولا أعرف كيف يراني، لكنه لا ينفعل، إنه لا يفعل أي شيء سوى أن يترسّب.

 

هذه فلسفة جديدة.

 

الوجود عملية ترسيب.

(7)

لا جديد، الترسيب يستمر بمعدل ثابت والرجل يدنو من التحول الكامل، لا أدري إن كان هذا سيؤدي إلى وفاته أم لا، لكن هذا أسوأ شيء، إنه يتآكل بشريًا ويمتلئ بالدقيق والسكر.

 

هذا مضحك!

(8)

يا للأسف!

 

الآن لا داعي للبحث عن علاج.

 

لقد فقد ساقًا وذراعًا.

 

في قصة الأنفس الميتة لجوجول قال مدير مكتب البريد أن البطل الذي شاهده الناس سليمًا مرارًا كان مجنّدًا حارب في حرب 1812 وفقدَ ساقًا وذراعًا، فضحكوا منه، لا أعرف لماذا تذكرت هذا الموقف بالذات وأنا أرمق الفراش الذي تناثرت عليه الفتات حول الجسد الناقص.

 

عينه أيضًا اختفت، والأخرى لم تعد في مكانها، إنه النمل، هذا ما لم أحسب حسابه، في (فاصلة إيقاعات النمل) لمحمد عفيفي مطر يعيد النمل تكوين العالم المتفتت، هذا تنويع مبتكر على سفر التكوين، سفر تكوين حشري، يحدث الآن الأمر بالعكس، إنها ميتة غريبة.

 

هل ثمة علاقة بين داء السكريّ وما تعرض له الرجل من ترسيب؟

 

لن أعرف أبدًا.

***