Archive for the ‘مقاطع من الروايات’ Category

صِدام الحفريات

“أركيولوجيا الأرضِ والسماءِ”
رواية وَمْضية

1-ضوءُ 1,000,000 ق.ت
لعق الرجل ساق الفتاة في شهوة حقيقية، لم يتصور أن يصل به الحرمان إلى هذه الدرجة، لعق الأصابع وحتى أطراف الأصابع، يشعر أنه ذليل ومنحط وشاذ، ولكن هذا ليس غريبًا، إنها شريعة الحرمان.

أثناء انهماكه اخترق سمعَه صوت خارج الكهف، اخترق الصخرة التي يغلق بها المدخل، وما وراءها من جدار بدائي من الفروع والأوراق يسد بها الفرجات التي تركتها الصخرة، واخترق حتى صوت أنفاسه الوحشية التي عصفت فيما بين الساق وأذنيه.

رفع وجهه وأنصت، صوت غريب يختلف عن صوت الوحوش، طنين مستمر متصل، وفي ظلام الكهف الخافت دخل شعاع من الضوء الأبيض الناصع، ترك كل شيء وتوجه إلى الصخرة، نظر من خلال إحدى الفتحات فرأى طائرًا فضيًا عجيبًا يتألق بأضواء عدة، يحط من السماء إلى الأرض، لم يكن الرجل ذكيًا بما يكفي للاندهاش، ربما غلبه الحرمان، فترك المشهد وعاد.

في الصباح سيجدونه مجرد علامة سوداء على الأرض.

لعق الرجل عظمة ساق الفتاة، لم يتصور أن يصل به الحرمان إلى هذه الدرجة، لعق الأصابع وحتى أطراف الأصابع، يشعر أنه ذليل ومنحط وشاذ، ولكن هذا ليس غريبًا، إنها شريعة الحرمان.

2-العهد
ها نحن جئنا يا أنبياء
الأرض عذراء
ونحن جميعًا سنصير من أبنائها
دعونا نرع الغنم
نتبنَّ البشر
من كان بلا أرضِ فليمش على الماء
فليعرج إلى السماء
أو فليأت بسلطانٍ آخَر
وليتنبأ كل منا بموعد التالين
على هذا عاهدنا أنفسنا
عليه نمسي، عليه نصبح
عليه نرحل
عليه نعود من حيث جئنا.

3-ساقٌ سارحة، وساقٌ ملتوية
كانت الفتاة تزحف على معصميها وبطنها وركبتها، وهي ترمق في ذعر عظمة ساقها التي نجت من الكهف، استغربتْ لهذا، من الكهف كله لم ينج شيء بعد هبوط الطائر المعدني سوى عظمة ساقها التي سرقها الرجل، ولم يُبق عليها لحمة واحدة.

كانت الكلاب الوحشية تتصارع على العظمة، وخافت هي دخول المنافسة.

تقفز العظمة من فك إلى فك، ويخدشها ناب ثم ناب، فيما بعد ستذكر الكلاب هذه الرياضة، وتلعبها في أمريكا، بل وأمام كاميرات التلفزيون والسينما أيضًا.

عاوّوو.. عاوّوو..

خافت الفتاة من زئير الكلب الذي يطردها من المباراة، فنهضت تقفز على ساق واحدة.

وقعت في حفرة، فالتوَت ساقها الباقية، ويبدو أن الكلب قرر التأكد من أنها لن تُربك لعبَهُ ثانيةً.

4-الساميّون
حليفنا الأول والأخير هو الظلام
ليل طويل في منتصفه ستشرق شمس
لكنها ستغرب بسرعة ككل نجوم هذا الكوكب
أوقدوا المصابيح
اكسبوا ثقتهم بالنور
وأتوهم من الشرق
يمكنكم أيضًا أن تقدسوا هذا النور
اجعلوه إلهًا
وهو ما سيبرر لهم إلى حد ما أنهم لن يروه
لا تجعلوهم ليعرفوا أبدًا أنه مصباح ببطارية
فربما تمكنوا من صنعه يومًا وكفروا به
الإنسان يكفر بما يصنع
كما أنه يعبد ما يصنع
وبعد الثورة الصناعية سيصنع الإنسان كل شيء
كل شيء
إلا النور.

5-عاوّ.. بْسُو
حين تساقط عليها زبد الكلب وهو يشرع في النزول إليها تذكرتْ:
-بْسُو.
-ما هذا؟
-قُبلة.
-ما معنى قبلة؟
-أنت تراني أمضغ الطعام لطفلي ثم أضعه في فمه كالطيور بفمي.
-نعم.
-هذا معناه أنني أعاملك مثل طفلي وأحبك.

لحظتها التمعت عيناه في شهوة وهو ينظر إلى ساقها العارية.

لن ينسى البشر هذا الموقف أبدًا.

كان الكلب يزبد، ففكرت أنها قد تكون طريقته في تقبيل حبيبته.

حتى لو التهمها، الآن تفكر أنها قد تكون طريقته في المضاجعة.

6-الآريّون
القرَدة نوعان:
قرد مثقف وقرد جاهل
القرد المثقف يتساءل من أين جاءت البرتقالة
والقرد الجاهل يأكل البرتقالة
القرد المثقف ستقوده البرتقالة إلى الشجرة
والشجرة إلى الأرض
والأرض إلى السماء
والقرد الجاهل لن يربط أبدًا بين البرتقال والسماء
مع ذلك اعلموا:
أن القرد المثقف سيعتمد على عينيه ولن يتبعنا
وأن القرد الجاهل سيعتمد على أذنيه وسيسمعنا
أرسلوا القردة المثقفة إلى حيث تغرب الشمس
طهِّروا شعوبنا من القردة التي تأكل البرتقال وتقذف القِشْرَ على السماء.

7-الابن العاقّ
حين نزل إليها الكلب كانت مستسلمة تمامًا، وكانت تتذكر:
انتهز الرجل فرصة التفاتتها وخطف الساق التي ما تزال نيئة من الطبق.

صرخت وجرت وراءه، هذا اللص الخائن، لقد فضّل الطعام عليها، فضل ساقًا بلا امرأة على امرأة بلا ساق، ربما تكون لديه امرأة أخرى بساقين أو ثلاثة أو أربعة.

جلست في حزن تبكي ويديها على خديها، بينما بكاء طفلها يمزق قلبها.

للأسف كان هذا-في حدود ما تعلم وتستطيع-آخر ما في العالم من طعام.

8-العناصر
بعد أن طهرتم الشعب من الآخرين
اعلموا أن الآخرين لن يسامحوا الشعب أبدًا
سينتقمون ولو بعد آلاف السنين
وهذا ليس سيئًا
كلما فرقتم بين البشر كلما زادت حاجة البشر لنا
لأننا سنكون أملهم الوحيد في الأخوّة
احملوا الأبيض إلى الشمال
خاصةً وأنه لن يتحمل لهيب الشمس
وأرسلوا الأسوَد إلى الجنوب فإنه سيتحمله
واعزلوا بينهما بالقمحيّ
يجب أن تعزلوا بين العناصر المتناقضة بعنصر وسيط
وإلا اشتعلت حرب سريعة قبل أن يكتمل عملنا
ابعثوا الأصفر عبر الأرض
والأحمر عبر البحر
زوّجوا كل جنس من جنسه
النقاءُ ماءُ أشجار الكراهية.

9-ثَرْثرة
الكلب يبدأ في نهشها وهي تفكّر في سرعة: هل يكون هذا عقابًا؟ لا ريب أنها تشعر بالذنب لأنها أغوت رجلها بأن يأكل من آخر ما كان من طعام، لماذا تشعر بالذنب؟ هذه مسألة معقدة جدًا عند البشر قد نفهمها فيما بعد، المشكلة الآن أن الكلب لا يعرف كل هذا.

-لماذا تأكلني؟ لماذا؟ لماذا؟

10-عَدَن
لا يوجد وجود ولا عدم
نحن نعرف ذلك لكن البشر لا يعرفون
قدموا لهم الوجود يفوح منه البخار على طبق شفاف من عدم
لا يوجد وجود أو عدم
نحن نعرف ذلك
لكن البشر يرون ما يحلمون به
قدموا لهم الحلم على طبق من كابوس مخيف
إن حياة البشر قاسية
قدموا لهم حلمًا لا يدوم
كي يدوم
في هذه الأيام التي لا تلعب فيها الكلاب مع الإنسان..
حديقة صغيرة ذات شجرة واحدة ستكون أجمل
ستكون أرحب
ستكون أشهى
من كل ما سيصنع الناس من حدائق
من كل ما سيجرب الناس من شهوات
ستكون كذلك محرمة
لأن البشر يحرّمون ما يجدون
ويكتفون بالحلم به
ثم يأكلون من الحلم
كي يظل الحلم حلمًا
اقطعوا كل الأشجار عدا شجرة واحدة
قدموا لهم الوجود على طبق من عدم
لا يوجد وجود بدون عدم
نحن نعرف ذلك.

11-نَدَع
لا يوجد وجود بدون عدم، وهي تعرف ذلك، حتمًا ستجد وسط هذا الجوع ما تطعم به طفلها، بحثت كثيرًا حتى وجدتْ ساقها، كان عليها أن تتخذ أول قرار في البشرية، لا ريب أنها اتخذته في شجاعة، نحن متأكدون من ذلك، والغريب أنها لم تكن تفكر وهي تموت في فك الكلب إلا في سؤالها: كيف أحبت طفلها لهذه الدرجة؟

وهو سؤال سوف تنساه البشرية بسرعة.

12-الرمز
فرغ الكلب فنهض يجر الدماء خلفه تخدشها الأرض، ورائحة اللحم العاري تغري باقي الكلاب، هنا وجد الطفل فرصته، اللعبة التي كانت طعامًا حرامًا، والتي كانت طعامًا حلالاً، والتي كانت في الأصل شيئًا عزيزًا على أمه التي أصبح يلاحظ عليها اختلافًا لا يستطيع تحديده.

كانت اللعبة البيضاء اللامعة أمامه، لكنه انتظر الليل حتى ترحل الكلاب.

لم تكن غريزة اللعب تحركه، ولا ذكرى أمه، فقط لم يكن له شيء في العالم سواها، لم يكن له مكان إلا الطريق إليها، ولا زمان إلا الانتظار في سبيلها.

نهض من مخبئه نحوها.

بدأ يزحف.

ثم نهض يمشي.

ثم جرى.

الآن فقط عرف أنه يمشي ويجري.

قفز فوق الأحجار.

ضرب الفروع فتحطمت.

تحطمت!!

ثم وضع اليد عليها.

(لن ينسى البشر هذا التعبير بالمناسبة)

كان يرتجف، يلهث، يخفق قلبه من النشوة، رفع العظمة بيد واحدة إلى أعلى.

كانت عيون الكلاب تبرق من بعيد لكنها لم تجسر على الاقتراب.

برقت عيناه هو كأنه اكتشف شيئًا.

أنا سيد العالم.

نظر إلى الجهة الأخرى.

أنا سيد العالم.

نظر إلى الجهة الأخرى.

أنا سيد العالم.

نظر إلى الجهة الأخرى.

أنا سيد العالم.

نظر إلى السماء.

أنا سيد العالم.

فانطلقت الكلاب تجري في كل اتجاه.

13-المقصّ
الطيور نوعان:
طيور تطير وطيور لا تطير
الطيور التي تطير ترى من أعلى وتزداد حكمة
الطيور التي لا تطير ترى من أسفل وتزداد تيهًا
الطيور التي تطير سوف تصبح رموزًا حكومية في الأعلام والأختام
الطيور التي لا تطير ستصبح رموزًا لوصف غباء الشعوب واستسلامها
مع ذلك اعلموا:
أن الطيور التي تطير تملك الرمز ولهذا لا تحتاجنا
وأن الطيور التي لا تطير لا تملكه، لهذا فهي تحتاجنا لنكونه
اصطادوا الطيور التي تطير
انزعوا الريش من السماء.

14-الصولجان
لم يعد الطفل يخاف الكلاب.

كان يقبض على العظمة ويسير دون خوف وسط الكلاب والذئاب التي طالما اعتقدت أن البشر كائنات غبية لا تعتمد على أنفسها.

أقلقها لأول مرة هذا الطفل، وأضاعت كل الفرص الثمينة في التساؤل والتردد.

ثم تناقلت عبر الأجيال قصته.

الطفل الذي صار يمشي ويجري ويقفز ويحطم الفروع.

الطفل الذي سرق العظمة من الكلاب وهزمها في المباراة النهائية بينها وبين البشر.

الشاب الذي عاش في الغابة كواحد منا، ودسّ في جلده العضلات فوق العضلات، والذي غطى عورته حتى لا يكون كلبًا.

الذي لم يهاجم أحدنا أبدًا من الخلف.

حتى لا يكون ذئبًا.

الذي خرج إلى البشر لا بشرًا ولا كلبًا ولا ذئبًا.

كان الرجال يلتهمون النساء، والنساء يلتهمن الأطفال، والساقية البشرية تأخذ من مجراها الكثير وتصبّ فيه القليل، أوشك الناس أن ينتهوا، لكنه كان يلاحق الغزلان ويصارع عليها الفهود.

خرج إليهم وضرب الرجل والمرأة، ثم أعلن أنهم سيأكلون الغزلان، غرس العَظْمة في الطين وقال:
-لو أن أحدكم اقترب منها سأخمشه وأعضه، عاوّ، عاوّ.

فابتعدوا في خوف.

ثم اختار امرأة معها أكبر عدد من الأطفال، أوقفها عن يمينه، وأوقف الأطفال صفًا عن يساره، راح يستعرض كلاً منهم بالدور سائلاً:
-من منكم أبو هذا الصبي؟
-…
-من منكم أبو هذا الصبي؟
-…
-من منكم أبو هذا الصبي؟
-…
-من منكم أبو هذا الصبي؟
-…

ثم استنطق المرأة صائحًا:
-من أبو هذا الصبي؟
-هذا.
-من أبو هذا الصبي؟
-هذا.
-من أبو هذا الصبي؟
-هذا.
-من أبو هذا الصبي؟
-هذا.

فهتف فيهم:
-لأن المرأة وحدها تعرف من يكون أبو كلٍّ منا ستكون الزعيمة، وسيكون على كل أب أن يأتي لأطفاله بلحم الغزال، وإلا أخبرتْني الأم وجرحتُه وعضضتُه.

سأله أحد الرجال:
-ما معنى زعيمة؟
-يا غبي.. في مجتمعات الكلاب والذئاب المتقدمة يوجد على رأس كل قطيع كلب أو ذئب قوي، وهذا هو ما يُسمّى بالزعيم.
-لكن الأم ليست قوية.
-الأم ليست قوية، الأم مقدسة.
-ما معنى مقدسة؟
-أنها أقوى منا جميعًا برغم أنها ليست أقوى من أحد منا، وأننا سنجعل لكل منا اسمًا ينتهي باسم أمه.
-وأنت.. ماذا ستكون؟
-أنا؟ أنا العاوّ.
-ما معنى العاوّ؟
-العاوّ هو الذي يقول عاوّ ويضربك لو أنكرت أن هذا الطفل طفلك.

سأله آخر:
-وهل سيجعلنا هذا أقوياء كالكلاب؟
-لن نكن كلابًا، سنكون أفضل
سنكون بشرًا.
-ما معنى أفضل؟
-معناه أننا لسنا أقوياء ولا ضعفاء.
-وما معنى بشر؟
-الذي ليس قويًا ولا ضعيفًا ولا كلبًا ولا ذئبًا.

15-السَّقف
الطيور التي تطير لا تخاف الكلاب
والطيور التي لا تطير تخافها
الطيور التي تطير لن تخافنا
أما الطيور التي لا تطير فستستعين بنا
إن الطيور التي تطير لن تحسدنا على أجنحتنا ولن يسحرها تحليقنا
أما الطيور التي لا تطير فستؤمن بالسحر والحسد
راقبوا كل من لا يخاف الكلاب
لأنه لن يخاف شيئًا على الإطلاق
راقبوا كل من لا يطمح أن يكون كلبًا.

16-قابيل
أنكر الرجل ابنه، بينما اشتعلت عينا المرأة بالاتهام، لا نعرف الآن أيهما كان على حق، وخلاصة الموقف أن العاو الذي كان قد بلغ الخمسين وما يزال وحشًا ضربه ضربة واحدة فمات.

هزّه فلم يستجب، تعجب العاو أن الضربة لم تكن قوية إطلاقًا، لاحظ بنظرة خاطفة طعنة نازفة في موضع القلب، من أصابه؟ وكيف؟ هذا هو اللغز، لكن أحدًا لم يلاحظ والجميع يتهامسون:
-العاو قَتَل.
-العاو قَتَل.
-العاو سيأكله.
-العاو لا يأكل البشر.
-إذن لماذا قتله؟
-للعاو أسبابه.
-بل هو خطأ غير مقصود.
-ماذا تقولون؟ دعونا نخلص من العاو، إنها فرصتنا لنخلص من العاو.

17-الحصاد
حافظوا على الشجرة واقطعوا جذورها
حافظوا على الفروع والأوراق والثمار واقطعوا جذعها
حافظوا على الأوراق والثمار واقطعوا فروعها
حافظوا على الثمار وانزعوا أوراقها
الأغبياء فقط هم الذين يحصدون الثمار أولاً ثم يبقون على الشجرة دون ثمار.

18-الشيخوخة
بعد اغتيال الرجل العجيب، واتهام العاو الظالم، طرده الناس من القبيلة، وألقوا بجثة المقتول معه.

رأى الجثة هامدة أمامه، انتظر الليل حتى رحل الناس ثم تسلل.

لم تكن غريزة الإنسانية تحركه، ولا الندم، فقط لم يعد له شيء في العالم سواها، لم يعد له مكان إلا الطريق إليها، ولا زمان إلا الانتظار في سبيلها.

حملها على ظهره.

جرى.

ثم بدأ يمشي.

ثم بدأ يزحف.

حمل الجثة طويلاً.. طويلاً.

رأى غرابًا يحمل غرابًا ميتًا، إنه مثله برغم أنه لا أحد الآن مثله.

سار وراءه عله يعرف كيف يتخلص من الجثة بما يليق بالكائن الأفضل، الذي ليس قويًا ولا ضعيفًا، لم يعرف إلى أي مقبرة يقوده، فكّر أن الغراب يضلله إلى أن يتعب، أو يقوده إلى فخ، لم يحسم الأمر حتى دفن الجثة ثم رقد جوارها هامدًا، لا يقوى على الحركة، ولا معه العَظْمة.

نظر أمامه.

نظر إلى الجهة الأخرى.

نظر إلى الجهة الأخرى.

نظر إلى الجهة الأخرى.

وكانت الكلاب تأتي من كل اتجاه.

كل اتجاه.

19-اللحم والفطير
إن أكْل لحم النوع نفسه عادة سيئة
البشر يعرفون ذلك
وهو ما سيجعلهم يقلعون عنه
لن يكون هذا سهلاً
لذلك سيكون أول من يفعل بطلاً
وستنمو شجرة جديدة
اقطعوا هذا الجذر
قولوا: ليس في الأمر بطولة
إنما هو عودٌ إلى الفطرة
قولوا: البطل هو من عاد
وليس من خرج
لو قلتم هذا سينسى الناس مذاق لحمهم
في الوقت نفسه الذي سينسون فيه البطولة
لأنه لا بطولة في وجود الفطرة
الأبطال يأكلون اللحم ولا يأكلون الفطير
هذه بداهة.

20-الخُبْز
كانت الأم الكبرى ما تزال أمًا وما تزال كبرى، كانت القداسة هي العاوّ غير المنظور الذي حمى عرشها، وقد حجبتها سنين الزعامة والشيخوخة بحجب أسطورية، وسرعان ما تناقلت القبائل الأخرى هذه الشريعة، وصارت على رأس كل قبيلة أم كبرى تحفظ وحدتها الروحية أو وحدة الدم فيها.

صار العاو الحقيقي-وسيصير-مجرد أسطورة لإخافة الصغار، كان أولاً يخيف الكبار، وتمثلت صورته كوحش غير آدمي قاتل شرير، وتم تجريده من كل أوسمه البطولة.

نسي الناس أنه هو من خلصهم بشجاعة من أكل لحم البشر، ليس هذا هو الأصل الذي خرج عليه، الأصول لا يخرج عليها أحد، الأصل هو التحريم، والعودة إلى الأصل ليست إبداعًا، ليست بطولة، لكنها مع ذلك فضيلة.

وصار معنى الأفضل مختلفًا.

لقد دُفن المفهوم الأصلي مع جثة العاو التي تفرقت في أنحاء الأرض والسماء.

21-دِيك الحظيرة
البطولة لا تنسجم مع الشيطان
الشيطان لم يكفر بالإله
بل بالبطولة
إذا أردتم أن يكفر الناس بالبطولة..
إذا أردتم أن يكفر الناس بأبطالهم..
اجعلوهم يؤمنون بالشيطان
لا نعرف ما الشيطان
أنا نفسي لا أعرف
فليكن شيئًا ما
وستصبح البطولة لا شيء.

22-الخطأ
مرت السنون وظهرت طفرات واستمرت طفرات وماتت طفرات.

اضطرت الأم الكبرى للاعتراف بأن العظْمة المقدسة نتاج خطيئة، امرأة خاطئة أغوت زوجها بالأكل من اللحم الحرام، ولم تكن استعادتها ذات قيمة.

وتجاسر بعض الشباب ونزعوا العظمة، بل ألقوها إلى الكلاب.

لا يعرف أحد الآن: هل سيصير الكلاب بشرًا؟ أم سيعود البشر كلابًا.

لكن هذا السؤال لم يشغل أحدًا، السؤال الحقيقي كان التالي:
-لماذا أغوتْه المرأة؟ ولماذا أكل هو؟ لماذا أخطآ؟ لماذا الخطأ؟
لو كان الجوع هو السبب فأين الخطأ؟
ألم تفكروا بهذا؟
لو كانت هذه قديمًا العادةَ والأصلَ…؟
لا لا، أنسيتم أن الأصل كان التحريم؟
إذن كيف؟

هنا ظهر للمرة الأولى، لا أعرف كيف أصفه لأن أحدًا لم يره، أنا رأيته عدة مرات لكني كذلك لن أصفه، برغم هذا كانوا جميعًا قد أدركوا وجوده في لحظة واحدة:
-هو الذي دعاها إلى الخطإ.
-من هو؟
-أنت تعرف من.
-هل رآه أحد؟
-لا نحتاج لرؤيته.
-لو كنا نراه لما خَدعَنا.
-هل يخدعنا؟
-لا.. إنما يدعونا ونحن نخطئ.
-إذن لماذا لا نراه؟
-لأنه ليس مثلنا برأس وصدر وبطن وأطراف.
-وهل يعيش أحد بلا كل هذا؟
-هناك.. هناك كائنات لا نراها بلا أجساد.
-من قال هذا؟
-هذا (منطقي).
-ما معنى منطقي؟
-التفسير الوحيد الممكن.
-وهل يخطئ كل من يسمع كلامه؟
-نعم، ويكون شريرًا.
-ما معنى شرير؟
-ليس أفضل.
-ليس بشرًا؟
-يمكنك اعتباره كذلك.
-وهل نستطيع أن نأكله؟
-بل نتركه لتأكله الكلاب، مثلما فعلنا قديمًا مع العاو.
-إذن نحن لسنا جميعًا أفضل من الكلاب؟
-نعم، بعضنا فقط كذلك.
– إذن لم يكن أحدنا أفضل حين قرر ألا يبقى كلبًا؟
-نعم، لم يكن، بل حين لم يستمع إلى (هو)، حين (لم يقرر).
-إذن الناس نوعان:
قرر، لم يقرر
استمعَ، لم يستمع
شرير، أفضل
كلب، بشر؟
-يمكنك أن تقول تبسيطًا: شرير وخيّر.
-ما معنى خيّر؟
-مع الخيْر، عكس شرير: مع الشرّ.
-وما الشر؟ وما الخيْر؟
-(هو) الشرّ، أما الخير فألا نستمع إليه وأن نفعل (الصواب).
-وما الصواب؟
-الصواب.. الصواب هو كل ما يؤدي إلى أن نبقَى نطعم أطفالنا اللحم الحلال.

23-البيضة
إن تقدم البشرية يتلخص في أن يكفوا عن قولهم (ماذا) وأن يقولوا (أين)
إنهم يعرفون أنهم (صاروا) ويسألون (مِن ماذا)
ويجب أن يعرفوا أنهم جاءوا
وإذا عرفوا أنهم جاءوا سيسألون (مِن أين)
البطولة تحيا في الزمان وتموت لو خرجت إلى المكان
ضعوا البشر في أي مكان
الطفولة تلعب في المكان وتكبر وتصير قبيحة إذا تقدمتْ في الزمان.

24-القفص
-أبي، من أين جئتُ؟
-أنت لم تجئ، نحن كنا كلابًا ثم صرنا أفضل لأننا رفضنا أن نكون كلابًا أو ذئابًا.
-إذن نحن أفضل لسنا لأننا (عدنا) إلى فطرتنا، بل لأننا أبدعنا أنفسنا.
-لا.. أنت مخطئ.. أنت كثير الكلام أيضًا.
-لكنني لست مخطئًا، أنا لم أستمع إلى (هو)، ولم أكسر قانون (الصواب).
-حسنًا، نحن أفضل لأن لنا الروح، هي أصلنا وحقيقتنا، وهي التي تميزنا عن الكلاب وغيرها.
-الروح؟؟!!
-الروح.
-ما الروح؟
-لا أدري، لا أحد يدري، لكنك تذكرُ أنّ (هو) موجود رغم أنه بلا رأس أو صدر أو بطن أو أطراف.
-نعم.
-الروح شيء كهذا.
-الروح؟
-الروح.

25-البئر
الإنسان الذي لا يملك شيئًا لا يحتاج شيئًا
والذي لا يحتاج شيئًا لن يعرفنا
ضعوا في يد الإنسان المفتاح وخبّئوا الصندوق
ثم أعطوه الصندوق وخذوا المفتاح
احفروا فيه كالدودة
علّموه أن يحكّ هذا الموضع
كلما أخذ منه ملءَ كفّيه ازداد فراغًا
لا تتركوه أبدًا يعرف عمقه
الماء المالح هو أفضل علاج للنحافة
خاصةً تلك الناجمة عن الزهد.

26-(رْوَ)
انتشرتْ الأسوار.
الناس الجادون اعتبروها ديانة، والناس الهازلون اعتبروها موضة.

صار كل شيء عليه اسم شخص.

ثم صار كل شخص عليه اسم شيء.

وبعد أن تقدم الصيد صارت أدوات الصيد أغلى من اللحم، وبعد أن تعلم الناس الرعْي صارت أدوات الصيد وأراضي الرعي هي أهم ملكية معروفة.

وأصبح الناس يُعرفون بأراضيهم ومراعيهم، ولم يعد الإنسان ذاك الذي لا كلب ولا ذئب.

لا كلب ولا ذئب؟!

الناس الجادون اعتبروا ذلك كفرًا، والناس الهازلون اعتبروه موضة قديمة.

27-وصفة للتخلص من النمل
النمل نوعان:
نمل له مدينة، ونمل بلا مدينة
النمل الذي له مدينة لن يحتاجنا
والنمل الذي ليست له مدينة يحتاج إلى مهندسين
أبيدوا النمل بذكاء
دوسوا على قراه واتركوه خارجًا
الأغبياء فقط هم الذين يقتلون النمل ويتركون حضارتَه.

28-(وْرَ)
كان قانون (الصواب) يحكم الناس، وهو لم يختلف جوهريًا عن قانون العاو الذي تم لأجل دعمه تقديسُ الأم، وكان الحال يمكن أن يستمر على هذا.

لكن الرجل بطبيعة الحال هو مَن كان يملك أدوات الصيد وأراضي الرعي وقطعان الدواب، فإذا مات الرجل آلت الملكية إلى ابنته المقدسة وليس لابنه غير المقدس.

وكانت الإناث بطبيعة الحال قليلات الخبرة في إدارة الملكية، فانهارت ثروات الأسر.

وثارت الناس على عقيدة تقديس الأنثى، ووقفت الأم الكبرى وحدها أمام الطوفان.

وكانت هذه أول ثورة في التاريخ.

لن ينسى البشر أبدًا هذا الموقف.

ثم تم تعيين رجل مكانها، باعتباره مقدسًا، وبالتالي باعتباره وارثًا.

-لكنه غير مقدّس.
-لكنه أقوى وأحكم وأرقى خلقًا.
-لم نعرف شيئًا مِن هذا.
-لكن هذا (ضروري).
-ما معنى ضروري؟
-لولاه لاختل كل شيء وضاعت القبيلة.
-ولماذا يجب أن يكون الرجل أقوى وأحكم وأرقى خلقًا؟
-لأنه غير مقدس، ألا ترى هذا معي؟

29-تعقيم
لكي يسكن النمل مدينتنا اصنعوا له مدينة
بشرط ألا تكون مثل مدينته الأولى
لو كانت مثلها لما احتاج إلى مهندسين
ولكي يسكن مدينتنا إلى الأبد لا تتركوا فيه مهندسي المدن
علموه هندسةً أخرى
علموه قوانينَ أخرى
من الغباء أن تقتلوا النملات اللاتي يدْرسن الهندسة.

30-زفافٌ جَماعيّ
بعد الثورة حدث اختلال مخيف كان علينا أن نتوقعه.

لم يعد أحد يعترف بطفل من صلبه، وكادت القبيلة أن تنهار.

هنا قرر شيخ القبيلة ابتداع نظام جديد:
-سنتزوّج.
-ما معنى نتزوج؟
-أن يتقابل الرجال والنساء بشكل معلن، بحيث نعرف جميعًا أطفالهما بعد ذلك، بشرط ألا يشترك رجلان في امرأة واحدة، وبالتالي لن تكون بنا حاجة إلى شهادة المرأة.
-وهل يجوز أن يتقابل رجل مع أكثر من امرأة؟
-يجوز لأنه لن يؤدي إلى اختلاط النَّسب.
-فلنتزوج إذن مادمنا سنحظى بأي عدد من النساء.
-انتظر، لا تقل ذلك، وعليك أيضًا أن تعلم بناتك أن الزواج مصير، وأن الرجل مقدس، وأن الخيْر طاعة.
-هل إذا فعلتُ هذا أتزوج؟
-ستعتبرك أي عائلة رجلاً فاضلاً أيها الأحمق وستتزوج من بناتها.

31-القناع:
هل عرف الناس (الصواب)؟
عرفوه يا 1,000,000
هل يفعل الناس الصواب؟
يفعلونه يا 1,000,000
كيف نضمن ألا (يخرجوا) عليه؟
قل لنا يا 1,000,000
خذوا من ملامحهم
خذوا العينين الغاضبتين
والبسمة الرحيمة
ارسموهما على نسيج واحد
وأغلِقوا به السماء
ألبِسوا السماءَ قناعَ البشر.

32-(هـ)
-(هـ)؟
-(هـ) قوي لكنه أقوى منا
عظيم لكنه أعظم منا
غاضب لكنه أكثر غضبًا منا
طيب لكنه أكثر طيبة منا
لو كان له جسد لكان أكبر منا
له عينان لكنهما أقوى من عيوننا
وأذنان لكنهما أقوى من آذاننا
وكلام أجمل وأحكم من كلامنا
إنه (هـ) الذي ننزف أرواحنا حين ننطق باسمه
والذي باسمه سننال من كل من يخرج على الصواب
(هـ) هو الخير وإليه سنرجع
مثلما (هو) هو الشر ومنه سنفرّ
ونحن بينهما إما أقرب لهذا أو لهذا
أعرفتم أين نحن أخيرًا وإلى أين سنكون؟

33-التاريخ
علموهم الكتابة
الكتابة فقط وليس القراءة
القراءة تمسح المكتوب
وتجعله بلا قيمة
الآن..
هذا هو آخر ما عليكم
الآن الجسد سيصير كلمة.

34-(الـ)مَعْنَىٰ
انتشرت الكتابة بشدة وسط احتفاء رهيب بها، انتشرت بالضبط كانتشار المحمول والسلع التكنولوجية في أيامنا، وتفنن الكَتَبَة في الإضافة إليها وتعديلها، إضافة قاعدة نحوية، أو كلمة، أو تعديل خطّ، أو حرف، تمامًا كإضافة كاميرا أو مسجّل أو راديو إلى أجهزة المحمول اليوم، وتهافت الناس عليها لأنها ستسجل لهم وجودهم، وتيسر لهم الاتصال، وتُربي تجارتهم، ولم يفطن الناس إلى الخدعة الأصيلة في طبيعة الكتابة.

سوف يكتب قليل جدًا من الناس، وسوف يقرأ قليل جدًا منهم.

فماذا ستكون فائدة الكتابة إذن؟

المعنىٰ.

سيتجسد المعنى كأنه رجل شرطة يسير بعصاه على رءوس الناس، وسيتحول إلى قانون أو عرف أو أخلاق، ثم يصير نظامًا ودستورًا ودولة، ورغم عشرات الإمكانيات التي يحبل بها النصّ إلا أن الناس العقيمة لن تقرأ، وإذا قرأ أحد اتهمه الباقون بالسفسطة والتعالي وربما المروق والانحراف، وبالتالي تظل النسبة السابقة ثابتة، أو الثابتة سابقة: (قليل يكتب: قليل يقرأ) كما هي، رغم شعارات العلم والتقدم، ووزارات التربية والتعليم.

35-نهاية التاريخ
اليوم اكتمل عملنا
لقد اخترع الناس المعنى
شكرًا لهم
شكرًا لكم أنتم لأنكم صبرتم على مهمتكم الصعبة
الآن انعموا بأبوتكم وأمومتكم للبشرية
انعموا بها إلى الأبد
لأن البشر سيظلون أطفالاً لا يخرجون من (البيضة)
وإذا خرجوا منها ضعوهم في (القفص)
ولو خرجوا من القفص ضعوهم في (التاريخ)
وأغلِقوا عليهم بالـ(معنى)
شكرًا
لقد سعدتُ بالتعاون معكم.

36-يدٌ متّصلة في عجين لا يختمر
هكذا انتهى التاريخ.
يحسب الناس أن التاريخ بدأ بالكتابة، أو على هذا اصطلحوا.
لكن التاريخ-باعتباره صيرورة ومجرى يتبدّل في كل لحظة-لم يعد كذلك مع الكتابة.
لقد ترسّب في أوراق الكتب كالحبر بعد أن يجفّ.
وحملتْه الأوراق إلى الأوراق.
ثم صنع الناس بالرواسب قصورًا ومعابد وسكنوها.
ومرت آلاف السنين.
مجرد استنساخ طبيعة وعلاقات القوَى ثم تكرارها في مسارات متصلة.
بالضبط كما تضغط بيدك على كتلة عجين، وتحفر فيها يدًا متصلة ثلاثية الأبعاد.
التاريخ أيضًا يد متصلة في عجين اللحم البشري، لكنها رباعية الأبعاد.
على أية حال فالعجين لا يتغير في الحالتين.
وكان من الطبيعي أن يفكّر البعض في تخمير التاريخ.

37-حربُ القرَدة
كما كانت النبوءة، لم تنس القردة المثقفة ثأرها مع (الشعب)، لم تنس أنها استُبعدتْ كالعدوى كي لا تمرضه، وظل الشعب يحتقر المثقفين، والمثقفون يحتقرون الشعب، وبرغم تشابه حال الشعب وحال القردة المثقفة في كثير من النواحي، إلا أن حال المثقفين اختلف من عدة زوايا هامة:

أولاً: كانوا يشعرون بالنبذ لا الاصطفاء.
ثانيًا: لم يكن لديهم (هو).
ثالثًا: لم يكن لديهم (هـ)، بل (هههههه…).
رابعًا: (وهو نتيجة لما سبق): لم يكن لديهم تجسيد ثابت للشر في (هو)، والخير في (هـ).
خامسًا: لم يكن لديهم ما عُرف بالروح.
سادسًا: لم ينظروا إلى أبي البشرية باعتباره خاطئًا.

لكلّ هذا حدثَ كل هذا:
أولاً: صاروا أكثر رغبة في التفوق واحتقار الضعف.
ثانيًا: ظلت لديهم معايير الخير والشر نسبية، مما دعم النقطة السابقة دعمًا قويًا.
ثالثًا: لم تكن لديهم أي ظلال لفكرة الخطيئة الأصلية سواء في التاريخ البشري أو الفطرة البشرية.

وتلك النقاط الثلاث صببن في نقطة واحدة هي: النسبية الأخلاقية مع مطلقيّة السعي إلى التفوق.

مما سمح بتشظّي المعرفة في كل اتجاه ومذهب، صحيح أنهم تعلموا الكتابة من (الشعب)، إلا أنهم استخدموها بشكل أكثر إيجابية بكثير، عكس حال الشعب تمامًا.

فقد راجع القردة المثقفة كل ما سبق من مراحل التاريخ، وأعادوا التفكير في مفهومين:

-من قال هذا؟
-هذا (منطقي).
-ما معنى منطقي؟
-التفسير الوحيد الممكن. (فقرة 22) 1-المنطق: حين استعادوا المحادثة:

2-الضرورة: وذلك حين استعادوا المحادثة:
-لم نعرف شيئًا مِن هذا.
-لكن هذا (ضروري).
-ما معنى ضروري؟
-لولاه لاختل كل شيء وضاعت القبيلة. (فقرة 28)

واستنتج المثقفون أن المنطق يعمل عكس الضرورة، فالمنطق استنباط محايد نظري، أما الضرورة-في المحادثة السابقة-فهي أداة لتحقيق منفعة عملية.

ووجدوا أن خطأ الشعب كله يتلخص في أنهم بدءوا من المفهوم الأول لينتهوا إلى الثاني، بل استعملوا الأول ما دام يخدم الثاني، أي ما دام يخدم مصالح السائدين منهم عليهم بالدرجة الأولى.

وهنا كشفت القردة المثقفة عورة الشعب.

أن كل ما يدعونه من (خير)، و(شر)، و(روح)، و(هو)، و(هـ)، و(كتابة)، و(معنى) ليست إلا مبررات لأفعال ومصالح قوَى بعينها.

نهض القرد المثقف فوق صخرته في الجبلاية، وصاح في غضب:
-هؤلاء مزيَّفون، مزيَّفون.

38-الآلة
كان من الطبيعي أن يكون أول عمل ثوري للقردة المثقفة هو صناعة آلة
Organon تحفظ للمنطق كينونته الحقيقية باعتباره استنتاجًا محايدًا، وتختبره وفق مقاييس ثابتة، برغم طابع النسبية القيمية الشائع الذي رأيناه، وهكذا زرع القرودُ النخيلَ على جزر متحركة في بحر هائج، وهي المعجزة التي لم يتصورها الشعب.

نظر أحد كَتَبَة الشعب إلى هذه الآلة وفكّر..

إن اتباع الاستنتاجات المحايدة باستمرار يصل بنا إلى حقائق صحيحة وصادقة فعلاً، لكن المشكلة أنها ستكون قليلة جدًا، لن تخبرنا بأي شيء حول (الصواب)، و(الخير)، و(الشر)، و(الروح)، و(هو)، و(هـ)، مما سيؤدي إلى انهيار كل ما بنيناه.

ليست المشكلة في الانهيار، بل في صعود قوى جديدة.

سنكون نحن والقردة سواء.

نحن والنساء سواء.

نحن والفقراء سواء.

نحن وغيرنا سواء.

وهنا.. فّكر الكاتب أن يستدعي (هـ).

المفروض أن (هـ) هو الذي يستدعي من يشاء طبقًا لتصورهم عنه.

لكن العكس هو ما يحدث غالبًا.

واستطاع عن طريق (هـ) أن يحطّم الآلة باعتبارها مضللة وفاسدة.

لم يسبق لأحد أن هزم (هـ).

39-الكتلة
قبضَ أحد القرود قبضةً من الطين، ورفعها صائحًا:
-فلنفضح كائناتهم التي لم يرها أحد، الحقيقة هي ما نجده في أيدينا.

وحين سمع الكاتب هذا الكلام فكّر..

لو انتشر هذا لتبخّرتْ (الروح)، و(هو)، و(هـ)، وتحطم كل شيء.

ومرة أخرى حكّ الكاتب مصباحه ليصعد (هـ).

ضرب (هـ) قبضة القرد فتناثر الطين على وجهه ووجوه القردة الذين تصايحوا وتقافزوا في الجبلاية، فصفق لهم أطفال الشعب في الرحلة المدرسية، ورموا لهم بالفول السوداني والموز.

40-رْوَ-وْرَ
صاح أحد القردة:
-ما دمنا لم ننجح في غزوهم بآلتنا، ولا في نقض أبنيتهم الشفافة بقذفها بالطين، دعونا نقدم لهم التفسير الحقيقي لما هم عليه.
-التفسير الحقيقي هو: الثروة.
-الثروة التي تجانستْ معها الثورة، والتي بسببها صارت المرأة قِرْدة مثلنا.

سمع الكاتب هذا الكلام، وأعدّ لنفسه كوبًا من الشاي الثقيل، وقضى الليل يفكّر..

لو افترضنا أن عرف الناس هذا سيعود كل شيء إلى أصله، كل شيء مِلك لكل أحد، وبالتالي ليس مِلكًا لأحد، ولتغيَّر مفهوم (البشر) أصلاً، وربما عاد إلى ما كان عليه في عهد العاو البغيض.

كما أن المرأة ستشارك الرجل في كل شيء، ويفقد الرجل الخادمة والطاهية والمربية والمرضعة المجانية، والتي أحيانًا تلعب دور الممرضة والغانية.

راجعَ الكاتب الفقرتين: 26-28، وتأكدَ له هذا.

إذن الحل استدعاء (هـ)، لكن المهمة أصعب قليلاً هذه المرة، نحتاج أيضًا إلى تحريكه، ربما يمكننا ذلك بعجلات كبيرة عريضة كالبلدوزر نستوردها من القردة المثقفة التي صنعت كل شيء.

جاء (هـ) ووضعه الكتبة في مواجهة القردة، فظن الناس أن القردة تريد مهاجمة (هـ) نفسه الذي يحركه الكتبة في خفية، فرفضوا كل ما قام به القردة من تفاسير معقدة ومحاولات لإقناعهم.

ظلت القردة تقفز وتضرب برءوسها وأرجلها الأرض من الغيظ، فظنها الناس تلعب وظلوا يضحكون.

41-الأظافر
نهض قرد عنيد وهتف:
-هناك حل آخر، نفضحهم ونقشّر عليهم الخير والشر، نكشف ما تحت جلودهم من صراعات الدم واللحم.
-نبين لهم أن خيرهم ما هو إلا مصلحة القوي فيهم، والتي تقنّعت بماكياج الفضيلة والجمال، كالعاهرة المنقّبة والعجوز المتبرّجة.

تنهد الكاتب في عمق، وظل يتأمل..

لو فقد الناس المعنى الثابت المتجسد للخير والشر لانقلبت كثير من المعايير، سيعود عهد العاو الذي نخاف منه، سيعود معنى (الأفضل) و(البشر) إلى ما كان عليه قديمًا جدًا، وسيتحرر الناس من الكهنوت واللاهوت والجبروت والرحموت والملكوت.

ظل الكاتب يردد بدون وعي: ..ُوت، ..ُوت، ..ُوت!!

ثم تنبّه فقال:
-يجب تقليم أظافر القردة.

استعان الكاتب بـ(هـ)، وكان له ما أراد، لكن لضمان الأمن ضغط الكاتب عليه لكي ينزع أظافر القردة أصلاً، استبشع (هـ) الطلب، هذا أسلوب تعذيب يا كاتب، لقد صرتَ دمويًا، شكرًا يا (هـ)، لكنني أعرف ما أفعله، المشاكل الدموية تستدعي حلولاً دامية.

ظلت القردة تبكي نهارًا وليلاً وأيديها وأرجلها دامية، هذه المرة لم يضحك أحد من أطفال الرحلة.

42-الصلصال
كان القرد يبكي بالدم، ازدرد دموعه واستنشقها وقال:
-لم يبقَ سوى حل وحيد.
-إهئ.. إهئ.
-الصلصال.
-هل سيجدي؟
-إهئ، أكيد يا زميل، سنعيد ترطيب الحِبر، سيبدل الحبر أشكاله إلى ما لا نهاية، ويصير للكتابة كل معنى.

استمعَ الكاتب إلى هذا وقبض على قلبه، سبّ ولعن، ثم ظل يفكر محمومًا، لو حدث هذا لما صار على الناس أصلاً تعلم القراءة ليخرجوا على التاريخ، لأنه لن تكون هناك أهمية للكتابة، ثم تنهار الأبنية المستنسَخة في عجين التاريخ، وهي كارثة لا حل لها.

استعان بـ(هـ)، فجاء (هـ) وجفّف السحب والبحار والأنهار وغدد اللعاب، ظل القردة في قيظ الظهيرة ملقون على ظهورهم على الصخرة تنضجهم الشمس، حتى مات أكثرهم، ومَن عاش بقيَ في قفص انفرادي يصيح ويعوي كي يظفر من الأطفال ببعض الموز.

43-اللعنة
وقف فتى وفتاة شابان جوار القفص، وقال الفتى:
-هذا القرد يشبهك، خاصةً في حركات يديكِ..!

فنظرتْ له الفتاة في دهشة غاضبة، حتى القرد شعر بالخجل، لكنه اشتعلَ بمشاعر معقدة، الخجل لأجل الفتاة، لأجل الفتى، مِن الفتى والفتاة، الغضب، الغضب، الغضب، ملعون يا موز، ملعون يا فول!

وفي ثانية كان قد أفرغ دفقة ملتهبة من مثانته عليهما.

44-ضوء 1,000,000 ت
كان الكاتب قد فرغ من آخر صفحات كتابه الأخير، ففرد ظهره على فراشه في راحة ضمير، أطفأ المصباح، وبدأ يذوب.

هنا.. شقّ الظلامَ ضوء باهر حادّ، كسيْفٍ من المعدن البراق، ارتجف الكاتب وتمسّك بغطائه تلقائيًا، ولم يقدر على النهوض من المفاجأة.

ومن ظلام الحجرة الثقيل بدأ يتكاثف شيء، شيء كبير طويل عريض، له ذراعان ومخالب وقرون وعينان بارقتان، نشأ في تدريج سريع مذهل من الظلام، ثم تقدم نحو الكاتب حتى صار على رأسه رافعًا ذراعيه، وبصوت عميق مدوِّ قال:
-عاوّوو..!
-أنت؟! كـ.. كـ.. كيف عدتَ؟
-العاوّ لا يموت يا مولانا
لا يموت.

تمت

Advertisements


مُقْشَعِرَّاتٌ


“رواية وَمْضيّة”

تحت الطبع حاليا


1-القهوة السويدية
قابلتُه في أحد المؤتمرات الدولية، لم يعرف أحد الدولة التي كان يمثلها، أو اللكنة التي كان يتكلم بها الإنجليزية، ألقى أبحاثًا عجيبة، ورد على الأسئلة بإجاباتٍ مُخرِسة، ثم جلس على المقهى أمام البحر، يدخّن ويجرع القهوة السويدية الخفيفة المرّة.

كنت لا أتحمل المرارة في شبابي، ولهذا لم أكن أحب القهوة.

جالسته عدة مرات، كان يصمت حتى ينتهي سيجاره متأملاً ما يخلقه من عوالم الدخان التي تمتد دون أيدٍ في الفراغ، ثم يبتسم ابتسامته الغامضة، ويقول في حنان:
-أنت شابٌّ وفتيّ، ولهذا تبدو لك الأشياء الحلوة حلوة، والأشياء المرّة مرّة.

يجرع من فنجانه كأنه يملأ من القهوة القلبَ مردفًا:
-ويومًا ستفهم أن القهوة السويدية هي أفضل قهوة في الكون.

ووضع فنجانه بحركة حاسمة، نظر لي بعينين صريحتين وهمس:
-ستراني، ستراني.
وحين نهض راحلاً عرفت من هو
.

2-الجميل والبحر
أمام بحر الشمال الأسطوري شعرت أنني فاتن، كانت فتاتي التي تكبَرني ببضعة أعوام تقول أنني لو شئتُ أن أغوي امرأةً ما عليّ إلا أن أبتسم.

ذلك أنني لم أكن أبتسم.

مزّقْ أيها البحر بشرتك الشفافة كما تشاء، وانزف منها كل مخلوقاتك الخرافية، واكسُ بجلدك أعضاء العراء، اركب السفن وارتدِ الأشرعة، اغسل هيكل الأرض العظميّ مما تبقى حوله من لحم البشر.

افعل هذا مرةً كل يوم.

أو أكثر من مرة.

لن تخيفني لأنني أبتسم.

3-الشجرة
قال لي:
-أنت شابٌّ وفتيّ، ولهذا فسوف تغويك امرأة وسيمفونية وقصيدة شعر.

احذر الأثواب لأن النساء لا يحتجن إلى عيون.
تعلم كيف تغمض أذنك كما تغمض عينك.
الشِّعر مكروهٌ بعد الخليقة وحرامٌ قبل الخلود.

سأعرف أنك أكلت من المرأة حين تلطّخك الأجنّة.
وأنك شربت من السيمفونية حين تبللك الدموع.
وأنك سكنت القصيدة حين يقشعرّ جلدك كالصوف المنفوش.
حين يبدو عليك كمعطفٍ.
حين يبدو عليك كمعطفٍ ليس معطفَك.

4-الإنجيل
فتحتُ صفحة الجريدة فقال:
-لي جريدة واحدة، يتغير العالم وهي هي، تزول السموات والأرض وهي لا تزول، في البدء كانت الجريدة، والجريدة صارت جسدًا، والجسد أحفظه في الأرض مُحنّطًا، وفي السماء في ثلاجة، وبين السماء والأرض في كواكب بحارها وأمطارها من الفورمالين.

5-الثالوث
قال البحر:
-دعك منه ومن المرأة.

قلت:
-أنا معك امرأة، ومع المرأة رجل، ومعه طفل.
وأنت معي وحش، ومع المرأة امرأة أخرى، ومعه بحر.
وهو معك هو، ومع المرأة هو، ومعي هو.
فليكن هو هو
وأنت بحرًا
وأنا-يا بحر-طفلاً.

6-غريزة أساسية
لما ترهّل جلدي، وصرت أجرّه خلفي، وألملمه حول وسطي، وأدسّه في النطاق، عرفني واتهمني وغفر لي وقال:
-ستصدق في الخطايا القادمة أن الجلد كائن حي، وأنه قد يهجرك في الجحيم ويصحبك في النعيم، لا تغسله ولا تنشره إلا تحت سطح الليل.

لم أسمع البقية لأن الجلد كان يخفق.

تلفّتُّ حولي، فرأيت جلد امرأة معلقًا على مشجبٍ، وصاحِبته جالسةٌُ في الركن تقرأ ديوانًا لفيكتور هوجو.

7-لا شيؤنا
بعد أن أكلتُ غطّيتُ المرأة التي ابتسمت لي، فرأيت بين شفتيها علامات أسناني التي قضمتها بها مرةً واحدةً.

همست لي في ضعف:
-لا شيء سيعرى الآن.
لا شيء سيطفئك.
لا شيء سَـ..
منذ الآن..
لا شيء شيءٌ.
لا شيء لا.

كان جسمها يتغير إلى لونٍ داكنٍ وهو مكشوفٌ في الهواء، ومجروحٌ.

8-الإبريق
بعد أن شربت غطيت الإبريق الذي يريد أن ينكسر، حاول السقوط كثيرًا لكنني كنت ألقطه، وأضع حول المنضدة الوسائد وأربّي حيوان الإسفنج، وحين يئس تكوّر وانغلق وصار كرةً من البلور وثمرةً من الماء الذي تحميه قشرة الزجاج، وحين شقني العطش ولم أستطع كسره ألقيته على الأرض، لكن الإسفنج كان قد استعمر العالم، ضربته بيدي، لكن الإسفنج صار قفازًا وثوبًا وحذاءً وقبعةً وقناعًا.

كنت أكسره ولا أكسر شيئًا.
وكان كل شيء يكسرني ينكسر.
لكن الإبريق شقَّ بالعطش كل شيء.
ونبَّتَ أباريق صغيرةً في كل منها قطرة تنزف من حَلْق العالم.

9-بعد أن تركني
بعد أن سكنتُ قال الجِلد:
-منذ الآن هذا البيت جلدك، الشتاء القادم سيسقي كل الفصول، اختر لك بيتًا ثقيلاً ولا تحرص على اتباع الموضة.

بعد أن تركني جاءني الكهربائي يعتذر حين أصاب وريدًا في علبة الكهرباء.

10-الألسن
سألني حين علّقت على لكنته العجيبة:
-كم لغةً تجيد؟
-تعلمت ثمانية ألسن ولم أجد منها سوى اثنين.

أشعل سيجاره الخامد دون نار، عاد يخلق من الدخان ماكيتّات العوالم القادمة بعين منتقدة، ثم قال بلغة يتصاعد منها الدخان:
-لا تنس العربية لأنها العجين الذي يربط أحجار مسجدي السيدة والحسين، لا تنس الإنجليزية لأنها لغة من لا لسان له، لا تنس الألمانية لأنها لغة الشيطان، لا تنس الفرنسية لأنها تصبغ الشفاهَ بلون الأحبّة المفضّل، لا تنس الإيطالية لأنها لغة النجوم ومدوَّنات الموسيقى الكلاسيكية، لا تنس اللاتينية لأنها محفورة في كبد كل حجر من أحجار كنائس العصور الوسطى المقدسة، لا تنس اليونانية لأنها لغة آلهة الإغريق التي كانت أذكى من أن تعيد خلق من خلقوهم ليخلقوهم، لا تنس الفارسية لأنها لغة ملائكة الموت الذين قد تحتاج للتفاوض معهم، ولا تنس القشعريرة لأنها أصل اللغات وبها تستطيع التفاهم في المؤتمرات الكونية وورش العمل السماوية.

11-كُورْس
حاولت فهم سر هذه اللغة، فتحت كتاب قواعد ومعجمًا ومحبرةً منتفخة بجنين الفكر المحفوظ في الحبر، وجلست في دفء المقهى أدرس على وهج الشمس التي تشرق من الفحم، وشعاع الشمس الذي يطل مع كل ريحٍ بين طيات الغيوم المتفحّمة، قال دون أن يلتفت إلى شيء أو مكان أو زمان:
-اللغة تحتاج إلى ممارسة، إذا أردت تعلمها ابحث عني ساعة الفجر، انظر لي كما لم ينظر الناس، سأرفع رأسي من البحر في آخر ساعة من الليل، انزفْ من قدميك الحافيتين على الصخور، انزلقْ فوق الطحلب الشرير المتربّص، اسمعْ وسوسة سرطانات البحر وهي تمرق بين قدميك في الظلام، تجمدْ من البرد، اختنق من سكين الريح الصرصر التي تذبحك، ابحثْ عن أي ضوء ثم اعرف أنك الآن أعمى، ابحثْ عن أي أحد ثم اعرفْ أنك الآن الوحيد الذي عثرتَ عليه، احتضنْ ضلوعك بذراعيك لتعرف أنك بلا ذراعين، قفْ قبل المزيد من التورط لتعرف أنك بلا رجلين، حينئذٍ ستجيد هذه اللغة، سيان أن أعذبك أو أرحمك ما دمتَ تنشد الرهبة.

12-المقشعِرّات
بعد أن تعلمت اللغة دار كل ما دار من حديث بيني والبحر، وتركني الجِلد، ثم صرت أجده أحيانًا متطحلبًا مقشعرًّا على الصخور الرطبة وسط إخوته من الطحالب المقشعرّات.

13-اغتراب
قالت لي فتاتي التي تكبَرني بأعوام:
-لا تكتفِ بالدراسة في الجامعات المحلية، أنت تجيد لغةً قديمة يتكلمها الطحلب ولحاء الشجر وجِلدنا غير العاقل، عليك أن تتابع برامج المنح الأجنبية.

-أنا هارب من جلدي، وسأسافر إلى جلدك حتى لو كانت تكاليف الروح عالية هناك، لو لم أجد ثوبًا يظللني سأكتفي بالمبيت في حدائق النهدين.

14-تمارين صوتية
-أريدها
(أعلى قليلاً
-أريدها
(بوحشيّة)
-أُاُأُأُريدها
(بعاطفية)
-أرييييدها
(بفخامة)
-أريدهاااا
(بسخرية)
-أرّرّرّريدها
(بموت)
-أريدُدُدُدُها

(شكرًا شكرًا- تصفيق)

15-الموسم
حاولتُ كثيرًا لكن جلدها كان يتقشر عني في كل مرة، كانت تلفظني وتطرحني مثل الثمرة، فشعرت نحوها شعوري نحو الشجرة.

كلما مرّ جوارنا رجل أو امرأة جمعني في جيبه أو جمعتني في حجرها.

الفلاحون يحسبونني نبتًا مستوردًا، والمهندسون الزراعيون يحسبونني مُخَلَّقًا وراثيًا.

تشبثت بحضنها لكن فروعها كانت تهتز كثيرًا.

سقطت على الأرض قبل أن أنضج، أخضر، ليس لي جذور، لست مُتَدَرِّنًا كغيري ممن لهم تجارب عاطفية، وليس بي بذور لأُبعث من الأرض بعد أن أموت وأتحلل وأُدفَن في التربة.

16-كوميديا سوداء
أريدهاهاهاها
هاها هاها
ها هاهاها
هاهاها ها
ها ها ها ها
ه ه ه ه اااا
آااا ه ه ه ه

(شكرًا شكرًا- تصفيق)

17-ديوان في رواية
كان ظلٌّ يتموَّجْ
كان ليلٌ،
وصراخُ الريح يُطفي كلَّ نجم ٍ،
كلَّ ومض ٍ
في العيونْ
وأنا كنتُ..
وكانتْ
-من زمان ٍ-
لمسةٌ لي
خاصّةٌ
حين أكونْ
حين أخرُجْ
واقفًا مستعرضًا فيّ الإرادهْ
كان رأسي في الوسادهْ
غير أنّ الحلمَ حولي كان يُنسَجْ
كنت أغلي داخلي تحت الجفونْ
وضلوعي..تتثلّجْ.!
* * *
كان جسمي يتشنّجْ
وسريري ظل يهذي في انقباضات الولادهْ
كنتُ أغلي حولَ عظمي
صانعًا منِّي حساءً
فوق نار الحلم أطهيني مرارًا كلَّ يومٍ من سنينْ
غير أني لستُ أنضُجْ.!
* * *
كل عضوٍ يتلوّى في المواجعْ
باحثًا عني كأعمَى
لاعقًا منِّي كجائعْ
غارفًا منِّي الصحونْ
كنت أغلي تحت جلدي بالفقاقعْ
وأفور الآنَ حولي
دون شيءٍ يحتوينْ
دون شيءٍ
أيِّ شيءٍ
يحتوينْ.!
* * *
في الصباح المتحشرِجْ
بين غيمٍ يتلوّى في سماء الغائمينْ
كنت أرفو سطحَ جلدي،
ثم أمحو كلَّ ما فارَ عليهِ
من منامٍ بالغ البعد ِ،
ومزعِجْ
وغسلتُ الرأسَ منهُ،
وعلى مائدة الإفطار عدتُ الآنَ شخصًا ما جديدًا،
كلُّ شيءٍ صار أبهَجْ
غير أني حين عريتُ طعامي
كان في الأطباقِ جلدٌ مقشعرٌّ
بانتظار الآكلــينْ.!

18-نَقْدٌ
ترك بصماته على كل شيءٍ أعمالاً فنية، عدل من وضع الفحم الذي كان يلتهب في مودة وبراءة بأصابع تتمسح فيها النار كالقطة الصغيرة، وقال في خبرة:
-القوافي تخدش في الجلد كالأظافر لكنها لا تنغرس فيه، اترك الأظافر مرتشقة في جلد المستمعين أفضل، خلخِلْها قبل الإلقاء، أما البحر فهو مالح لا يطفئ العطش، أقترح عليك أن تدع بحور الشعر وتتعلم أنهاره، فتربتها أكثر خصوبة حول المصبّات وما يليها من أذن وُسطَى وداخلية.

19-كتاب في رواية
• المرأة ليست دائمًا شجرة، ليس لأنها بلا جذور وجذع وفروع وأوراق وأزهار ولحاء، بل لأن الرجل ليس دائمًا ثمرة.
• المرأة لم تعد مخلوقًا جميلاً، في عصر ما بعد الحداثة وانهيار النظريات.. المرأة صارت مخلوقًا غزيرًا.
• الغزارة مقولة شعورية أوليّة تعبر عن الكمّ، والأطفال فقط هم الذين يفهمونها، في حين يُعدّ الكيف من أعراض البلوغ.
• الغزارة هي البحر العظيم الراكد الذي تسبح على سطحه الجلود المتطحلبة والطحالب المتجلّدة، لا يبدو سطح مائه من اكتمال بشرته، القشعريرة هي الموج، وأنا أجيد السباحة.
• الأطفال كذلك يجيدونها.

20-مناقشة
أعاد بأصابعه التي تضيء في اللهب قطط النار الصغيرات إلى جحرهن في وهج الفحم، وذلك قبل أن يحلّ الليل رمادًا في الجمرة، وقال باهتمام:
-تأثير الفكر البشري يظهر بقوة في الفصلين 1-2، لكن الأصالة تبدو في الفصول التالية، أختلف معك في أن المرأة لم تعد مخلوقًا جميلاً، أعتقد أنها لم تعد مخلوقًا، لكنه اختلاف في وجهات النظر على كل حال.
-أشكرك يا سيدي على اهتمامك، وما أضعته معي من الأبدية.

21-الخُلول
قلبي بين رئتيّ كاللب بين دفتي المحارة، قلبي كائنٌ رخو يخرج أحيانًا ليتمشّى على كل شيء ليحس مباشرة وأحيانًا يصطاده الناس كي يأكلوه، يفرغونه في الطبق ويرشّون عليه الملح، لكنه يهرب دائمًا، ولهذا يعود إليّ أحيانًا مملحًا أكاد لا أحتمله.

22-القنديل
اقترحت عليّ فتاتي التي كانت تكبَرني أن أربّي قلبي في حوض زجاجيّ كيلا يهرب، قمت بهذا لكنه أزاد اكتئابي، شعر قلبي بالحبسة والوحدة، ربيت معه بعض الأسماك وانتظرت، لكنه نبذها وهي تتساءل عن سلوكه المنطوي المستمرّ، صنعت له لعبًا ونباتات مائية، لكنه تركها إلى ركن الحوض، لقد أدرك كينونته الحقيقية أخيرًا، ظلَّ يسبح في الحوض على الجدران والأطراف، وحيدًا.. شفافًا.. سامًّا، وأدهشني أنه يضيء.

23-المرجان
لما غمر الطوفان البلد بقيت في منزلي ولم أخرج، إنه طوفان وسيمرّ، طوفانٌ عاديّ سوف تكتب عنه كل الحضارات ويرد في الكتب المقدسة ويُفني البشرية كلها، عشت عشرات السنين حتى انسحب الماء، الحوائط الحجرية الصلبة المتشعبة والزاهية كانت تحميني من المتطفلين، وكادت أن تُغرق السفينة الوحيدة بكل ما عليها من متاحف الكائنات البرية.

24-الحفريّة
بعد آلاف السنين جاء النقاد والباحثون، ينقّبون في قمة الجبل التي كانت قاع بحر، بدوت لهم بين صفحتين وردةً جافةً كانت يومًا يانعة بين حبيبين شيخَيْن، كانت ألواني زالت ومنظاري الطبيّ تآكل، فبدوت لهم بالضبط كصورتي في بطاقة الرقم القومي، أبيض وأسود ومنطفئ ولا أَرى بوضوح، وجواري رأس توت عنخ آمون اللامع الملوّن الذي لا يؤنب ضميرَه أنه صار عميلاً للنظام.

25-موسى
هذا نبيٌّ آخَر، خرج إلى البحر مع بني إسرائيل، جرى خلفه جيش من فراعنة الرسوم المتحركة الذين غادروا أوراق العملة وقِطعها المعدنية وكافة طوابع البريد والرموز الحكومية، وحاولوا منعه.

كانت معه عصا خارقة فيما أذكر.

جاء البحرَ، فرفع عصاه وهوَى ليحفر طريقًا للعبور.

لم يرَ في الظلام الجِلدَ وربما حسبه طحالب.

حين صحوت بعد قرون وجدت علامات العصا في جلدي، خطين أزرقين بينهما نجمة سداسية.

لم يغب هذا عن عين الحكومة التي ظلت تضربني بقسوة لتشوّه النجمة وتحاول فكها إلى مثلثين من جهة، ولتطبع في جلدي الفراعنة الزاهين على العملات والطوابع والرموز من جهةٍ أخرى.

26-عيسى
المسيحية ديانة رطبة منخفضة الحرارة تحتاج إلى أقوياء التحمل، أو من كانت لديهم معاطف جلدية سميكة وفراء ساخن.

أدخل الكنائس لأنني أحب مشهد الأطفال يوم الأحد وهم يرتدون ملابس العيد، ولا يفهمون الكلام الكبير في كل الأديان عن الله.

في ذلك الصباح حين انخفضت حرارة المسيحية قرب الصفر كان الأطفال المدثَّرون في الجِلد والفراء يلهون قربي، ولا يعاكسونني لأنني أرتجف وأبدو مريضًا.

في الأحد التالي اشتريت جلدًا سميكًا وكومة من الفراء، وجلستُ فوق النجيل، وضعت الجلد والفراء أمامي، وتربعت أمامه، وظللت أدفّئ راحتيّ فوقه، وأدعو الصغار لمشاركتي الدفء، وصاروا يعاكسونني لأنني عاملتهم بأبوة.

27-محمد
الإسلام ديانة مرتفعة الحرارة، ولهذا يحب المسلمون الماء والثلج والبرد.

حين قررت الهجرة إلى أوروبا لم آخذ معي إلا حجرًا صغيرًا كان مدفونًا في الأرض المجاورة لمسجد السيدة، أخذته في حضني ومسحت عليه، وطويت حوله ملابسي، ثم رحلت.

كنت ثمرةً خضراء، لهذا زرعت الحجر فيّ وتركته يجفف عصارتي، يشرب من ضفاف ريقي، لأنني أريد أن أصوم.

علا الأخضر وجه الحجر في البداية، ثم شق قلب الحجر وعمّره بحديقة عظيمة صغيرة جدًا جدًا، فيها كشك موسيقى أسمع منه نبضاتٍ كالقلب، وفيها أصوات عيالٍ يتصايحون في لعب الكرة والعسكر والحرامي.

أحب قومي الحجر فأتوني بحجارتهم، وصارت فيها كلها حدائق كثيرة صغيرة جدًا جدًا.

أقنعتهم بدبلوماسية أن يأتوني بحجارة أصنامهم، فصارت لها كلها قلوب من شجر أخضر وزهور، وغادرتِ الكعبة.

أقنعتهم أن يدخلوني الكعبة، فصار كل حجر منها له قلب من حديقة فيه كشك موسيقى وعيال يلعبون، لكن المسلمين لا يسمعون بسبب التكبير أبدًا الموسيقى وأصوات اللعب، برغم أنني نبّهتُ على أهمية ذلك أكثر من مرة.

28-القرآن
أقرؤه أحيانًا لكنه يقرؤني في أكثر الأحيان.

أتعاشق معه كالأرابيسك.

أتنمنم لألعب حول حروفه وبينها، أتقرنص ليسيل عليّ كالعسل حول خلايا النحل الشمعية، أتقبب ليدوّي في داخلي جهوريًا، ستريو، ومضافٌ إليه تأثير الصدى.

يفرد يده على صفحتي، ثم يقبضها، لكنني أسيل دائمًا من بين أصابعه مع صوت خرير.

حين أسمعه كثيرًا تتحول أذناي إلى مقرنصتين مقعرتين من الغضروف والشمع، يسيل عليهما العسل.

أنا أخاف النَّحلةَ.

29-الجولة الأولى
كان يجيد اللعب بالبيادق خاصّةً، في حين كنت أحاول تمهيد الرقعة من أجل هجوم الوزير.

كان يعرف كل مداخل ومخارج الرقعة، كان يقتم لونه في الأسود حتى لا أراه، ثم يبيضّ تمامًا في الأبيض فلا أميزه، كان يرقّ تمامًا فلا أميز منه انبعاجًا فوق السطح، كما كان يجيد المشي على الخطوط الفاصلة بين المربعات، ويملك القدرة على النفاذ إلى إطار الرقعة فلا أملك حصاره.

مع ذلك لم أستشعر منه الخصومة.

لا أفهم كيف، الأمر أكبر منّي.

كان مَلكُه يقطع مسافات خيالية رغم أنه لم يكسر قواعد اللعبة، ولم يكن أمامي سوى هذا كي لا يحاصرني، مددت يدي، وتغلغلتُ تحت الأبيض والأسود محاولاً تحريك القطع، لكنه لاحظني، فضرب على يدي كي أسحبها وقال:
-الغش له قواعد، وله ملوك ووزراء وعساكر، في الحكومات العسكرية يجب أن تكون أبيض أو أسود حتى تتماهى، لا تكن مركبًا منفصمًا متناقضًا مبتكِرًا فنانًا، لا تكن إنسانًا وإلا رأوك بمنتهى السهولة.

وفي النهاية وقفت وحدي وسط عساكره وكل هؤلاء الوزراء الذين لم أعرف من أين أتى بهم.

30-الجولة الثانية
كانت القواعد الكثيرة تسد طريقي ولا تترك لي مهربًا، كانت الرقعة تقشعرّ من تحتي، كانت تغتالني، اهتزتْ ثم انفتحت، وأنا أهوِي.

من قاع الهاوية رأيت بيادقه ينظرون في فضول إلى جسمي المحطَّم برءوسهم الصمّاء بدون عيون.

31-الجولة الأخيرة
تركني في قاع الهاوية، دفع حسابه وحسابي، أطفأ سيجاره، ثم نهض وأخذ معطفه، رأيته من الهاوية يتأهب للمغادرة ويقول:
-لأنك شاب وفتيّ فسوف تصعد
سوف يهزم شبابُك اليأسَ
سيهزم الوحدة
لأنك شابٌّ وفتيّ
فسوف تهزمني ذات يوم
وسأكون سعيدًا
أنك صرت في يومٍ من الأيام بطلاً
أنك صرت تعبر البحر
وتعبر المرأة
كي تصل إليّ
أنك صرتَ بطلاً في سبيلي
ولكن تلك جولةٌ أخرى
سأكون فخورًا بك
ولكن ليس الآن
أمامك هاوية هي الكون
لكنّ الآن ليس
الآن.. ليسٌ
وليس الآن (لكنّ)
فليس سوى ليس
ليس سوى ليس.
***


كريم الصياد 2009