Archive for the ‘مقالات’ Category

الشيطان، المفهوم: مدخل

 

يختلف مفهومنا عن الشيطان باختلاف الثقافة. فهو ليس ذلك النموذج المشخَّص الجاهز الذي يقدمه دين من الأديان أو ثقافة من الثقافات، وإنما هو (مفهوم) له معنى ثابت نسبيًا: هو مُعارِض للقوى الكبرى التي تحكم الكون، هو إبليس الذي عارض الله، وهو بروميثيوس الذي عارض زيوس، ولوكي الذي عارض أودين، ,وهو الجوانب الشيطانية في الآلهة نفسها في الهندوسية والجينية. ولكن هذا المفهوم كما أن له جانبه الثابت، فإنه قد تعرض للتطور على مرّ التاريخ. مفهوم الإنسان عن الشيطان مفهوم تطوري يختلف من مرحلة تاريخية إلى أخرى، من العصور الأنثروبولوجية القديمة، إلى العصر الوثني، إلى عصر الديانات التوحيدية، إلى عصر العلمانية والعلم والوثنية المعاصرة.

والشيطان له دور من أدوار البطولة الأساسية في دراما الرعب، ويُلاحَظ أن نصف أفلام الرعب تقريبًا تتحدث عن الشيطان الذي يستحوذ على أجساد البشر، أو الروح الشريرة بشكل عامّ. وقد تطور هذا الدور في الأدب عبر التاريخ مع تطور مفهوم الشيطان نفسه.

لا يدري أكثر عشاق أدب الرعب وقرائه المخضرمين أن ليليث Lilith -مصاصة الدماء العبرية الأكثر شهرة-هي في الأصل شيطانة طبقًا للتراث اليهودي، هي واحدة من شياطين الشِّعريم، حيث ينقسم الشياطين في التراث العبري إلى جنسين: الشعريم Shi’rim (أي المُشعِرون)، والشيديم Shidim. كما أن إكسوديس Exodis الشيطان ذا رأس الذئب هو أصل محتَمَل لأسطورة المذءوبين. وفي الحقيقة فإن دراكيولا الذي يعني اسمه (الشيطاني) في أشهر قصة رعب على الإطلاق تحمل العنوان نفسه لبرام ستوكر B. Stoker (1847-1912) هو خصم للمسيح، Anti-Christ (أو المسيخ الدجال كما يعرفه المسلمون السنّة) لهذا يخشى الصليب والرموز الدينية عمومًا. كما أن قصة فاوست Faust في معالجة مارلو Marlowe (1564-1593) أو جوته Goethe (1749-1832) أو غيرهما تحمل جوانبَ من أدب الرعب واضحةً، ويظهر فيها الشيطان ظهورًا كاملاً كدور أساسي من أدوار الدراما.

ومن تجليات الشيطان كمفهوم في الأدب المعاصر كائنات لافكرافت القديمة  The Old  Onesالتي كتب عنها في أغلب أعماله. إن أعمال لافكرافت Lovecraft (1890-1937) بالذات بين أدباء الرعب تمثّل معالجات أدبية تقوم على خلفية عقائدية واحدة متشابكة ومتكاملة، وتمثّل إحدى تجليات الوثنية المعاصرة. فالعالم-طبقًا لتحليل أعمال لافكرافت-محكوم بقوى أكبر من الإنسان ومما يتصور هذا الإنسان، وهذه القوى كامنة في الفضاء أو في أبعاد أخرى أو في أعماق المحيطات. هذه القوى وحوش ضخمة عاتية عرفها البشر في الماضي واتصلوا بها بالسحر، لكنهم نسوها مع الوقت، وهذه القوى تهدد الجنس البشري بالعودة للسيادة وإفناء العالم كما نعرفه. وربما كانت قصة (نداء كتولو)  The Call of Cthulhu  أشهر ما كتب لافكرافت في هذا الموضوع. والكيانات القديمة صورة من الآلهة الوثنية القديمة، التي أبقت اليهودية والمسيحية عليها من حيث الوجود، وبدّلتها من حيث الطبيعة، فصارت هي نفسها شياطين، وهو ما يفسّر شكل الشيطان المعتاد بذيل وقرنين وحافري جَدْي، فهو (بان) Pan إله المراعي الإغريقي القديم، الذي أسقطت عنه المسيحية رتبة الألوهة، ورسمته شيطانًا، فصار الصورة البصرية المعتادة فيكثير من أعمال السينما والأدب التي يظهر فيها شيطان. وهذا يعكس الصلة القوية التاريخية بين الإله الوثني والشيطان. فالإله الوثني عدو للرب في الديانة التوحيدية، تمامًا كالشيطان المذكور في هذه الديانة.

وعلاقة لافكرافت بالكائنات القديمة لا تنحصر في هذه المعالجات المباشرة، فهي تبدأ من اهتمامه غير العادي بكتاب (العَزيف)  Azeefأو (أسماء الموتى) Necronomicon (باليونانية المكتوبة بالأبجدية اللاتينية). وهذا العزيف كتاب قديم شهير ذو أصل عربي مزعوم، تمت ترجمته إلى العبرية واليونانية واللاتينية، ثم تم تحريمه في العصر الوسيط. وهو كتاب في السحر والاتصال بالشيطان. ولم تكن للافكرافت معرفة مباشرة بهذا الكتاب، وإنما سمع عنه من زوجته التي كانت صديقة للساحر الإنجليزي المعاصر إليستر كراولي (1875-1947)Aleister Crowley، أشهر السحرة المعاصرين، والذي يزعم اطلاعه ودراسته لهذا الكتاب الغامض، وقد كان كراولي نفسه شيطانيًا، أي مقدِّسًا للشيطان بشكل ما Satanist.

يستطيع المرء إذن رسمَ هذا الخط الواصل تاريخيًا وميثولوجيًا وثيولوجيًا ونفسيًا مِن الآلهة الوثنية إلى الكيانات القديمة اللافكرافتية إلى الشيطان المعروف في الديانات الإبراهيمية.

وهذا الخط يبدأ من نقطة أبعد كثيرًا حتى من عصور الديانات الوثنية. وبرغم أنه لا يتوافر لدى أحد فكرة عن الأدب في العصور الأنثروبولوجية القديمة قبل اختراع الكتابة، إلا إنه يمكن استنباط صورة عن تلك الخرافات الجَمْعية أو المخاوف الفردية التي كانت تقضّ مضاجع البشر في تلك العصور السحيقة، صورة عن تلك القوى العاتية المشخَّصة التي تتربص بالإنسان، والتي يكنّ لها الإنسان شعور الخوف، الذي يدفعه تحت قهر الطبيعة إلى الاحترام، فيجتمع كل من الخوف والاحترام لتنتج الرهبة، التي هي الشعور الأساسي في التقديس، والتقديس أساس الدين. مما يعني أن فكرة الإنسان عن الكيان الشرير المشخَّص القوِي (الشيطان كمفهوم عام) قد بدأت من مفهوم الطوطمTotem ، ذلك الكيان الحيواني الذي كان يعتقد الناس قديمًا أنه أب مقتول للقبيلة، يختلف نوعه باختلاف كل قبيلة عن الأخريات، لكنه في جميع الحالات موجود بشكل معنوي ومقدس وقادر على الإيذاء. وبهذا يمكن اعتبار الطوطم هو الشكل الأكثر بدائية للشيطان أو الروح الشريرة، كما يمكن مد الخيط ليبدأ من الطوطم، ثم الآلهة الوثنية كتطور تاريخي-عقدي-نفسي، ثم يتفرع من هذه الآلهة كلٌّ من الشيطان المعروف في الديانات الإبراهيمية، وكيانات لافكرافت القديمة.

وفي العصور الوثنية ظهرت التيمات المخيفة مرتبطة بالإطار الديني، فميدوسا الممسوخة هي أقرب نموذج للشيطان الممسوخ في الديانات الإبراهيمية، وبروميثيوسPrometheus  الذي تحدى زيوس فعُلِّق بين جبلين بحيث ينهش الرخ كبده كل يوم هو نموذج آخر على التحدي الشيطاني. وعند النورز والتيوتون (شعوب شمال أوروبا وشمال ألمانيا قديمًا) ظهر نموذج آخر قريب جدًا من بروميثيوس هو لوكي Loki، ويعرفه الجمهور المعاصر نوعًا لورود اسمه في فيلم (1994) The Mask الشهير للنجم الأمريكي الكوميدي جيم كاري، وثور(2011) Thor فيما بعد. ولكن الفرق بينه وبين بروميثيوس أن الثاني كان طيطانَ Titan، أي شكل من الألوهة أعلى من زيوس وأسبق عند الإغريق، لكن لوكي كان عملاقًا Jötunn، وهو شكل من الألوهة أدنَى من الآلهة عند النورز.

وليست ميثولوجيا الرعب عند النورز ببعيدة إلى هذا الحد! فقد تم استقاء هذه الميثولوجيا التي كادت المسيحية أن تقضي عليها تمامًا مما يُعرَف بالإدَّا الشعرية Poetic Edda (وتعني الإدَّا حكايات الجدّات في لغة النورز) تلك الملحمة الشعرية باللغة الآيسلندية التي تحكي قصة سيجورد، أو زيجفرد Siegfred البطل النورزي الذي يتزوج واحدة من الفالكيرات، بنات كبير الآلهة أودين التسع، ويرتبط بها بخاتم الزواج، وكانت لهذا الخاتم قوى أسطورية. وقد قدمت الدراما الحديثة والمعاصرة معالجتين شهيرتين لهذه القصة: الأولى هي خاتم النيبلونج لفاجنر R. Wagner الموسيقار الألماني الرومانسي المتأخر (1813-1883) الذي قدم أربع أوبرات متمفصلة هي: “ذهب الراين”، “الفالكيري”، “سيجفريد”، “شفق الآلهة” على هذا الموضوع. ثم قدم عالم اللغويات والأديب الإنجليزي والناقد وأستاذ جامعة أوكسفورد: تولكيين Tolkien معالجته التأويلية بعنوان: “سيد الخواتم”، التي صارت من أشهر ما أنتجته السينما الأمريكية في مجال الفانتازيا، ولا يخفى ما في الكتاب والفيلم من جوانب درامية مخيفة.

كذلك قدمت ميثولوجيا ما بين النهرين رعبها الخاص في لقاء جلجامش في ملحمته الشهيرة بليليث، وقيامه بقتلها في جذع الشجرة التي اختبأت به، أو نامت فيه كتابوت. وهناك فترة معروفة تلاقح فيها كل من التراثين العبري وما بين-النهري أثناء الأسر البابلي الذي كان مرحلة هامة في بلورة مفاهيم أساسية في الديانة اليهودية نفسها.

وفي العرض السابق الذي ركّز على المحور الرأسي في التأصيل التاريخي والعقائدي قدر تركيزه على المحور الأفقي في تعداد وتنوع الأعمال التي تناولت مفهوم الشيطان، يظهر مدى ما احتله هذا المفهوم من الاهتمام البشري الديني والفني، هذا المفهوم عن ذلك الكيان الشرير الغامض، الذي يملك قوى فوق-بشرية، ويثير دائمًا تساؤل بني البشر حول طبيعته، وسر خوضه لهذا التحدي الميتافيزيقي الكوني، الذي حلمَ به الإنسان، والذي لم يجرؤ عليه.

 

ڪريمۗ ﭐلصياد

12-10-2011

 

ملاحظات على نظام الزواج الشرعي الحالي في مصر

 

1-أصل الزواج في الإسلام:

من المعروف تاريخيًا أن نظام الزواج الشرعي الحالي منحدر من أحد نظم الزواج التي انتخبها الإسلام من بين نظم متعددة للزواج في مرحلة ما قبله، مثل البدل، والرهط، والشغار، والمتعة (الذي لم يحرمه الرسول إلا يوم خيبر)، والمقت، والخدان، والاستبضاع، والأكان، والتأرجح، والكُورة، والمضامدة، والسر، والمساهاة (وهو نوع من الشغار في الأصل). وكانت سياسة الإسلام في التغيير هي الإصلاح لا الثورة، أو ما أسميتُه بفلسفة تحسين شروط الوضع القائم. يتكرر هذا المنهج الإصلاحي كلما نظرنا في شتى شئون الحياة من عدم تحريم الرق، والتحريم التدرجي للخمر، وإعطاء بعض الحقوق النسبية للمرأة، بل ومنح بعض الحقوق للإنسان عمومًا.

 

ومن هنا جاء نظام الزواج المنتخَب ليكون أفضل الموجود عملاً بسياسة الممكن. فالإسلام لم يساوِ طبقًا لهذا المنهج بين الرجل والمرأة، فقد ظلت الأفضلية للرجل، لم ينتقص منها الإسلام في علاقة الزواج الشيء الكثير، ولكنه فرض على الرجل المقابل، وجاء هذا المقابل غالبًا في صورة مادية، هي المهر والنفقة والمسكن في حالة قيام الزواج، والمتعة ونفقتا العدة والطفل في حالة وقوع الطلاق. مع تحجيم التعدد، وبعض الحقوق المعنوية للزوجة.

 

لكن أصل هذا النظام لا يعود بصورة مباشرة للإسلام، فقد قلنا أن الإسلام (انتخب) هذا النظام من بين نظم عدة، وكان العرب قبل الإسلام يعرفون المهور، كما كانوا يعرفون ضرورة الستر الذي يتحقق بالسكن، كما هو شرط في زواج الخدان (ما خفي منه فهو خير، وما ظهر منه فهو لؤم). وكانت فكرة زواج الكُورة تقوم على الزواج الجماعي منخفض المهر. والملاحظ أن الزوج في جميع أو أغلب الحالات كان يدفع مقابلاً ماديًا ما، ولذلك تم استثناء هذا المقابل في حالة زواج البدل، أي أن يكون المقابل هو زيجة أخرى تُسقط المدفوع المادي، كأن يتزوج الرجل من ابنة أحدهم، في مقابل أن يزوجه هو من أهله. كما تم استثناء ذلك في زواج المساهاة، حيث يقوم إلغاء المهر على فك الرقبة بدلاً من التزويج. فإذا كان المقابل المادي مشتركًا بين نظم الزواج قبل الإسلام وبعده، فما الأصل الأنثروبولوجي (أي الأصل الراجع للسلوك الإنساني نفسه) لذلك المقابل؟

 

كان الرجل قديمًا (يشتري) المرأة بهذا اللفظ. فدونية المرأة قديمًا مقابل الرجل معروفة وموثقة تاريخيًا في كل المجتمعات، ولم تزل آثارها إلى اليوم. لكن الجدير بالذكر أن الرجل لم يكن يشتري بكل ماله المدفوع (جسد) المرأة؛ فهي مستفيدة من الجماع والولد قدر استفادته، وأحيانًا أكثر، فما الذي كان يشتريه الرجل من المرأة بالضبط؟ كان الرجل يشتريها جسدًا ونفسًا وروحًا، وهذا الجسد ينقسم إلى مهبلها (موضع الشهوة) ورحمها (موضع الولد)، فإذا وضعت حملها قام زوجها على رعاية الطفل ماديًا لمدة لم تكن تزيد طبقًا لوسائل الإنتاج قبل النمط الصناعي على 12-13 عامًا، بعدها ينزل ذلك الطفل إن كان ذكرًا ليعمل إلى جوار والده، بل وتحت إمرة والده في رعي الغنم، أو الزراعة، أو التجارة، أو الصيد. وطبقًا لهذا النمط الإنتاجي فإن الأب كان يصل إلى سن أواخر الثلاثينات أو أوائل الأربعينات ليجد نفسه رجل أعمال، لديه فريق عمل ينفق على نفسه وعليه، بل وكان يحتل الأب نفسه مكانة مقدسة معنويًا. وطبقًا لهذا النمط أيضًا كانت كثرة الإنجاب خيرًا، والذكور أساسًا بحسب قدرتهم على العمل، وهو ما يفسر أفضلية الولد الذكر قديمًا. وما نستنبطه من هذه النقطة أن الزوج كان ينفق في القريب ليعود عليه العائد أضعافًا مضاعفة على المدى البعيد. نلاحظ أن الزواج كان يتم قديمًا قبل التصنيع في سن صغيرة نسبيًا، مما يعني أن الزوج سيجد العمر الكافي للتمتع بثمار هذا (المشروع)، وربما يتزوج مرة أخرى أو مرات أخريات فيما بعد.

 

الدليل على ذلك أن أي حديث عن ارتباط كثرة الإنجاب وزيادة السكان بالفقر لم يظهر إلا قرب نهاية القرن الثامن عشر في إنجلترا، على يد مالتوس Thomas Robert Malthus (+1834)

في كتابه: مقال عن المبدأ السكاني An Essay on the Principle of Population،

الذي صدرت طبعته الأولى عام 1798. هذا التاريخ يدل على ارتباط هذه الفكرة التي ربطت بين الزيادة السكانية وبين الفقر لأول مرة بالثورة الصناعية التي بدأت أولاً في إنجلترا فعلاً. فبعد التصنيع لم تعد زيادة الأبناء عاملاً للثراء، ولا حتى عاملاً محايدًا لاستمرار الاستقرار المادي، بل العكس، فقد صار السوق الحديث يطلب مهارة معينة، وليس قوة جسدية أو مهارات يمكن تعلمها ببساطة في الحقل أو الورشة. صار المجتمع يطلب الطبيب والمحامي والمهندس والميكانيكي والمعلّم وأستاذ الجامعة والصحفي وخبير الدعاية وخبير الاقتصاد.. إلخ، إلى جانب العامل (المتخصص) في المصنع، وهي كلها وظائف يحتاج تعلمها إلى وقت طويل، وتكاليف كبيرة، فصارت الأسرة الكبيرة عبئًا على الرجل، ولم يعد الزواج مربحًا بأية صورة، بل بالعكس: صار كابوسًا من الناحية الاقتصادية بالنسبة للرجل.

 

ولما كان الإسلام قد جاء قبل الثورة الصناعية فقد جاءت تشريعاته بخصوص الزواج مفهومة في إطار ما قبل التصنيع، ومقبولة، بل وتمثل تقدمًا نسبيًا لقضية المرأة؛ لأنها ألزمت الزوج بالنفقة مثلاً، وألغت نظم المشاعية والإعضال. وكل ذلك ظل ثمنًا معتدلاً ومعقولاً بالنسبة للمزايا التي يحظى بها الرجل من الزواج في الحصيلة النهائية لهذا المشروع آنذاك. لكن الإسلام كما قلنا حافظ على الهيكل وجدد في التفاصيل، فظلت مكانة الرجل على حالها بالنسبة للمرأة التي لو كان الرسول آمرًا أحدًا أن يسجد لغير الله، لأمرها أن تسجد لزوجها، أخرجه الترمذي. وتعظيم مكانة الأم في أحاديث الرسول بالتكرار اللفظي أو التقديم على الأب إنما يعكس أفضلية الرجل القائمة آنذاك، وفي العلاقة الزوجية نفسها، هي محاولة لخلق توازن معنوي فحسب.

 

يتعدى الأمر هذه الملاحظات، فمكانة الرجل في الإسلام في علاقة الزواج أقرب إلى الصنم المعبود (مع احترامي) بالنسبة لزوجته. فقانون النشوز الذي يحكم حدود علاقة المعاملة بين الزوج والزوجة هو تجسيد لوضع المرأة المنحني الموشك على السجود في “لأمرت الزوجة أن تسجد لزوجها”. وباختصار تعتبر الزوجة ناشزًا في (أيٍّ من) الحالات التالية:

 

1-أن تترك بيت الزوجية دون عذر.

2-أن تعامل زوجها بما لا يرتضيه شخصيًا (وليس بالضرورة بما هو غير مقبول موضوعيًا).ـ

3-أن تعامل أهل الزوج بما لا يرتضيه الزوج.

4-أن تضيع مال الزوج.

5-ألا تطيع زوجها فيما لا يخالف الشريعة والعرف والمصلحة العامة والخاصة.

6-أن تخرج سر زوجها، ومنها الأسرار الجنسية، أياً كانت.

7-أن تمتنع عن زوجها في الفراش (وإلا “لعنتها الملائكة حتى تصبح” بنص الحديث).ـ

 

النقطة الأخيرة بالذات ذات أهمية خاصة، فللزوج حق هجران زوجته في الفراش لمدة تصل إلى 40 يومًا (لأغراض تأديبية)، في حين لا يجوز لها شرعًا أن تعامله بالمثل ولو لدقيقة واحدة. والسبب هو أن الرجل دفع مقدمًا ثمن هذا الموضع. والأهم أن ننظر في كيفية معاملة الزوجة الناشز، فقد استنبط الفقهاء من الكتاب والسنة أساليب متدرجة في الشدة، تبدأ بالنصح، ثم الضرب، ثم الهجر في الفراش، ثم الطرد من البيت وقطع النفقة، ثم الطلاق في النهاية. أهم هذه الأساليب من وجهة نظر المقال هي: الطرد من السكن وقطع النفقة، فهذا يوضح مقابل الإسكان والإنفاق الذي يقوم به الزوج في الشريعة الإسلامية، المقابل هو الطاعة وحسن المعاملة من طرف واحد. وقد يرى البعض أن الإسلام أمر الرجل أيضًا بحسن معاملة زوجته، لكن الملاحَظ أن الإسلام لم يشرع عقوبة واحدة ضد الرجل في حالة العكس.

تأتي بعض الاجتهادات الفقهية لتكشف آخر وجوه السياق الاجتماعي الذي (حسّن) فيه الإسلام شروط الوضع القائم. فاللافت للنظر هو قول (بعض) الفقهاء بعدم جواز كفارة الجماع في نهار رمضان على المرأة ألبتة، والعلة: “لأن الرجل اشترى منها هذا الموضع بمهره” كما هو مذهب الشافعية والإمام أحمد. المهر إذن هو ثمن مدفوع مقدمًا لامتلاك هذا العضو في تجارة أعضاء حية. وإذا كان أغلب الفقهاء قد أجمعوا على العكس، أي: وجوب الكفارة على المرأة كما على الرجل، إلا إن هؤلاء قد استثنوا حالة وقوع الجماع والمرأة مكرهة عليه، فلا تجب عليها الكفارة في هذه الحالة. وما يهم هنا هو أنهم اعتبروا هذا الإكراه أمرًا طبيعيًا، أو–في أفضل الأحوال-أمرًا مستقبَحًا لكنه بلا عقوبة معروفة، ولا تصرف حياله.

 

إذن فمن كل ما سبق يمكن تلخيص علاقة الزواج في الإسلام بما فيها من مهر وأنواع من النفقة وشروط للمعاملة والحقوق المادية والمعنوية في العبارة التالية: انتفاعٌ متبادَل، يدفع الرجلُ ثمنه ماديًا، والمرأةُ معنويًا: نفسيًا واجتماعيًا، في سياق يقضي بأفضلية الرجل على المرأة، وسيادته عليها، وقيادته لها، بما يمنع تبادل هذين الشكلين من الثمن، فلا يجوز للرجل أن يتخلى عن قوامته في مقابل مال تدفعه الزوجة مثلاً، وهذه الأفضلية والرياسة نصت عليها الآيات بأقسى وأقصى درجات الوضوح: {الرجال قوامون على النساء بما فضل الله بعضهم على بعض وبما أنفقوا}-ويلاحظ تقديم الأفضلية على النفقة-، {وللرجال عليهن درجة}، {كانتا (تحت) عبدين من عبادنا}. وثبات هذه القيم التي تميز بين الجنسين لا يتوقف على ثبات الثمن المادي كما نلاحظ، فهي قيم أكبر من التشريع، لأن التشريع حاول هو نفسه الانسجام معها طبقًا لفلسفة تحسين الأوضاع المذكورة.

 

2مرحلة التصنيع وما بعده:

لم تمر المجتمعات العربية والإسلامية أغلبها بتصنيع حقيقي، فما زال دخل إسبانيا مثلاً من الاقتصاد الإنتاجي الصناعي يساوي مجموع دخول الدول العربية مجتمعة من الاقتصاد الريعي (أي القائم على تجارة الأراضي والسياحة والبترول والمعادن). لكن العالم الأول فرض التصنيع فرضًا على العالم الثالث، ونشأت أشكال هجينة هي المدن غير الصناعية، وغير الإنتاجية عمومًا، وهو نمط جديد لم يعرفه التاريخ من قبل يقوم على المدنية الاستهلاكية، المدينة التي يقع في مركزها مول تجاري عملاق أو سلسلة محلات. وهذا النمط سببَ خسارةً فادحة بالنسبة لسكانه، الذين يمتص جيوبهم الاقتصادُ الإنتاجي الغربي والياباني والصيني، ويصدر لهم المشكلات دون حل، كما ضاع صوت أصحاب نظرية التبعية في شرحه والبرهنة عليه. لكن الهام هنا هو تكوّن النمط (المديني) نفسه أيًا كان تصنيفه الفرعي إنتاجيًا أو استهلاكيًا. فهذا النمط المديني الاستهلاكي لا يختلف عن النمط المديني الصناعي سوى في نقص الحاجة التي للأول للتعليم الصناعي والمهني، فالنمط المديني الاستهلاكي يحتاج الطبيب والمهندس والمحامي والمعلّم، لكنه لا يحتاج عامل المصنع، هذا النمط لا يصنّع شيئًا، لكن سكانه يمرضون، ويحتاجون السكن في تزايد سكاني سريع، ويختصمون في المحاكم، ويدخلون المدارس والجامعات بغية الشهادة الصورية التي تمنحهم صلاحية الاندماج في هذا الكيان الاستهلاكي كأطباء أو مهندسين أو محامين، أو معلّمين، وتستمر الدائرة.

 

هذا النمط الاستهلاكي تميز بظاهرتين من زاوية دراسة علاقته بنظام الزواج الإسلامي: الظاهرة الأولى: هي أنه أخذ من النمط الصناعي ظاهرة ارتباط العمل بالعلم والمهارة، ونتج عن هذا ظاهرتان فرعيتان: 1: ارتباط زيادة السكان بالجوع، فلم يختلف عنه فيها، بل فاقه في هذا، فالمجتمع الصناعي استطاع تصدير مشكلاته، عن طريق الاستعمار أو التهجير، أو فتح أسواق أخرى بعيدة لتصريف الإنتاج الزائد، بينما عانى المجتمع الاستهلاكي من الاحتباس الاقتصادي دون نهاية. 2: إمكانية قيام المرأة بعمل الرجل في أغلب الأحيان، فالطب أو الهندسة أو التدريس لا يعتمد على قوة الجسد، وهو ما جعل علاقة التقديس السابقة من المرأة إلى الرجل لا معنى لها، فهو لا يقوم بمعجزة، وهي لديها القدرة في أي وقت على الاستقلال المادي، بل هي مستقلة ماديًا فعلاً في أغلب الأحيان.  

 

الظاهرة الثانية التي تميز بها المجتمع الاستهلاكي: هي أن هذا المجتمع الذي مر بمرحلة المدنية الاستهلاكية مجتمع تقليدي في الأعم الأغلب، يحافظ على التقاليد بسبب افتقاره إلى الإبداع، وبسبب معاناته من الغزو الاستعماري التصنيعي، والغزو الاقتصادي، وما يسمى لدى البعض بالغزو الثقافي، والخوف من وحش المجتمع التصنيعي عمومًا، دفعه هذا الخوف-واليأس أحيانًا-إلى التمسك بالماضي كآخر شكل من أشكال الهوية. فالهوية نوعان لا ثالث لهما: إما المستقبل أو الماضي، إما أن تبدع نفسك، أو أن تسترجع ماضيك. هذه التقليدية الناتجة جعلت المجتمع يتمسك بالفقه القديم وتقاليد المجتمع ما قبل الاستهلاكي تمسكه بدينه. والنتيجة: نظام زواج غير ملائم كليةً وتفصيلاً، أصلاً وفرعًا، عمقًا وسطحًا، لحال مجتمعه. فالزوج يدفع وينفق دون مقابل، نظرًا لحاجات المجتمع المديني المتزايدة التي سلبت الرجل مزايا الزواج المادية السابقة، كما سلبته المزايا المعنوية حيث صار الزوج بالنسبة للزوجة مخلوقًا عاديًا والأب مجرد مصدر بيولوجي أو-في أفضل الأحيان-أخًا لابنه الذي كبر كما ينص المثل الشعبي.

 

وإذا كان قانون النشوز الشامل المخيف قادرًا فيما مضى على حفظ مزايا الرجل المادية والمعنوية، بحيث يضمن طاعة زوجته له، فإن هذا القانون أصبح الآن بلا أية فاعلية تذكر، لأن السبيل الوحيد لإثبات النشوز في 99.99% من الحالات كان يتم عن طريق قاضٍ يعرف هذا ويعرف زوجته في محيط معيشي ضيق، فلما تعقد المجتمع في صورة المدينة، وزاد عدد السكان، صار هذا من المستحيلات، إلا إذا كان للزوج ملكية عينية أو حساب في البنك، وثبت أن الزوجة أضاعته أمام المحكمة، وهو وضع نادر كما نعرف.

ومع انتهاء فاعلية هذا القانون، وانقشاع هذا الشبح، صارت القوامة والطاعة صلاحيات وحقوقًا على الورق، دون أي سند قانوني، بينما ظلت حقوق المرأة ثابتة وممكنة الإثبات والتحصيل قانونًا وبأسهل الطرق، فاختل الميزان السابق.

 

3-التعديلات المستحدثة، وبطلان عقد الزواج، أو فساده:

نتج عن تعقد المجتمع واختلاف احتياجاته تدخل المحاكم المدنية والتشريعات العلمانية في هذا النظام لتختلط بالتشريعات الفقهية، بحيث لم يعد من الممكن الفصل بينها من حيث المصدر، فكلها لها فاعلية القانون بل إن أخطر التشريعات العلمانية هنا على الإطلاق له الفاعلية الأقوى، ألا وهو تشريع قائمة المنقولات.

 

الوضع القانوني لقائمة المنقولات هو: أنها نوع من وصل الأمانة

Trust،

وتعتبر جرائم انتهاكها بالتضييع أو الإتلاف من جرائم خيانة الأمانة، كما أوضح المشرعون الغربيون. وعقوبة هذه الجرائم هي السجن في أغلبها. وبالفعل، فالقانون المصري ينص على سجن مضيع الأمانة في هذه الحالات: تنص المادة 341  من قانون العقوبات المصري على التالي: “كل من اختلس أو استعمل أو بدد مبالغ أو أمتعة أو بضائعَ أو نقودًا أو غير ذلك إضرارًا بمالكيها أو أصحابها أو واضعي اليد عليها، وكانت الأشياء المذكورة لم تسلم له إلا على وجه الوديعة أو الإجارة أو على سبيل عارية الاستعمال أو الرهن، أو كانت سلمت له بصفة كونه وكيلاً بأجرة أو مجانًا بقصد عرضها للبيع أو بيعها أو استعمالها في أمر معين لمنفعة المالك لها أو غيره….. يحكم عليه بالحبس ويجوز أن يزاد عليه غرامه لا تتجاوز 100 جنيه مصري. وقد قُدم طعن رقم 17 لسنة 1953، بحيث يجب إنذار المتهم قبل رفع الدعوى، بحيث يكون رد الفعل على هذا الإنذار من مكملات الجريمة.

 

وهناك عدة ملاحظات هامة بصدد القائمة يجب ذكرها:

1-أنها جزء من عقد الزواج، فبدونها في أغلب الحالات، وتحديدًا في الحالة التي يتم فرضها على الزوج فيها، لا ينعقد الزواج.

2-أنها لا تتعلق من قريب أو من بعيد بقيام الزواج أو الطلاق، فللزوجة حق تقديم القائمة إلى النيابة بمجرد توقيعها من قِبل الزوج، حتى قبل عقد القران.

3-أنها تخضع للقانون التجاري لا المدني، ولذلك لا يجوز فيها الإعسار، فالمؤخَّر مثلاً قد يتم تأخيره إذا طلبته الزوجة (ومن حقها قانونًا طلبه في أي وقت بمجرد الدخول بها؛ لأنه ثمن التمتع بها كما أسلفنا)، وقد يتم تقسيطه، أو إسقاطه طبقًا لحالة الزوج المادية {وإن كان ذو عسرة فنظرةٌ إلى ميسرة وأن تصدقوا خير لكم إن كنتم تعلمون}، فالشريعة الإسلامية لا تحكم بالسجن على من لا يفي بالدين أو يضيع الأمانة، لما يتسبب فيه ذلك من أضرار على الفرد-الذي قد يكون مظلومًا-لا يمكن تعويضها، لكن القائمة هي العنصر الوحيد في الزواج الذي يخضع للقانون التجاري وحده.

4-أن حمايتها مسئولية من وقّع على تعهدٍ بصونها.

 

وبينما يجعل القانون التجاري مسئولية حماية المنقولات على الزوج، فإن القانون المدني يتداخل مع القانون التجاري هنا لتتكون فقاعة قانونية مستحيلة: فلا يحق للزوج أن يطرد زوجته من شقة الزوجية وهي على ذمته دون إثبات النشوز (الذي قلنا أنه مستحيل حاليًا) بحكم القانون المدني، في الوقت الذي قد يضطر فيه لأخذ كل احتياط ممكن لحماية المنقولات بحكم القانون التجاري، سواء كان ينتوي الطلاق، أم يعزم على استمرار الزواج، أم مترددًا بينهما.

 

فلا يحق للزوج مثلاً أن يغلق الشقة من الداخل أو الخارج ليمنع زوجته أو أهلها من العبث بالمنقولات، فللزوجة حق اللجوء إلى قسم الشرطة التابع لتحرر محضرًا ثم تكسر الباب بحكم القانون المدني. والزوجة والشرطة هما الطرفان الوحيدان اللذان لهما صلاحية اقتحام شقق الغير بعد استيفاء بعض الشروط. وهو ما يعني أنه لا توجد وسيلة قانونية ممكنة لحماية المنقولات أصلاً. فصار الزواج نفسه خطرًا كبيرًا، لأن العبرة ليست بقيمة المنقولات الفعلية حين يتم تثمينها بعد الاستعمال، بل بقيمتها على ورقة القائمة، وهو ما يعني أن الزوج يصير فجأة مَدينًا تحت طائلة القانون بعشرات الآلاف عادةً، وهو ما قد يجعله يبيت في النيابة إذا لم يرد المبلغ في مدة معينة، أو أن يُسجن لو كانت القيمة أكبر من قيمة كل ما يملكه، بما فيه الشقة إذا كانت ملكًا.

 

ومن زاوية أخرى شرعية، فكون القائمة صارت شرطًا من شروط عقود الزواج يجعل كل هذه العقود بضربة قلم واحدة باطلة شرعًا؛ فالأصل في نظرية العقد في الفقه ألا يخالف العقد الشريعة الإسلامية، والقائمة ليست فقط (مغايرة) للشريعة، بل مخالفة، لأنها قد تؤدي في حالة انتهاكها إلى السجن، وهو ما يخالف بوضوح الشريعة في هذه المسألة (قارن مع مؤخر الصداق مثلاً). وبطلان العقد لا يعني بالضرورة وقوع الزوجين في الزنا، لأن البطلان لا يعني بالضرورة عدم ترتب الآثار، فالبطلان هو مخالفة منطق التعاقد، أو قوانين العقد الكبرى في نظرية العقد الشرعية. لكن بعض الفقهاء أفتى بأن “النهي يقتضي الفساد”، وهي مسألة شهيرة جدًا في أصول الفقه، وتعني أن العقد الباطل لا تترتب عليه الآثار، وعند هؤلاء الفقهاء يفسد الزواج، ويجتمع الزوجان في الزنى، ويكون أطفالهما أطفال زنى، ولا يجوز لأحد من هؤلاء ميراث الآخر.

 

على أية حال أغلب الفقهاء على الرأي الأول وهو أن “النهي لا يقتضي الفساد، بل البطلان فقط” وهو رأي أبي حنيفة في الأصل الذي أدى إلى فساد كبير كما نرى.

 

4-الحساب الكلّي:

والآن، دعونا نحسب ما يحصل عليه الزوج حاليًا من الزواج في مقابل ما يدفعه، بل وما يغامر به:

 

1-الشَّبْكة: وهذه لا يقابلها شيء.

2-المهر أو المؤخر: وهو لا يقابل شراء أعضاء الزوجة التناسلية، لأنها قد تمتنع عليه كما يمتنع هو، دون قدرة على إثبات النشوز كما قلنا.

3-النفقة أثناء الزواج: وهي لا تقابل شيئًا، بسبب استحالة إثبات النشوز، فالنفقة ثمن طاعة وأدب المرأة، ولو كانت ثمنًا لخدماتها المنزلية، فعدم قيامها بهذه الخدمات يستحيل إثباته أمام أية محكمة، كما أن المرأة صارت تعمل وتنفق على نفسها كالزوج تمامًا.

4-قائمة المنقولات: وهي في الأصل لا تقابل شيئًا محددًا لأنها مغامرة، وإن كان التقليد قد يسّر القيام بها كمغامرة غير محسوبة.

5-نفقة العدة في حالة الطلاق: ومدتها 3 أشهر: لها مقابل مع احتمال حمل المرأة أو تأكده، فهي إنفاق على الطفل اعتباريًا أو واقعيًا، وفي حالة عجز المرأة عن العمل وهي حبلى.

6-نفقة الطفل: وهي ذات مقابل، فالطفل طفله، لكن القوانين لا تشترط اشتراك الزوجة في النفقة، حتى لو كانت سيدة أعمال تملك الملايين (في الغرب الآن النفقة تصير على من له دخل سنوي أكبر، وليس بالضرورة الزوج). كما أن النفقة خسارة كبيرة للرجل الذي قد لا يستطيع رؤية طفله، مع منح حق الحضانة للمرأة، وهي خسارة بلا مقابل.

وهذا الحساب في تجريده المادي يعني أن الرجل هو الخاسر ماديًا من هذا التعاقد، أو هذا المشروع، الذي كان مربحًا قبل التصنيع كما رأينا، دون أي مكسب مادي أو معنوي مقابل. في حين أن الزوجة قد تكون تعيسة لكنها ليست خاسرة في أغلب الأحوال. وتكتمل هذه النقطة بالنقطة التالية.

 

5-القانون والالتفاف حول القانون (ملحق بالحساب الكلي):ـ

بالنسبة لغير المتخصصين في القانون أو فلسفة القانون: عندما يبحث المشرِّع قانونًا ما فإنه لا يضع القانون فقط نصب عينيه، بل أيضًا الوسائل الشائعة للالتفاف حوله. فإذا كانت آلية الالتفاف حميدة، لا تترك ضررًا على المجتمع، ولا تخالف المبادئ العامة للقانون (كالشريعة والأخلاق)، كان القانون ناجحًا نسبيًا، أما إذا كان الالتفاف حوله يؤدي إلى ضرر أكبر من الضرر الذي يمنعه القانون نفسه، فهو قانون ضار أكثر من ضرر الجريمة، وبالتالي يتم إلغاؤه أو تعديله.

 

ونظرًا لأن القانون المدني والقانون التجاري لا يتركان للزوج أي منفذ قانوني لحفظ حقه (وليس أكثر من حقه) في الزواج، فلا يصير أمامه عادة إلا الأساليب الإجرامية: فالزوج قبل أن يوقع قائمة لزوجته عادة ما يستفتي أصدقاءه وأهله في هذا الأمر، فمنهم من ينهاه كليًا، أو جزئيًا (بمعنى تخفيض قيمة القائمة)، ومنهم من يشجعه على المضي قدمًا في هذه المغامرة (عادة يكون لهذا الشخص المشجِّع ابنة أو أخت يريد أن تُكتَب لها قائمة هل الأخرى)، وحين يشجعه أحد على المضي يبرر ذلك له عادة بقوله: أنها لعبة النفس الطويل، وأنك يجب أن تثبت أنك لست سهلاً، وأنك تستطيع وتستطيع. يتناقض هذا المشهد بشكل مضحك حقًا مع المشهد التالي للزوجين الجالسين في الكوشة وعلى وجهيهما ابتسامات ودودة تتنافس في البلاهة!

 

والحل الوحيد السلمي لصون المنقولات وتأمين الذات من هذا الخطر (خطر سرقة الزوجة أو أهلها المنقولات وتوريط الزوج) هو أن يتزوج الرجل في بيت أهله، أي في الشقة نفسها، أو في الشقة المجاورة لشقة أهله في البناية نفسها، أو في بناية يملكها ويسكن بها أهله. وهو ليس متوافرًا في الأعم الأغلب من الحالات.

 

عادة لا يكون أمام الزوج إلا الأساليب الإجرامية كما قلنا، فقد (يرى) الزوج أن زوجته شريرة، حادة اللسان، أو متسلطة، أو خائنة بدرجة ما، أو تسيء له ولأهله، والزوج حين يرى ذلك من وجهة نظره لا يكون بوسعه في الوضع القانوني الحالي أن يتخذ إجراء قانونيًا ما، فيتجه سلوكه تلقائيًا إلى إيذاء الزوجة معنويًا وربما جسديًا. وقد يقوم الزوج بضربة استباقية، أي أن يؤذي زوجته  بشكل مباشر على خطأ تافه ليعلمها من هو السيد، وقد يكون من يفعل ذلك خاليًا من أية نوازع للسيطرة أو السادية، لكنه عليم أن ذلك هو السبيل الوحيد لتأمين مستقبله هو الذي أصبح في يد غيره (زوجته) فجأة. وقد لا تكون الخيانة في دم الزوج بأي قدر، لكنه قد يضطر لخيانتها بشكل مكشوف حتى تتنازل له عن جزء من المؤخر أو القائمة نتيجة صدمتها (البعض الأكثر جرأة يفعلها). والزوج حين يضطر إلى ذلك كي تتنازل زوجته قد لا يكون مدفوعًا بالطمع المادي، بل بحقه في الملكية بعد أن ثبت له سوء نية الزوجة أو شرها. نجد هنا أن الرجل الطيب يتحول إلى رجل خبيث عنيف شرير أو خائن، وهو في الأصل قد يكون بريئًا من كل هذا، مما يجعل القانون (تشريع قائمة المنقولات)-بناء على نتيجة الالتفاف حوله-مفسدًا لأخلاق الزوج وعلاقته بزوجته، ومؤذيًا للزوجة أكثر مما (يحفظ حق الزوجة) كما هو الهدف المزعوم منه.

 

6-النتائج:

أولاً: أصل الأزمة:

صارت الشريعة الإسلامية بخصوص تشريعات الزواج منتمية إلى مجتمع قديم منتهٍ، يتمتع-أو كان يتمتع-بالخواص التالية:

 

1-يؤمن بسيادة الرجل على المرأة.

2-يحقق أولوية الرجل على المرأة في كل المجالات، كالوظائف والرياسة والحرب والتمثيل السياسي.

3-ترتبط فيه كثرة النسل بالوفرة المادية ارتباطًا طرديًا، في مجتمع قبل-صناعي.

 

في مثل ذلك المجتمع تأتي التشريعات الإسلامية في نظام الزواج لتأخذ القليل من حقوق الرجل وتحسّن من وضع المرأة ماديًا ومعنويًا دون مساواة لا يدعو إليها أحد. وقد تبدلت تلك الخواص تمامًا بعد التصنيع كما ذكرنا: فالمرأة صارت مساوية عمليًا للرجل لأنها تتعلم وتعمل وتمارس حقها السياسي، ولم يعد هناك من أثر للا مساواة إلا كلام كبار السن، فلول النظام القديم بمعنى ما. ولم تعد المرأة عادة تقبل بهذه السيادة الذكورية.

 

لكن أصل الأزمة لا يكتمل حتى نضيف عنصرًا آخر بالغ الأهمية لما سبق: فالمرأة صارت لا تقبل السيادة عليها، لا تقبل السلطة، لكنها في الوقت نفسه لم تزل تقبل أن (يُدفَع فيها) الشبكة والمهر أو المؤخر والقائمة والنفقات بأنواعها، صارت تأخذ ولا تعطي شيئًا في المقابل. أو كما قالت زميلة لي:

“الرجال آلات ATM

بالنسبة لنا”.

 

ثانيًا: الحلول الممكنة:

يتطلب الأمر ضرورة تغيير نظام الزواج جذرياً. فقد قام نظام الزواج في الإسلام على النزعة الجنسية

Sexism

أي التمييز في الواجبات والحقوق بين الرجل والمرأة، فواجبات الرجل الزوجية مختلفة نوعيًا عن واجبات الزوجة، وكذلك الحقوق بالتبعية. أما المجتمع الصناعي فيتساوى فيه الطرفان شاءا أم أبيا. وبالتالي فمن واجب الزوجة أن تساهم بالنصف في كل النفقات، بدءًا من شقة الزوجية، حتى النفقة، وبالتالي يتم إلغاء القائمة لأنها في الأصل حفظ لحق الزوجة في المنقولات التي كان الرجل يشتريها كلها فيما سبق بماله.

 

هذه التغييرات الجذرية مستحيلة بطبيعتها، لأنها تغييرات للأعراف نفسها، وإذا كان الجيل القديم يقول لنا “خربتم البلد” لأننا قمنا بثورة سلمية، فهو أجدر برفض أي تغيير في نظام الزواج، لأنه أكثر ارتباطًا بالفرد وأعمق من نظام السياسة.

 

لا يتبقى من حل إلا تشريع المزيد من القوانين، أو كما قيل: “فلكي تغطّي على كذبة توشك أن تنكشف، عليك بالمزيد من الكذب، فأنت أصلاً ومن البداية كذاب!” وهذا التشريع من الطبيعي أن يتعلق بقائمة المنقولات أكثر من غيرها، لأنها الدائرة الوحيدة لعمل القانون التجاري كما سلف. وهذا القانون يمكن أن يكون كالتالي: “يحق للزوج الذي وقّع لزوجته قائمة بمنقولات شقة الزوجية أن يقوم بإخراجها قانونًا من شقة الزوجية إذا استشعر من طرفها خطرًا على العهدة (المنقولات)، وله كافة التدابير التي يراها ملائمة لصون هذه العهدة ما لم يخالف قانونًا. ولا يكون من حق الزوجة دخول شقة الزوجية بأية طريقة إذا قدم الزوج دعوى إخراجها وتم تنفيذها، وإلا تعتبر شروعًا في سرقة، ولا يكون لها الحق في التعويض“. وقد يرى البعض أن الزوج يستطيع استغلال هذا القانون لصالحه دون خطر حقيقي من الزوجة ليمنعها من ملكيتها، وهذا باطل، لأنها يمكن أن تطالب برد ملكيتها المنصوصة في القائمة، ويلزم الزوج بردها فورًا. هذا التشريع المقترح يمنع فقط من سرقة المنقولات في حالة غياب الزوج، ولا يسقط حقها في الملكية. وإذا كانت الزوجة تخشى طردها من شقة الزوجية فلا توافق من البداية على كتابة القائمة. وهو ما سيلغي فكرة القائمة من المجتمع إلى حد كبير تلقائيًا.

 

ثالثًا: إعادة بناء النظام:

يقوم كل نظام قانوني على قيم معينة. وإن القيم التي قام عليها نظام الزواج الإسلامي، الذي لم يزل العمل به قائمًا مع تحريف شديد قد يصل إلى درجة البطلان أو الفساد كما أوضحنا، هي قيم التمييز الجنسي، التي تنص هنا على سيادة الرجل ودونية المرأة. لم يعد هناك محل للعمل بهذا النظام وقد انهارت قيمه الأساسية في زمن التصنيع العالمي والاستهلاك المحلي. وحلول قيم المساواة بين الجنسين محل الذكورية في الماضي جعل من الضروري إعادة بناء النظام على هذه القيم المستجدة. لا تتحقق المساواة كاملة مع الإصرار على سيادة وأفضلية الرجل من جهة، وتجاهل المرأة لواجب مساهمتها المادية في مشروع الزواج من جهة أخرى.

 

والناظر إلى قوانين وأعراف الزواج في الغرب يجد هذه المساواة متحققة في نظام الزواج بشكل يقترب من الكمال: فالزوجة تساهم بالنصف في كل شيء، ثم إذا وقع الطلاق تنال النصف من كل شيء. الزواج في الغرب مشروع لا يخضع للتقسيم الكيفي للأدوار بين رجل وامرأة، بل التقسيم الكمّي، كل عليه النصف، كل عليه نصيب مساوٍ للآخر. والحضانة ينالها الأصلح لتربية الطفل حسب رأي القاضي، وليس المرأة بالضرورة، والنفقة يتكفل بها صاحب الدخل السنوي الأكبر، وليس الرجل بالضرورة.

 

والتساؤلات التي ينتهي إليها المرء بعد كل هذه الملاحظات: هل يفضل الزواج الشرعي عن الزواج العرفي (بنوعه الباطل عند الفقهاء) في شيء، على المضار الأخطر التي يتسبب فيها الأول؟ أوليس الزواج من غير المصريات وغير العربيات عمومًا أكثر قدرة على الاستمرار وأمنًا بالنسبة للزوج إذا كانت الزوجة مستقرة في بلد الزوج؟ أوليس الزواج في الخارج طبقًا لقوانين الزواج الغربية أقدر على حفظ مصالح الزوجين وتحقيقًا للمساواة المعنوية والمادية بينهما، بشرط استقرار الزوج في البلد الغربية؟

 

 

كريم الصياد

ماجستير أصول الفقه، وفلسفة القانون

9-6-2012

 

أشجار الصنوبر-أزمة الجماعات الأدبية

هذا الموضوع قمت بكتابته بعد الملتقى الأول للجماعات الأدبية بتاريخ 12-10-2006 الذي نظمته ورقة وقلم، وقد حاولت تقديمه في شكل ندوة في إحدى الجماعات الأدبية، غير أنني لم أكن بعد-قبل انفصالي عنها-قد أعددت الموضوع إعدادًا كاملاً، فظل لفترة-حوالي السنة تقريبًا-كامنًا في الذهن، في انتظار طرحه يومًا بشكل ما .

والنقطة التي أريد تفصيلها ها هنا هي حالة انعدام المناخ النقدي والحواري في الجماعات الأدبية، دعونا ننظم أفكارنا، كانت أزمة الملتقى هي انعكاس لأزمة الجماعات، وأزمة الجماعات أنها ليست حركات لها اتجاه وهدف بما يحقق فاعلية الملتقى من النهوض بحال الأدب والثقافة، وتختلف الجماعة عن الحركة في أن الأولى مجرد تجمع نفعي يحكمه نظام الشللية في الأعمّ دون توجه فكري أو إبداعي أو نقدي واضح، أي: دون تنظير، أما الحركة فهي تجمع نظري بالدرجة الأولى، لا يمكن الانضمام له إلا بعد الاطلاع على الفكر السائد والمعلن له، والموافقة على أساسياته،والسبب في عدم انتقال الجماعات من عنق الزجاجة (من الجماعة إلى الحركة) هو انعدام المناخ النقدي الحقيقي، ومن هنا يمكننا أن نتحدث عن أسباب انعدام ذلك المناخ فيما يلي :

  • 1. انعدام ثقة الأديب الشاب بنفسه، والشعور بالدونية أمام عماليق الأدب المحلي والعالمي .
  • 2. انحراف البنية الإدارية للجماعة مما يؤدي إلى تركيب رأسي مركزي، بدلاً من التركيب الأفقي الليبرالي (فساد البنية التحتية) .
  • 3. التعصب والاستبداد بالرأي خاصة لدى مؤسسي الجماعة، وبعضهم يريد الاستئثار بالملكية ونفي أي أهمية جوهرية لأي مساهمة من الأجيال التالية من الأعضاء (فساد البنية الفوقية) .
  • 4. المشاكل الشخصية، وهي الصغائر التي تقف للأسف بين أفراد هذه الشرائح من الأدباء الشبان- بما ملكوا من مواهب حقيقية -وبين إدراك هدفهم المقدس، وهي دون مبالغة من قبيل : فلانة أحبت فلانًا الذي تركها وأحب فلانة، فلان انفصل عن فلانة بعد ارتباط عاطفي وأدبي، فلان يغير من علان، فلان بلديات علان، … .
  • 5.الحرص على الشهرة والفوزِ بالرصيد الجماهيري والظهورِِ الإعلامي، وهو ما جعل النقد الأدبي أدخل في قضية الثقافة الجماهيرية، وابتسر المذاهب النقدية جميعًا في مبدإ الانتشار وحده، وهو ما راح أنصاف المثقفين وأنصاف الأكاديميين يؤيدونه بما سمعوا وقرأوا: مقال لتولستوي، مقال لسارتر، مقال عن الواقعية الاشتراكية ،….، الأمر الذي جعل عملية التلقي الأدبي تسير في اتجاه واحد لا ينعكس، من الكاتب إلى القارئ، لعنة أصفاد الكتّاب وأصفاد القرّاء، فصارت كل مهمة الناقد هي نقد الأديب الذي لا يكتب بأسلوب سهل مفهوم، أو يكتب ما يصطدم وعقل ومشاعر وعقيدة القارئ، وما إلى ذلك مما هو أقرب إلى دور الرقيب، فصار الأديب بدوره بائعًا جائلاً ينادي متوسلاً على بضاعته في الساقية، والمجلس الأعلى، والصحف الأدبية، ومقر الجماعة، بدلاً من إنماء حاسة القارئ الذوقية، والارتقاء بفكره ووجدانه، ففقد الأدب وظيفته أصلاً .

( لاحظوا أن من يسخّر النقد لهذا الهدف الغث من الأدباء يستطيع أن يكسب الكثير وذلك من جهتين :أولاً :أن الجمهور لابد وأن يتعاطف معه مع انتشار الجهل والأمية والبلهارسيا والتخلف العقلي والدكتاتورية الأسرية والدينية والمعرفية والسياسية، ثانيًا :أنه يضمن بذلك انتشار عمله الأدبي بعد تصفية الخصوم من الأدباء الأكثر جديّة وهو بهذا يحقق هدفه الوحيد :الشهرة والانتشار كما نرى ) .

هذا المستنقع المتشابك القذر يختبئ أسفل مصطلحات براقة مثل : الواقعية، الواقعية الاشتراكية، الماركسية، فاعلية الأديب في مجتمعه، الفن المجتمعي، …، وهي اصطلاحات لها وزنها الفكري النظري والتاريخي الثقيل، والذي لا يتحمله أولئك الحناجر أصحاب ثقافة الخطب واتحاد الطلبة والمظاهرات، فيهتفون بها بأصوات عالية وأفواه مفتوحة حتى البلعوم والمريء والمعدة والقولون، دون أن يعووا لها أي مقدمات أو نظريات أو فلسفات أو مناهج أتت بها إلى الوجود العقلي والأدبي والتاريخي، ولو كانوا يؤمنون بقضية تأميم الأدب إلى هذا الحد لقاموا أولاً بتأميم الجماعة الأدبية، وتقسيم حق ملكيتها الضمني والمعنوي بين أفرادها بما يضمن حرية الرأي وقبول أية مساهمة أدبية أو فكرية .

وأختم حديثي ببعض الوصايا أو النصائح للأديب الشاب في ضوء ما سبق :

1. اعرف نفسك، لماذا تكتب ؟ ولمن ؟ وهل أنت مؤمن حقًا برسالتك وذاتك ؟

2. أنت نبي لعصر قادم (للأغبياء فقط:نبي هنا بالمعنى المجازي طبعًا)، وعليك أن تفهم ذلك جيدًا، وأن تعدّ نفسك لذلك جيدًا، ولا تتعجل الظهور والنشر، حتى لو استغرقت سنين طويلة في تنمية مواهبك وفكرك وتحديد موقفك .

3. لا يغرنك قولهم في الحياة الدنيا، ولا شهرتهم ولا نفوذهم، فأما الزبد فيذهب جفاء، رغم أنه يطفو دائمًا على السطح .

4. لا تهمل أبدًا الجانب الفكري والنظري للعمل الأدبي، لا تخش اتهامات من قبيل (الذهنية) و(التفكير أثناء الكتابة) والتي يعتبرها البعض فضائح حقيقية، وتأكد بنفسك من تاريخ الحضارة أن مثل هذه الأعمال هو ما يبقى ويؤسس ويؤثر ويجتذب النقاد والمفكرين الجادين حقًا بطول مسار التاريخ .

5. راجع بنفسك سير الفنانين العظام وحدد مثلك الأعلى، بيتهوفن كان يعيش معظم حياته الإبداعية في بيت متواضع بريف فيينا منعزلاً، ولم يتزوج، ولم ينجب، ولم يقلد الكلاسيكيين رغم قدرته على ذلك، ولم يطاوع الذوق العام السائد، لكنه صنع بعد ذلك تاريخًا جديدًا للموسيقى، وأرسل حوارييه شرقًا وغربًا في أوروبا وروسيا (شوبرت، برامز، فاجنر، تشايكوفسكي) ليقيم أكبر مستعمرة فنية وموسيقية عرفها التاريخ، فصار_على حد تعبير الناقد بيتر جاموند_شركة مساهمة عالمية نولد جميعًا ولنا أسهم فيها .

6. اعلم أن العزلة شرط ضروري لإنضاج التجربة الإبداعية، وهو ما لاحظه ليوناردو دا فنشي من صميم تجربته الخاصة، كن_كما يقول الفيلسوف الدانماركي كيركجور_كشجرة الصنوبر، تضرب بجذورك في الأعماق، وترفع قامتك إلى العلا، ولا تلقي ظلاً على الأرض، ولا يعشش بين غصونك سوى الحمام الوحشي، وأوصِ بأن يُكتب على قبرك كما أوصى هو من قبل “هنا يرقد الفرد”.

7. خاطب الإنسان (للأذكياء فقط) .

8. لا تتسرع بمشروعات الزواج والإنجاب، واكفر بالقيم الكمية الاستهلاكية لهذا المجتمع المتخلف المتداعي .

9. للأعضاء المضطهدين في كل جماعة أدبية أو غير أدبية أقدم هذا الالتفاف : ما قيمة أن تأكل أكلاً صحيًا في السجن ؟ الأفضل أن تدخن التبغ في الهواء الطلق !


كريم الصياد

مجوسٌ جدد لأمةٍ القديمة

في ظل حالة من الفقر العقلي والإفلاس الخُلقي واليبوسة الفكرية والرطوبة الروحية، انتشرتْ في الوسط الأدبي الشابّ مجموعة من المفاهيم لا تدل على معنى بقدر ما تدل على طبيعة العقل الذي يتداولها، من حيث بنية هذا العقل، ومن حيث مدى قيامه بوظيفته من نقد واختبار تلك المفاهيم وأيّ مفاهيم قبل استعمالها بمناسبة وبغير مناسبة.

فإن الأديب الشاب الذي تربى على ثقافة انهزامية استهلاكية بطريركية، خير قيمة فيها هي التواضع والتقية والاعتذار والاعتراف والتزلّف والتسلّف والتقوْلُب والاندماج والدوران حول المراكز وحساب الأمور حساباتٍ كمّية ترد السمة إلى العدد، والاختلاف إلى المقدار، هذا الأديب لم يجد أمامه في ظروف شديدة الوطأة إلا أن يتبع آثار السلف في الأدب كما اتبعها في كل شيء لا لشيء إلا لأنهم الأسبق وإلا لأنهم ساروا من قبله وتركوا آثارهم.

هذا الأديب الذي صار لا يكتب سوى عن ثلاثة أنواع من الموضوعات: الحب، الحرب، الذات الممزقة بين هذا وذاك، فصارت قضايا الأدب قضايا أحوال شخصية أو هتافات بديلة عن مضمونها الحقيقي والفعلي، أو تسجيل لحال النفس المفككة المهزومة علها تتسوّل شيئًا بهذا التفكك والانهزام.

هذا الأديب الذي يرسم على سحنته هيئة الرومانسية البلهاء كلما جاء وذهب، أو رعشَ صوته بلهجة المتوعِّد بالحرب والغضب كلما ألقى شعرًا أو تحدث في جمع، أو ارتعد جسده ليثير شفقة المجتمعين الأكثر بلاهة منه على حاله الممزقة في عالم النسبية وميكانيكا الكوانتم وسقوط الحكايات الكبرى وانهيار النظم الشمولية!

ليس الاقتصار جريمتَه فحسب، فما هو بجدير بالحب وهو لا يجد ما يأكل، والمادية ومعوية الفكر خيرٌ من الادّعاء والتزييف والتوهُّم .

وما هو بجدير بالحرب وهو فرد ضعيف لم يجرؤ أن يقف في وجه أبيه أو معلمه أو أستاذه في الجامعة أو رجل الدين رغم أن كل هؤلاء هم أشد من أهانوه ومسحوا بكرامته الملاط والنعال.

وما هو بجدير بالتعبير عن تمزق الذات في النسبية وخلخلة الأسس وهو أشد الناس تعصّبًا وتربصًا بالمبدعين والزنادقة والمندهشين والمتساءلين والناقدين والرافضين والمتفرّدين، فلم يعرف النسبية ولم يعانِ منها ولم يعش حكاية كبيرة ليحزن لسقوطها ولم يؤمن أو يكفر بالشمولية ليبالي بها.

وهذا الأديب الذي استقرّت لديه شئون الإبداع-رغم ما في هذه العبارة من تناقض صارخ-استقرّ في رأسه العقل وركد في عروقه الدم وتعفّن في صدره القلب وضمرت فيه الروح، وصار لا يسأل عن شيء يجده على قارعة طريقه، ولا يبحث عن شيء لا يجده في يده وفي فمه، وصار البعض للبعض منهم كلماتهم في أفواه بعض كحلمات أثداء أمهاتهم، المتكلم يُرضِع الصامت، والمفوّه الخطيب الكاذب يُرضع المستمع الأحمق الساذج، والمسيخ الدجال يُرضع المؤمن المطمئن بالإيمان!

ونتيجة لكل هذا وما ترتب على طبيعة ذلك الأديب من جهة، وطبيعة الوسط الثقافي المحيط من جهة أخرى انتشرت مفاهيم شديدة الدلالة على حال الأديب العقلية:

  1. مفهوم المتلقّي العاديّ: والذي يقوم على التمييز الكمي بين طبقتين من المتلقي: طبقة متعلمة تفهم النص، وطبقة جاهلة لا تفهمه، رغم أن التلقي يختلف باختلاف الطبيعة النفسية والحالة المزاجية والتوجه العقائدي للمتلقي، ووضعه الطبقي وخبراته السابقة وجنسه ولونه وشتى العوامل التي تؤثّر في (كيفية) التلقي لا في كميته، بل هذا أثر من آثار الثقافة الاستهلاكية التي تنص على أن الزبون على حق، وان السلعة يجب أن تكون في يد الجميع، وعليها أن تكون مناسبة لذلك المستوى.
  2. مفهوم الذهنية: والذي يقوم على التمييز بين الشعور والفكر: فالنص الأدبي-خاصة الشعري-يعالج الأول لا الثاني، رغم أنه لا يوجد فارق حاسم حتى اللحظة بين الطرفين على المستوى المعرفي(الإبستمولوجي) أوعلى المستوى النفسي أو على المستوى الفيزيولوجي، وهو تمييز قديم تراثي وحديث غربي ليس له أصل سوى الأصل التاريخي والجغرافي ولا يتطوّع أحد مستخدميه المعاصرين بالبرهنة عليه وتبرير استخدامه له.
  3. مفهوم الشعر: والذي يقوم على التمييز بين الشعر والنثر على أساس الوزن الخليلي، رغم أن مفهوم الشعر يتغير مع كل شاعر قليلًا أو كثيرًا، وأنه لا أمل في اتفاق الشعراء عليه أو النقاد-وهم المنوطون بالاصطلاح على مفهوم ثابت-لأن الأساس لديهم المفترض أن يكون الاختلاف والمفارقة.
  4. مفهوم(الجمال-الخير): والذي يقوم على عدم التمييز بين قيمتي الجمال والخير، فيقدم نقدًا أو تقييمًا أخلاقيًا للعمل الأدبي يحذّر من الإباحية والعري وقلة الأدب لأن هناك بنات في الجلسة ولأن جميع الحضور لديهم أخوات صغيرات  وحريم لا يتصورون أن يطّلعن على مثل هذه الأعمال، رغم أنه لا توجد مقاييس أو تحديدات دقيقة معلنة لما يمكن أن يقال وما لا يمكن، وبهذا يتحول النقد الأدبي إلى رقابة.
  5. مفهوم(الجمال-الحق): والذي يقوم على عدم التمييز بين قيمتي الجمال والحق: فيقدم نقدًا عقائديًا دينيًا للعمل الأدبي يحذّر ويستفسر في هدوء وكياسة ونبرة رصينة خاشعة تقية عن الخروجات والانحرافات والاعوجاجات والانكسارات والانحناءات والتلولبات والتحلزنات التي شابت عقيدة الأديب وأقرّت عقيدة باطلة، رغم أن أمور العقيدة لا تنجلي بوضوح إلا لإله أو من أوتيَ من لدنه اطلاعًا على خبايا النفوس، فمن لم يجد اعتمد على مبضع لشق الصدور، وهذا نتاج ثقافة بوليسية تقعد للمبدع كل مرصد باعتباره خارجًا عن الطابور الخامس المتآمر على الإنسان باسم الله، وعلى الشعب باسم الوطن، وعلى الإبداع باسم العقيدة.

هذه المفاهيم الخمسة انتشرت بين أبناء الجيل كالبلهارسيا وتوطنتْ في أكبادهم وأمعائهم ومثاناتهم، أطلقها مَنْ أطلقها فجاءت على هواهم وجاءوا على هواها، قالها واحد لا يرى لعمله فائدة ما لم ينتشر ويحقق تصفيقًا وبيعًا، وجاءوا هم ليجدوها جاهزة للامتطاء السريع والانطلاق دون تعب ذهن أو إرهاق روح  أوحيرة نفس، فهي مقولات سهلة مناسبة لعقل الناس وجهالة الجاهلين، مباشرة لا تحتاج شرحًا، مطابقة لطبيعة العقل البوليسي الذي لا يختلف عن البوليس الحقيقي سوى أنه رتبة أدنى، وصالحة لضرب الخصوم الأعمق والأكثر تفردًا والأكثر تجديدًا وتجريبًا والأشد جرأة.

استبعد المفهوم الأول كل أديب أقل جماهيرية من الآخَر، والثاني كل أديب عميق منشغل بقضايا عامة مجرّدة إنسانية، والثالث شعراء قصيدة النثر الذين قدموا شكلًا جديدًا إلى جوار القديم، والرابع والخامس كل أديب تجاوز حدًا نسبيًا بطبعه لا مجال له في الإطلاق.

وبذا تحوّلت قضايا النقد والإبداع الأدبي إلى قضايا الانتشار والتوافق مع عقل الجمهور كمًا وكيفًا بالهبوط إلى مستواه ومحاكاة قياس حذائه، وصار جيل الأدباء الشبان المعاصرين عارًا على الأدب وعدوًا للنقد الحقيقي الذي يفرض على الناقد ضرورة مراجعة ومساءلة واختبار كل ما يجد من مفاهيم ذائعة قبل غير الذائعة، وتحول النقد في نهاية الأمر إلى شائعة.

هذا ما أدى في النهاية إلى انشطار الأدباء إلى شطرين: الأول هم السادة وهم المبدعون الحقيقيون الذين لا يخشون السؤال والمعارضة والنقد الجذري، والثاني هم العبيد الذين ساروا بلا نقد وبلا سؤال وراء كل قدم ومؤخرة، ويتميز السادة عن العبيد  في الصفات التالية:

  1. السؤال: فالسيد يتساءل عن المستقرّ والمتداوَل، في حين ينشغل العبد بالإجابة.
  2. النقد: فالسيد لا يقبل شيئًا على أنه حق ما لم يقم بنقده وتقليبه على أوجهه الشتى، والعبد يقوم بالتسليم.
  3. الابتكار: فالسيد ينهمّ بالابتكار من أجل إثبات بصمته الخاصّة وإثبات وجوده ذاته، في حين يقوم العبد بالتقليد.
  4. الرفض: فالسيد أقرب إلى الرفض لأنه أكثر شعورًا بخصوصيته وتفرّده ولأنه الأكثر جرأة وميلًا للتحدي، والعبد أقرب إلى القبول والرضا بالوضع القائم.
  5. القسوة والعنف: فالسيد يؤمن بالهدم في سبيل البناء، ويرفض الترميم والحلول النصفية الالتئامية، أما العبد فهو أميل للرقة والخنوثة والدعة والرخاوة.
  6. الكبرياء: السيد أخيرًا مترفّع عن الصدقة وعن الرياء كليهما، عن التصفيق والبيع والمديح والمجاملة، والعبد متسوّل من جمهوره ما استطاع إلى ذلك سبيلًا.

وبالمفاهيم السابقة يحاول العبد إسقاط السيد، وضمه إلى طبقته لأنه الأقوى والأسمى، وعلى السيد أن يرفض إغواءات العبيد، وأن يقاوم ضمورهم بخصوبته الروحية ، وأن يحتقر دناءتهم بكبريائه المهلِك، وأن يمزق غلالة الرقة والحب والغرام والرومانسية بالعنف والقسوة والدم والبؤس.

إن كل بدعة أصالة، وكل أصالة عبقرية.

إن الكتابة عمل إرهابي يهدف إلى التهديم من أجل التمهيد، والإنكار بديلًا عن الشك، والقتل بديلًا عن الثورة، والصخرة بديلًا عن الزهرة، والنار بديلًا عن المرأة، والجسد بديلًا عن الطبيعة، والروح بديلًا عن السماء.

نحن مجوس هذه الأمة.

لقد حل الأدب محل الدين، والفلسفة محل الإيمان، والعِلم محل النبوة، والمسوّدات محل القضاء والقدر، والكلام محل الحياة، والصمت محل الموت، والكتابة محل البعث، والقراءة محل الخلود.

كريم الصياد

3-5-2008

الفردوس اللا مفقود_من أوراق مسيخ دجّال

“تخيلوا معي هذا المشهد، ما يزال صدى الأمر يجلجل في أذنيه، عيناه تدوران، قلبه يتّقد كجمرة في مهب الريح لأنه لا ينبِض، أنفاسه تفرّ من بين ضلوعه فلا يتنفس، آااه ! يا للهول ! الثورة هذه المرة ليست على ملك فرنسا أو قيصر روسيا، إنها ثورة على الخالق والمخلوق، لقد سقط الذي يعتبره المسلمون جنًا والمسيحيون ملاكًا، وغادر الفردوس إلى الأبد.”


Mysterious Angel-373896

1-مقدمة:

هذا الموضوع ليس مجال سخرية أو أساطير أوّل من الأولين، خاصّةً وأني مثل المسيخيين من أمثالي لسنا نحب المزاح ولا نفهم الدعابة، فقد جئنا لاعنين مضلِّلين منذرين شهداء على الناس، قانوننا أن نفي النفي إثبات، وأن مسخ المسخ خلق واستواء، وأن كذب الكذب عين اليقين، وأن قتل الميت عناية مركزة.

يظن الناس أن الأمر بدأ عندما عصى إبليس ربه، كان-فيما يُقال..وهو نفسه لا يؤكّد ذلك-جنًا مؤمنًا عبد الله لثمان آلاف عام، في رأيي لم يكن إبليس مؤمنًا لهذه الدرجة، بل هي مبالغة من مبالغات الذين رووا السير والأحاديث لتخويف السامع من فتنة سن اليأس والاغترار بالعبادة، وإبليس له تاريخ طويل عريض قبل خلق آدم لا يعرف منه البشر سوى النزر اليسير، أو لا شيء على الإطلاق، ولم يكن جنًا عابدًا بقدر ما كان جنًا مثقفًا، هو من أعرق عائلات الجن الذين سكنوا الأرض قبل الإنسان، وكان مؤرخًا وطبيبًا وله كتب شهيرة في فهارس تصانيف الجن حتى الآن، وكان ذا موهبة أدبية مبكرة، يقال أنه بدأ التأليف في سن الأربعمائة، وهي من المبالغات التي يصدقها الأغبياء، وهو صاحب أبحاث جيدة في منهج البحث التاريخي وفلسفة الحضارة، أشهرها بحثه الضخم عن أن أصل الإنسان سيكون القرد، وأن العوامل الاقتصادية والبيولوجية والجغرافية هي التي ستحكم مسار حياته ومجتمعه، لأنه كائن هشّ ونذل، وأن الإنسان نفسه سوف يقول عن نفسه ذلك كله يومًا.

نظرًا لهذه الآراء الثورية تعرّض إبليس لغضبة الأصوليين من بني جنسه الذين كانوا يحترمون الإنسان الذي سوف يأتي قبل أن يسكن الأرض، ولكنهم لم يكونوا يعلمون عنه شيئًا، ولا أنه من طين أو من نار، ولما كانت القداسة لها دائمًا على العقل كعب عالٍ وحذاء قديم يدوس الصراصير فقد اضطهدوا إبليس، والحقيقة أن إبليس لم يعبد الله لثمان آلاف سنة مما تعدون، بل ظل تحت الإقامة الجبرية طوال هذه الفترة، ولما كان له بعض الأتباع من الجن الاشتراكي، وعدد كبير من محبي شعره ونثره فقد خشيت سلطات الثورة الدينية المتمركزة في مجلس الحرس الثوري الجنّي غضبةَ العلمانيين وتثويرهم الناس، وفي نهاية الأمر سمحت السلطات لإبليس بالكتابة في الصحف، تحت رقابة مشددة.

2-محاولة اغتيال إبليس:

لم يكن إبليس يخشى في الحق لومة لائم، صحيح أنني لا أصدق قصة تدينه الشهيرة إلا أنني أعرف أنه كان أخلاقيًا كبيرًا، لا يقبل كتمان الشهادة أو الرأي، فلم يقبل بتحكم مجلس الحرس الثوري في شئون وعقائد الدين والفلسفة والعلم والسياسة معًا، فصارت قضيته طوال هذه الآلاف من الأعوام مقاومة السلطة وتنوير العقول وهذا الكلام، وهي المرحلة الأخطر في حياته التي تحول فيها إلى صوفي وفيلسوف وإرهابي وشاذّ جنسيًا، كل هذا كلام فارغ، كل ما هنالك أن قلمه اكتسب روحًا مجنونة غير مسبوقة وراح يهاجم هذا وذاك بلا رحمة على نفسه أو على الآخرين، وقد زاره(حسين شافع مشعل) وحذّره من مغبة فعله وسوء عاقبته، لكنه ردد عبارته الشهيرة(لا يأس مع الحياة ولا حياة مع اليأس)، أعرف أعرف، قالها مصطفى كامل في أوائل القرن العشرين الميلادي، وقالها عادل إمام في فيلم واحدة بواحدة المسروق عن فيلم أجنبي بنفس الحبكة والسيناريو، لكن أول من قالها كان إبليس الذي لا ييأس، والخلاصة أن إبليس جّنّ تمامًا في هذه الفترة لو جاز التعبير.

ومن ثم كان طبيعيًا أن تحاول السلطات اغتياله والخلاص منه للأبد، وكانت فضيحة، فالسلطات فشلت، وقبض إبليس بنفسه على جندي الكوماندوز الأحمق الذي حاول إطفاءه بالماء، وهو لا يعلم أن إبليس منذ ثمان آلاف سنة لا ينام إلا بووتر بروف ، وكانت هذه هي الحادثة التي أُطلق على إبليس بعدها اسمه، فإبليس لقب معناه المنتصِر، أما اسمه الأصلي فكان (محمد علي كاشف الصدر).

3-انتصار محمد علي:

استغلت الصحف ومنظمات حقوق الجن هذه الحادثة للتشهير بالحكومة، مما أدى إلى كثير من الاضطرابات والتفاصيل التي لن أرويها لضيق المقام، والتي انتهت بسقوط حزب(العلم والإيمان)الحاكم، وصعود حزب الشياطين، وهو حزب فوضوي اشتراكي ترأّسه محمد علي، ومعنى كلمة الشيطان في لغات الجن كمعناها في العربية: المحترِق أو الشائط، وقالت القرون التالية أنهم سُموا بذلك لأنهم أحرقوا معارضيهم بلهب يقضي على الجن، لكن هذا غير صحيح، إنها مجرد استعارة عبرت عن حرق الفكر القديم والخلاص منه نهائيًا، وهم رضوا بذلك الاسم ورضا عنهم، لكني متأكد من أن ممارسات الحزب خلت تمامًا برغم ثوريتها من أي عنف أو قمع، وصارت السلطة في أيديهم تدريجيًا، ولما اشتد عود الحركة استطاعوا الاتفاق على لائحة بأهم المبادئ:

4-مبادئ حزب الشياطين:

  1. الحرية أسمى من الخبز، والخبز ألذّ من الدين، والدين علاقة رأسية بين الجن والربّ، لا بين الجن والجن.
  2. العلم والفلسفة لا يتفقان منهجيًا مع الدين، وأي محاولة للتوفيق فاشلة، وفي حالة أي تعارض  يجب أن يؤوّل الدين لمناسبة الواقع التجريبي، والاتساق المنطقي.(وهو المبدأ الذي ظهر عند ابن رشد في فصل المقال)
  3. لا فضل لجني على جنيّة، والتعليم والتربية هي الفيصل لا الجنس.(وهو ما صرّحت به ماري وولستون كرافت في 1792م)
  4. كل ملكية سرقة.(وهو المبدأ الذي تكرر بعد ذلك عند جوزيف برودون)
  5. في الدولة الثيوقراطية الدكتاتورية يكون الجنون خيرًا من العقل، والكفر خيرًا من الإيمان، والجهل أفضل من العلم، والحرب أشرف من السلام.

-ونظرًا لأن هذه المبادئ والأهداف كانت موضعًا للتنفيذ الفعلي والعاجل وسط أغلبية ساحقة فقد بدأ عهد جديد لم يتكرر في تاريخ الجن من الحرية والعدالة، وعلى رأسه تُوّج-دون منصب تنفيذي حقيقي-محمد علي:إبليس، المنتصِر.

5-المنهج الجدليّ ونهاية التاريخ(تطوُّرُ البحث):

تحول محمد علي بعد ذلك إلى الرهبنة الفكرية بعد أن ضمن انتظام مسار الثورة، وأمن من نكوصها، وانكبّ على أبحاثه يطور فيها ويغير ويحذف ويزيد، ومن هنا بدأ يتشكّل على يديه خلق أخَر من عجائب الفكر الفلسفي ألا وهو الجدل(الدياليكتيك).

يعتمد الدياليكتيك ببساطة على فكرة أن البيضة تلزم عن الفرخة، والفرخة تلزم عن البيضة، وكلاهما يلعب دور(الأطروحة-نقيض الأطروحة)على الترتيب ومن غير ترتيب، وعلى أن كل شيء لكل شيء كذلك، فلا فنان مثلًا بلا فنّ، كما أنه لا فن بلا فنان، وهكذا..، وهي الفكرة التي أعلنها هايْدجر في أصل العمل الفني Der Ursprung Des Kunstwerkes هذا لكي نفهم تأثير إبليس الفادح على بني آدم وفضله عليهم، كما أنه -للمثقفين منكم- لا يخفى ظهور هذا المنهج(الدياليكتيك) عند هيراقليطس وسقراط وأفلاطون وكانط وهيجل وماركس وإنجلز، وإنْ اشتهر به هيجل أكثر.

وما دام كل طرف يلزم عن الآخر بالتبادل فإنه تنشأ لدينا فكرة عن (الكلّ) وهو ما يُعرف بمركّب الأطروحة، وهذا المركب(البيضة والفرخة، والفرخة والبيضة) تنشأ ضده نقيضة بدوره(لا  بيضة لا فرخة، لا فرخة لا بيضة)ثم مركب جديد(نعم لا، لا نعم) وهكذا يتطور الفكر فيتطور التاريخ صنيعة الفكر في معمل الدولة الاصطناعي، وهي بالضبط أفكار هيجل، غير أن إبليس كان أكثر بساطة ومباشرة، وكان بعيدًا عن التواءات وتعرجات ومطبات هيجل التي قال بسببها ألبير كامو أن هيجل هو أغمض ما في التاريخ الفلسفي، وأقول أنا عنه أنه هو وحده يفهم نفسه، ونحن نصدقه بلا(جدل)باعتباره فيلسوفًا كبيرًا، أعتقد أن ملك بروسيا كان الوحيد الذي يفهمه بين معاصريه.

ووصل إبليس عن طريق هذا إلى توقع لنهاية التاريخ، سيكون(الإنسان)هو النهاية، والدمار النهائي للعالم، وعلينا نحن أن نمنع هذه النهاية، أو على الأقل أن نرفض السجود لها، وهذا أضعف الإيمان.

لا أذكر كثيرًا من الأحداث في هذه الفترة، لقد تحرك التاريخ بسرعة، أسرع من عقل إبليس نفسه، واشتعلت حرب جنية عالمية، فنزل الملائكة وأنهوا المعركة، وقبضوا على الفريقين، وجرجروهم بالسلاسل إلى أعلى، فانتهى تاريخ الجن الأول، وبدأ عهد جديد مع جار جديد: الإنسان.

6-القصة كما تعرفونها:

خلق الله الإنسان من صلصال كالفخار، وهي معجزة عجيبة وغير مفهومة حتى الآن، الخلق من النار أسهل وأقرب إلى طبيعة الروح اللطيفة الأثيرية، تخيل طينًا يُنبت أعضاء حية لزجة نابضة تسعى للغذاء والتكاثر، سأظل مفتونًا بهذه الفكرة ما حييت، كالحبيبة التي لا أستطيع التخلص من وجهها وعطرها وإيقاع حركة نهديها حين تضحك، برغم أنها تركتني من زمن وأحبت في زمن آخَر، إن المسيخ الدجال أيضًا يحبّ لكنه لا يستطيع إبدال محبوباته، المحبوبة لا تُرد ولا تستبدَل، وهذا ليس موضوعنا على أية حال.

أذكر عينيّ إبليس في تلك اللحظة وهو يشاهد(الخروج)كما تتحدث عنه سورة(ق~)، لقد انبهر، واهتز ركن فمه بإعجاب، ثم ضحك، ثم بكى كطفل في الحضانة، إنها لحظة الاستماع إلى مطلع سيمفونية بيتهوفن التاسعة التي طالما أحبها إبليس، أقسم أنني رأيت في عينيه الحسد، لا يحسد الإنسان بل الخالق، لا يحسد الخالق سوى الفنان، إن حاسدي الإنسان منحطّون ناضبو الخيال فقراء القريحة، كان إبليس يقول في قصيدة له أنه يخلق بشِعره كل ما يزحف ويمشي ويطير وينبض، فإذا به يرى انشقاق الأرض وانبلاج الأعضاء، أعرف أن إبليس ذهب بعد ذلك إلى مكتبه ومزق قصيدته التي لم تُطبع أبدًا.

ثم استوى الإنسان فرأى فيه إبليس الشر، هذا خلق رجيم، صحيح أن الله فضل الإنسان على كثير مما خلق، لكن هذا كان رأي إبليس على أية حال، الإنسان في الإنسان منحلّ متعفّن، وكتبَ على حافة كتاب كان معه في تلك اللحظة: ” هذا الإنسان رجيمْ، من يحيي الإنسانْ، في الإنسانْ، وهْو رميم؟ “، وهذا كان آخر ما كتبه من شِعر.

ثم أمر الله الملائكة وإبليس أن يسجدوا لآدم، فاحتار إبليس، يريد أن يسجد لمعجزة الخلق، لكنه يرفض السجود للمخلوق الذي تكدّست في أحشائه ذرات البلايين من الأحفاد المتفرعنين المتألهين وأخسّ منهم أولئك الكهنة المنافقين والأنبياء الكذبة، واحتدم الصراع في نفسه، تخيلوا معي هذا المشهد، ما يزال صدى الأمر يجلجل في أذنيه، عيناه تدوران، قلبه يتّقد كجمرة في مهب الريح لأنه لا ينبِض، أنفاسه تفرّ من بين ضلوعه فلا يتنفس، آااه، ياللهول، الثورة هذه المرة ليست على ملك فرنسا أو قيصر روسيا، إنها ثورة على الخالق والمخلوق، لقد سقط الذي يعتبره المسلمون جنًا والمسيحيون ملاكًا، وغادر الفردوس إلى الأبد.

7-القصة كما ستعرفونها:

ملتون أحمق، هذه معلومة يعرفها الجميع لكنهم يحترمون أدبه على كل حال، لم يحاول الشيطان أبدًا الرجوع إلى الفردوس المفقود لأنه لم يعتبره مفقودًا، ولأنه لم يكن له، كان إبليس على العكس يحن إلى الجدران المشققة والأطلال المائلة على الأرض، إنه أول بكّاء على الأطلال، وهو من علم البشر الجاهليين البكاء على أطلال القبيلة أو أطلال الاشتراكية والقومية العربية وغير العربية، إن حياته هنا على الأرض، والسماء أرض منعكسة في المرآة، كتبَ هذا مرارًا في شعره لكنْ لم يفهمه أحد، هذه ذكريات قديمة الآن.

لقد دعا الشيطان آدم، نعم، هكذا، لم يسع إليه ولم يطارده، لقد انتظره في طريق طويل مليء بظلال أشجار الجنة، في ليل بلا شمس آفلة أو قمر ماحق، فتوجس آدم منه خيفة، لكنه اقترب في افتتان، خطوة خطوة، حتى وقف أمام ذلك الطويل المعتدّ بالذات الذي التمعت إحدى عينيه بضوء بعيد وغامت الأخرى في ظلامٍ قريب، كان الشيطان قد تشوّه، هذه هي المعلومة التي أصاب فيها ملتون، كان هذا أول عقاب له، ففزع منه آدم، وانطلق يجري بعيدًا، لكن الشيطان كان قد نظر له فتجعّد فيه القلب، لقد دس الشيطان فيه جزءًا من ذاته، سيغريه بالخروج والتبرّج بالخطيئة المبرقشة الملونة كالأشجار التي تتبرج بالتفاح والكمثرى، وبالخلد والألوهية وهو الهش العاجز، فسقط الإنسان كذلك، عندئذٍ استدار الشيطان وهو يعلم أن الإنسان سيكمل الطريق إلى النار وحده، وأنه سيصل.

8-ظهور المسيخ الدجال:

أعرف أن هناك أنبياء صادقين، ولكنْ لما كانت النبوة فتنة من الفتن، والدين شهوة من الشهوات، صار كل من هبّ ودبّ يدعي نبوته الخاصة، فإذا لم يجرؤ تذرع بنبيّ سابق وادعى شرحه والدعوة إليه وهو منافق مخادع، أجهل من الثيران في  البرسيم، بل هو البرسيم نفسه، بل قل: أنه أجهل من الإنسان الذي يأكل مع الثيران البرسيم، إنه نوع جديد من الدعارة الفكرية، واحتكار المشيخة، وادعاء الإلهام وتفسير الأحلام، هذا هو المسيخ الدجال الحقيقي، يأمر بالصلاة وهو يعلم أن الحاكم رب لا تأخذه سنة ولا نوم، يأمر بالزكاة وهو يعلم أن السرقة هي هدف العملية الاقتصادية للدولة، يأمر بالحجاب وغض البصر وهو يعلم أن الفقر هو سبب الإباحية في بلده، يأمر بالطهارة والسرطان في بلده يسجل أرقامًا قياسية، يروّج منتجات الطب النبوي وكتب تفسير الأحلام وهو يعلم أن الشعب لا يقرأ ولا يكتب ولا يتعلم، يكفر المفكر وأستاذ الجامعة وهو أحط البشر خلقة وأكثرهم كذبًا وغرورًا وجهلًا.

ثم غرّت الناسَ لحى التيوس(كما قال محمد بن زكريا الرازي)وهم دائمًا أغبياء غوغاء ما اجتمعوا على شيء إلا وهو باطل، فساروا خلف الشيوخ والأولياء، وتحطمت كل مثل حزب إبليس العليا في حياته الأولى وعهده الأقدم، واختلط الزيف بالحقيقة، والشر بالخير، والقبح بالجمال، وهي نهاية التاريخ بالضبط كما توقعها إبليس، لا بقاء للعالم مع اختلاط القيم، لقد أصدر الشيطان حكم الإعدام على العالم وبعثني أنا لأخنق الإنسان وأصفّي دمه بأهدأ الطرق وأكثرها تعقيمًا.

ألا فاعلموا من هو المسيخ الدجال الحقيقي، والحرب بينه وبيني لن تُبقي إلا على أحدنا، أنا أو هو، وفي الحالين سيفنى الإنسان بيننا.

ألا أن الساعة اقتربت، والأقمار انشقت، وما من شيء ببعيد إلا الرحمة، فاخلعوا الأردية والأعضاء البشرية السخيفة، وموتوا بصدق، موتوا بشرف، ثوروا على هؤلاء المخادعين وكونوا شياطين حقيقيين، ارفعوا رءوسكم يا إخواني، فقد انتهى عهد الإنسان، لا تسجدوا له أيها الناس، لا تسجدوا له.

إني قد بلّغتُ، إني قد أخفيتُ، إني بصّرتُ، إني عمّيتُ وغمّيتُ، وما هم عني بغافلين، وما الشرير إلا أخرس، وما الأصم إلا لعين.

إني لعين.

آميـــن.

كريم الصياد- في 29-مايو2008

ماذا يريد العم سام؟ لتشومسكي


“أعتقد-من وجه النظر القانونية-أن هناك ما يكفي من الأدلة لاتهام كل الرؤساء الأمريكيين منذ نهاية الحرب العالمية بأنهم مجرمو حرب أو على الأقل متورطون بدرجة خطيرة في جرائم الحرب” ص29

ما لم تفهم صراعاتنا مع منافسينا الصناعيين والعالم الثالث ستبدو لك السياسة الخارجية للولايات المتحدة كسلسلة من الأخطاء العشوائية والتناقضات ، ولكن في واقع الحال نجح قادتنا في إنجاز مهامهم في حدود إمكان ذلك.”ص26

لا توجد درجة من القسوة يتوقف عندها ساديّو واشنطن ، أما الطبقات المتعلمة فقد تعلمت ما يكفي لأن تدير أبصارها في اتجاهٍ آخَر.”ص46

تشومسكي العظيم:

في رأيي يلعب تشومسكي لعبة مضمونة لا يمكن وأن تفشل ، فهو أمريكي الجنسية يهودي الديانة وهو في الوقت نفسه أعنف ناقد للسياسة الأمريكية والإسرائيلية ، ومن أشهر نقاد حرب فييتنام ، ومن أهم أعمدة اليسار الأمريكي منذ الستينات إلى اليوم(اليسار الفوضوي تحديدًا) ، ومن أهم علماء اللسانيات وفلسفة اللغة ، حصل بين عامي 1980-1992 على المركز الأول في كم الاستشهادات به كمصدر بين الأكاديميين الأحياء ، وعلى المركز الثامن على مستوى العالم في كم الاستشهادات المصدرية عمومًا ، يؤرّق بنظرياته عن الاتجاه العقلاني في تفسير تعلم اللغات كل طالب فلسفة ، وكانت نظرياته المسئولة عن خسارتي لدرجتين في مادة فلسفة اللغة !

وُلد إبرام نعوم تشومسكي אברם נועם חומסקי ,Avram Noam Chomsky في السابع من ديسمبر 1928 ، وهو عام ميلاد جيفارا وحسني مبارك وآريل شارون وجماعة الإخوان المسلمين وماركيز بالمناسبة ، (وبرج القوس مثل محمد قرنه وإبراهيم عادل وأنا وبيتهوفن وتشرشل ووالت ديزني!) ، وذلك في East Oak Lane ، وينحدر من أصول شرق أوروبية ، فأبوه من أوكرانيا وأمه من بيلاروسيا ، تزوج عام 1949 من كارول شاتس وأنجب إيفيفا ودَيان وهاري ، كتب أول مقال في حياته عن مخاطر انتشار الفاشية عام 1938 في ذروة صعودها ، بدأ دراسة الفلسفة عام 1945 في جامعة بنسلفانيا ، وتأثر خاصةً بأستاذه تسيليش هاريس Zellig Harris علميًا وأيديولوجيًا ، فقد استوحى منه بعضًا من نظريته عن النحو خارج السياقcontext-free grammar ، ونال درجة الدكتوراه في اللسانيات عام 1955 عن بحثه الذي طوره فيما بعد ليصير أهم كتبه في هذا المجال: البِني التركيبية Syntactic Structures عام 1957 ، ثم ترقى في الدرجات الأكاديمية ليتم تعيينه في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا أستاذًا .

في عام 1967 أصدر كتابه الذي دخل به المعركة ضد الحكومة الأمريكية بسبب مأساة فييتنام: “مسئولية المثقفين” ، ثم جاء كتابه American Power and the New Mandarins عام1969 ليتربع به على قمة قوى المعارضة الأمريكية ، وكان اهتمامه الأساسي بمدى شرعية السياسة الأمريكية الخارجية ، وكيفية استغلالها للجهاز الإعلامي في دولة ديمقراطية ، ودور المثقف الأمريكي إزاء ذلك ، ونتيجة لعنفه النقدي تعرض لبعض التهديدات بالقتل وواجه كثيرًا من الصعوبات ، لكنه سباح يفهم طبيعة الموجة جيدًا ، وهو لا يتكلم في مصر على أية حال !

وتشومسكي أحد وجهين بارزين للنقد (الغربي- ضد- الغرب) مع رجاء جارودي ، وبرغم الاختلافات العميقة بين النموذجين فكلاهما مثال الشجاعة النقدية والنزاهة الفكرية التي يجب أن يتحلى بها المفكر أينما فَكَّر ، وتأتي أهمية جارودي أنه كان أحد الأعضاء المهمين في الحزب الشيوعي الفرنسي أحد أهم الأحزاب الشيوعية في أوربا ، ومع ذلك لم يتورع عن نقد السياسة السوفييتية أشد النقد ، وفُصل من الحزب بسبب ذلك ، ثم تحول إلى الإسلام عام 1982 متحديًا العالم والوسط الثقافي المحيط ، لكن شهرته نمت إثر كتاباته ضد زعائم الصهيونية في”الأساطير” و”البروتوكولات” وغيرهما ، واتهامه بمعاداة السامية واضطراره إلى النشر على حسابه الخاص ، ونقده لقانون جايسو-فابيو الذي يحرم نقد المحرقة ، برغم أن نقده للصهيونية جاء في خاتمة ثلاثية نقد الديانات الإبراهيمية الثلاث ، المرحلة الأولى:”عظمة الإسلام وانحطاطه” ، التي نقد فيها التأسلم ، والمرحلة الثانية:”هل نحن بحاجة إلى الله ؟” ، و”نحو حرب دينية” ، والتي انتقد فيها التزمت الكاثوليكي وتحالف الكاثوليك السلبي(الصامت)مع السلطة السياسية ورأس المال ، والمرحلة الثالثة هي التي نقد فيها تحريف اليهود المعنوي للاصطفاء الإلهي وإحلال دولة إسرائيل محل الله ، تلك الدولة التي يصفها جارودي بأنها ليست سوى”حاملة طائرات نووية تابعة للولايات المتحدة” .

لكن تشومسكي قد يفوق جارودي في فاعليته النقدية لأنه كما أسلفنا واحد من المعدودين في مجاله العلمي ، مما يعطي له ثقلًا وبريقًا لا ينكرهما الغربيون ، وانتشار نظرياته اللغوية مثل النحو التوليدي والقواعد التحويلية وتدرُّج تشومسكي وثنائية المبادئ والبارامترات والنحو خارج السياق والنحو العالمي وغيرها ، وتأثيرها على علوم اللغة والحاسب الآلي وعلم النفس والفلسفة اللغوية والطب البشري والاقتصاد السياسي مذهل مذهل مذهل ! بالإضافة إلى نقطة هامة: إنه يهودي ، لا أحد يستطيع أن يكذّب يهوديًا اليوم ، برغم ذلك ثمة فارق بين الاثنين في الكتابات النقدية السياسية ، فجارودي أعمق وأكثر ميلًا للتفريع والاستقصاء والشمول .

و”ماذا يريد العم سام؟”( :ترجمة عادل المعلم ، دار الشروق ، القاهرة ، ط1 ، 1998م) كتاب من أشهر كتب تشومسكي الناقدة للسياسة الخارجية الأمريكية ، ويربط هذا النقدَ بالأوضاع الداخلية الثقافية والاجتماعية لعامة الشعب الأمريكي من جهة ، وللإنتلجنسيا الأمريكية من جهة أخرى ليستخرج آليات مقترحة في النهاية لعمل المثقف الأمريكي الأمين مع النفس الساعي إلى التغيير الحقيقي .

وهذه الترجمة الصادرة عن دار الشروق للأسف ليست كاملة ، فبعض الفقرات تنقصها مثل The Iran/contra cover up ,The prospects of eastern Europe, How the cold war worked?, The war on (certain) drugs, socialism real and fake

وفي العرض التالي لن نعتمد طريقة العرض الأفقي من الباب الأول حتى الأخير ، بل يتم تقسيم الكتاب تبعًا لأفكاره وموضوعه ومنطقه ، في شكل العرض النسقي الرأسي ، فالكتاب يتحدث عن رؤية السياسة الأمريكية للعالم وموقعها فيه ، ثم خطواتها للهيمنة على العالم ، وهو ما يمكن نظمه كما يلي :

أ-رؤية العالم:

إن المرحلة الراهنة من تاريخ الولايات المتحدة ، وتاريخ علاقتها بالدول المحيطة تبدأ من نقطة فارقة هي الحرب العالمية الثانية التي خرجت الولايات منها قوة عظمى لم تخسر فيها سوى أسطول ، في مقابل دمار منافسيها الصناعيين ، وتفكك المستعمرات ، وتضاعف إنتاجها هي ، وبالتالي فإن مسلك السياسة الخارجية الأمريكية يكتسب معناه من رؤية ساستها لعالم ما بعد الحرب ، كيف هو وكيف يجب أن يكون .

ويتلخّص العالم في نظر السياسة الأمريكية بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية في خمسة نطاقات متحدة في المركز تشمل جميعها كوكب الأرض:

1-   المستثمر الأمريكي:هو النطاق الأصغر ، مركز الكون ، والموجّه لسياسة البيت الأبيض ، والمتحكّم في سياسة الإعلام والنشر والصحافة والدعاية ونفقات الإنتاج الحربي ، والمؤثّر القوي على لجنة العلاقات الخارجية(ص11) ، وسنلاحظ فيما يلي أن تقسيم البشر التراتبي يخضع من الأعلى إلى الأدنى للمنطق نفسه ، مما يعني أن المستثمر الأمريكي هو أفضل البشر ، أو الإله الجديد ، ليس مِن باب المبالغة ، فالسياسة الأمريكية تتعامل معه بهذه الطريقة فعلًا .

2-   المجال العظيم:هو نظير المجال الحيوي الهتلري القديم-وسنرى أن سياسة الولايات مستفيدة كالطالب المجتهد من سياسة هتلر-هو المجال الدفاعي الجيوبولوتيكي للولايات المحيط بها من الجهات الأربع ، لا يجب أن تحدث فيه أية مشاكل ، ويشمل غرب أوروبا وكندا وأمريكا اللاتينية وشرق آسيا على الأقل ، ونحن نعلم أن أزمة أمريكا كانت وما تزال في الجهتين الجنوبية والغربية ، ومن هنا نستطيع فهم خطورة دور جيفارا حيث كان يعبث في منطقة شديدة الحساسية بالنسبة للأمريكان ، وكذلك كاسترو ، وكوريا الشمالية التي تقع في هذا المجال بوضوح ، كما يمكننا على الصعيد المقابل فهم أهمية مشروع مارشال الذي دعم الجناح الأوروبي من المجال(إقراض ومنح أوروبا أكثر من 12 بليون دولار بين عامي1948-1951) ، والسماح لليابان بالانطلاق الصناعي لأنها تضمن قوة النطاق ، وسيرد تخصيص لمسألة اليابان فيما يلي.

3-   أوروبا:تلعب أوروبا دور الوسادة الحضارية التي تقي الولايات من الصدمات الثقافية ، فالحضارة الغربية تعني حضارة أوروبا بالأساس ، وسكان أوربا أفضل تعليمًا وأرفع ثقافة ، كما أنها الموطن الأصلي للغطاء النظري الليبرالي-البروتستانتي-العنصري ، بالتالي تستطيع الولايات الاختباء في جرابها تحت أي خطر ، وأن تتدرّع ببيتهوفن وموتسارت ومونيه وفان جوخ وليوناردو دا فنشي وأفلاطون وأرسطو وكانط وهيجل وكونت وهوسرل وهيدجر وماكس فيبر وحتى كارل ماركس لو لزم الأمر ، في سبيل تأسيس التعالي الغربي الشهير ، أنتم تأكلون على مائدتنا ! نحن أصحاب البيت ! ولغرض مهم آخر هو الوقاية من الهجمات الفكرية المرتدّة خاصّةً الإسلامية التي تشكّل ما يشبه القنبلة الديموجرافية بالنسبة للدول الديمقراطية مع تزايد عدد المسلمين وتأثير الصمام(الدخول في الإسلام أيسر من الخروج منه) .

4-   اليابان وألمانيا:بعد أن تضمن أمريكا استقرار مجالها الدفاعي الجغرافي والحضاري تلزمها(ورش) لتصنيع ما لا تقدر على تصنيعه ، وتقوم اليابان بهذا الدور في شرق آسيا ، وتقوم ألمانيا به في أوروبا ، شريطة أن تتسيد كل منهما منطقتها في المجال العظيم صناعيًا وحضاريًا ، بحيث يتم تحضير الحضارة تحت الإشراف الأمريكي فيهما ، وهذا هو الحال فاليابان سيدة الشرق الآسيوي بلا منازع-وهو مشروع ياباني قديم على أية حال-وألمانيا أهم دولة صناعية في أوروبا-وهو بدوره مشروع ألماني قديم- .

5-   العالم الثالث:وهو المادة الخام-الأيدي العاملة الرخيصة-السوق الكبير، وهم عبيد الأرض ، نحن حررناهم من العبودية وإليها نعيدهم ، هؤلاء يجب ضمان تخلفهم وتأخرهم وانحلالهم وتمزقهم السياسي والاجتماعي ، لأنهم لا يجب أن يستأثروا بالمادة الخام أو يستهلكوها لصالحهم وحدهم ، وعليهم أن يعيدوا من موادّهم الخام بناء أوروبا واليابان(ص15) ، وهم موطن أكبر الأخطار على أمريكا أيضًا كما سيلي.

ب-خطوات الهيمنة:

وتشمل خمس خطوات هامة هي:استعادة النظام الفاشي اليميني التقليدي ، واستبعاد الوطنيين الاشتراكيين ، والتعاون مع العسكريين ، واختراق الاقتصاد الوطني ، والتطعيم الخارجي والداخلي ، وذلك كالآتي:

1-استعادة النظام الفاشي اليميني التقليدي:

حتى قبل انتهاء الحرب العالمية الثانية وفي ذروة مقاومة الفاشية بدأت أمريكا تحركاتها لمساندة القوى الفاشية اليمينية في إيطاليا 1948، أول بلد تحرر في أوروبا ، فبعد سقوط النظام الديكتاتوري قررت أمريكا التدخّل لمنع وصول الشيوعيين إلى السلطة ، وذلك بعد أن انتصرت حركات العمال والفلاحين على ست فرق ألمانية وحررتْ شمال إيطاليا ، وتضمنت مذكرة الأمن القومي الأولى(NSC 1-1948) عدة إجراءات من أجل هذا ، تصل إلى التدخل العسكري في إيطاليا لو لزم الأمر، وفكّر جورج كينان(رئيس مخططي وزارة الخارجية الأمريكية حتى عام 1950)في استخدام التدخل العسكري قبل الانتخابات من أجل تعقيم الوضع ، غير أن معاونيه نصحوه بالتريث واختبار طرق تزوير الانتخابات أولًا ، وهو الحل الذي أثبت فاعليته .

وفي اليونان تدخلت القوات البريطانية بعد خروج النازي لفرض نظام حكم فاسد يمهّد الوضع لسيطرة المستثمرين الأجانب ، ولما لم تستطع بريطانيا الجريحة التصرف بمفردها دعمتها الولايات عام 1947 وتسببت في حرب وحشية راح ضحيتها 160 ألف قتيل ، بالإضافة على الجرحى والمعذبين والمنفيين والمودعين في معسكرات إعادة التعليم ، وتدمير النقابات وأي أهلية للاستقلال السياسي والاقتصادي ، ووقعت اليونان في قبضة رجال الأعمال الأمريكيين والمحليين ، وكان أول المستفيدين من الوضع الجديد أولئك الذين ثبت تعاملهم مع النازيين ، في حين طُرد من الجنة العمال والفلاحون الذين قاوموا الاحتلال .

وفي فرنسا والعراق وكوريا والدومينيكان وبنما والبرازيل وكولومبيا ونيكاراجوا والسلفادور وجواتيمالا وغيرها في عالم ما بعد الحرب دعمت الولايات جميع الحكومات الفاشية ، واستبعدت الحكومات التي قاومت الاحتلال الفاشي .

تعتمد السياسة الأمريكية على النظم اليمينية الفاشية أساسًا في توطيد أركان نظام يسمح بسيادة رجل الأعمال الأمريكي والأجنبي عمومًا ، ولهذه النظم عدة خواصّ:

1-  أن تكون رأسمالية على أقصى أطراف التناقض مع القوى اليسارية.

2-  أن تكون قومية أو فاشستية ليضمن المستفيدون منها عداءها مع الشيوعية اللاقومية.

3- أن تكون محافظة دينيًا لتضمن ولاء شعوبها من جهة دون إثارة تساؤلات عن هويتها واتجاهاتها ، وعداءها للعدو الشيوعي التقليدي من جهة أخرى ، واستقرارها الاجتماعي حسب النظريات الاجتماعية الرومانسية (كونت-دوركايم-فيبر).

4- أن تكون ديكتاتورية لو لزم الأمر ، ويفضّل أن تكون عسكرية ، حتى تستطيع قمع شعوبها في حالة الخطر على المصالح الأمريكية.

5- أن يكون ولاؤها للقلة الغنية لا للكثرة الفقيرة(وهذا يفترض أن تكون متورّطة في مشاريع كبرى داخليًا وعلى علاقة وثيقة بالصفوة من رجال الأعمال).

6-  ألا تعترف بدور الحكومات ومسئوليتها تجاه الشعوب اقتصاديًا وتعليميًا حتى لا تستهلك ثرواتها في الداخل.

والواضح طبعًا أن أمريكا قد دعمت هذه السياسة سواءً في المناطق داخل المجال العظيم ، كإيطاليا ودول أمريكا اللاتينية ، أو خارجه ، كما سنرى.

2-استبعاد الوطنيين الاشتراكيين:

أدركت الولايات أن أكبر خطر يتهددها ليس الاتحاد السوفييتي بل الجماعات والأحزاب والأفكار الاشتراكية والشيوعية التي تجد جاذبيتها وجمهورها بسهولة في العالم الثالث ، فهي تؤسس حال نجاحها نظامًا اقتصاديًا مغلقًا لا يسمح بتدخل المستثمر الأجنبي أو يزيد الرقابة عليه ، وهي لو ترسّختْ كنظم وطنية يصير من الصعب الاستفادة من ثروات بلادها ، وقد تضرب مثالًا جيدًا لغيرها من الأمم ، كما أن نجاح نظام اشتراكي ما في بلد مهما كان تافهًا أو صغيرًا يؤدي بالتأكيد إلى انفساح التأييد الشعبي للأيديولوجيا نفسها في عشرين أو ثلاثين بلد فقير مهمَّش أخَر ، مما يشكل معاوقة اقتصادية وسياسية مخيفة للأمريكان ، يمكن التحقق مما سبق عن طريق الاستدلال غير المباشر من النقيض ، فالشيوعية كأيديولوجيا شمولية فقدت ملايين من مؤيديها بعد انهيار الاتحاد السوفييتي مثلًا .

فبعد أربعين عامًا من التدخل في إيطاليا لصالح اليمين تظهر خطورة التنمية الاقتصادية المستقلة في شيلي مثلًا وتهديدها لمصالح الولايات في إيطاليا ، فالسياسيون في أمريكا يعرفون أن تفاحة فاسدة واحدة تُعدي الصندوق بأكمله ، ولو نجح نظام اشتراكي وطني في شيلي فسوف تصل الرسالة إلى الناخبين في إيطاليا ، لهذا وقفت أمريكا في طريق الإصلاح الاقتصادي والسياسي في شيلي ، ولإقناع العوامّ في أمريكا بهذه القضية-على حد قول المؤلف-تحولت لغة الفاكهيين إلى لغة المقاهي ، وتحولت نظرية صندوق التفاح إلى تأثير الدومينو ، ورُوّج لكثير من الخزعبلات مثل الخوف من إبحار هوشي من فييتنام إلى سواحل الولايات المتحدة !

فييتنام نفسها كانت مثالًا فاقع لونه يُفجع الناظرين على سياسة الولايات في الحد من تسوية النزاعات الإقليمية داخل حدود القطر الواحد ، لأن هذا معناه الفرار التنموي من قبضة الولايات ،  وضرب مَثَل طيب للغير ، وهذا ما لا يجوز.

إن الرعب الذي يحدثه الاشتراكيون الوطنيون في نفوس مخططي العلاقات الخارجية أينما ظهروا لا يرتبط بميلهم للجانب السوفييتي كمتغير مستقل ، بل إن كثيرًا منهم ليعرفون الاتحاد السوفييتي كقوة استعمارية جديدة ، ويؤمنون بضرورة اتباع سياسة عدم انحياز حقيقية-بقطع النظر عمّا حدث في مؤتمر باندونج-وخلافات الصين والاتحاد السوفييتي حول مناطق مضيق فرموزا ونهر أمور والحدود الصينية الهندية وبين كازاخستان وسينيكانج ومنغوليا والتبت ولهاسا منذ 1959 وغيرها معروفة ومعيشة ، لكن مشكلة الاشتراكيين أنهم يؤسسون لنظام اقتصادي مغلق حتى لو كان فاشلًا ، ولو كانوا وطنيين حقًا فهي كارثة لأنها تعني كما أسلفنا استهلاك المادة الخام ، ولو نجحت التجربة فإنها كارثة مضاعفة.

وتتحدد مخاطر الاشتراكي الوطني من باب أنه:

1-   مثالي النزعة ، فالرأسمالي متعايش مع فلسفة الأمر الواقع ، الرأسمالية كسياسة اقتصادية ليست وضعًا مُنَظّرًا من قَبْل ، وليست تحقيقًا لحلم ، أما الاشتراكي فيمكنه بكل سهولة لعب الدور البطولي الذي يتغنّى بـ ويتعايش مع حالة الحلم بتغيير العالم الرومانسية والتي تلتحم بحاجات الجماهير العملية ، وهذا أهم مصادر شعبية النموذج.

2-   يقرّ بدءًا بمسئولية الحكومات تجاه شعوبها خاصّة في الغذاء والتعليم والصحة ، ولن تلبث الشعوب التي تعيش في النظام الرأسمالي أن تطالب بالحقوق نفسها ، هذا الذي وصفه مخططو لجنة العلاقات الخارجية بالهرطقة!

3-       يقوم على تأسيس نظام صعب الاختراق اقتصاديًا.

4-       يقوم نظامه على الاستقلال عن السوق الغربية ، ورفض الاندماج الاقتصادي.

5-       يستهلك المادة الخام كما قلنا داخليًا.

6-   يتوافق مع قضية حقوق الإنسان العالمية ، فميثاق حقوق الإنسان العالمي يقر بقاعدة اشتراكية هامة هي ضمان حد معين من الدخل أو المستوى المعيشي للفرد لا ينزل عنه ، والاشتراكي لا يتبنى هذا المبدأ كحق فقط ، بل كواجب باعتباره قاعدة من القواعد التنموية الأساسية ، انظر البند الأول من المادة 25 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان:

“(1) Everyone has the right to a standard of living adequate for the health and well-being of himself and of his family, including food, clothing, housing and medical care and necessary social services, and the right to security in the event of unemployment, sickness, disability, widowhood, old age or other lack of livelihood in circumstances beyond his control.”

ولكن السياسة الأمريكية وقفت عائقًا في مجال حقوق الإنسان العالمية ، هي من أهم العوائق في هذا المجال إلى اليوم على أية حال ، ومن المعلوم أن الولايات المتحدة وقّعت على العهود الدولية لحقوق الإنسان فعلًا لكنها لم تصادق عليها بعد(انظر جاك دونلي:حقوق الإنسان العالمية بين النظرية والتطبيق ، ت:مبارك علي عثمان ، الهيئة العامة المصرية للكتاب ، القاهرة ، 2006 ، ط1 ، ص12)

ويقتطع تشومسكي فقرة من إحدى الوثائق الهامة لجورج كينان(المذكّرة 23 لتخطيط السياسةpps23 لعام 1948) يقول فيها”عندنا حوالي 50%من ثروات العالم وفقط6.3%من سكانه…وبمثل هذا الوضع لا يمكننا تجنب حسد واستياء الآخرين.مهمتنا الحقيقية في الفترة القادمة هي ترتيب نموذج للعلاقات يحافظ على استمرار ذلك التفاوت…ولتحقيق ذلك سيكون علينا التخلّي عن الأحلام والعواطف ، وتركيز اهتمامنا على أهدافنا القومية المباشرة…يجب أن نمسك عن كلامنا المبهم للآخرين…والأهداف غير الحقيقية مثل حقوق الإنسان ، ورفع مستوى المعيشة ، والتحول إلى الديمقراطية ، ولن يكون اليوم الذي نضطر فيه للتعامل بمنطق القوة بعيدًا ، وكلما قلّت عوائقنا من جراء رفع تلك الشعارات كان ذلك أفضل”(ص13)

وحتى الحرية السياسية التي يتغنى بها الغرب الليبرالي لا يمكن عولمة مبادئها في كل الأحوال ، وهو سبب ازدواجية المعايير ، يقول المؤلف:”نحن(أي الأمريكان)نعارض بمثابرة وإصرار الديمقراطية إذا كانت نتائجها خارج نطاق سيطرتنا ، والمشكلة مع الديمقراطيات الحقيقية أنها عرضة للوقوع فريسة للهرطقة التي تزعم أن على الحكومات الاستجابة لمصالح شعوبها بدلًا من مصالح المستثمرين الأمريكيين!”(ص20)

إن المساعدات المادية الأمريكية تتناسب طرديًا مع ميل الحكومات لتعذيب مواطنيها ، هذا ليس إنشاء كلام ، بل نتيجة دراسة للأكاديمي البارز والمتخصص في مجال حقوق الإنسان لارس شولتس(ص27) ، وهي النتيجة التي يؤكدها عالم الاقتصاد إدوارد هرمان في ملاحظته للارتباط بين المعونة الاقتصادية الأمريكية والتعذيب ، ويفسر ذلك اقتصاديًا بأنه(يحسن المناخ للأعمال الخاصّة)(ص27).

كما قلنا فالمستثمر الأمريكي هو الإله الجديد ، ” ما يهم الولايات المتحدة هو استقرار وتأمين الطبقات العليا والمستثمرين الأجانب ، وأي نجاح اجتماعي واقتصادي خارج ذلك يمثل نموذجًا خطرًا”(ص24)

ويتحدث تشومسكي عن التهديد الحقيقي لأمريكا فيقول:”أدرك مخططو السياسة الأمريكية أن ما يهدد أوروبا ليس عدوانًا من الاتحاد السوفييتي ، ولكن الحركات والأفكار الديمقراطية المعادية للفاشية عند العمال والفلاحين ، والقوة والجاذبية السياسية للأحزاب الشيوعية والاشتراكية”(ص16) ، “وعلى المنوال نفسه نبّه كينان سفراء الولايات المتحدة في أمريكا اللاتينية عام 1950 على أهمية حماية خاماتنا الأولية في(أمريكتنا)اللاتينية ، وضرورة أن نحارب الهرطقة التي تنتشر في تلك البلاد-كما وافانا تقرير المخابرات الأمريكية-والتي مفادها أن على الحكومة مسئولية مباشرة فيما يخصّ رفاهية الشعب”(ص13) ،”يؤكّد مخططو السياسة الأمريكية لما بعد الحرب العالمية الثانية في دراساتهم عالية المستوى ، الواحدة تلو الأخرى ، أن التهديد الرئيسي لنظام العالم الجديد-تحت قيادة الولايات المتحدة-يأتي من الوطنيين في العالم الثالث ، ومن الأنظمة الوطنية…والتي تستجيب للطلبات الشعبية بخصوص تحسين مستويات المعيشة وتلبية الحاجات المحلية الضرورية”(ص20)

3-التعاون مع العسكريين:

العسكريون هم أصدقاء أمريكا في العالم الثالث ، فهم الأقدر على قمع الحركات الوطنية الديمقراطية الحقيقية ، وبالتالي التحجيم من أي تنمية عميقة مستدامة ، وذلك لما يلي:

1-العسكري رجل يؤمن بالقوة ، غير مثقف في الأعم الأغلب ، يحترم القوة ولا يقبل الاقتناع القائم على شرط توافر الإرادة الحرة ، وبالتالي هو لا يفهم طبيعة النظام الديمقراطي.

2-العسكري لا ينتمي في الأصل للطبقات البروليتارية ، وهو بمعزل عنها ثقافيًا واقتصاديًا في عزلته المهنية بين أقرانه ، وبالتالي لا يشعر بحالها بصدق .

3-العسكري لا يثق إلا بالعسكري ، وبالتالي يمكن التأسيس التلقائي لنظام فاشستي أرستقراطي من نوع خاص ، له(عائلته)التي يرتبط فيها الأفراد بروابط تميزهم عن غيرهم.

4-العسكري يستطيع من باب القدرة قمع التحركات الشعبية بالمهارة والسرعة والميل إلى الحسم وإجادة التعامل مع السلاح.

5-العسكري يستطيع الإطاحة بالنظام القائم وتشكيل حكومة بديلة بسرعة اعتمادًا على التنظيم الداخلي للرتب العسكرية.

ويحتل العسكريون مكانة متقدمة في ترتيب وسائل الاختراق الاقتصادي تحت أيدي السياسة الأمريكية ، إن نموذج الاقتصاد الزراعي مثلًا الذي يخدم المصالح الأمريكية هو نموذج (التصدير للخارج) ، وهو يحقق ما يطلق عليه تشومسكي ساخرًا (المعجزة الاقتصادية) ، أي وفرة الإنتاج للخارج ، وتجويع الشعب في الداخل ، وبالتالي من المنطقي أن يتمرد الشعب ، ولحفظ استقرار النظام الذي يخدم المصالح الأجنبية يلزم قمع التمرد ، لهذا فإن أول خطوات السيطرة الاقتصادية هي الشرطة المحلية لقمع أي تمرد شعبي من سوء الأوضاع الاقتصادية الداخلية ، فإن لم تقدر يأتِ الجيش ، فإن لم تستطع الحكومة المحلية مع استعانتها بالجيش وقف المتمردين لزم قلب الحكومة بانقلاب عسكري والسماح للعسكريين بالحكم(ص28)-وربما إعطاؤهم منحًا مادية ليبنوا بها أبراجًا-!

4-اختراق الاقتصاد الوطني:

وهو ما يتم بمساعدة صندوق النقد الدولي والبنك الدولي ، فالبنك الدولي يقرض الحكومة مقابل سياسة تحرير الاقتصاد ، وهي السياسة التي تجعل اقتصاد البلد مهيئًا للاختراق الأجنبي ، وهو يرتبط بالخطوة السابقة_التعاون مع العسكريين_لأن الفوضى التي يصنعها العسكريون هي التي تجعل قبول شروط البنك الدولي أمرًا لا بد منه(ص29) ، ويضرب المؤلف المثل بالبرازيل عقب انقلاب 64.

فبعد الانقلاب وتطبيق سياسة تحقيق(المعجزة الاقتصادية)أصبح أكثر البرازيليين يعيشون تحت خط الفقر مثل الإثيوبيين ، وتفوقت البرازيل في عدد الوفيات بين الأطفال على سري لانكا ، رغم أنها من أغني بلاد العالم من حيث الثروات الطبيعية.

5-التطعيم الخارجي والداخلي:

5-1-التطعيم الخارجي:

إن الخطوط الرئيسية للسياسة الأمريكية مع دول العالم الثالث هي القضاء على (فيروس) حركات الإصلاح الوطني الحقيقية ، والقضاء التام علي الفيروس يتطلب تطعيم الأجزاء القريبة المحيطة حتى لا تنتقل لها العدوى ، وهو ما حدث بعد اشتعال حرب فييتنام ، فبعد إرسال الحملة العسكرية هناك قامت الولايات بتأييد حكم سوهارتو في إندونيسيا 1965 ، وتأييد ماركوس في الفلبين 1975 ، وتأييد الأحكام العرفية في تايلاند وكوريا الجنوبية ، وقد رحب الغرب بانقلاب سوهارتو لأنه قضى على الحزب الوحيد الذي تمتع بقاعدة شعبية ، ولأنه في سبيل ذلك قتل 700.000 نفس ، لدرجة أن المفكر البارز جيمس أرستون وصف هذا في النيويورك تايمز بـ(تباشير الأمل في آسيا) ! ووصفته كريستيان ساينس مونيتور بالقائد المعتدل اللطيف ، أما الإيكونوميست اللندنية المحترمة فقد قالت عنه أنه احتل مكانة في القلب!

بهذا تضمن الولايات عدم انتشار الفيروس ، ولكن وبما أن الوقاية خير من العلاج فإن تناول التطعيم قبل أي عدوى محتملة أمر ضروري ، وهو ما يعني أن على الولايات تطعيم نفسها من أي فيروس محتمل مشابه ، وهو ما تقوم به وسائل الإعلام وما يطلق عليه المؤلف”غسيل المخ”.

5-2-التطعيم الداخلي(غسيل المخ):

هي من الثغرات الخطيرة في النظام الديمقراطي التي أشار لها المؤلف ، وما يعني أن الديمقراطية ليست حلًا بديهيًا في بلد لا يتمتع أهلها بالوعي الكافي المعرفي والأخلاقي كالولايات المتحدة مثلًا ، وهي من صعوبات الديمقراطية التي أشار لها بعض مفكري عصر التنوير البارزين كمونتسكيو Montesquieu في روح القوانين (انظر مثلًا الكتاب الثالث ، الترجمة الإنجليزية لـ Thomas Nugent) وبالتالي فالديمقراطية ليست حلًا بديهيًا على الإطلاق ، لأن الإعلام الذي يتبع الحكومة في الدول الاشتراكية أو التي لم تكمل تحولها الليبرالي ، والذي يتبع رأس المال في الدول الرأسمالية يستطيع بكل سهولة تزييف العقول عن طريق متحدثين لبقين ومذيعين لامعين ، وآلاف البيانات والإحصاءات والأفلام الوثائقية ، فلا يصير أمام المتلقي إلا التصديق ، وبالتالي لا يتحقق مبدأ الفصل بين السلطات ، لأن السلطة التنفيذية أو الاقتصادية ما تزال تملك في يدها السلطة المعرفية ، وما أخطرها!

يقوم المؤلف بالعرض لبعض المفاهيم التي زيف الإعلام معناها لصالح (التيار الرئيسي) في الولايات ، كمفهوم(الدفاع ضد العدوان) ، فبعد العدوان على فييتنام في الستينات أعلن آلاي ستيفنسون بأننا نحارب من أجل الفيتناميين الجنوبيين ضد العدوان الداخلي ، ومفهوم(عملية السلام)التي يقول عنها المؤلف”قد يظن بعض السذج أنها تعني تحقيق السلام في الشرق الأوسط بتنفيذ إسرائيل قرارات الأمم المتحدة وانسحابها من الأراضي التي احتلتها ، وقيام دولة إسرائيلية ودولة فلسطينية ، …ولكن عند أصحاب المواءمة السياسية PC تعني أن تعطل الولايات المتحدة كل سبل السلام وتدعم إسرائيل سياسيًا واقتصاديًا وعسكريًا”(ص 56) ، ومصطلح(المحافظون) الذي أصبح يعني المدافعين عن الدولة القوية التي تتدخل بشكل واسع في الاقتصاد والحياة الاجتماعية ، وعن الإنفاق الهائل للحكومة ، والإجراءات الشديدة لحماية السوق وتأمينه مما يتبعه تضييق للحريات الخاصة بكثير من القوانين والتشريعات التي تهدف في المقام الأول لحماية الدولة من تأثير الأفراد ، أو عكس ما يعبر عنه المصطلح الأصلي تمامًا .

ويقوم تشومسكي بالتنظير لموضوعه ، فوسائل الإعلام أولًا وأخيرًا صناعة ، وهي تبيع المشاهد لرجل الأعمال صاحب المنتَج ، وبالتالي على رجل الأعمال أن يدفع لها ، وهو يدفع لها لقاء أن يبقى المشاهد في دائرة السوق ، والسوق بالمعنى الحقيقي ليس السوبر ماركت ، أو ليس السوبر ماركت المادي فقط ، بل السوبر ماركت المعرفي والعقائدي والأيديولوجي ، على معتقدات معينة ألا تتغير ، وعلى أعراف معينة أن تظل ثابتة ، وعلى سياسة معينة داعمة لرجل المال ألا تتبدل ، وقد تكون هذه المعتقدات في الأصل بريئة ، لكنها تتلوث بيد من يوجهها ، والمحصلة النهائية هي ذلك الزيف والتحريف الذي يصيب متجهها ومعناها قبل أن يصيب مظهرها ومبناها.

يتحدث المؤلف عن ثمانين في المئة من الشعب الأمريكي الذي يلعبون دور القطيع ، أو ما يسميهم ليبمان(قطيع الدهماء المشغول والمذهول) ، فعلى وسائل الإعلام أن تبقي على حالهم القطيعية ، ولو استفاقوا لشكلوا أزمة اقتصادية قبل أي شيء.

ج-دور المثقف:

يتحدث تشومسكي عن دور المثقف الأمريكي إزاء كل ذلك في النهاية ، الاستمرار في العمل السياسي لاكتساب الخبرة ، والقيام بالأبحاث الخاصة ، ومحاولة التأثير على العامة من جهة ليدركوا مصالحهم وحقوقهم السياسية ، وعلى أعضاء مجلس النواب من جهة أخرى ليلتفتوا إلى المصالح العامة ، وعدم اليأس ، فالعمل من أجل الحرية لم ينته ، والعالم الثالث ضرب أروع المثل في التصدي لوحشيتنا ، يقول تشومسكي في تلك الفقرات التي دمعت عيناي من قراءتها:

“لم ينته العمل في سبيل الحرية..يحتاج العالم الثالث إلى تعاطفنا وفهمنا ، وأكثر من ذلك إلى مساعدتنا ، يتوقف تحملهم ووقوفهم أمام وحشيتنا على ما نستطيع أن نفعله في الداخل هنا .

“الشجاعة التي أبدوها مذهلة ، سنحت لي الفرصة لأن أرى بعض ومضات الشجاعة ، في جنوب شرق آسيا ، وفي أمريكا الوسطى ، وفي الضفة الغربية المحتلة ، لقد كانت تجربة ملهمة ومؤثرة إلى حدٍ كبير.

“مَن يعتقد أن تلك مجرد كلمات لا يفهم إلا أقل القليل عن العالم.”(ص61)

ودورنا الآن أن نتساءل عن دور المثقف العربي والمسلم الذي عليه أن ينقذ من وما يحب من الضياع والدمار والتلاشي ، والموت والقبح والعفن ، مع العلم أن هناك على الشاطئ الآخر من يقدرون التضحية وسيؤيدونها إذا سنحت الفرصة ، بانتظار إجاباتكم على 0900 !

لمن يهمه الأمر قمت بنشر هوامش المؤلف من النسخة الإنجليزية لأخذ فكرةٍ عن مصادره:

Sources for the facts in this book are listed below by page numbers and brief subject descriptions.

– On “Grand Area” planning for the postwar period by the State department and the CFR, see Laurence Shoup and William Minter, Imperial Brain Trust, Monthly Review, 1977. There is extensive

literature on the development and execution of these plans. An early work, of great insight, is Gabriel Kolko, Politics of War,: Random House, 1968. One valuable recent study is Melvyn Leffler, Preponderance of Power, Stanford University Press, 1992. For further sources and discussion, specifically on NSC 68, see Chomsky, Deterring Democracy, Chapter 1. NSC 68 and many other declassified documents can be found in the official State Department history, Foreign Relations of the United States, generally published with about 30 years delay.

-. “Secret army.” See Thomas Powers, The Man Who Kept the Secrets: Richard Helms and the CIA, Knopf, 1979; and Mary Ellen Reese, General Reinhard Gehlen: the CIA Connection, George Mason University Press, 1990. For further details, see Chomsky, Turning the Tide and sources cited; and Christopher Simpson, Blowback, Grove, Weidenfeld, 1987.

-. William Yandell Elliot, ed., The Political Economy of American Foreign Policy, Holt, Rinehart & Winston, 1955. For further discussion, see Chomsky, At War with Asia, Introduction.

-. Kennan, Latin America. See Walter LaFeber, Inevitable Revolutions: the United States in Central America, Norton, 1983.

-. Postwar planning. Chomsky, Turning the Tide, Chapters 2, 4; and Deterring Democracy, Chapters 1, 11 and sources cited.

-. Marshall Plan. See Michael J. Hogan, The Marshall Plan, Cambridge University Press, 1987.

-. Kolb. Letter, New York Times, July 26, 1983.

-. Ultranationalism quote. National Security Council Memorandum 5432, 1954.

-. US policy planners, Kennedy planners. See Chomsky, On Power and Ideology, Lecture 1.

-. Costa Rica, Dulles. Chomsky, Necessary Illusions, Appendix 5.1; Gordon Connell-Smith, The Inter-American System, Oxford University Press and Royal Institute of International Affairs, 1966.

-. “Stability.” Peiro Gleijeses, Shattered Hope, Princeton University Press, 1991, 125, 365.

-. Japan, Kennan. Bruce Cumings, The Origins of the Korean War, Volume II, Princeton University Press, 1990.

-. Stimson. Kolko, Politics of War, 471.

-. Schoultz, Herman studies. Chomsky, Turning the Tide, 157f.

-. “Economic miracle.” Chomsky, Turning the Tide, 1.8 and sources cited; Robert Williams, Export Agriculture and the Crisis in Central America, University of North Carolina Press, 1986.

-. Adams. Chomsky, Deterring Democracy, 34f.

-. Relations with the military. Chomsky, On Power and Ideology, Lecture 1 and Turning the Tide, 216.

-. US arms to Iran. Chomsky, Fateful Triangle, 475f; Turning the Tide, 130-31; and Culture of Terrorism, Chapter 8.

-. Brazil and the situation throughout the Third World. Chomsky, Deterring Democracy, Chapter 7; and South Commission, The Challenge to the South, Oxford University Press, 1990.

-. Central America. See Chomsky, Turning the Tide; Culture of Terrorism; Necessary Illusions; Deterring Democracy; Herman and Chomsky, Manufacturing Consent. See also John Hassett and Hugh Lacey, Towards a Society that Serves its People: the Intellectual Contributions of El Salvador’s Murdered Jesuits, Georgetown University Press, 1992.

-. Oxfam’s explanation. Dianna Melrose, Nicaragua: the Threat of a Good Example, Oxfam, 1985.

-. Panama. See Chomsky, Deterring Democracy, Chapter 5.

-. Bush’s administration. Chomsky, “OEWhat We Say Goes’: The Middle East in the New World Order,” in Cynthia Peters, ed., Collateral Damage, South End Press, 1992, 49 92.

-. Drugs. Chomsky, “Year 501: World Orders, Old and New, Part 1,” Z magazine, March 1992, 24-36.

-. Southeast Asia and media coverage 1950s through mid-80s. Herman and Chomsky, Manufacturing Consent.

-. Media reaction to the Indonesia coup. Chomsky, “OEA Gleam of Light in Asia,'”Z magazine, September 1990, 15-23.

-. Gulf War. Chomsky, Deterring Democracy, Chapter 6 and Afterword (1991 edition); and Chomsky, in Peters, Collateral Damage.

-. Iran/contra cover-up. Chomsky, Fateful Triangle, 475f; Turning the Tide, 130 131; and Culture of Terrorism, Chapter 8.

-. Salvadoran Jesuit journal. Chomsky, Deterring Democracy, 354-55.

-. Eastern Europe and Latin America; Africa. Chomsky, Deterring Democracy, Chapter 7.

-. Chicago Tribune quote. William Neikirk, “We are the World’s Guardian Angels,” Chicago Tribune business section, September 9, 1990. Cited in Chomsky, Deterring Democracy, 5.

-. The Cold War. Chomsky, Turning the Tide, Chapter 4; and Deterring Democracy.

-. Dulles quote. John Foster Dulles telephone call to Allen Dulles, June 19, 1958, “Minutes of Telephone Conversations of John Foster Dulles and Christian Herter,” Dwight D. Eisenhower Library,Abilene Kansas. Cited in “A View from Below,” Diplomatic History, Winter 1992.

-. War on drugs. Chomsky, Deterring Democracy, Chapter 4.

-. Political discourse. Edward S. Herman, Beyond Hypocrisy, South End Press, 1992.

-. Lipmann (and the evolution of these notions from 17th century England to today). Chomsky,Deterring Democracy. Chapter 12.

-. Stevenson; the concept “defense against aggression.” Chomsky, For Reasons of State, Chapter 1,section 6.

-. “Peace process.” Chomsky, Towards a New Cold War, Chapter 9; Fateful Triangle, Chapter 3; Necessary Illusions, Appendix 5.4; and Deterring Democracy, Afterword (1991 edition).

-. John Jay. Frank Monaghan, John Jay. New York: Bobbs-Merrill, 1935, p. 323.

-. Socialism. Herman and Chomsky, Manufacturing Consent.

-. National Security Policy Review. Maureen Dowd, New York Times, February 23, 1992.

حداثة الفكر وحداثة الأدب

(البنية الفوقية)

مطر

ما يزال أدب الحداثة العربية متعثرًا في طريقه إلى المتلقي على أرضه ، وبين أبناء لغته ، بل صار كأنه لغة أخرى مستقلة لا سبيل لحل طلاسمها وفك شفراتها في كثير من الأحيان ، وما يزال أهم أعلامه لا يكاد الجمهور يعلم عنهم ألبتة شيئًا ، برغم غزارة إنتاجهم وتنوعه ، وطول العمر الإبداعي لهم من جهة ، ولحركة الحداثة العربية من جهة أخرى .

وتتعقد الأزمة كلما تكشّف المزيد من أبعادها تحت ضوء جديد في كل مرة يُعاد فيها النظر إلى  هذه النقطة ، فإشكالية الهوة التي تفصل المتلقيreceptor عن الأديب لا مفر من دراستها في السياق الحضاري العام الذي هو ما قبل حداثي بكل مقياس ، والفرض الذي تنطلق منه هذه الرؤية تحت ذلك العنوان هو أن المذهب الأدبي قد سبق حضارته وعصره ، وصار أقرب إلى النبوءة prophecy من التعبيرexpression ، وذلك بعد افتقاده عنصر التزامنsynchrony مع المتلقي(التزامن المعرفي) ، ومع أحداث عصره(التزامن التاريخي) .

أدونيس

وربما أمكن الولوج إلى الإشكالية بقدر أكبر من النفاذية بعد ضبط الاصطلاحات ، فالحداثة modernism تطلق في الفلسفة على الفترة الممتدة بين1850و1950م في العالم الغربي ، وبشكل عام هي حالة المجتمع الغربي بعد ازدهار البرجوازية مرورًا بالحرين العالميتين ، وبداية الحرب الباردة(1)، أما من حيث البناء الفوقي الخالص فهي فلسفة المجتمعات الغربية في الفترة نفسها التي ارتأت التأكيد على الفاعلية الإنسانية طريقًا للتقدم والتطور ، واعتبرت مبدأها –العقل- وسيلة نقل الفعل من الخيال إلى الطبيعة ، ومبدأ السيطرة لأنه مصدر المعرفة النظامية غير المقيدة بنماذج إرشادية paradigms سابقة التجهيز ، أي أن هذه المرحلة الفكرية هي النقيض المباشر لفكر العصر الوسيط بتصوراته المسبقة ، وغائيته في التأمل والاستنباط(2) .

أما الحداثة في الأدب فاصطلاح يستعصي على التحديد الدقيق ، وعلى كل يبدو أن التركيز على الثوابت البنيوية للمذهب أقرب إلى استهداف الإشكال الأساسي مباشرة ، دون المرور بمحاولات التحديد الزمني المتعددات المختلفات(3) ، وربما أمكن تلخيص الحداثة العربية في الأدب بأنها الحركة التي نزعت إلى تغيير هيئة الكتابة بالمعنى الأشمل(من حيث الشكل والمضمون)في آن واحد ، تحت تأثير أزمات قومية جسيمة ، ووافد غربي أدبي وفكري عظيم الثراء ، واستهدافًا لغايات ثقافية وسياسية بعيدة المدى ، وذلك اعتمادًا على المبادئ الأربعة التالية :

1. الاعتماد على التجريب بديلًا عن البلاغة ، والتي تقتضي التقييم رجوعًا إلى الشكل الأسمى النموذجي(4) .
2. الاعتماد على تأثير العمل بديلًا عن المعنى(5) .
3. الاعتماد على الرؤية بديلًا عن الطرَب(6) .

4. الاعتماد في الكتابة على الإنتاجية في القراءة ، أي قدرة المتلقي على تأويل النص وإعادة إنتاجه ، وليس على (فهمه) له ، وبالتالي صار النص غير المفهوم ظاهرة لا تعكس خطأً في الإبداع بل في التلقي(7) .

وربما أمكن الاطلاع السريع المركز على هذه المبادئ مجتمعة في شعر محمد عفيف مطر ، وأدونيس ، فهما أهم من مثل الحداثة العربية في مقتبلها ومكتملها(8) ، وتتجسّم الأزمة حين يُتهم الأول بالغموض اتهامًا لا ينقطع(9) مع تجديداته الأدبية الأبدية ، أما الثاني فهو القائل بنفسه أن”الشعر الحقيقي لا يمكن أن يكون جماهيريًا”(10) .

وإذا أكمل المقال مداه في سياق البنية الفوقية تحديدًا ، لأمكن القول بأن سبب اتساع الهوة بين الأديب الحداثي وجمهوره – أو (لاجمهوره)- هو أن المجتمع العربي بكل تأكيد وإلى اليوم لم يمر بمرحلة الحداثة ، وما تزال بينه وبينها عدة قرون من السنوات الضوئية نظرًا لحالة التخلف الثقافي التي استفحلت واستشرت إثر الضغوط الفادحة داخليًا وخارجيًا على عقول المفكرين والمبدعين ، وذلك من خلال عدة مركبات يكفي أحدها لنسف المؤسسة الثقافية عن بكرة أبيها وتسويتها بالأرض في لحظات ، منها المركب السياسي والأبوي والذكوري والديني …إلخ ، ويكتسب التحرير الثقافي أهمية كبرى كآلية تحريرية بعد غلق أغلب السبل أمام الآليات الأخرى ، ويبدو أن الاتجاه المعاكس هو ما سارت فيه الواقعية العربية التي ركزت على التزام الأديب ، في مقابل الحداثة التي ركزت أكثر على استنارة المتلقي .

الهوامش :

1. أوليفر ليمان(محرر): مستقبل الفلسفة في القرن 21 ، ت: مصطفى محمود محمد ، سلسلة عالم المعرفة ، المجلس الأعلى للثقافة والفنون والآداب ، الكويت ، عدد301 ، ص142 .


2. آلان تورين: نقد الحداثة ، ت: أنور مغيث ، المجلس الأعلى للثقافة ، القاهرة ، بدون رقم الطبعة ، 1997م ، ص19 .

3. عبد الرحمن القعود: الإبهام في شعر الحداثة ، سلسلة عالم المعرفة ، المجلس الأعلى للثقافة والفنون والآداب ، الكويت ، عدد 279 ، 2002م ، ص120 .

4. السابق ص140 .

5. السابق ص190 .

6. السابق ص130 .

7. السابق ص15 .

8. السابق ص227 .

9. حلمي سالم(إعداد وتقديم): شاعر مئذنة الدمع ، دراسات في شعر محمد عفيفي مطر ومختارات ، المجلس الأعلى للثقافة ، ط1 ، 2007م ، ص198 .

10. عبد الرحمن القعود: السابق ص129 .