Posts Tagged ‘قمر على سمرقند’

لا شك أن “قمر على سمرقند” للمنسي قنديل عمل ممتع، يسافر بك إلى أجواز جغرافية وتاريخية من بخارى وسمرقند إلى القاهرة، من انهيار الجمهوريات السوفييتية، إلى انهيار الناصرية والقومية العربية، ومن أساطير المغول والتتر إلى أساطير الفراعنة، ومن تيمور لنك إلى أنور السادات، في حكايات داخل حكايات، تاريخية وأسطورية وخيالية، وشخوص غنية معقّدة ذات ذكريات أليمة، وآمال لم تتحقق، وحب مفقود، وفضائل وخطايا، مع قدرة عزيزة على الوصف والتفصيل، وانسياب عاطفي غامر، ولغة يسيرة، سهلٌ الولوج إليها، مرصّعة بجمل مكثّفة، مصوغة بعناية، تستطيع بكل بساطة أن تقبسها، وتكتب تحتها: قمر على سمرقند.

والمفارقة أن هذه الرواية بالذات تمتعك بقدر ما يفاجئك التأمل في بنيتها ولغتها بثغرات كبرى، يندر أن يقع فيها عمل له هذه القدرة على الإمتاع، وسلبِ الحاضر لحساب الخيال والذاكرة والتاريخ. وقد انقسمت هذه الثغرات في هذا العمل الكبير المعقّد إلى أنواع أربعة: لغوية، وأسلوبية، ودرامية، وثغرات المعالجة:

1-الثغرات اللغوية:
وهي أقلهن أهمية، بعض الأخطاء النحوية الواضحة القليلة، ولكن الخطأ الأكثر تكرارًا هو تعريف المضاف بأل (مثل: الغير كاملة)، وهو خطأ يشوب أعمال المنسي قنديل عمومًا، وبرغم أن مجمع اللغة العربية أجازها كالعادة، فهي غريبة وصادمة بالنسبة لقارئ الفصحى، وقليلة الشيوع في الكتابة بها، ويمكن بسهولة تجنبها.

هذا من حيث النحو. أما من حيث اللغة باعتبارها أداة فنية، فقد كانت اللغة مقتصَدة، لا شعرية زائدة فيها، ومناسبة لعمل سردي، بحيث تمنح تركيز المتلقي بيسر لصالح الدراما ذاتها. تمتعت اللغة بموجات صعود وهبوط في انتقال مرن ناعم، من السرد المسطّح إلى الشعرية المعتمة، بدرجات متنوعة، بحيث وصلت أحيانا-كما سبق-إلى حد الجمل المكثفة الثقيلة الموجزة. وإن كان قد أصابها بالترهل أحيانًا بعض الإطناب، مثل “صمت كأنه يزن كلماته التي سيقولها..” وهل سيزن كلماته التي لن يقولها؟!

2-الثغرات الأسلوبية:
وهي أشد خطرًا من السابقة، وأكثر عمومية في أعمال المنسي قنديل، وأهمها الحوار، فمستوى الحوار لا يتنوع باختلاف المستوى الثقافي للقائل، ولا بحالته النفسية، ولا بأسلوبه، ومثال ذلك ص 334 من (ط4 دار الشروق، 2014 ) حوار بائع الأوسمة والنياشين، وهو يتحدث عن الخلود المجمَّد في النياشين(!)، والتي تحتاج إلى فيلسوف وجودي لقولها، فضلا عن توقع فهمها، لتصدر عن بائع بسيط يبيع بضاعته لناس بسطاء. وهي ظاهرة عامة كما قلت. وهذا لا يرجع إلى استعمال الفصحى، فنجيب محفوظ مثلاً كان قادرًا على جعل الفصحى تتكلم بلسان الشخص بحسبه، وليس بحسب المؤلف. والظاهر أن لغة الحوار على ألسنة كل الشخوص هي لغة المؤلف نفسه، وهو ما يفقد الأسلوب أحد أهم إمكاناته في العمل السردي، ويجعل العمل من هذه الجهة رماديًا صامتًا مونولوجيًا، لا يكاد يكون فيه داع لوضع نقطتين رأسيتين وبدء حوار.
أما الثغرة الأسلوبية الأخرى فهي استعمال موقع الراوي العليم، ومن المعروف أنه يستعمل لحكي عدة أحداث لا يمكن لراو واحد معرفتها في آن. أما الواقع فهو أن هذه الرواية تستعمل هذا الموقع دون أية فائدة تذكر منه. كل الفصول يمكن روايتها من جهة المتكلم، خاصة وأن جلها ذكريات شخوصها.

3-الثغرات الدرامية:
وهي أخطرهن؛ فهناك حكايات وشخوص كاملة لا أهمية لها إطلاقًا في المسيرة الدرامية. شخص (نور الله) الأهم بعد الراوي، ما أهميته في الدراما؟ وهل تتأثر الدراما لو حذفنا من الرواية حوالي 150 صفحة هي قصة هذا الشخص من عمل يبلغ حوالي 560 صفحة؟! تلته حكايات أخرى تنافسه في عدم الأهمية الدرامية، مثل حكاية بيبي خاتون، وصائد الذهب، التي احتلت مساحات كبيرة، دون أن تؤثر على الدراما بسلب أو إيجاب. صحيح أنها مروية بأسلوب ممتع، وأن تفاصيلها تنقل القارئ إلى زمانها ومكانها في سفر دون حركة، إلا أنه كان بالإمكان دمجها ضمن الدراما بحيث لا تفهم الأحداث إلا بالرجوع إليها. لقد أسرفت الرواية في بناء شخصيات مثل نور الله وفايزة التهامي، دون أن تكون لها أهمية درامية حقيقية، فالأحداث تسير دونها شاءت أم أبت. ومن جهة أخرى انبهر الكاتب بقدرته على الوصف، وكثرة ما جمع وتحرى من التفاصيل والدقة، فجاءت حكاياته عن بيبي خاتون وتيمور لنك وغيرهما صالحة لوضعها في كتاب منفصل عن أساطير وتاريخ هذا البلد المعقد، دون أن يكون لها دور درامي يذكر كذلك. ثم ما السبب الأساسي في رحلة البطل غير الأسئلة التي يعرف إجاباتها بالفعل قبل سفره وهو في مصر، وهو ما يتضح في حكايته عن نفسه في الفصل الأخير؟! وهي ذات الأسئلة التي لا يعرف إجاباتها القارئ حتى النهاية، وإن كان القارئ قادرا على استنتاج هذه الإجابات -كما قد يكون المؤلف قد عوّل عليه- فإن البطل أولى بذلك. كذلك حدثت العديدات من الصدف التي أصابت العقدة بالافتعال نوعًا.

4-المعالجة:
حفلت الرواية بإمكانات غنية غير مستغلَّة للمعالجة الفلسفية والاجتماعية فضلا عن الأبعاد النفسية التي أجادت التجسد فيها. أبرزها ربما هي فكرة (غروب الإمبراطورية) وهو يتحدث بشأن الاتحاد السوفييتي أو خسائر حكومة ثورة يوليو في مصر. لم يتم التوقف عند هاتين النقطتين بما يكفي لصنع بُعد فلسفي واجتماعي كان يحتاجه العمل ليتحرر من بنية (القصّ) و(الحكاية) المسلية.

والسؤال هنا: لماذا تعتبر هذه الرواية برغم كل هذا عملاً يعتد به في تاريخ الرواية العربية؟

1-أولاً بسبب المرحلة التي ظهرت فيها، والتي سادتها النيوليبرالية في الأدب بزعامة أحمد مراد. مرحلة التسطيح، وتحول الأدب لظاهرة اقتصادية بحتة، لا تدرس في محافل النقد الأدبي، بقدر ما يجب دراستها في مجال دراسات الدعاية والإعلام والسيطرة على سلوك المستهلك وتوقع هبوط وارتفاع السوق النسبي.. إلخ. ظهرت هذه الرواية عملاً جادًا أرهق مؤلفه، مشبعا بعاطفة جارفة، وألم حقيقي، دون أن تشوبها شبهة سرقة أدبية، أو ألتراس Ultras أدبي، أو لعب على أوتار المتلقي، أو حتى النزول إلى مستواه من أجل الارتقاء به، أو رفع شعار سياسي، أو خالف تعرفْ، أو الإسراف في الجنس غير المبرر لفظًا وحدثًا لجذب شريحة معينة من القارئ، وهو ما شاب الكثير من أعمال أدباء كبار أصلاً من أمثال إحسان عبد القدوس ويوسف السباعي ويوسف زيدان (الذي قد أُردف هذا المقال بمقال آخر يفسر لماذا هو أديب كبير).

2-قدرة الكاتب على الوصف: فالكاتب يجيد هذه التقنية التي جرى التخلص منها منذ زمن طويل منهجيًا في معظم الإنتاج السردي العربي، فالقارئ الذي يتواصل مع المحيط العام عن طريق تويتر وواتس آب لا يطيق أن يقرأ وصف حجرة في مدرسة ببخارى لمساحة صفحة كاملة، مع دقة ذكر شكل الفتحات في المصابيح التي يخرج منها النور ويضيء المشهد، وشكل الشيوخ المتراصين فيها، إلخ. هذا الفن المهجور يثبت جاذبيته التي سِرها أنه يغلّف المتلقي بالتفاصيل ويستلبه بلطف لعالم آخر ناءٍ، في حالة أشبه بالحلم. لم يقم الكاتب فقط باستعمال هذا الفن، بل أجاده، إلى درجة قدرة العمل على السفر بالمتلقي وهو في مكانه كما ذكرنا.

3-الذاتية القوية والشاملة: غلبت على الوصف نفسه الذاتية، فالمصابيح الموصوفة ليست موصوفة لأجل رسم مشهد فقط على الورق، بل في الشعور كذلك، فالمصابيح كالعيون الغاضبة، والظلام يحمل عتمة الكآبة في نفس الشخوص، إلخ. وبالتالي تميزت الرواية بتوتر لا ينتهى ولا يتعب منه القارئ من المشاعر الجياشة للفقد والألم والحب والشهوة والخوف والاكتئاب والحزن والكراهية، في ما يشبه سيمفونية متناغمة في هارمونيات عديدة ديناميكية هادئة وعميقة في آن.

4-التشويق الدرامي: استطاع الكاتب أن يحتفظ بقارئه رغم تعقيد العمل، خاصة في الفصل الأخير، وذلك عن طريق الحكايات التاريخية الواقعية ذات الأهمية الكبرى (كحادث الفنية العسكرية بمصر)، أو الخيالية الجذابة، والمفاجآت، مثل ظهور نور الله في غرفة فندق البطل وهو يختلي بفتاته.

إنها رواية –كحبيبتك- تقبلها برغم عيوبها، و-ربما- بسبب هذه العيوب، التي تجعل منها إنسانًا حيًا.

كريم الصياد
Köln, Deutschland
18.10.2014

Advertisements