Posts Tagged ‘كريم الصياد’

يبدو عنوانًا غريبًا حتى لكاتبه؛ إذ يعرف القاصي والداني أن بيتهوفن كان المتمرّد الأكبر في تاريخ الموسيقى، وإن لم يكن الأكبر فهو الأشهر بالتأكيدوتحكي بعض الوثائق ذلك المشهد الكابوسي الرهيبمشهد وفاته، الذي قام فيه، بدلاً من أن يقرأ الشهادة (إذا كان الكاثوليك يقرأون الشهادة)، برفع قبضته في وجه السماء، ثم بصق بصقة ضعيفة سالت على ذقنه وسط وميض البرق وهزيم الرعدبعدها همد جسده ميتًا بعد أن قتله فشل الكبد حسبما ترجّح أغلب المصادر بصدد سبب وفاته.

من الذي تحدّاه بيتهوفن؟ ومن الذي بصق عليه؟ وهل كانت على سبيل البصق فعلاً؟ ولماذا احتقر بالبصقة من تحدّاه؟ أيلماذا يتحدّى من يحتقره؟ ولماذا في هذه الثواني بالذات؟ هل عرف أنه سيموت؟ هل كان رافضًا للموت كجلجاميش أو كجلال ذي الجلالة بطل نجيب محفوظ الشيطاني؟ وإذا كان بيتهوفن يضمر كل هذا الرفض والكراهية للقدر والموت والإله، أفلا يتطلب هذا مراجعة أعماله في ضوء جديد هو ضوء نزعة شيطانيّة ما؟

 

 

هل كان بيتهوفن شيطانياً (Satanic) بالمعنى الاصطلاحي الدقيق للكلمة؟ وهو الذي مجّد برومثيوس، معبود الشيطانيين؟ وهو أصلاً أحد الموسيقيين المفضّلين عند الشيطانيين؟ وبالعكس كذلك، فهو الموسيقار الذي أفسد تاريخ الموسيقى بحسب هرمان هسه (مقدّمة رواية لعبة الكريات الزجاجيّة) وانحرف بها عن الطريق المسيحي الباخيالموتسارتي المعتدل المتألم الفدائي.

هل من الصحيح أنه كان شبه محروم من الكنيسة؟ أي: ملعون؟

لماذا إذًا لحّن نشيد شيللر في سيمفونيّته التاسعة، وهو النشيد الذي ينتهي نهاية أشبه بالترانيم الكنسيّة التقليدية (يا إخوتي، فوق قبة السموات المزدانة بالنجوم، من المؤكّد أنّه يوجد أب حبيب، ابحثوا عنه هناك)؟ ولماذا ألّف في المرحلة العمريّةالفنيّة نفسها القدّاس العظيم Missa Solemnis؟

كان بيتهوفن بالفعل الموسيقار الأول الذي أدخل إلى الموسيقى ثيمة تحدّي القدر إيّاها في السيمفونيّة الخامسة. وهي الثيمة التي جرّبها تشايكوفسكي مثلاً في سيمفونيته الرابعة، وبرامز في سيمفونيّته الأولى، وفرانز ليست في قصيدة السيمفوني رقم 2 (المقدّمات)وغيرهم. وحتى من لم يعالجوا هذا الموضوع صراحةً فقد أوضح التتابع الشعوري في أعمالهم التتابع الشعوري الرباعي ذاته في السيمفونيّة الخامسة لبيتهوفن: القدر يهجم، الإنسان يرثي نفسه، الإنسان يتحدى القدر ويعبث ويسكر، الإنسان ينتصر (السيمفونية الثانية لرحمانينوف مثلاً). لقد صارت هذه الثيمة موضة القرن التاسع عشر، ولم يفلت منها موسيقار واحد تقريبًا خاصة في مراحل الشباب. إذ من المعروف أن الموسيقار الكلاسيكي الرومانسي يتحدّى القدر في شبابه، ثم يقصف القدر عمره في كهولته وشيخوخته. فتشايكوفسكي مثلاً تحدّى القدر مرة واحدة في سيمفونيّته الرابعة التي تنتهي نهاية انتصاريّة، لينال منه القدر انتقامه في سيمفونيّته السادسة التي تنتهي نهاية مأساويّة جنائزيّة، ثم يتوفّى بعدها بأسبوع واحد بالكوليرا.

هناك أسباب معروفة لهذا التمرد البيتهوفني، فالتمرد لا ينشأ إلا مع توافر عاملين: الشعور بالكبرياء والبطولة، والشعور بألم أو مأساة أو هزيمة مؤقّتة. كان بيتهوفن فعلاً شديد التأثر بنماذج البطولة في شبابه، نابليون بونابرت طبعًا، الذي ألّف من وحيه سيمفونيته الثالثة البطوليّة الشهيرة، كان بونابرت بالنسبة له فتوّةالحارة الأوروبيّة الذي يرفع نبّوته في وجه بروسيا وإيطاليا متحديًا في وضح النهار، ويرد كيد من تحالفوا ضد الثورة الفرنسيّة في نحورهم، فتتألق عيناه الشابتان بالإعجاب، ويحاول قيادة الأوركسترا كما يقود بونابرت جيشه. هذا طبعًا قبل أن ينقلب بونابرت دكتاتورًا عسكريًا ويطيح بمبادئ الثورة الفرنسيّة نفسها، فيشطب بيتهوفن اسمه من مدوّنة السيمفونية الثالثة، ويبدّل الإهداء الذي كان له، ثم يقول: “لو كنت أقود جيشًا كما أقود الأوركسترا، لهزمتُ نابليون بونابرت“.

ثم كانت مأساة بيتهوفن الأساسيّة في حياته: فقدان السمع التدريجي. هنا تتبلور التراجيديا، التي هي شعور درامي يمزج بين الحزن والكبرياء، أو شعور الإنسان أنّهأو غيرهلا يستحق هذا الألم الواقع عليه، وأنه أفضل من ذلك، أو يستحق أفضل من ذلك.

ولكن لا بد من عودة خاطفة إلى حادثة انقلاب بيتهوفن على نابليون. فقد أعجب به بطلاً يدافع عن الثورة الفرنسيّة بمبادئها المعروفة ضد الاستبداد الديني والسياسي والاقتصادي (بالإشارة إلى الجناح الشيوعي فيها وبخاصة مؤامرة الأكْفاء)، وانقلب عليه حين خانها. وهنا السؤال: هل كان إذّا معجبًا بنابليون كبطل مجرّد قوي، كفتوّة حارة، أم كمدافع عن مبادئ الثورة على التحديد؟

ثم لا بد من إلقاء الضوء على مؤلَّف آخر جوار السيمفونية الثالثة في هذا الصدد: افتتاحية إيغمونت (Egmont) التي عزفت لأول مرة عام 1810. وفي الواقع فإن هذه الافتتاحية الشهيرة، التي تعتبر أحد أهم أعمال بيتهوفن، وربما أجمل افتتاحياته، مقطوعة من عشر مقطوعات وضعت لتمثيل تراجيديا إيغمونت مسرحيّة غوته. لكنها الأشهر، وآخر ما ألفه بيتهوفن من تلك المقطوعات العشر. لكن من هو إيغمونت أولاً؟ إنه أمير إسباني منحدر من هولندا قاوم محاكم التفتيش في زمنه، وأعدِم عام 1568. إنّه ثائر مبكر ضد الاستبداد الدينيالسياسيالإقطاعي، ثائر حسب مبادئ الثورة الفرنسيّة قبل وقوعها بأكثر من مئتي سنة.

والخيط الوحيد الذي يربط إيغمونت بنابليون في مرحلته الأولى التي أعجب بها بيتهوفن هو: الثورة الإنسانيّة ضد السلطة وحتى ضد الدين نفسه إذا اعترضها. لم يكن بيتهوفن غافلاً عما حدث أثناء الثورة الفرنسيّة من أعمال ضد الكنيسة، وهو المثقف الذي عاصرها، والذي كانت مدافع نابليون تدك الأرض فوق رأسه حرفيًا كما سجّل التاريخ، وشعار اشنقوا آخر ملك بأمعاء آخر قسيس“. وأديرة الرهبان التي تحولتبحسب ول ديورانتإلى بيوت فخمة للدعارة.

وقبل إيغمونت ألّف بيتهوفن كذلك افتتاحية كائنات برومثيوس، وباليه برومثيوسالثائر الأسطوري ضد آلهة الأولمب لصالح الإنسان. وهنا يتضح الخيط نفسه للمرة الثالثة: الثورة الإنسانيّة.

لكن قبل التسرع إلى حكم، لا مفر من إلقاء نظرة في المقابل على أعمال أخرى هامة من هذه الناحية: مثل السيمفونيّة التاسعة كما تقدم، والقدّاس العظيم، واثنتي عشرة تنويعة على أوراتوريو يهوذا المكابي لهاندل، وربما كذلك السيمفونية السادسة (الباستوراليّة).

بقيت السيمفونيّة التاسعة هي الوحيدة من بنات بيتهوفن التي صيغت على هيكل السيمفونية الخامسة مع فارق هائل في التوزيع الأوركسترالي، وبنية الألحان، ومعالجتها. لكن السيمفونيتين تبدآن بالمأساة، فالحركة الأولى في كليهما مأساويّة خانقة، بينما تتدرج كلاهما حتى تصلا إلى الانتصار النهائي، لكن مع فارق هام: فالانتصار في الحركة الرابعة في كل منها ذو موضوع مختلف. إذ ينسب انتصار الحركة الرابعة في السيمفونية الخامسة لصالح فرد، أو لصالح الإنسان ضد القدر، وهو انتصار بسيط قوي كاسح، لكن انتصار السيمفونية التاسعة انتصار حكيم، إنساني، جمعي، كوني، لا يستبعد الإله.

من هو الإله في تاسعة بيتهوفن؟

هل يمكن صياغة لاهوت السيمفونية التاسعة؟

وهل يمكن في المقابل شرح ناسوت أو هيومانيّة أو رينيسانس أو شيطانيّة أو إلحاد السيمفونية الثالثة أو الخامسة؟

الإجابة: نعم.

فالإله في تاسعة بيتهوفن غير مسيطر، أشبه بإله أرسطو المنغلق على ذاته في نظام معزول بلغة الفيزياء، أو في(ترموس) بلغة عشاق القهوة الغربيّة: الإله الذي لا يعتني بالعالَم، لا يعرف شيئًا محددًا عنه، لا يخلقه. ومع ذلكعند أرسطو وبيتهوفنهو هدف العالم والكون. فالإله هدف في تاسعة بيتهوفن يقبع في النصف الثاني من الحركة الرابعة، وقرب الختام، ولو وجد من البداية كفاعل رئيسي أو خالق لتحولت السيمفونية التاسعة إلى أوراتوريو آلام القديس مَتّى، وتحول بيتهوفن إلى باخ. الصراع الدامي الرهيب، والصمت المهيمن، والنغمات الشريرة التي تفكّك الصمت والصوت في الحركة الأولى لا يقدر عليها إله في هذا السياق، إنه عالَم بلا إله، لكنه بلا بشر أيضًا، عالَم بلا حسرة ولا أمل، إنه بنية غير عاقلة، تتكون وتنهار ست مرات ثم تتكون من جديد، وهو ما وصفه روبرت شومان عام 1838 في مجلة المدارات الجديدة Die neuen Bahnen بأنه سفر تكوين ما. إذ يعيد بيتهوفن كتابة سفر التكوين بلا إله وبلا آدم ولا حواء:مجرّد طبيعة قاسية تغرق في ظلام صامت، ثم تتكون مرة خرى دفعة واحدةفي نهاية الحركة الأولى (الكودا)-بصوت كالرعد كالتحام النجوم.

ثم يأتي الاسكرتسو في الحركة الثانية الذي تحتشد له كل الآلات، والذي يتسابق فيه رعد الطبل الكبيرفي قسم التفاعلمع منمنمات الهوائيّات الخشبيّة والوتريّات الضئيلة السريعة التي تحتشد وتثور، ثم يتماوج في قسم التريومارشتمجيدي، كأنه احتفال انتصاري. إن الإنسان يوجد من دون إله، أو ينتصر على الطبيعة في هذه الحركة. ثم تأتي الحركة الثالثة بألحانها الغنائية، وبصوت الهورن يدعو الأوركسترا إلى الاحتشاد للحركة الرابعة مرتين. فتأتي الحركة الرابعة هادرة، دراميّة، مباغتة، وملحميّة تستعرض ألحان الحركات الثلاث السابقات، ويتكون لحن الجوقة، ويبدأ الإنشاد، وهنا يظهر الإله صراحة لأول مرة.

الإله، إذاً، موجود في السيمفونية التاسعة، لكنّه مجرد (موجود)، ليس واجد الوجود، وليس سره، إنه أحد مفردات ثلاثة تستهدفها السيمفونية التاسعة ونشيد شيللر: الإنسان، الفرْح، الله. إنه هدف لكنه ليس الهدف الأخير. وربما هو أحد ثلاثة تلك الأقانيم التي لهذه السيمفونيّة.

أما السيمفونيتان الثالثة والخامسة فلا وجود فيها للإله. هناك صعود أو انبثاق للإنسان. فالموسيقى دنيويّة بحته، علمانيّة، لا أثر فيها للحن ديني أو موضوع كنسي.

لكن السيمفونية السادسة، التي ليست ببعيدة زمنيًا عن الخامسة، تطرح ملمحًا دينيًا واضحًا، في نشيد الراعي في الحركة الخامسة والأخيرة الذي كان ذا نبرة دينية تعرفها الأذن الأوروبيّة. ولكن الموضوع العام للسادسة هو حياة الريف الفييني الساحرة، بمشاهد الطبيعة المختلفة حين تحنو وحين تقسو، الإنسان نفسه عنصر مهمَّش في هذه السيمفونيّة. تلك السيمفونية التي تلفت النظر فعلاً بسبب قربها من شعر الطبيعة الإغريقي القديم الوثني (إنبادوقليس مثلاً)، حيث تتمجد الطبيعة بلا إله وبلا بشر، وهو خيط واصل بين السادسة والتاسعة في حركتها الأولى.

كان بيتهوفن ممجّدًا للطبيعة، وعرف عند من كتبوا سيرته، والباحثين فيها، أنّه كان يستلهم الطبيعة في الكثير من أعماله، لدرجة تخصيص إحدى سيمفونيّاته لها، وهو ملمح أثّر في برامز بدوره. كان بيتهوفن طبائعيًا، يرى الجمال هنا والآن، وليس في حياة أخرى، كان أقوى نفسًا من الاكتئاب والانكسار، ولم يملك الدين عليه سلطانًا لأنه لم يمارس دورًا محوريًا في حياته، وهو يخلق نفسه ذاتيًا بنجاحاته الفنيّة المتوالية في فينّا، قلب الفن والثقافة في أوروبا في ذلك الوقت، وفي حياة أكبر موسيقيَّين في الحقبة الكلاسيكيّة: هايدن وموتسارت. وهو كذلك الذي فقد سمعه فاستمر تأليفه ليفوق قدرات البشر المعروفة. وهو كذلك الذي بدّل تاريخ الموسيقى بلا رجعة بعدد أقل بكثير من الأعمال إذا ما قورن بسلفيه المذكورَين، وهو الذي أعاد الهارموني لموضع الصدارة، وهو الذي أسس أفضل أوركسترا لم تزل معروفة. إن عهد هايْلجنشتادت (Heiligenstadt) المدينة النمساويّة التي قضى فيها فترة من الاستشفاء، ذلك العهد الذي كتبه ليؤكّد لأخويه أنه لن يستسلم لفاجعته، وأنه سيهب كل حياته لفنه، هذا العهد يخلو تمامًا من أية إشارة لله، وهو في أشد حالات الاحتياج له. لا تصدّق الملحد إلا إذا رأيته والمصعد يهوي به من الطابق العاشر، أو إذا أصابه الدرن، ثم لا يستنجد بالله. عهد هايلجنشتادت اختبار إلحاد نجح فيه بيتهوفن بشكل ما. والسخرية أن ترجمة اسم المدينة هومدينة القديسين“.

ألّف بيتهوفن كذلك في مرحلته المبكرة تنويعات على أوراتوريو يهوذا المكابي لهاندل عام 1796. ويهوذا المكابي (Judas Maccabaeus) بطل يهودي قاد تمردًا ضد الدولة السليوقيّة، إحدى الدول التي انقسمت إليها إمبراطوريّة الإسكندر الأكبر، بين عامي 160-167 ق.م، وأحد أهم ابطال اليهود عمومًا. وكانت أعمال بيتهوفن في تلك الفترة (حتى عام1800) كلاسيكيّة تقليديّة في مبناها والكثير من تفاصيلها، لكن بعض تفاصيلها كانت تبشر بالبيتهوفنيّة بشكل خاطف.ولا غرابة في قيام بيتهوفن بتأليف هذه التنويعات على هذا العمل بالذات، فألحان هاندل فيه كانت جميلة فعلاً، لكن النهاية الدراميّة توحي بشيء من إيغمونت فيما بعد، إنه بطل يواجه الاستبداد العنصري ضد قومه.

يبقى القدّاس العظيم الشهير، وفي الحقيقة فإنه ليس القداس الوحيد له، فقد ألف بيتهوفن قداسًا آخر في مقام دو الكبير مصنف رقم 86 عام 1807، أي في أوج المرحلة البطوليّة، ثم ألف القدّاس العظيم من مقام ري الكبير مصنف رقم 123 بين عامي 1819-1823 أي متزامنًا مع السيمفونيّة التاسعة.

ما سر هذين العملين؟ وهل يلقيان الضوء على الشعور الديني المتخفي، أو الارتداد إلى الدين مرة أخرى في آخر مراحل الكهولة بالنسبة للقدّاس العظيم؟

أمر القداس الأول سهل، فقد تم تأليفه بتفويض من الأمير نيكولاوس استرهاتسي (+1833)، وقد لا يعبّر عن توجه أصيل لدى مؤلفه، خاصة وأنه ليس على مستوى عبقريّة الأعمال الدنيويّة في تلك الفترة. أما القدّاس الثاني العظيم (وهو اسم وليس صفة) فيدعو للتساؤل الحقيقي أعلاه. لكن تبقى حقيقة أن بيتهوفن كان يقوم في الفترة المتأخرة من حياته، من السوناتا رقم 27 إلى رقم 32 للبيانو، ومن الرباعي الوتري رقم 11 إلى رقم 16، وهي فترة السيمفونيّة التاسعة والقداس العظيم كذلك، بمراجعة أساليب التأليف في عصر الباروك، وربما عصر النهضة أيضًا، وقد أشار النقاد إلى هذا القدّاس بالذات بوصفه يمثّل استفادة واضحة من هذه الأساليب: فقد قال عنه الفيلسوف الألماني وعالم الموسيقىتيودور أدورنو أنه يفقد تمامًا أسلوب بيتهوفن المميز في استثمار الوحدات اللحنية البسيطة وإعادة تدويرها بالتنويع عليها، مما يقربه إلى موسيقى الباروك، أما المؤلف الموسيقي وعالم الموسيقى الإنجليزي دونالد دوفي فيراه قريبًا من موسيقى عصر النهضة وخاصة بالِسْترينا. فربّما حاول بيتهوفن فتح مجال إبداعي جديد بالتأليف في هذا الشكل.وخاصة أنه شكل محدّد مسبقًا، لم يضع فيه بيتهوفن ترانيمه الخاصة كما قد يتبادر إلى المخيلة. إنه مجرد شكل لا مضمون.

من المحزن حقًا لأتباع الديانات أن يكون موسيقار عظيم كبيتهوفن دنيويًا في أعماله إلى هذا الحد. ولكن ربما يكتفي المسيحيون بأعمال باخ وهاندل الدينيّة، ويكتفي السلفيون المسلمون بتحريمهم للموسيقى. لا أظنها مشكلة أحد إلا المستمع المدقق المخلِص لبيتهوفن الذي قد يرى غير ما رأيت، لكنها عندئذٍ لن تكون مشكلتي أيضًا. فبيتهوفنببساطةهو أكبر طارد للعفاريت. وهذا يكفيني.

Advertisements
هي أجمل سيمفونيات تشايكوفسكي (1840-1893)، السيمفونية المؤثرة المخيفةSymphony No. 6 in B minor, Op. 74, Pathétique.. السيمفونية التي هي العمل السيمفوني الأهم الأساسي في عمر مؤلفها الإبداعي. ألفها في آخر سنة من حياته، وقادها لتكون آخر الأعمال التي يقودها قبل أقل من عشرة أيام من وفاته بالكوليرا.
 
مشكلة تشايكوفسكي مع السيمفونية كشكل هي أنه مؤلف خفيف متأثر بالطابعين الروسي والإيطالي معًا، لا يحتمل بناؤه اللحني الواضح التركيب والبناء، تقوم فكرة الموسيقى الكلاسيكية في الأغلب على بناء العمل من وحدات لحنية بسيطة ومرنة وقابلة للتفكيك وإعادة البناء والتنويع، ولهذا واجه تشايكوفسكي أزمة التضحية بأحد الطرفين: اللحن.. وهنا يخسر جمالية أساسية من جمالياته، أو التركيب.. وهنا يخسر البناء الفني.
 
حقق تشايكوفسكي المعادلة الصعبة بشكل ساحق النجاح في هذا العمل، وهذا ما يتضح بالذات في الحركتين الأولى والثالثة منه.
 
كان تشايكوفسكي مكتئبًا قبل كتابتها، السبب الذي ذكره التاريخ عبر خطاباته هو شعوره بنضوب موهبته أو خياله، ولكن الأغلب أن الموضوع أكبر من هذا! بعد هذه الفترة من الاكتئاب.. كان تشايكوفسكي جالسًا في عربة القطار متأملاً في المشاهد الخاطفة في الخارج، وفجأة.. بدأ يتكشف بين الظلال والضباب هذا الهيكل لكائن غير بشري مخيف، أربع نغمات: (مي-صول-فا دييز-لا)، ثم تتبادل النغمات المواقع الأربعة مع نغمات أخرى بالتدريج، ثم تتجمع في أشكال فراغية متصلة بلا معنى، ثم تتمدد وتلتوي في لحن حالم مثير، ثم تنقطع وتعود الأشكال الهندسية المفرغة المفزعة تظهر وتنشأ بعضها عن بعض، وتتداخل، وتمتلئ بآلات الأوركسترا لتصعد في ذروة فلكية!! هذه هي الحركة الأولى ببساطة.
 
امتدت يد تشايكوفسكي-وهو ما يزال جالسًا شاردًا متسع العينين في رعب في عربة القطار-نحو جيبه ليخرج قلمه، ويكتب هذه الكلمات الخالدة لأخيه موديست:
 
It will be a puzzle for everyone, they can rack their brains on it in vain.
 
سوف تبقى لغزًا للجميع، ولسوف يحطمون أدمغتهم عليها.. ولكن بلا جدوى.
 
بالفعل ظلت هذه السيمفونية لغزًا، لأنها في مجملها توحي ببرنامج ما، أو قصة، ولكن المؤلف لم يصرح بأي شيء عن التفاصيل، حتى حين سُئل مباشرة من قبل كورساكوف وسواه.
 
الحركة الأولى (مقدمة-عرض-تفاعل-إعادة عرض-كودا): Adagio — Allegro non troppo — Andante — Moderato mosso — Andante — Moderato assai — Allegro vivo — Andante come prima — Andante mosso (E minor — B minor — D major — B minor — B major)
 
هي الحركة الرئيسية التي يقوم عليها العمل، في صيغة الصوناتا كالعادة، وإن كان مؤلفها أدخل بعض التجديدات على الصيغة كما سنرى. تبدأ المقدمة بالنغمات الأربع سالفات الذكر بالباصون، ثم تبدأ الأوركسترا تردد هذه النغمات، وهذه النغمات البسيطة هي التي اشتق منها المؤلف الحركة كلها! حتى الجزء اللحني الشهير في قسمي العرض وإعادة العرض، وهذا كان حل المعادلة الصعبة، لم يضح هنا بالتركيب أو باللحن لأنه اشتق اللحن نفسه، ولم يعلنه في صورته سابقة التجهيز كما جرت عادته من قبل.
 
يلعب التلوين التشايكوفسكيّ الأوركسترالي المتميز دورًا هامًا في بداية ميلاد هذه الحركة العسير، حيث تعيد آلات النفخ الخشبية صياغة النغمات في صورة متبلورة، مما يجعل الأمر ممهدًا لتتسلم الأوركسترا المادة المخلّقة لتحييها في صور وحيوات متعددة.
 
يسيطر الصمت على مساحات واسعة في مقدمة هذه الحركة، وتتحرك الأوركسترا في ظلام قاتم تتحسس بالأطراف المبهمة هذا الكائن الوليد، ثم يحل فيها هذا الشيء، فتتحرك في نشاط وخفوت تحركات تحتيّة مثيرة، وتبدأ اللمعة تظهر على أعضائها.. ثم تدخل النحاسيات إلى اللعبة، فيردد الكورنو المجيد الوقور النغمات الأربع، وتصاب الوتريات بهيستيريا على شكل ذبذبات متوالية تتصاعد في تهديد وتوعّد. ثم تصل إلى ذروة نسبية، تبدأ بعدها الأمور تأخذ مسارًا منتظمًا نسقيًا فيه لمحات من الطابع الروسي قوية، في شبه رقصة، تتجهم فجأة ويدوي الترومبيت والترمبون في برق خاطف ثم تعود ذبذبات الوتريات مرة أخرى، وتتهادى وتتباطأ، لينشأ الجزء اللحني المشتق. وبهذا يبدأ قسم العرض.
 
كان هذا اللحن موضوعًا لمعالجات خفيفة كثيرة لغنائيته الواضحة، مع ذلك يعيد المؤلف توزيعه وتنميته وهو ما يزال في قسم العرض. يخفت اللحن، ويبرز فيه دور الكلارينيت، ثم ينبتر في لمحة مثيرة للتوجس.
 
يبدأ قسم التفاعل من الصمت فجأة في صورة عاصفة، وهي من التجديدات على الصوناتا،؛ لأن التفاعل يبدأ عادة بما بدأ به العرض، وبما تبدأ به إعادة العرض، لكن التفاعل هنا أقرب إلى مقطوعة هي امتداد للمقدمة، لا تنمية للعرض نفسه! (وهي في هذا تشبه الحركة الأولى من تاسعة بيتهوفن إلى حد بعيد) تتم في التفاعل تنمية النغمات الأربع على نطاق أوسع وأكثر ثراء بكثير من المقدمة، في مقام سي بيمول الصغير مقام السيمفونية الرئيسي. الروح عنيفة كئيبة شيطانية في فخامة وكارثية. تنتهي كنهاية العالم وما بعد نهايته. ليعود الجزء اللحني مرة أخرى بصورة عذبة هادئة مفاجئة.
 
هكذا يبدأ إعادة العرض بشكل غير متوقع، إنها سيمفونية المفاجآت! العنف والخوف يبدأ فجأة، ثم يظهر الجمال من قلبه فجأة. 
 
ثم تأتي الكودا أو التذييل.. تفكيكًا للجزء اللحني وعودة لذبذبات الأوركسترا بشكل بطيء متهادٍ متباعد، لتختم الحركة.
 
 
الحركة الثانية: Allegro con grazia (D major — B minor — D major)
رقصة من رقصات تشايكوفسكي تذكرنا بباليه الجمال النائم خاصةً، الرشاقة الحزينة التي تنتهي بإنذار لا شك فيه.
 
 
الحركة الثالثة(عرض سكرتسو-تفاعل تريو-إعادة عرض سكرتسو-كودا مارش): Allegro molto vivace (G major)
 
سكرتسو في صيغة الصوناتا، لكنه يبدأ بنغمات عابثة ساخرة بسيطة، تكسوها الأوركسترا بطبقات متنوعة ملونة مبتكرة، حتى تحتشد الأوركسترا في هذا الكساء المعقد، لتبدأ الانفجارات الأوركسترالية التي يبرز فيها دور النحاسيات، ثم توقع الطبلة على الإيقاع الأساسي للاسكرتسو، وتنقطع الذروة، لينشأ لحن المارش بالكلارينيت، لمحة عسكرية كوميدية ساخرة، عبث مخيف، تكرره الأوركسترا، ثم تتم إعادة هذا مرة ثانية في قسم يحل محل التريو التقليدي، ليعود الاسكرتسو ثانيةً، النشأة ذاتها ثم الاحتشاد الأوركسترالي، وينتهي هذا القسم الأقرب إلى إعادة العرض لتبدأ الكودا المذهلة.. فقد انتهى المخزون اللحني، لا توجد تيمة جديدة، تظهر هنا عبقرية المؤلف في التنويع والتلوين والتصعيد الدرامي بروح شيطانية، إنه مارش الشيطان إلى الجحيم.. تبدأ الكودا بكل آلات الأوركسترا في حركة قفز لحني في هوة مجهولة المكان والعمق على التتالي، كل آلة وأحيانًا مجموعة آلات تليها أخرى ثم أخرى وهكذا في حركة تداعٍ أخّاذة كأنها بلا نهاية، ثم تعيد الأوركسترا تكوين الذات في قاع الهوة، ثم يبدأ المارش العجيب، تتم إعادته مرة، ثم تعود الطبلة في عمق وعنف لتوقع الإيقاع، وتتصاعد الأوركسترا، لتنتهي الحركة نهاية سريعة كسقطة في العدم.
 
 
الحركة الرابعة: Finale: Adagio lamentoso – Andante (B minor — D major — B minor)
 
ربما هي أقل حركات العمل جاذبية، أجمل وصف قرأته لها: “انطفاء الأضواء” هي فعلاً أقرب إلى المغادرة وإعلان النهاية، نهاية العمل والمؤلف معًا.
 
بقلم كريم الصياد

لا شك أن “قمر على سمرقند” للمنسي قنديل عمل ممتع، يسافر بك إلى أجواز جغرافية وتاريخية من بخارى وسمرقند إلى القاهرة، من انهيار الجمهوريات السوفييتية، إلى انهيار الناصرية والقومية العربية، ومن أساطير المغول والتتر إلى أساطير الفراعنة، ومن تيمور لنك إلى أنور السادات، في حكايات داخل حكايات، تاريخية وأسطورية وخيالية، وشخوص غنية معقّدة ذات ذكريات أليمة، وآمال لم تتحقق، وحب مفقود، وفضائل وخطايا، مع قدرة عزيزة على الوصف والتفصيل، وانسياب عاطفي غامر، ولغة يسيرة، سهلٌ الولوج إليها، مرصّعة بجمل مكثّفة، مصوغة بعناية، تستطيع بكل بساطة أن تقبسها، وتكتب تحتها: قمر على سمرقند.

والمفارقة أن هذه الرواية بالذات تمتعك بقدر ما يفاجئك التأمل في بنيتها ولغتها بثغرات كبرى، يندر أن يقع فيها عمل له هذه القدرة على الإمتاع، وسلبِ الحاضر لحساب الخيال والذاكرة والتاريخ. وقد انقسمت هذه الثغرات في هذا العمل الكبير المعقّد إلى أنواع أربعة: لغوية، وأسلوبية، ودرامية، وثغرات المعالجة:

1-الثغرات اللغوية:
وهي أقلهن أهمية، بعض الأخطاء النحوية الواضحة القليلة، ولكن الخطأ الأكثر تكرارًا هو تعريف المضاف بأل (مثل: الغير كاملة)، وهو خطأ يشوب أعمال المنسي قنديل عمومًا، وبرغم أن مجمع اللغة العربية أجازها كالعادة، فهي غريبة وصادمة بالنسبة لقارئ الفصحى، وقليلة الشيوع في الكتابة بها، ويمكن بسهولة تجنبها.

هذا من حيث النحو. أما من حيث اللغة باعتبارها أداة فنية، فقد كانت اللغة مقتصَدة، لا شعرية زائدة فيها، ومناسبة لعمل سردي، بحيث تمنح تركيز المتلقي بيسر لصالح الدراما ذاتها. تمتعت اللغة بموجات صعود وهبوط في انتقال مرن ناعم، من السرد المسطّح إلى الشعرية المعتمة، بدرجات متنوعة، بحيث وصلت أحيانا-كما سبق-إلى حد الجمل المكثفة الثقيلة الموجزة. وإن كان قد أصابها بالترهل أحيانًا بعض الإطناب، مثل “صمت كأنه يزن كلماته التي سيقولها..” وهل سيزن كلماته التي لن يقولها؟!

2-الثغرات الأسلوبية:
وهي أشد خطرًا من السابقة، وأكثر عمومية في أعمال المنسي قنديل، وأهمها الحوار، فمستوى الحوار لا يتنوع باختلاف المستوى الثقافي للقائل، ولا بحالته النفسية، ولا بأسلوبه، ومثال ذلك ص 334 من (ط4 دار الشروق، 2014 ) حوار بائع الأوسمة والنياشين، وهو يتحدث عن الخلود المجمَّد في النياشين(!)، والتي تحتاج إلى فيلسوف وجودي لقولها، فضلا عن توقع فهمها، لتصدر عن بائع بسيط يبيع بضاعته لناس بسطاء. وهي ظاهرة عامة كما قلت. وهذا لا يرجع إلى استعمال الفصحى، فنجيب محفوظ مثلاً كان قادرًا على جعل الفصحى تتكلم بلسان الشخص بحسبه، وليس بحسب المؤلف. والظاهر أن لغة الحوار على ألسنة كل الشخوص هي لغة المؤلف نفسه، وهو ما يفقد الأسلوب أحد أهم إمكاناته في العمل السردي، ويجعل العمل من هذه الجهة رماديًا صامتًا مونولوجيًا، لا يكاد يكون فيه داع لوضع نقطتين رأسيتين وبدء حوار.
أما الثغرة الأسلوبية الأخرى فهي استعمال موقع الراوي العليم، ومن المعروف أنه يستعمل لحكي عدة أحداث لا يمكن لراو واحد معرفتها في آن. أما الواقع فهو أن هذه الرواية تستعمل هذا الموقع دون أية فائدة تذكر منه. كل الفصول يمكن روايتها من جهة المتكلم، خاصة وأن جلها ذكريات شخوصها.

3-الثغرات الدرامية:
وهي أخطرهن؛ فهناك حكايات وشخوص كاملة لا أهمية لها إطلاقًا في المسيرة الدرامية. شخص (نور الله) الأهم بعد الراوي، ما أهميته في الدراما؟ وهل تتأثر الدراما لو حذفنا من الرواية حوالي 150 صفحة هي قصة هذا الشخص من عمل يبلغ حوالي 560 صفحة؟! تلته حكايات أخرى تنافسه في عدم الأهمية الدرامية، مثل حكاية بيبي خاتون، وصائد الذهب، التي احتلت مساحات كبيرة، دون أن تؤثر على الدراما بسلب أو إيجاب. صحيح أنها مروية بأسلوب ممتع، وأن تفاصيلها تنقل القارئ إلى زمانها ومكانها في سفر دون حركة، إلا أنه كان بالإمكان دمجها ضمن الدراما بحيث لا تفهم الأحداث إلا بالرجوع إليها. لقد أسرفت الرواية في بناء شخصيات مثل نور الله وفايزة التهامي، دون أن تكون لها أهمية درامية حقيقية، فالأحداث تسير دونها شاءت أم أبت. ومن جهة أخرى انبهر الكاتب بقدرته على الوصف، وكثرة ما جمع وتحرى من التفاصيل والدقة، فجاءت حكاياته عن بيبي خاتون وتيمور لنك وغيرهما صالحة لوضعها في كتاب منفصل عن أساطير وتاريخ هذا البلد المعقد، دون أن يكون لها دور درامي يذكر كذلك. ثم ما السبب الأساسي في رحلة البطل غير الأسئلة التي يعرف إجاباتها بالفعل قبل سفره وهو في مصر، وهو ما يتضح في حكايته عن نفسه في الفصل الأخير؟! وهي ذات الأسئلة التي لا يعرف إجاباتها القارئ حتى النهاية، وإن كان القارئ قادرا على استنتاج هذه الإجابات -كما قد يكون المؤلف قد عوّل عليه- فإن البطل أولى بذلك. كذلك حدثت العديدات من الصدف التي أصابت العقدة بالافتعال نوعًا.

4-المعالجة:
حفلت الرواية بإمكانات غنية غير مستغلَّة للمعالجة الفلسفية والاجتماعية فضلا عن الأبعاد النفسية التي أجادت التجسد فيها. أبرزها ربما هي فكرة (غروب الإمبراطورية) وهو يتحدث بشأن الاتحاد السوفييتي أو خسائر حكومة ثورة يوليو في مصر. لم يتم التوقف عند هاتين النقطتين بما يكفي لصنع بُعد فلسفي واجتماعي كان يحتاجه العمل ليتحرر من بنية (القصّ) و(الحكاية) المسلية.

والسؤال هنا: لماذا تعتبر هذه الرواية برغم كل هذا عملاً يعتد به في تاريخ الرواية العربية؟

1-أولاً بسبب المرحلة التي ظهرت فيها، والتي سادتها النيوليبرالية في الأدب بزعامة أحمد مراد. مرحلة التسطيح، وتحول الأدب لظاهرة اقتصادية بحتة، لا تدرس في محافل النقد الأدبي، بقدر ما يجب دراستها في مجال دراسات الدعاية والإعلام والسيطرة على سلوك المستهلك وتوقع هبوط وارتفاع السوق النسبي.. إلخ. ظهرت هذه الرواية عملاً جادًا أرهق مؤلفه، مشبعا بعاطفة جارفة، وألم حقيقي، دون أن تشوبها شبهة سرقة أدبية، أو ألتراس Ultras أدبي، أو لعب على أوتار المتلقي، أو حتى النزول إلى مستواه من أجل الارتقاء به، أو رفع شعار سياسي، أو خالف تعرفْ، أو الإسراف في الجنس غير المبرر لفظًا وحدثًا لجذب شريحة معينة من القارئ، وهو ما شاب الكثير من أعمال أدباء كبار أصلاً من أمثال إحسان عبد القدوس ويوسف السباعي ويوسف زيدان (الذي قد أُردف هذا المقال بمقال آخر يفسر لماذا هو أديب كبير).

2-قدرة الكاتب على الوصف: فالكاتب يجيد هذه التقنية التي جرى التخلص منها منذ زمن طويل منهجيًا في معظم الإنتاج السردي العربي، فالقارئ الذي يتواصل مع المحيط العام عن طريق تويتر وواتس آب لا يطيق أن يقرأ وصف حجرة في مدرسة ببخارى لمساحة صفحة كاملة، مع دقة ذكر شكل الفتحات في المصابيح التي يخرج منها النور ويضيء المشهد، وشكل الشيوخ المتراصين فيها، إلخ. هذا الفن المهجور يثبت جاذبيته التي سِرها أنه يغلّف المتلقي بالتفاصيل ويستلبه بلطف لعالم آخر ناءٍ، في حالة أشبه بالحلم. لم يقم الكاتب فقط باستعمال هذا الفن، بل أجاده، إلى درجة قدرة العمل على السفر بالمتلقي وهو في مكانه كما ذكرنا.

3-الذاتية القوية والشاملة: غلبت على الوصف نفسه الذاتية، فالمصابيح الموصوفة ليست موصوفة لأجل رسم مشهد فقط على الورق، بل في الشعور كذلك، فالمصابيح كالعيون الغاضبة، والظلام يحمل عتمة الكآبة في نفس الشخوص، إلخ. وبالتالي تميزت الرواية بتوتر لا ينتهى ولا يتعب منه القارئ من المشاعر الجياشة للفقد والألم والحب والشهوة والخوف والاكتئاب والحزن والكراهية، في ما يشبه سيمفونية متناغمة في هارمونيات عديدة ديناميكية هادئة وعميقة في آن.

4-التشويق الدرامي: استطاع الكاتب أن يحتفظ بقارئه رغم تعقيد العمل، خاصة في الفصل الأخير، وذلك عن طريق الحكايات التاريخية الواقعية ذات الأهمية الكبرى (كحادث الفنية العسكرية بمصر)، أو الخيالية الجذابة، والمفاجآت، مثل ظهور نور الله في غرفة فندق البطل وهو يختلي بفتاته.

إنها رواية –كحبيبتك- تقبلها برغم عيوبها، و-ربما- بسبب هذه العيوب، التي تجعل منها إنسانًا حيًا.

كريم الصياد
Köln, Deutschland
18.10.2014

صورة

الفردوس

هل كان كل إنسان في جنة أولى، ثم هبط منها إلى الأرض ليعمل ويشقى ويُحرَم ويتعذب؟ نعم، إن لكل إنسان جنة أولى وفردوس مفقود، حتى لمن لا يؤمن بهما. الفردوس هو الوضع المثالي الأوّلي البائد الذي تحلم الذات باستعادته. ذلك المقام الأول المكتمل الذي غادرته الذات لتمر بالخبرات وتفقد الكثير من العلاقات والأشياء في مجرى الزمن وأجواز الفراغ، الذات التي ماهت هويتها، أو التي-بالأحرى-ليست لها هوية في خضم الصيرورة المستمرة، والتي تبحث عن هويتها بالمعنى الميتافيزيقي للكلمة بحثًا دءوبًا لا ينقطع، التي تبحث عن مركز بلا مركز، التي هي مركزية بلا مركز، ليمثل لها الفردوس مقرّ الهوية، قبل أن يكون مقام السلام.

قد يكون هذا الوضع الأوّلي ميتافيزيقيًا: الجنة اللا أرضية التي خرج منها آدم، وقد يكون بيوجرافيًا: الطفولة، أو الأسرة، وقد يكون وضعًا سياسيًا-اجتماعيًا بائدًا: الخلافة الإسلامية عند المسلمين، الرايخ عند الألمان، الاتحاد السوفييتي عند الشيوعيين، دولة عبد الناصر عند القوميين العرب. إنه الأم لمن تيتم، والحب لمن كَره وكُره، والوطن لمن هاجر، الشباب لمن شاخ، إنه فرنسا تحت الاحتلال الألماني لدى سارتر، إمبراطورية النمسا لدى كارل بوبر، موسيقا باخ وموتسارت عند هرمان هسِّه، أرض المعاد عند اليهود، غرناطة فردوس المسلمين، تاريخ اليونان والرومان عند النهضويين الأوروبيين. كل هذه تنويعات على فكرة واحدة هي الفردوس، والفردوس -بما هو فردوس- دائمًا مفقود.

وفي الحقيقة فالفردوس ليس له وجود موضوعي، فالذات هي التي تخترعه هربًا من صيرورتها في نسيج الزمكان الذاتي (راجع شرنقة الزمكان). لكن الفردوس ليس كأنشطة الذات الواعية كالفن والدين والأخلاق.. إلخ، إنه ليس نشاطًا عمليًا، بل تصور عن خبرة لم تحدث بكامل تحددها وتفاصيلها في الماضي الموضوعي للذات، لكن الذات تُوجِدها وتحاول إقناع بقية الذوات بها. هي خبرة مزيفة؛ لأنه لا يوجد وضع مثالي كامل في التاريخ، كما لا تشهد الذات وضعًا مثاليًا خارج التاريخ (الجنة الميتافيزيقية). إن نشاط الذات التأويلي يجعلها تميل إلى افتراض أو تصديق هذه الفرضية. إن الذات التي غادرت وتغادر باستمرار شرنقة الزمكان الذاتي تصطنع حلمًا حول نقطة أولى مثالية كاملة، كمالاً قيميًا خُلقيًا وجماليًا، وكمالاً عمليًا بمعنى كونها أفضل ما أمكن في حدود الممكن الموضوعي، ثم تحلم بالعودة إلى هذه النقطة حلمًا دائمًا في دَوْر لا ينتهي. لكن هذا الشكل الدائري من التفكير هو الذي يميز فكر الهوية: أنا هو أنا، الذات هي الذات. ولكن إن لم يكن الفردوس نشاطًا عمليًا واعيًا، رغم اشتباكه مع كل أنشطة الذات الواعية اشتباكًا معقدًا، فما هو؟ وكيف يعمل في سبيل حيازة الهوية؟

إن الفردوس-كما قيل-تصور. وهذا التصور ينبسط وينفضّ في أشكال بالغة التنوع. وهو تصور درامي، بمعنى تضمنه لعنصر الحدث الزماني؛ فلا يمكن التعبير عنه إلا باستعمال الأفعال الماضية في كل اللغات: “وضع أوّلي كان وباد ونحلم بعودته”. هذه الدراما القصيرة شكلاً، التي لا تمتد إلا نصف سطر، تشمل تاريخ البشر كله من منظور محدد. فمن يرى مثلاً أن الأم هي الفردوس المفقود لا يعتقد دائمًا أن المقصود هو أمه المشخّصة، بل الأم عمومًا، وهذا التطور من الفرد إلى المفهوم، من الأم إلى الأصل، من التعيين إلى التجريد، يحدث تلقائيًا من حيث طبيعة العقل البشري ذاته النازعة إلى التفسير عن طريق التعميم. وعندئذٍ يمكن لهذا الذي يعتقد في فردوس الأصل المفقود أن يفسر تاريخ البشرية بناء على هذا: سعي البشر إلى العودة إلى الأصل، سواء كان هذا الأصل الأم أو الإله أو الطبيعة.. إلخ. الأم هي الله عند بعض الصوفية، كما يفسر بعض دارسي التصوف نظرية الحلول والاتحاد، وهي الأسرة، وهي الأستاذ والمعلّم، .. إلخ. وهو ما يعني أن هذه الفكرة لا تنحصر في أصل النشوء فقط، بل تغشى كذلك أصول الارتقاء، أي: المؤثرات الأساسية التي شكّلت على ما هي عليه في اللحظة الراهنة.

وفي هذا المثال يمكن كذلك فهم كيف يعمل الفردوس لإدراك الهوية. إنه يمثل هدفًا للزمكان الذاتي السيّار الذي هو بلا هدف على الإطلاق. هدف يجعل الزمكان الذاتي يدور في دائرة بدلاً من جريانه في خط مستقيم لا يتكرر، أو-بالأحرى-بدلاً من انبجاسه اللا نهائي من ذاته، وتمدده في كل الأبعاد باستمرار. الفردوس محاولة لصياغة الزمكان الذاتي في دائرة، تبدأ منه وتعود إليه. أو هو باختصار محاولة لتدوير الزمكان الذاتي Rezyklierung, Recycling.

والفردوس تصور شائع إلى درجة لا تكاد تنجو منها ذات بشرية واحدة. وهو متعدد الأشكال كما قيل، لكنه لا يخرج على أن يكون أحد ثلاثة مستويات أساسية:

مستويات الفردوس:

المستوى الأول للفردوس من حيث درجة الشيوع هو فردوس (الأصل Ursprung). وقد تم أعلاه تمثيله. وما يميز هذا المستوى أنه تاريخي-ديناميكي-درامي؛ فهو المنشأ الذي غادرته الذات في حركة تاريخية، وهو يفسر الزمكان الذاتي في تصور حركي؛ أي لماذا صارت العلاقات والخبرات على ما صارت عليه بناء على أصولها[1] والمؤثرات الأساسية عليها.

أما المستوى الثاني فهو فردوس (المذهب Doktrin)، أي النسق الفكري، أو المعتقد، الذي قد يكون أخلاقيًا أو سياسيًا-اجتماعيًا، أو جماليًا. هو المذهب الصحيح صحة منطقية، أو الذي يحقق مصالح معينة، أو تثبته-من منظور الذات-أدلة حاسمة. وما يميز هذا المستوى أنه بنية-إستاتيكية-نظرية؛ فهو لا يتضمن عنصر الدراما، أي أنه قائم خارج الزمان في العقل، أو هكذا تتصوره الذات، وهو يفسر الزمكان الذاتي بنيويًا؛ أي يحاول فهم العلاقات والخبرات بناء على أشكالها وعلاقاتها البينية واتساقها، وليس مصادرها.

أما المستوى الثالث والأخير فهو فردوس (الخبرة الفردية Individuelle Erfahrung)، أي اللحظة المثالية التي وقعت فعلاً في تاريخ الذات الفردية، والتي تتمنى الذات العودة إليها، وما يميز هذا المستوى أنه خبرة عينية لا تجريد ولا تعميم لها، تعبر عن أغلى ما فقدته الذات في الزمكان الذاتي، هذا الغلو الذي قد يصل إلى درجة التقديس.

وهذه المستويات، أو الفردوس عمومًا بكل مستوياته، يرتبط بالأنشطة البشرية الواعية التي سبق تفصيلها في (شرنقة الزمكان): الدين والفن والأخلاق والعلوم المنطقية والرياضية والعلوم الطبيعية والعلوم الاجتماعية والإنسانية والسير الذاتية وغير الذاتية. ولكن مستويات الفردوس تختلف فيما بينها في مدى ونوع ارتباطها بكل من هذه الأنشطة الواعية؛ فبينما يرتبط الأصل بالدين والسير الذاتية وغير الذاتية، يرتبط المذهب بالعلوم على اختلافها والأخلاق والفن، أما الخبرة الفردية فترتبط ارتباطًا مباشرًا بالسيرة الذاتية.

وهذه الارتباطات لا تعبر فقط عن مدى ونوع تشابك الفراديس مع الأنشطة الواعية، بل تعبر كذلك عن اشتراك اثنين أو ثلاثة من مستويات الفردوس في نشاط أو أكثر منها، أو ما يمكن تسميته بـ(تداخل الفردايس واتحادها)، وإلى مدى أبعد يمكن أن تفسر أصل الفردوس ذاته.

تداخل الفراديس واتحادها:

إن الذات لا تكتفي عادة بفردوس واحد مفقود. صحيح أن أحد الفراديس قد يسود غيره في تفسير قصة الوجود البشري، بل في صياغة هذه القصة أصلاً، لكن وجود فراديس أخرى معه يقع ويؤثر عليه. وبإرجاء علاقة السيادة والتنحي بين الفراديس لفقرة قادمة يتضح هنا تداخل الفراديس في الأصول والتأثيرات المتبادلة.

إن هذه الذات التي تجد فردوسها المفقود في الطفولة (الخبرة الفردية) لا تقف عند هذا الحد عادة، بل تذهب خطوة إلى فردوس الأم (الأصل). وهنا يتداخل مستويا الفردوس، فينتج فردوس مركب منهما، وهو تصور شائع جدًا لدى الذوات. وبالمثل، فإن الذات التي تتصور فردوسها في الأصل (الإله مثلاً) عادة ما تنزع إلى ربطه بالدين (المذهب)، وهو تداخل جديد شائع بدوره. ومن أشهر الفراديس المركبة ما يتركب من المذاهب، مثل الدين-السياسة، السياسة-الأخلاق، الأخلاق-الفن، وغيره. وهو ما يمكن أن يفسر فيما بعد أصول وتطور هذه المذاهب نفسها: الدولة الدينية، المدينة الفاضلة العلمانية، الفن الملتزِم، على الترتيب. هذه المركبات الفردوسية قادرة بشكل أكثر صلادة وصلابة وبقاءً على تحدي الصيرورة الزمكانية الذاتية، أي أنها قادرة بدرجة أكبر على تحقيق غرض الفردوس ذاته. ومن هنا أهميتها.

بالإضافة إلى ذلك تأتي الظاهرة الأخرى في هذا المقام، ألا وهي اتحاد الفراديس، فأحيانًا ما يتكون فردوس واحد يجمع بين كل مستويات الفردوس، فالدين مثلاً يشمل الأصل والمذهب والخبرة الفردية الشعورية أحيانًا. ومن هنا جزئيًا قوة الدين وسيادته بين مستويات وأنواع الفردوس. وهذا بالإضافة إلى أنه يفسر سيادة بعض أنواع الفراديس، يفسر كذلك انتشار وقوة بعض الأنشطة البشرية الواعية (كالدين).

أصل الفردوس:

يعني أصل الفردوس أحد ثلاثة: الأصل في وجوده من حيث وجوده، وهو ما سبق شرحه من حاجة الذات له من أجل تدوير الزمكان الذاتي، وهو الغرض منه. ويعني ثانيًا: أصل المحتوى، أي تفسير كون الفردوس على ما هو عليه من حيث نوعه أو محتواه. ويعني ثالثًا: أصل المستوى: أي تفسير اندراج الفردوس تحت أحد مستوياته: الأصل أو المذهب أو الخبرة الفردية.

1-أصل المحتوى:

إذا كان أصل النشاط البشري الواعي هو حاجة الذات إلى الهوية، فإن أصل محتوى الفردوس هو النشاط البشري الواعي ذاته. صحيح-كما ورد في الفقرة السابقة-أن الفردوس يؤثر على النشاط البشري، لكن هذا لا يمنع من كون الأخير أصلاً لسابقه من حيث محتواه.

إن النشاط البشري الواعي عملية بعيدة الأصول جدًا، وممتدة المساحة إلى حد قد لا يمكن تصوره في اللحظة الواحدة. وبالتالي فإن الفن مثلاً، الذي يعمل الفنان في إطاره يحدد جزئيًا ويشكل عمل الفنان عن طريق التراث الفني في الفن ذاته وفي غيره كذلك من الفنون، وهو ما يصنع عملية جدلية بين التراث والإبداع الفنيين. هذه العملية توحي بمحتوى الفردوس على صورة المذهب (المذهب الفني هنا)، في إطار علاقة جدلية بين المحتوى والمستوى، كالكلاسيكية مثلاً في الموسيقا الغربية، أو الشعر العمودي عند العرب، .. إلخ. هذه فراديس فنية يشكلها النشاط البشري الممتد زمانًا ومكانًا، والذي يُنسب إلى الذات أصلاً جزء ضئيل منه مقارنة بما يدخل منه في عملية تشكيل محتوى الفردوس.

إن الحاجة إلى الفردوس جاهزة وسابقة، لكنها لا تصنع في ذاتها إلا مجرد تصور فارغ، إلى إن يتم ضخ محتواه فيه. والنشاط البشري الواعي الممتد زمانًا ومكانًا هو الذي يقوم بهذه المهمة. وهو ما يعني أن عملية تدوير الزمكان الذاتي تبدأ من حاجة الذات إلى الهوية التي تصنع التصور المجرد عن الفردوس، لتصل إلى لجوئها إلى الأنشطة البشرية الواعية، ومن ثم تقوم هذه الأنشطة بتحديد محتوى الفردوس.

2-أصل المستوى:

تمت الإشارة إلى العلاقة الجدلية بين المحتوى والمستوى في الفردوس، فكل منهما يحدد الآخر ويتأثر به، ولكن السؤال: لماذا تكون مستويات الفردوس على ما هي عليه: الأصل والمذهب والخبرة الفردية؟

إن أصل مستويات الفردوس لازمة لمعنى الفردوس ذاته؛ فكما قيل: الفردوس عمومًا هو الوضع المثالي القديم البائد الذي تحلم الذات بالعودة إليه. وهو تعريف يتضمن عنصرين: عنصرًا تاريخيًا هو القديم البائد، وعنصرًا بنيويًا هو الوضع المثالي. وإذا كان العنصر التاريخي يفسر أصل مستوى (الأصل) فإن العنصر البنيوي يفسر أصل مستوى (المذهب). أما أصل مستوى (الخبرة الفردية) فمباشر من الخبرة الذاتية نفسها، حين تستعيد الذات من ذاكرتها أطلال الخبرة التي تحن إليها.

صراع الفراديس:

سبق القول في أمر تداخل الفراديس، وهو شكل من التداخل البنّاء الذي يدعم وظيفتها في تدوير الزمكان وإدراك الهوية. لكن نوعًا آخر من الاشتباك يحدث بين الفراديس، ألا وهو صراع الفراديس، هو علاقة السيادة والتنحي بينها من حيث المحتوى والمستوى.

إن تكوين الفردوس وارتقاءه عملية معقدة، تدخل فيها-كما سبقت الإشارة-خبرات عديدة مركبة سابقة ومجاورة. وهو ما يؤدي أحيانًا، بل وكثيرًا، إلى نشأة أكثر من فردوس في الوعي. هناك فردوس الأصل مثلاً حين يقوم ضد فردوس المذهب، كما في التعارض بين فردوس الأسرة وفردوس المذهب الديني أو السياسي، وهنا يقع الصراع، ويسود طرف على طرف. وما يحكم صراع الفراديس عاملان: أيها أسبق وجودًا؟ وأيها أقوى استمرارًا؟

إن أقدم الفراديس في تاريخ الذات الفردية هو الخبرة الفردية، وتحديدًا خبرة الطفولة، أو خبرة اللعب، أو خبرة الأمان. يليه فردوس الأصل، ثم فردوس المذهب. إن الخبرة الفردية متعينة لا تجريد فيها ومباشرة، وبالتالي فهي الأسبق، لكن الذات حين ترتقي وعيًا تقوم بعملية التجريد اللازمة عن قواها العقلية نفسها، فيتم تجريد الخبرات القديمة العزيزة في صورة الأصل أحيانًا، وهو ما يتم في مرحلة تالية، كما أن فردوس المذهب أيضًا ناتج عن عملية تجريد أشمل وأعمق لتفسير الوضع المثالي من حيث هو مثالي، أي لماذا كان مثاليًا؟ وكيف يمكن استعادته بتطبيق نفس الشروط؟ ولا يلزم دائمًا الانتقال من مستويات الفردوس بهذا الترتيب، فأحيانًا لا يحدث الانتقال، وأحيانًا يحدث بترتيب مغاير، ولكن الأعم أن الوصول إلى آخر هذه المستويات زمنًا (المذهب) لا يحدث إلا بالمرور بالمستويين السابقين عليه، كما أن الوصول إلى ثانيها لا يحدث إلا بالمرور بأولها. وإذا كان عامل التجريد (وهي عملية عقلية نظرية) يحكم عملية الانتقال من الخبرة الفردية إلى الأصل، فإن عامل القيمة الأخلاقية أو الجمالية (وهو عامل اجتماعي وعملي) يحكم الانتقال من الأصل إلى المذهب بالإضافة إلى عامل التجريد. فكما قيل: يتم تجريد الأصل في المذهب، حيث يمكن استعادة الأصل عن طريق تطبيق نفس شروط وجوده السابق، وهو ما ينتج عنه نسق ما، لكن عامل القيمة يتدخل ليرجح مستوى المذهب على مستوى الأصل؛ القيمة الخلقية التي تظهر في الإخلاص لمذهب سياسي-اجتماعي أو ديني، والقيمة الجمالية التي تظهر في تفضيل مذهب فني.

وفي مستوى المذهب يسود المذهب الديني على المذهبين السياسي-الاجتماعي والفني كيهما عادة؛ لأن الدين أقرب إلى الذات وأيسر من حيث مصادره، وأكثر شيوعًا حولها، وأبسط لفهمها، يليه السياسي، الذي يتطلب قدرًا أكبر من الوعي والتفرغ، يليه الفني المقصور على القلة.

لكن ترتيب هذه المستويات الرئيسية: الأصل، والمذهب، والخبرة الفردية معكوس من حيث القوة، فالمذهب الديني والسياسي-الاجتماعي أقوى من الأصل؛ لأنه أكثر ارتباطًا بالجماعة والمجتمع والحياة العملية، يليه الأصل الذي هو أقوى عادة من الخبرة الفردية؛ لأنه أقدر على التفسير، فهو تجريد خبرات فردية وجماعية عديدة متسلسلة. وهو ما يعني أن الفردوس المذهبي هو أقوى أنواع الفردوس بنوعين منه: الديني والسياسي-الاجتماعي، لكنه آخرها زمانًا في نشأته في وعي الذات.

إن الفردوس المفقود هو صورة سلبية لبطاقة الهوية الميتافيزيقية للذات. قل لي ما فردوسك المفقود أقل لك من أنت.

نقيض الفردوس (الجحيم)، ونقيض الذات (الشيطان):

إذا كانت الفكرة تستدعي نقيضها بالضرورة، فإن الفردوس يستدعي الجحيم، والذات التي تسكن الفردوس، أو التي تطمح للعودة إليه تستدعي الذات التي فقدته بلا أمل في العودة، أو التي ترفضه العودة، باختصار فإن الذات تستدعي الشيطان كمفهوم.

والشيطان هو تصور الذات عن ذاتها حين تيأس أحيانًا من العودة إلى الفردوس، أو حين تفكر في أمر فقدها له وسقوطها في العالم التعس الوحشي، كما أنه تصورها عن الآخرين الذين تراهم أشرارًا. إن الشيطان هو الصورة السلبية للذات التي تتحرك حركة واعية نحو فردوسها عن طريق الأنشطة البشرية الواعية، لكن-برغم ذلك-فإن في كل ذاتٍ شيطان؛ لأن الذات تشترك مع الشيطان شركة وثيقة في السقوط أو الخروج من الفردوس. الشيطان مكوِّن أساسي من مكونات الذات، ومن أسس فهمها لذاتها، إنه الطرف النقيض الذي تحدد نشاطها بالقياس إلى المسافة التي تبعدها عنه، والتي يجب أن تزداد بلا انقطاع.

والحالة الاستثنائية في هذا المقام هي حالة الشيطانيين Satanics الذين يعتقدون اعتقادًا صادقًا في رفض الفردوس، ويعملون على تنمية الجانب الشيطاني الخبيء الذي تخاف وتخجل منه الذات وتشعر بسببه بالعار في كل وقت. إنهم يرون في الثورة قوة، ويسيرون في طريق اليأس قدمًا دون خوف؛ لأنهم عرفوا الحقيقة: أنه لا شيء وراءَ ولا فوق، وأن الذات في صيرورتها ضائعة بلا هوية ولا هدف، وأن الزمكان الذاتي هو الحقيقة، وأن الفقد هو المصير. ولكن التحليل الكامل لفكرة الشيطان والجحيم موضوع لمقالٍ تالٍ.

كريم الصياد

26.3.2014

Köln

 

 

[1]-يمكن إعادة قراءة أصول الدين وأصول الفقه (علم الأصول العام) انطلاقا من هذه الفلسفة.

 

صورة

 

من المتفق عليه اليوم بين العلماء أن كوننا ما هو إلا مجال-نسيج من أبعاد متعددة، وصلت في بعض النظريات إلى ستة عشر بعدًا. وهذا المجال أو النسيج هو كل شيء، وفي الوقت نفسه يحتوي كل شيء، ومن هنا تناقضه. إنه وعاء، لكنه المحتوى في الوقت نفسه، تمامًا كما تنبعج أجزاء من سطح نسيج، فتستقل كموجودات، لكنها تظل دائمًا أجزاء مما انبعجتْ منه.

وهذا الكون-الكون الطبيعي-كما نتصوره-يوازي كونًا آخر ذاتيًا، ليس له وجود طبيعي، فلا يمكن قياسه أو استكشافه أو ارتياده إلا في الخبرة الإنسانية الواعية. وأساس هذه الخبرة هي اشتراك كل البشر فيها، غير هذا لا أساس لها.

هذا الكون الذاتي هو “وعينا بوجودنا”، وبوجود كل ما يحيطنا، وبالتالي فهو لا يفقد الارتباط أبدًا بالكون الطبيعي. إن الزمكان الذاتي على علاقة جدلية دائمًا بالزمكان الموضوعي؛ لأن الأول هو الوعي بالثاني، والنظريات العلمية ما هي إلا تأويل الثاني، إنها هرمنيوطيقا الطبيعة، وتطور العلم من عصر إلى عصر دال على هذا. فالنظرية العلمية منظور، والمنظور ذاتي، والمنهج العلمي التجريبي يكذّب ولا يصدّق. وكذلك فإن الزمكان الموضوعي يؤثر على ويؤسس للزمكان الذاتي بشكل مستمر ونشط. إن وعي الذات يتشكل بالعمارة المجسدة والمجردة (الموسيقى) مثلاً كما ينتجهما، والوعي البشري متّصَل Kontinuum؛ لأن الخبرة البشرية متجادلة ومتصلة بين كل الذوات في كل زمان ومكان، أو في المتصل الزمكاني الذاتي Subjektives Zeitraumskontinuum. وكما تتشكل الخبرة البشرية الذاتية بالمكان كما تتشكل بالزمان فالزمان هو وعاء الفقد، ودون الفقد لا تعرف الذات الكثير مما تعرف، ولا تكون ذاتًا، ودون الضياع لا يوجد معنى الوصول، ودون الذاكرة لا يوجد حاضر. الزمان هو التاريخ والحاضر وهو الذي يوسوس للناس بفكرة المستقبل. والذات تكتسب من الزمان الشعور بالتوقت Zeitweiligkeit ومن المكان شعور المحدودية. والنتيجة أن الذات ما هي إلا تشوه في سطح الزمكان الذاتي.

إن شعور الذات بتوقتها ومحدوديتها هو الذي يجعلها ذاتًا، بما تنتجه من أفكار حول الدين والفن والقيمة والعلم والفلسفة.. إلخ. إنه كذلك-هذا الشعور-يمنحها التميز والتمايز؛ يمنحها الهوية والانفصال عن المتصل الزمكاني الذاتي السيّال الصائر بلا توقف. وتكمن العلاقة بين الزمكانين: الموضوعي والذاتي في نشاط الذات الواعي في أن الأول يمنحها هذا الانفصال وهذه الهوية بالتالي ببساطة ولكن بشكل مؤقت ومزيف، في حين أن الثاني يسحب منها هذه الهوية، وكل هوية، ويتركها في عباب التداخل واللا تحدد والصيرورة على المدى البعيد وبشكل حقيقي. إن الزمكان الذاتي أكثر تعقيدًا بما يجعل محاولة الذات لتحديد نفسها فيه أكثر فشلاً. وهي ظاهرة معقدة، يهم منها الآن أن الذات كثيرًا ما تتكئ على الزمكان الموضوعي لتحقيق انفرادها في التصور والشعور. لكن هذا المواطن الألماني مثلاً يؤكد لنفسه شعوريًا كل يوم أنه ليس عربيًا وليس مسلمًا. ولكن هل هذا صحيح؟ إن ألبرت الأكبر وتلميذه توماس الأكويني قد اتخذا كثيرًا من أفكارهما من الفارابي وابن سينا وابن رشد، وأدمجاها باللاهوت المسيحي الكاثوليكي الدومينيكاني في العصر الوسيط، الذي ورثه العصر الحديث والمعاصر. إنه يؤمن بالفارابي وابن سينا وابن رشد بشكل ما، كما يؤمن ببولس الرسول، لكنه لا يعرف، وإن عرف فهو في حيرة وشك. إنه عذاب أن تدرك الذات أنها ليست بالتحدد والبساطة اللتين افترضتهما تلقائيًا بشكل براجماتي لتسيير الحياة اليومية بما فيها من انحيازات ضيقة ووقت أضيق.

ولكن الزمكان الذاتي يرسل شباكه، التي هي تقاطعات محور الزمان مع محور المكان، في كل مجال حولها، إنه عنكبوت محيط، منسيّ، غافٍ منذ ملايين السنين، لكنه موجود ومسيطر وحاكم لكل شيء. وهو ينسج شرنقته حول الذات قبل ميلادها بقرون وآلاف السنين، ثم يهضم هذه الذات في كيانه اللا متناهي بعد فنائها لتصير عصارة تسري في عروق من سواها من الذوات التي تأتي من بعدها. إنه شرير؛ لأنه خفي ويحطم كل مفاهيمنا عن التمايز الفردي والقومي والحضاري والأيديولوجي، ويبقينا عاجزين-حين ندركه بكامل كيانه المهول-في شباكه، في دهشة، وعدم فهم. إننا لسنا نحن حين يكون هو هو. هذا المواطن الألماني ليس كاثوليكيًا ولا عربيًا ولا مسلمًا ولا أوروبيًا، إنه حتى ليس إنسانًا، إنه مجرد انبعاج عابر في سطح الزمكان الذاتي، إنه تشوه بسيط.

إن الزمكان الموضوعي يخدع الذات حين يهيئ لها تحددها، بينما يكشف لها الزمكان الذاتي حقيقتها، وهذه هي أهميته، وصدمته، في آنٍ. إن كل خيط ينسجه الزمكان الذاتي حول الذات لتتشكل في كيانه يوازي خطًا في الزمكان الموضوعي. كل نقش على جدار معبد أو قصر، كل نغمة أو تآلف، كل ضربة فرشاة أو ظل، كل لحظة تمر، توازي تغيرًا آنيًا يحدث في الذات ويعيد تشكيلها بنسبة ما. إن المكان والزمان بالمعنى الواسع لكل منهما رحمان تتشكل فيهما الذات في آنٍ واحد.

ومما سبق يتضح أن الذات حين تستسلم للزمكان الذاتي، الذي يكشف لها اتصالها بما لا يتناهى من الذوات، ومعالم الزمان والمكان، وصيرورتها الدائمة، تنكشف لها عندئذٍ أسطورة الهوية؛ فلا هوية في حال الاتصال والصيرورة. وهو ما سبب لها فاجعة وجودية.

ولكن الذات لا تستسلم لهذه الفاجعة، بل تحاول بطرق شتى التغلب عليها، واقتناص الهوية في الزمكان.  ولما كانت الذات جزءًا من الزمكان الذاتي، فإن عملية اقتناص هوية هي أشبه بقبض مساحة وحجم من الزمكان الذاتي وتثبيتها فراغيًا لأجل مؤقت، كالتقاط صورة لجسم متحرك أو متحول. إنها اقتطاع شريحة عرَضية من التاريخ لتحويله جزئيًا إلى بنية. التاريخ متحول والبنية لحظة منسلخة. إن الذات إذًا تحاول اقتناص جزء من الزمكان الذاتي في قبضة اليد، وهو ما يصنع فيها وحولها تشوهات ثانوية أو تابعة. هذه التشوهات الثانوية هي التي نطلق عليها الظواهر الإنسانية الواعية، كالدين والفن والأخلاق والجمال والعلوم والفلسفة والسير الذاتية وغير الذاتية.

1-الدين (أو فكرة الإله):

قلت فيما سبق أن الذات تكتسب من متصل الزمكان الموضوعي خبرتين سالبتين: التوقت في الزمان، والمحدودية في المكان، وهذا ما يجعلها-في محاولة التغلب على الزمكان الذاتي-تنزع نزوعًا طبيعيًا إلى فكرة الإله؛ لأنه خارج الزمان، فلا يمر عليه وقت، وخارج المكان؛ لأنه في كل مكان. ومن هنا أصالة وانتشار هذه الفكرة عند الذوات على مر التاريخ، رغم أن العلم التجريبي لا يختبرها أصلاً.

2-الفن:

 إن الفن بما هو إبداع وتلقٍّ (باستثناء الجانب النقدي منه حتى في عملية التلقي) هو محاولة مختلفة لتحديد الذات وإكسابها ثباتًا هوياتيًا. لكن الفن حين ينتج عملاً يكون محاولة لتوليد زمكان ذاتي خاص، يحتوي ذواتًا أخرى بشكل واعٍ كروافد ومؤثرات فنية، كما أنه حين يؤثر على المتلقي يمنح المبدع شعور الهوية؛ لأنه لو لم يكن متحيزًا متزمنًا ذا هوية مستقلة، بل وكاريزمية، لما استطاع إنجاز هذا التأثير. وإلى جانب ذلك فإن العمل الفني كثيرًا ما يكون هو نفسه لحظة مقتطعة من الوجود الصائر للذات، ومن ثم تجميدها عبر الزمن. والحقيقة إنها محاولة مؤقتة وفاشلة؛ لأن الذات لا تقتنع أبدًا بعملها الفني بشكل نهائي وإلى نهاية حياتها، وإنما تتجاوزه إلى غيره في صيرورة أخرى لا نهائية، وهو ما يعني أن الذات في محاولتها التغلب على الصيرورة تقوم بتوليد زمكان بديل فني له صيرورة بدوره! وربما أقلع الفنان عن الإبداع أملاً في إيقاف هذه الصيرورة التي لا توقف صيرورة وجوده هو على أية حال. كما أن العمل الفني يتبدل طيلة الوقت، فلا توجد سيمفونية تعزَف بالشكل الواحد مرتين حتى بواسطة الأوركسترا ذاتها والمايسترو ذاته، كما أن العمل الفني لا يُتلقَّى بالشكل نفسه حتى من قبل المتلقي نفسه.

 

3-القيمة:

وهي تشمل الأخلاق، كما تشمل قيمة الجمال في الفن، وهو ما يحتوي البعد النقدي منه، وتبقى قيمة الحق موضوعًا للفقرتين التاليتين. إن القيمة الخلقية محاولة لاكتساب معنى ثابت في حركة الزمكان. إنها محاول لخلق انحياز أخلاقي أو أيديولوجي أو فني لتأكيد الذات كهوية. إنها كذلك محاول لتحديد ثمن مجرد للخسارة المادية. فالذات تخسر طيلة الوقت، وهو معنى (الفقد) الذي يؤسس لحقيقة وجود الذات. إن الذات تخسر ذواتًا أخرى، وعلاقات بالذوات والأشياء، وتخسر جسدها بالتقدم في العمر، وتخاف من خسارة وعيها في الموت، فتحاول تعويض كل ذلك معنويًا. إنها تهمس لنفسها دائمًا “لا شيء يضيع في الحقيقة، إن ما هو خيّر أو جميل لا يضيع أبدًا؛ لأنه يبقى ويؤثر أبدًا” والحقيقة أنه فعلاً لا شيء يضيع في الزمكان الذاتي، لكنه ببساطة يتشوه في صورة أخرى.

 

4-العلوم الطبيعية (الفيزياء أساسًا):

إن الفيزياء محاولة لتفسير الزمكان الموضوعي، وهي في ذلك محاولة الذات للتشبث به كيلا يجرفها تيار الزمكان الذاتي. وفي الفيزياء الحديثة التي تقوم على مبدأ قصور المادة (القصور الذاتي) يبلغ هذا التشبث أقصى مداه؛ لأنه تأكيد على ثبات المادة على حال ثباتها أو حركتها ما لم تؤثر عليها قوة ما، وهو ما يعني أن المادة في حد ذاتها ثابتة، وأن للثبات والهوية معنى أصلاً، وهذا هو الأساس في إعجاب الذوات بالعلم الطبيعي؛ لأن الذات تتوق طيلة وقتها للهوية التي تقوم على مبدأ الثبات.

 

5-العلوم المنطقية والرياضية:

رغم أنها لا تدرس الزمكان الموضوعي، فإنها تؤسس لثبات من نوع غير فيزيقي؛ لأن حقائق الرياضيات والمنطق (كما يعرف دارسو فلسفة العلم) ثابتة يقينًا؛ لأنها تكرار اصطلاحي. 2+2 هو نفسه أن يقال (4). ومن هذه القضية الأولية يتولد البنيان الكامل للرياضيات، تمامًا كما يتولد بنيان المنطق من قضية أن إذا كان كل (أ) هو (ب)، وكل (ب) هو (ج)، إذًا فإن كل (أ) هو (ج). ولهذا كان طبيعيًا أن يجد أمثال راسل وآينشتين سلام الروح في الرياضيات والمنطق. إن الذات تجد سلامها في هويتها، وتقوم الرياضيات كما يقوم المنطق على مبدأ الهوية (الشيء=نفسه). إن المنطق والرياضيات وعي بالثبات بشكل مجرد إذا كانت الفيزياء وعيا به بشكل مجسّد. إن العلوم الطبيعية والمنطقية والرياضية لا تكشف هوية الطبيعة بقدر ما تخلق هوية الذات الواعية.

 

6-الفلسفة (والعلوم الاجتماعية والإنسانية التابعة):

هي المجال الوحيد الذي يحاول اختراق محدودية الزمكان الموضوعي بشكل واعٍ، وارتياد فضاء الزمكان الذاتي. وهي لهذا قصة رعب الذات الأبدية؛ لأنها دليل صيرورتها لا هويتها. لكن مشكلة هذه العلوم أنها تأثرت إلى حد لا يقاس بكل محاولات اقتناص واصطناع الهوية فيما سبق وفيما يلي. لقد حاولت الإيجاب هربًا من الفقد (اللا هوية). ولو ركزت على السلب لاستطاعت إلى حد أكبر أن تصل أبعد على سطح الزمكان الذاتي. وحتى هيجل ذاته، أول رائد حقيقي لفضاء الزمكان الذاتي، لم يخلص من الهوية، بل أكدها في مبدأ نهاية التاريخ، ونهاية الفلسفة، وشكل الدولة الليبرالي.

 

7-الموت (أو السيرة غير الذاتية):

إن تذكر من مات ونقده هو وأعماله من قبل الذوات الحية نشاط لا يقوم به الميت بطبيعة الحال لكنه سبب له. إن الموت يمنح الذات فرصة التهام الذوات الميتة أدبيًا، أي التأثر بها، واكتساب خبرتها، والإحاطة بها، وتصنيفها، وتشييئها، ثم امتصاصها وجوديًا. وهذا يحدث أيضًا بين الذوات الحية وبعضها البعض، لكنه يحدث بدرجة أكبر بكثير بعد الموت؛ لأن الموت يبلور وجود الذات الميتة، ويضع لها نقطة نهاية، من تاريخ ميلادها إلى تاريخ وفاتها، وخلال كل مواضع حياتها ومماتها، وبالتالي يجعل من الأيسر نسبيًا الاستفادة منها في عملية أيض ذاتي، أو كانيبالزم زمكاني. لا يستطيع أحد بسهولة الحديث عن نجيب محفوظ مثلاً أثناء حياته بذات سهولة ذلك بعد مماته؛ لأن الفنان يتحدد إلى أقصى حد ممكن بعد الموت. الموت هو أقرب خطوة إلى الهوية التي لا يصل إليها أحد. وهذا هو السبب في أن أغلب كليات العلوم الإنسانية لا تجيز عادة دراسة أعمال أديب أو فيلسوف أثناء حياته. إن الموت هو اكتمال مشروع. لكن هذا غير صحيح؛ لأن الذوات سرعان ما تمتص وجود الذات الميتة، وتتأثر به بدرجة أكبر مما كانت أثناء حياتها. لا أحد يموت فعليًا، لكن-الكل-يتشوه. ويبقى الزمكان الذاتي الذي تذوب الذوات الميتة في نسيجه ينمو بلا توقف، وتزداد خيوط شرنقته حول الذات تعقيدًا وإلغازًا.

 

8-الذاكرة (أو السيرة الذاتية):

إنها اختزان الزمكان الذاتي في صورة مشوهة، إنها تشوهات جديدة في الزمكان، أو هي ذوات بديلة لذات واحدة في مقبرة الذاكرة (راجع الفناء المزدوج). وبالتالي فالذاكرة رحم من الأرحام التي تتخلق فيها ذوات بديلة مشوهة في أعماق الذات الأصلية التي هي بدورها تشوه في الزمكان الذاتي. إن ذكرى ذات أخرى، وذكرى الذات عن ذاتها، كلاهما مشوهة. لكن الذات تظن دائمًا أن في الاحتفاظ بالذكرى احتفاظ بالهوية.

 

ومن كل ما سبق من تحليل محاولات خلق الهوية من منظور الزمكان الذاتي يتضح أن الذات في هذا السعي تقوم بنشاطات، هي إما محاولات للخروج من الزمكان الذاتي والزمكان الموضوعي كليهما (الإله)، وإما للخروج من الزمكان الذاتي إلى الموضوعي (العلوم الطبيعية)، وإما للوصول إلى موضوعية لكنها غير زمكانية (العلوم المنطقية والرياضية)، وإما للتكيف مع الصيرورة الزمكانية الذاتية بافتراض ثبات قيمي (القيم)، وإما محاولة لإعادة توليد زمكان ذاتي بديل مؤقت (الفن)، وإما محاولة لتأويل تشوه الزمكان الذاتي الناتج من الموت لإنتاج هوية (السيرة غير الذاتية)، وإما محاولة لقهر الزمكان الذاتي باستكشافه بشجاعة ثم تأويله هوياتيًا (الفلسفة والعلوم الاجتماعية والإنسانية)، وإما محاولة للاحتفاظ بالهوية عن طريق الاحتفاظ بفكرة عن المفقود في أثناء حركة الزمكان الذاتي (السيرة الذاتية). وكلها محاولات فاشلة.

إن الذات التي ترجو لنفسها التمكن والتزمن، وتكافح بكل وجودها نفسه في سبيل ذلك، هي أقرب إلى إله غير محدود، لكنه للأسف بلا هوية؛ لأنه كل شيء، وأي شيء؛ ولأنه يتحول باستمرار. إن الذات هي الإله الذي يرفض ألوهته في سبيل هويته. وصراع البشر وكفاحهم-من هذا المنظور-هو قتل لهذا الإله الذاتي، وصنع آلهة مفارِقة موضوعة خارج الزمان وخارج المكان، ثم عبادتها، ثم قتلها. وكما أن نفي النفي إثبات، فربما كان القتل مرتين  حياة، أو هكذا تظن الذات. وإذا كان الدين محاولة للعبور من المتناهي إلى اللا متناهي (الإله)، فإن كل الأنشطة الإنسانية محاولة عكسية، من اللا متناهي الذاتي إلى ذات بديلة متناهية، إن كل نشاط إنساني هو إلحاد، بما فيه الدين نفسه.

 

كريم الصياد

2.3.2014

Köln

Deutschland

صورة

 

 

“مَثَلُ الْلِيْلِ بِهِ مِشْكَاةٌ مُطْفَأَةٌ،

فِيهَا مِصْبَاحٌ صَدِئٌ،

بِزُجَاجَةِ نَجْمٍ مُنْطَفِئٍ، وِمُبَلَّلْ    

يَتَرَمَّدُ فِي أَقْصَىٰ الْكَوْنِ وَحِيدًا،

لا شَرْقِيًّا لا غَرْبِيّا

فَيَكَادُ الْلَيْلُ لِيُطْفِئَ بِرَخَاوَتِهِ النَّارَ،

ظَلامٌ فَوْقَ ظَلامٍ يَتَنَـزَّلْ

يَخْرِقُ سَطْحَ الأَجْوَازِ وَيُحْدِثُ ثُقْبًا كَوْنِيّا”

 

تحدثتُ في المقال السابق (الفناء المزدوج) عن المعنى المزدوج لفناء الكون: فنائه في الطبيعة، فنائه في الوعي، وعن حياة الذكريات البديلة، وكيف أن الذاكرة البشرية مقبرة وحياة أخرى للموجودات. وفي هذا المقال أتحدث عن خاصية أخرى أكثر تعقيدًا للفقد، ألا وهي خاصية “الكيّ البارد”.

والكي أسلوب متبع حتى اليوم لقتل الألم أو العلاج بأشكال بأشكال مختلفات، إنه تعريض موضع الألم ومركز الإحساس في آن لتدمير محدود يقضي على الشعور. وهي من خواص الفقد كذلك في قدرته على إزالة الألم  بالقضاء على الشعور به. وهي ظاهرة-كما سيلي وصفها وتحليلها-متناقضة مع ما يعرفه الإنسان عن الفقد. فالفقد-سيد الآلام-يُفترَض به أن يوقظها، أو يخلقها، لا أن يسكّنها، أو يقتلها. ولكن الحقيقة هي أن الفقد ضياع للألم ذاته في كثير من الأحيان؛ لأنه الضياع الأعظم. إن الثقوب السود كما يرى الفلكيون تمتص من الكون كل شيء حتى الضوء نفسه الذي به يُرى الشيء، وكذلك الفقد، إنه ينقص كل المعاني، حتى الضوء الذي تُرى فيه المعاني، أي: الألم. وهي من أوجه العلاقة المعقدة بين الفقد والألم.

يحدث الفقد حين تعبر الذات أجواز الزمكان الذي تحيا فيه بشكل استثنائي، والذي هو نسيج فيها وحولها في الوقت ذاته[1]. فالذات تتحرك في الزمان والمكان المتصلين، وهما يدخلان في تكوينها في أثناء حركتها فيهما. إن المكان يصنع الذات بخواصه المعمارية والجغرافية وسواها، والزمان يصوغها بأحداث التاريخ ووقائع الحاضر. فالذات تتكون بالمكان، وتتحرك فيه، وهي تتشكل بالزمان، وهو يمر عليها، وبالتالي فالذات تتكون بما تتحرك فيها، وباختصار: لا يمكن فصل الذات عن الزمكان إلا بكونها تتحرك فيه كبلورة ومركز يعي هذه الحركة.

وكل ذات في كل لحظات عمرها تمارس هذه الحركة الزمكانية-الذاتية. ولكن الفقد-كما قيل أعلاه-ناتج حركةٍ استثنائية، إنه نتاج مغادرة سريعة قد تكون باترة. والذات لا تغادر الزمان؛ لأنه دائم الحضور. وحتى في آلة مفترَضة لعبور الزمن يظل الزمن يمر على الذات في هذه الآلة. لكن الذات-على العكس-قد تغادر المكان. وهذه المغادرة تصنع اضطرابًا في سطح الزمكان-الذاتي. إنها حركة عنيفة تمزق الكثير من خيوط هذا النسيج، فتعرى الذات جزئيًا. والذات حساسة، وعريها لها أكبر ألم. فالعري في هذه الحالة هو وعيها بالخروج الجزئي من الزمكان-الذاتي، بل وعيها بهذا الزمكان ذاته، فكأنها كانت تمخر بحرًا كقطرة منه، ثم تحولت فجأة إلى قطرة زيت، فانفصلتْ عن المتَّصَل، وأدركتْه في آن. وهو ما يسبب لها الفزع.

إن الذات كيرقة الشرنقة في التفافها والتحافها بالزمكان. إنها لا تلبث إلا أن تعيد-في بطء شديد تراجيدي-نسج الزمكان حولها، ركنًا ركنًا، مشهدًا مشهدًا، لحظةً لحظةً، حركةً حركةً، وذلك حتى يلتئم وجودها مرةً أخرى. وهي في هذه العملية تعيد صياغة الذاكرة سطحًا لا عمقًا. إنها-كما ورد في نظرية الفناء المزدوج-تلقي في جوفها وتدفن الصور الذهنية المعقدة عن الموجودات والعلاقات وسواها من الذوات، لكنها تصنع التالي من هذه العلاقات والتصميمات الذهنية، وهو سطح لما ليس له من أثر ديناميكي زمني (درامي) هو أحرى بالتصميمات الذهنية الأعمق والأقدم، التي هي الآن كائنات مقبرة الذاكرة. إن ما هو أعمق في مقبرة الذات (الذاكرة) أكثر تأثيرًا لأنه أساس السطحي، لكن هذا صحيح إلى مدى وحين.

فتراكم الهياكل والجثث والتصاميم الوجودية المتحللة والمتآكلة قد يطغى في كثير من الأحيان على أثر ما هو أعمق منها من هياكل وجثث وتصاميم، ومن ثم يملك التأثير على ما يعلوه سطحًا.

وفي صورة أفقية-إذا كانت السابقة صورة رأسية-فإن الذات في حركتها في اتجاه ما (س) في نسيج الزمكان الذاتي تمزق خيوطه وتعرى لمسافة ما فيه، وفي هذه اللحظات تملك الخيوط المتهتكة الأثر الأعلى حيت تغيب/تحضر في التمزق الذي يكشف عن ضرورتها، وما تثيره من شعور الفقد في الذات. وهي اللحظة التي سجلها المقال السابق. لكن الذات تعيد نسج الشرنقة، فتملك الرُّقع والترميمات ما كان من أصالة سالفة للنسيج والأساسات.

ولنفترض الآن أن الذات كانت تعاني في علاقاتها بنقطة ما أخرى معاكسة في النسيج (-س)، فإن اتجاهها (س) عكس (-س)، مع إعادة نسج الشرنقة، هو خلاص تدريجي معقد، بما فيه من عمليات هدم وبناء وفك وعقد، من ألم (-س).

لكن الظاهرة التي تستدعي الانتباه فعلاً هي ذلك الألم الجديد في وعي الذات ببعدها، بسفرها في النسيج بهذا المعنى المركب، وفي تخلصها من ألم قديم. إن الذات كي تتخلص من الألم تعي أن عليها أن تقبر في ذاتها غيرها، هذا الغير الذي بافتقاده يرفع شعور الفقد إلى ذروته. ولفترة ومسافة ما في النسيج أثناء هذا السفر يظل يسري في الذات تياران من الألم: ألم قادم هو ألم فقد المؤلِمات، وألم ذاهب هو ألم تلك المؤلمات التي يجري فقدها الآن بلا رحمة. ألم يأتي تدريجيًا ثم يصل إلى الذروة ثم يهبط منحناه، وألم يذهب وله المنحنى التدريجي ذاته. ومن الطبيعي أن تتداخل الذروتان تداخلاً بناءً في لحظة ما بعينها، تكون هي لحظة ذروة الألم، لكن هذه الذروة لا تلبث إلا أن تنحل تدريجيًا كما تتناثر ببطء ذرات دقيقة مع الرياح من قمة جبل. ولكن هذا الألم الذاهب، ألم المؤلمات التي يجري فقدها، وبالتالي فقده هو نفسه، يشكل ظاهرة جديدة هامة هي: فقد الألم.

إن فقد الألم أكثر أشكال الفقد تناقضًا، وهو يزيد خطوة في تفصيل وتركيب ظاهرة الفقد، أبعد مدًى من المقال السابق. فالمقال السابق يتحدث عن ألم الفقد، وهذا المقال يتحدث عن فقد الألم، وألم الفقد، معًا.

والذات تتساءل في دهشة-وقد تحركت هذه الحركة العنيفة فرارًا من الألم-: كيف يمكن افتقاد الألم والحنين إليه؟ والحقيقة أن الذات لا تفتقد الألم، لكنها تفتقد الذوات التي سببته (في نقطة [س]) والتي الألم أثر لها، ودليل عليها، وإليها. إن الذات التي تألمت (في نقطة [س]) فارتحلت إلى الاتجاه المعاكس ارتحالاً مُمَزِّقًا للزمكان ذاته، تتألم بفعل الفقد العام، وبفعل فقد الألم نفسه. وهنا يصير الفقد فقدين: فقد الماضي، وفقد الألم الماضي الذي بسببه-كليًا أو جزئيًا-يحدث فقد هذا الماضي. إن المقال السابق إذا كان يتحدث عن الفناء المزدوج فإن هذا المقال يكشف عن الفقد المزدوج. إن الذات تتألم في حركتها المستقيمة إلى (س)، لكنها تكمل في استشهاد لا شك فيه إبحارها في ثلوج الاغتراب وبرودة المجهول، ورطوبة الظلام الرخو، لكي تتخلص من ألمها، وهذا هو الكيّ البارد. إنه عذاب لوسيفر في جحيم دانتي، الذي جعل الشيطان منغرسًا في مركز الجحيم، كرة ثلجية هائلة، ينغرس فيها جسد الشيطان إلى الأبد حتى الصدر.

إن الكي البارد عكس آية النور الواردة في أحد الكتب التي قدسها الناس {مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ ۖ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ ۖ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ ۚ نُورٌ عَلَىٰ نُورٍ ۗ} إنه انتقال من الضوء الحاد المؤلم اللاهب إلى بطانة الزمكان الباردة المبتلة السميكة القاتمة، انتقال إرادي، هو سفَر بتصميم تراجيدي عكس اتجاه النور، ومحاولة قد تكون غير إرادية لاستكناه ما وراء النور من ظلام وبرد لا يعرفه الكون، ولا يكاد يعرفه أو يصل إليه-إذا كان الإله نورًا-الله.

28.1.2014

Köln

 

 


[1] -يلي تعريف الزمكان الذاتي في مقال قادم بعنوان “شرنقة الزمكان”.

صورة

والليل واليتم والضلال والبُعد والبرْد والوحدة والرحيل والغياب والشبحية والغروب والبحث بلا هدف والتشرد وعدم الانتماء والغربة والوحشة والهبوط في الأرض وهجران الله. وما لا يأتي وما لا آتي إليه. والذهاب والموت وعدم الميلاد وعدم التحدد واللا تناهي وثورة مصر ووجوه الشهداء. وجهل الوقت، وتمني ما ضاع، وضياع ما يُتمنَّى، والضياع والتمني بلا تحقق. ومصطفى!

كل هذا نهر.

كل المشاعر نهر.

وكل النهر يسقيني.

*  *  *

صحوت من نومي متأخرًا ذات يوم، وخرجت إلى صالة بيتنا الضيقة، كنت مشوشًا وكان بصري ضعيفًا. رأيت أمي راقدة على أرضية الصالة في وضع مرتخٍ غريب، وإحدى عينيها مفتوحة جاحظة والأخرى مغمضة. ووجه شاحب أبيض كالدقيق. نظرت إلى الوجه المخيف وهُيئ لي أنه يراني. احتملت الذعر وانحنيت عليها، أفحص تنفسها أو نبضها، لا تنفُّس…. حاولت أن أكلمها كأنها حية علها تحيا. “مالك يا أمي؟.. بيكي إيه؟” لكن عينها الواحدة الجاحظة ظلت ترمقني بوحشية وتخيفني. ثم انفتح باب الشقة ودلفت أمي من الباب بحقيبة خضروات ثقيلة، صارمة حازمة، وربما مشمئزة من المخلوقة الممددة أرضًا. “صحيها خليها تنام في حتة تانية”!

لم أندهش من قسوتها، لكن روّعتني فكرة فقدان الرحم، ويد الله، والليل الأول، والمخلوق الوحيد الذي ليس سواه.

*  *  *

كل ليلة أخرج من بيتي، والناس تعود بيوتها، والبعض يغلق المحال، والعالم يطفئ شاشته ونوافذه، وانا أُخرج جهاز الكمبيوتر المحمول من حقيبتي، وأشعله، وأجلس على المقهى الوحيد المضاء.

لا يطردني النادل، لكنه يرش الماء غاسلاً المكان من اليوم.

أجفف الكرسي قبل أن أجلس، وأراجع دروسي على الشاشة، أتألم من ملل المذاكرة المستمرة المرهِقة، ومن الوحدة، ومن الخروج كل ليلة في البرد المعدني اللامع، والجلسات الطويلة، والصبر اللا نهائي؛ لأنه لم تعد هناك نهاية. وكل الليالي تذوب في كوب حبر، وتتحول إلى ليل واحد طويل، وكل الألوان تذوب في لون رمادي واحد متسخ، ليس فيه من ضوء سوى فقاقيع مشاهد من حياتي مع الأنثى الأولى في حياتي، التي أعرضها على شاشة هاتفي المحمول، أو مشاهد من حياتي الأولى (هل أنا ميت في قبر؟)

وتتحرك الصور، وتصدر أصوات، وتشع ألوان من شاشة الهاتف، مشاهد وأصوات لحياة لا أصدق أنها وُجدت فعلاً وعِيشت. كم هي عزيزة ومؤلمة!

لماذا عشت هذا الألم الرهيب وأنا لا أناهزه؟ لا عذر لهذا الألم إلا كونه غير موجود لو كان غير موجود.

هكذا أستمر، ليل واحد طويل مرهق بارد وحيد، وألوان وأصوات من حياة سابقة، مستحيلة العودة، ومستحيلة التصديق. وأنا أجمِّد كل مشاعري في قلبي الذي تحول إلى كوب ماء متجمِّد.

أفكر في الانتحار وقد صار ممكنًا. هل أنا أقتل نفسي كي لا يقتلني الحنين؟ وهكذا أستمر.

 

كريم الصياد

Köln­-30.10.2013