Posts Tagged ‘Elsaiad’

يبدو عنوانًا غريبًا حتى لكاتبه؛ إذ يعرف القاصي والداني أن بيتهوفن كان المتمرّد الأكبر في تاريخ الموسيقى، وإن لم يكن الأكبر فهو الأشهر بالتأكيدوتحكي بعض الوثائق ذلك المشهد الكابوسي الرهيبمشهد وفاته، الذي قام فيه، بدلاً من أن يقرأ الشهادة (إذا كان الكاثوليك يقرأون الشهادة)، برفع قبضته في وجه السماء، ثم بصق بصقة ضعيفة سالت على ذقنه وسط وميض البرق وهزيم الرعدبعدها همد جسده ميتًا بعد أن قتله فشل الكبد حسبما ترجّح أغلب المصادر بصدد سبب وفاته.

من الذي تحدّاه بيتهوفن؟ ومن الذي بصق عليه؟ وهل كانت على سبيل البصق فعلاً؟ ولماذا احتقر بالبصقة من تحدّاه؟ أيلماذا يتحدّى من يحتقره؟ ولماذا في هذه الثواني بالذات؟ هل عرف أنه سيموت؟ هل كان رافضًا للموت كجلجاميش أو كجلال ذي الجلالة بطل نجيب محفوظ الشيطاني؟ وإذا كان بيتهوفن يضمر كل هذا الرفض والكراهية للقدر والموت والإله، أفلا يتطلب هذا مراجعة أعماله في ضوء جديد هو ضوء نزعة شيطانيّة ما؟

 

 

هل كان بيتهوفن شيطانياً (Satanic) بالمعنى الاصطلاحي الدقيق للكلمة؟ وهو الذي مجّد برومثيوس، معبود الشيطانيين؟ وهو أصلاً أحد الموسيقيين المفضّلين عند الشيطانيين؟ وبالعكس كذلك، فهو الموسيقار الذي أفسد تاريخ الموسيقى بحسب هرمان هسه (مقدّمة رواية لعبة الكريات الزجاجيّة) وانحرف بها عن الطريق المسيحي الباخيالموتسارتي المعتدل المتألم الفدائي.

هل من الصحيح أنه كان شبه محروم من الكنيسة؟ أي: ملعون؟

لماذا إذًا لحّن نشيد شيللر في سيمفونيّته التاسعة، وهو النشيد الذي ينتهي نهاية أشبه بالترانيم الكنسيّة التقليدية (يا إخوتي، فوق قبة السموات المزدانة بالنجوم، من المؤكّد أنّه يوجد أب حبيب، ابحثوا عنه هناك)؟ ولماذا ألّف في المرحلة العمريّةالفنيّة نفسها القدّاس العظيم Missa Solemnis؟

كان بيتهوفن بالفعل الموسيقار الأول الذي أدخل إلى الموسيقى ثيمة تحدّي القدر إيّاها في السيمفونيّة الخامسة. وهي الثيمة التي جرّبها تشايكوفسكي مثلاً في سيمفونيته الرابعة، وبرامز في سيمفونيّته الأولى، وفرانز ليست في قصيدة السيمفوني رقم 2 (المقدّمات)وغيرهم. وحتى من لم يعالجوا هذا الموضوع صراحةً فقد أوضح التتابع الشعوري في أعمالهم التتابع الشعوري الرباعي ذاته في السيمفونيّة الخامسة لبيتهوفن: القدر يهجم، الإنسان يرثي نفسه، الإنسان يتحدى القدر ويعبث ويسكر، الإنسان ينتصر (السيمفونية الثانية لرحمانينوف مثلاً). لقد صارت هذه الثيمة موضة القرن التاسع عشر، ولم يفلت منها موسيقار واحد تقريبًا خاصة في مراحل الشباب. إذ من المعروف أن الموسيقار الكلاسيكي الرومانسي يتحدّى القدر في شبابه، ثم يقصف القدر عمره في كهولته وشيخوخته. فتشايكوفسكي مثلاً تحدّى القدر مرة واحدة في سيمفونيّته الرابعة التي تنتهي نهاية انتصاريّة، لينال منه القدر انتقامه في سيمفونيّته السادسة التي تنتهي نهاية مأساويّة جنائزيّة، ثم يتوفّى بعدها بأسبوع واحد بالكوليرا.

هناك أسباب معروفة لهذا التمرد البيتهوفني، فالتمرد لا ينشأ إلا مع توافر عاملين: الشعور بالكبرياء والبطولة، والشعور بألم أو مأساة أو هزيمة مؤقّتة. كان بيتهوفن فعلاً شديد التأثر بنماذج البطولة في شبابه، نابليون بونابرت طبعًا، الذي ألّف من وحيه سيمفونيته الثالثة البطوليّة الشهيرة، كان بونابرت بالنسبة له فتوّةالحارة الأوروبيّة الذي يرفع نبّوته في وجه بروسيا وإيطاليا متحديًا في وضح النهار، ويرد كيد من تحالفوا ضد الثورة الفرنسيّة في نحورهم، فتتألق عيناه الشابتان بالإعجاب، ويحاول قيادة الأوركسترا كما يقود بونابرت جيشه. هذا طبعًا قبل أن ينقلب بونابرت دكتاتورًا عسكريًا ويطيح بمبادئ الثورة الفرنسيّة نفسها، فيشطب بيتهوفن اسمه من مدوّنة السيمفونية الثالثة، ويبدّل الإهداء الذي كان له، ثم يقول: “لو كنت أقود جيشًا كما أقود الأوركسترا، لهزمتُ نابليون بونابرت“.

ثم كانت مأساة بيتهوفن الأساسيّة في حياته: فقدان السمع التدريجي. هنا تتبلور التراجيديا، التي هي شعور درامي يمزج بين الحزن والكبرياء، أو شعور الإنسان أنّهأو غيرهلا يستحق هذا الألم الواقع عليه، وأنه أفضل من ذلك، أو يستحق أفضل من ذلك.

ولكن لا بد من عودة خاطفة إلى حادثة انقلاب بيتهوفن على نابليون. فقد أعجب به بطلاً يدافع عن الثورة الفرنسيّة بمبادئها المعروفة ضد الاستبداد الديني والسياسي والاقتصادي (بالإشارة إلى الجناح الشيوعي فيها وبخاصة مؤامرة الأكْفاء)، وانقلب عليه حين خانها. وهنا السؤال: هل كان إذّا معجبًا بنابليون كبطل مجرّد قوي، كفتوّة حارة، أم كمدافع عن مبادئ الثورة على التحديد؟

ثم لا بد من إلقاء الضوء على مؤلَّف آخر جوار السيمفونية الثالثة في هذا الصدد: افتتاحية إيغمونت (Egmont) التي عزفت لأول مرة عام 1810. وفي الواقع فإن هذه الافتتاحية الشهيرة، التي تعتبر أحد أهم أعمال بيتهوفن، وربما أجمل افتتاحياته، مقطوعة من عشر مقطوعات وضعت لتمثيل تراجيديا إيغمونت مسرحيّة غوته. لكنها الأشهر، وآخر ما ألفه بيتهوفن من تلك المقطوعات العشر. لكن من هو إيغمونت أولاً؟ إنه أمير إسباني منحدر من هولندا قاوم محاكم التفتيش في زمنه، وأعدِم عام 1568. إنّه ثائر مبكر ضد الاستبداد الدينيالسياسيالإقطاعي، ثائر حسب مبادئ الثورة الفرنسيّة قبل وقوعها بأكثر من مئتي سنة.

والخيط الوحيد الذي يربط إيغمونت بنابليون في مرحلته الأولى التي أعجب بها بيتهوفن هو: الثورة الإنسانيّة ضد السلطة وحتى ضد الدين نفسه إذا اعترضها. لم يكن بيتهوفن غافلاً عما حدث أثناء الثورة الفرنسيّة من أعمال ضد الكنيسة، وهو المثقف الذي عاصرها، والذي كانت مدافع نابليون تدك الأرض فوق رأسه حرفيًا كما سجّل التاريخ، وشعار اشنقوا آخر ملك بأمعاء آخر قسيس“. وأديرة الرهبان التي تحولتبحسب ول ديورانتإلى بيوت فخمة للدعارة.

وقبل إيغمونت ألّف بيتهوفن كذلك افتتاحية كائنات برومثيوس، وباليه برومثيوسالثائر الأسطوري ضد آلهة الأولمب لصالح الإنسان. وهنا يتضح الخيط نفسه للمرة الثالثة: الثورة الإنسانيّة.

لكن قبل التسرع إلى حكم، لا مفر من إلقاء نظرة في المقابل على أعمال أخرى هامة من هذه الناحية: مثل السيمفونيّة التاسعة كما تقدم، والقدّاس العظيم، واثنتي عشرة تنويعة على أوراتوريو يهوذا المكابي لهاندل، وربما كذلك السيمفونية السادسة (الباستوراليّة).

بقيت السيمفونيّة التاسعة هي الوحيدة من بنات بيتهوفن التي صيغت على هيكل السيمفونية الخامسة مع فارق هائل في التوزيع الأوركسترالي، وبنية الألحان، ومعالجتها. لكن السيمفونيتين تبدآن بالمأساة، فالحركة الأولى في كليهما مأساويّة خانقة، بينما تتدرج كلاهما حتى تصلا إلى الانتصار النهائي، لكن مع فارق هام: فالانتصار في الحركة الرابعة في كل منها ذو موضوع مختلف. إذ ينسب انتصار الحركة الرابعة في السيمفونية الخامسة لصالح فرد، أو لصالح الإنسان ضد القدر، وهو انتصار بسيط قوي كاسح، لكن انتصار السيمفونية التاسعة انتصار حكيم، إنساني، جمعي، كوني، لا يستبعد الإله.

من هو الإله في تاسعة بيتهوفن؟

هل يمكن صياغة لاهوت السيمفونية التاسعة؟

وهل يمكن في المقابل شرح ناسوت أو هيومانيّة أو رينيسانس أو شيطانيّة أو إلحاد السيمفونية الثالثة أو الخامسة؟

الإجابة: نعم.

فالإله في تاسعة بيتهوفن غير مسيطر، أشبه بإله أرسطو المنغلق على ذاته في نظام معزول بلغة الفيزياء، أو في(ترموس) بلغة عشاق القهوة الغربيّة: الإله الذي لا يعتني بالعالَم، لا يعرف شيئًا محددًا عنه، لا يخلقه. ومع ذلكعند أرسطو وبيتهوفنهو هدف العالم والكون. فالإله هدف في تاسعة بيتهوفن يقبع في النصف الثاني من الحركة الرابعة، وقرب الختام، ولو وجد من البداية كفاعل رئيسي أو خالق لتحولت السيمفونية التاسعة إلى أوراتوريو آلام القديس مَتّى، وتحول بيتهوفن إلى باخ. الصراع الدامي الرهيب، والصمت المهيمن، والنغمات الشريرة التي تفكّك الصمت والصوت في الحركة الأولى لا يقدر عليها إله في هذا السياق، إنه عالَم بلا إله، لكنه بلا بشر أيضًا، عالَم بلا حسرة ولا أمل، إنه بنية غير عاقلة، تتكون وتنهار ست مرات ثم تتكون من جديد، وهو ما وصفه روبرت شومان عام 1838 في مجلة المدارات الجديدة Die neuen Bahnen بأنه سفر تكوين ما. إذ يعيد بيتهوفن كتابة سفر التكوين بلا إله وبلا آدم ولا حواء:مجرّد طبيعة قاسية تغرق في ظلام صامت، ثم تتكون مرة خرى دفعة واحدةفي نهاية الحركة الأولى (الكودا)-بصوت كالرعد كالتحام النجوم.

ثم يأتي الاسكرتسو في الحركة الثانية الذي تحتشد له كل الآلات، والذي يتسابق فيه رعد الطبل الكبيرفي قسم التفاعلمع منمنمات الهوائيّات الخشبيّة والوتريّات الضئيلة السريعة التي تحتشد وتثور، ثم يتماوج في قسم التريومارشتمجيدي، كأنه احتفال انتصاري. إن الإنسان يوجد من دون إله، أو ينتصر على الطبيعة في هذه الحركة. ثم تأتي الحركة الثالثة بألحانها الغنائية، وبصوت الهورن يدعو الأوركسترا إلى الاحتشاد للحركة الرابعة مرتين. فتأتي الحركة الرابعة هادرة، دراميّة، مباغتة، وملحميّة تستعرض ألحان الحركات الثلاث السابقات، ويتكون لحن الجوقة، ويبدأ الإنشاد، وهنا يظهر الإله صراحة لأول مرة.

الإله، إذاً، موجود في السيمفونية التاسعة، لكنّه مجرد (موجود)، ليس واجد الوجود، وليس سره، إنه أحد مفردات ثلاثة تستهدفها السيمفونية التاسعة ونشيد شيللر: الإنسان، الفرْح، الله. إنه هدف لكنه ليس الهدف الأخير. وربما هو أحد ثلاثة تلك الأقانيم التي لهذه السيمفونيّة.

أما السيمفونيتان الثالثة والخامسة فلا وجود فيها للإله. هناك صعود أو انبثاق للإنسان. فالموسيقى دنيويّة بحته، علمانيّة، لا أثر فيها للحن ديني أو موضوع كنسي.

لكن السيمفونية السادسة، التي ليست ببعيدة زمنيًا عن الخامسة، تطرح ملمحًا دينيًا واضحًا، في نشيد الراعي في الحركة الخامسة والأخيرة الذي كان ذا نبرة دينية تعرفها الأذن الأوروبيّة. ولكن الموضوع العام للسادسة هو حياة الريف الفييني الساحرة، بمشاهد الطبيعة المختلفة حين تحنو وحين تقسو، الإنسان نفسه عنصر مهمَّش في هذه السيمفونيّة. تلك السيمفونية التي تلفت النظر فعلاً بسبب قربها من شعر الطبيعة الإغريقي القديم الوثني (إنبادوقليس مثلاً)، حيث تتمجد الطبيعة بلا إله وبلا بشر، وهو خيط واصل بين السادسة والتاسعة في حركتها الأولى.

كان بيتهوفن ممجّدًا للطبيعة، وعرف عند من كتبوا سيرته، والباحثين فيها، أنّه كان يستلهم الطبيعة في الكثير من أعماله، لدرجة تخصيص إحدى سيمفونيّاته لها، وهو ملمح أثّر في برامز بدوره. كان بيتهوفن طبائعيًا، يرى الجمال هنا والآن، وليس في حياة أخرى، كان أقوى نفسًا من الاكتئاب والانكسار، ولم يملك الدين عليه سلطانًا لأنه لم يمارس دورًا محوريًا في حياته، وهو يخلق نفسه ذاتيًا بنجاحاته الفنيّة المتوالية في فينّا، قلب الفن والثقافة في أوروبا في ذلك الوقت، وفي حياة أكبر موسيقيَّين في الحقبة الكلاسيكيّة: هايدن وموتسارت. وهو كذلك الذي فقد سمعه فاستمر تأليفه ليفوق قدرات البشر المعروفة. وهو كذلك الذي بدّل تاريخ الموسيقى بلا رجعة بعدد أقل بكثير من الأعمال إذا ما قورن بسلفيه المذكورَين، وهو الذي أعاد الهارموني لموضع الصدارة، وهو الذي أسس أفضل أوركسترا لم تزل معروفة. إن عهد هايْلجنشتادت (Heiligenstadt) المدينة النمساويّة التي قضى فيها فترة من الاستشفاء، ذلك العهد الذي كتبه ليؤكّد لأخويه أنه لن يستسلم لفاجعته، وأنه سيهب كل حياته لفنه، هذا العهد يخلو تمامًا من أية إشارة لله، وهو في أشد حالات الاحتياج له. لا تصدّق الملحد إلا إذا رأيته والمصعد يهوي به من الطابق العاشر، أو إذا أصابه الدرن، ثم لا يستنجد بالله. عهد هايلجنشتادت اختبار إلحاد نجح فيه بيتهوفن بشكل ما. والسخرية أن ترجمة اسم المدينة هومدينة القديسين“.

ألّف بيتهوفن كذلك في مرحلته المبكرة تنويعات على أوراتوريو يهوذا المكابي لهاندل عام 1796. ويهوذا المكابي (Judas Maccabaeus) بطل يهودي قاد تمردًا ضد الدولة السليوقيّة، إحدى الدول التي انقسمت إليها إمبراطوريّة الإسكندر الأكبر، بين عامي 160-167 ق.م، وأحد أهم ابطال اليهود عمومًا. وكانت أعمال بيتهوفن في تلك الفترة (حتى عام1800) كلاسيكيّة تقليديّة في مبناها والكثير من تفاصيلها، لكن بعض تفاصيلها كانت تبشر بالبيتهوفنيّة بشكل خاطف.ولا غرابة في قيام بيتهوفن بتأليف هذه التنويعات على هذا العمل بالذات، فألحان هاندل فيه كانت جميلة فعلاً، لكن النهاية الدراميّة توحي بشيء من إيغمونت فيما بعد، إنه بطل يواجه الاستبداد العنصري ضد قومه.

يبقى القدّاس العظيم الشهير، وفي الحقيقة فإنه ليس القداس الوحيد له، فقد ألف بيتهوفن قداسًا آخر في مقام دو الكبير مصنف رقم 86 عام 1807، أي في أوج المرحلة البطوليّة، ثم ألف القدّاس العظيم من مقام ري الكبير مصنف رقم 123 بين عامي 1819-1823 أي متزامنًا مع السيمفونيّة التاسعة.

ما سر هذين العملين؟ وهل يلقيان الضوء على الشعور الديني المتخفي، أو الارتداد إلى الدين مرة أخرى في آخر مراحل الكهولة بالنسبة للقدّاس العظيم؟

أمر القداس الأول سهل، فقد تم تأليفه بتفويض من الأمير نيكولاوس استرهاتسي (+1833)، وقد لا يعبّر عن توجه أصيل لدى مؤلفه، خاصة وأنه ليس على مستوى عبقريّة الأعمال الدنيويّة في تلك الفترة. أما القدّاس الثاني العظيم (وهو اسم وليس صفة) فيدعو للتساؤل الحقيقي أعلاه. لكن تبقى حقيقة أن بيتهوفن كان يقوم في الفترة المتأخرة من حياته، من السوناتا رقم 27 إلى رقم 32 للبيانو، ومن الرباعي الوتري رقم 11 إلى رقم 16، وهي فترة السيمفونيّة التاسعة والقداس العظيم كذلك، بمراجعة أساليب التأليف في عصر الباروك، وربما عصر النهضة أيضًا، وقد أشار النقاد إلى هذا القدّاس بالذات بوصفه يمثّل استفادة واضحة من هذه الأساليب: فقد قال عنه الفيلسوف الألماني وعالم الموسيقىتيودور أدورنو أنه يفقد تمامًا أسلوب بيتهوفن المميز في استثمار الوحدات اللحنية البسيطة وإعادة تدويرها بالتنويع عليها، مما يقربه إلى موسيقى الباروك، أما المؤلف الموسيقي وعالم الموسيقى الإنجليزي دونالد دوفي فيراه قريبًا من موسيقى عصر النهضة وخاصة بالِسْترينا. فربّما حاول بيتهوفن فتح مجال إبداعي جديد بالتأليف في هذا الشكل.وخاصة أنه شكل محدّد مسبقًا، لم يضع فيه بيتهوفن ترانيمه الخاصة كما قد يتبادر إلى المخيلة. إنه مجرد شكل لا مضمون.

من المحزن حقًا لأتباع الديانات أن يكون موسيقار عظيم كبيتهوفن دنيويًا في أعماله إلى هذا الحد. ولكن ربما يكتفي المسيحيون بأعمال باخ وهاندل الدينيّة، ويكتفي السلفيون المسلمون بتحريمهم للموسيقى. لا أظنها مشكلة أحد إلا المستمع المدقق المخلِص لبيتهوفن الذي قد يرى غير ما رأيت، لكنها عندئذٍ لن تكون مشكلتي أيضًا. فبيتهوفنببساطةهو أكبر طارد للعفاريت. وهذا يكفيني.

هي أجمل سيمفونيات تشايكوفسكي (1840-1893)، السيمفونية المؤثرة المخيفةSymphony No. 6 in B minor, Op. 74, Pathétique.. السيمفونية التي هي العمل السيمفوني الأهم الأساسي في عمر مؤلفها الإبداعي. ألفها في آخر سنة من حياته، وقادها لتكون آخر الأعمال التي يقودها قبل أقل من عشرة أيام من وفاته بالكوليرا.
 
مشكلة تشايكوفسكي مع السيمفونية كشكل هي أنه مؤلف خفيف متأثر بالطابعين الروسي والإيطالي معًا، لا يحتمل بناؤه اللحني الواضح التركيب والبناء، تقوم فكرة الموسيقى الكلاسيكية في الأغلب على بناء العمل من وحدات لحنية بسيطة ومرنة وقابلة للتفكيك وإعادة البناء والتنويع، ولهذا واجه تشايكوفسكي أزمة التضحية بأحد الطرفين: اللحن.. وهنا يخسر جمالية أساسية من جمالياته، أو التركيب.. وهنا يخسر البناء الفني.
 
حقق تشايكوفسكي المعادلة الصعبة بشكل ساحق النجاح في هذا العمل، وهذا ما يتضح بالذات في الحركتين الأولى والثالثة منه.
 
كان تشايكوفسكي مكتئبًا قبل كتابتها، السبب الذي ذكره التاريخ عبر خطاباته هو شعوره بنضوب موهبته أو خياله، ولكن الأغلب أن الموضوع أكبر من هذا! بعد هذه الفترة من الاكتئاب.. كان تشايكوفسكي جالسًا في عربة القطار متأملاً في المشاهد الخاطفة في الخارج، وفجأة.. بدأ يتكشف بين الظلال والضباب هذا الهيكل لكائن غير بشري مخيف، أربع نغمات: (مي-صول-فا دييز-لا)، ثم تتبادل النغمات المواقع الأربعة مع نغمات أخرى بالتدريج، ثم تتجمع في أشكال فراغية متصلة بلا معنى، ثم تتمدد وتلتوي في لحن حالم مثير، ثم تنقطع وتعود الأشكال الهندسية المفرغة المفزعة تظهر وتنشأ بعضها عن بعض، وتتداخل، وتمتلئ بآلات الأوركسترا لتصعد في ذروة فلكية!! هذه هي الحركة الأولى ببساطة.
 
امتدت يد تشايكوفسكي-وهو ما يزال جالسًا شاردًا متسع العينين في رعب في عربة القطار-نحو جيبه ليخرج قلمه، ويكتب هذه الكلمات الخالدة لأخيه موديست:
 
It will be a puzzle for everyone, they can rack their brains on it in vain.
 
سوف تبقى لغزًا للجميع، ولسوف يحطمون أدمغتهم عليها.. ولكن بلا جدوى.
 
بالفعل ظلت هذه السيمفونية لغزًا، لأنها في مجملها توحي ببرنامج ما، أو قصة، ولكن المؤلف لم يصرح بأي شيء عن التفاصيل، حتى حين سُئل مباشرة من قبل كورساكوف وسواه.
 
الحركة الأولى (مقدمة-عرض-تفاعل-إعادة عرض-كودا): Adagio — Allegro non troppo — Andante — Moderato mosso — Andante — Moderato assai — Allegro vivo — Andante come prima — Andante mosso (E minor — B minor — D major — B minor — B major)
 
هي الحركة الرئيسية التي يقوم عليها العمل، في صيغة الصوناتا كالعادة، وإن كان مؤلفها أدخل بعض التجديدات على الصيغة كما سنرى. تبدأ المقدمة بالنغمات الأربع سالفات الذكر بالباصون، ثم تبدأ الأوركسترا تردد هذه النغمات، وهذه النغمات البسيطة هي التي اشتق منها المؤلف الحركة كلها! حتى الجزء اللحني الشهير في قسمي العرض وإعادة العرض، وهذا كان حل المعادلة الصعبة، لم يضح هنا بالتركيب أو باللحن لأنه اشتق اللحن نفسه، ولم يعلنه في صورته سابقة التجهيز كما جرت عادته من قبل.
 
يلعب التلوين التشايكوفسكيّ الأوركسترالي المتميز دورًا هامًا في بداية ميلاد هذه الحركة العسير، حيث تعيد آلات النفخ الخشبية صياغة النغمات في صورة متبلورة، مما يجعل الأمر ممهدًا لتتسلم الأوركسترا المادة المخلّقة لتحييها في صور وحيوات متعددة.
 
يسيطر الصمت على مساحات واسعة في مقدمة هذه الحركة، وتتحرك الأوركسترا في ظلام قاتم تتحسس بالأطراف المبهمة هذا الكائن الوليد، ثم يحل فيها هذا الشيء، فتتحرك في نشاط وخفوت تحركات تحتيّة مثيرة، وتبدأ اللمعة تظهر على أعضائها.. ثم تدخل النحاسيات إلى اللعبة، فيردد الكورنو المجيد الوقور النغمات الأربع، وتصاب الوتريات بهيستيريا على شكل ذبذبات متوالية تتصاعد في تهديد وتوعّد. ثم تصل إلى ذروة نسبية، تبدأ بعدها الأمور تأخذ مسارًا منتظمًا نسقيًا فيه لمحات من الطابع الروسي قوية، في شبه رقصة، تتجهم فجأة ويدوي الترومبيت والترمبون في برق خاطف ثم تعود ذبذبات الوتريات مرة أخرى، وتتهادى وتتباطأ، لينشأ الجزء اللحني المشتق. وبهذا يبدأ قسم العرض.
 
كان هذا اللحن موضوعًا لمعالجات خفيفة كثيرة لغنائيته الواضحة، مع ذلك يعيد المؤلف توزيعه وتنميته وهو ما يزال في قسم العرض. يخفت اللحن، ويبرز فيه دور الكلارينيت، ثم ينبتر في لمحة مثيرة للتوجس.
 
يبدأ قسم التفاعل من الصمت فجأة في صورة عاصفة، وهي من التجديدات على الصوناتا،؛ لأن التفاعل يبدأ عادة بما بدأ به العرض، وبما تبدأ به إعادة العرض، لكن التفاعل هنا أقرب إلى مقطوعة هي امتداد للمقدمة، لا تنمية للعرض نفسه! (وهي في هذا تشبه الحركة الأولى من تاسعة بيتهوفن إلى حد بعيد) تتم في التفاعل تنمية النغمات الأربع على نطاق أوسع وأكثر ثراء بكثير من المقدمة، في مقام سي بيمول الصغير مقام السيمفونية الرئيسي. الروح عنيفة كئيبة شيطانية في فخامة وكارثية. تنتهي كنهاية العالم وما بعد نهايته. ليعود الجزء اللحني مرة أخرى بصورة عذبة هادئة مفاجئة.
 
هكذا يبدأ إعادة العرض بشكل غير متوقع، إنها سيمفونية المفاجآت! العنف والخوف يبدأ فجأة، ثم يظهر الجمال من قلبه فجأة. 
 
ثم تأتي الكودا أو التذييل.. تفكيكًا للجزء اللحني وعودة لذبذبات الأوركسترا بشكل بطيء متهادٍ متباعد، لتختم الحركة.
 
 
الحركة الثانية: Allegro con grazia (D major — B minor — D major)
رقصة من رقصات تشايكوفسكي تذكرنا بباليه الجمال النائم خاصةً، الرشاقة الحزينة التي تنتهي بإنذار لا شك فيه.
 
 
الحركة الثالثة(عرض سكرتسو-تفاعل تريو-إعادة عرض سكرتسو-كودا مارش): Allegro molto vivace (G major)
 
سكرتسو في صيغة الصوناتا، لكنه يبدأ بنغمات عابثة ساخرة بسيطة، تكسوها الأوركسترا بطبقات متنوعة ملونة مبتكرة، حتى تحتشد الأوركسترا في هذا الكساء المعقد، لتبدأ الانفجارات الأوركسترالية التي يبرز فيها دور النحاسيات، ثم توقع الطبلة على الإيقاع الأساسي للاسكرتسو، وتنقطع الذروة، لينشأ لحن المارش بالكلارينيت، لمحة عسكرية كوميدية ساخرة، عبث مخيف، تكرره الأوركسترا، ثم تتم إعادة هذا مرة ثانية في قسم يحل محل التريو التقليدي، ليعود الاسكرتسو ثانيةً، النشأة ذاتها ثم الاحتشاد الأوركسترالي، وينتهي هذا القسم الأقرب إلى إعادة العرض لتبدأ الكودا المذهلة.. فقد انتهى المخزون اللحني، لا توجد تيمة جديدة، تظهر هنا عبقرية المؤلف في التنويع والتلوين والتصعيد الدرامي بروح شيطانية، إنه مارش الشيطان إلى الجحيم.. تبدأ الكودا بكل آلات الأوركسترا في حركة قفز لحني في هوة مجهولة المكان والعمق على التتالي، كل آلة وأحيانًا مجموعة آلات تليها أخرى ثم أخرى وهكذا في حركة تداعٍ أخّاذة كأنها بلا نهاية، ثم تعيد الأوركسترا تكوين الذات في قاع الهوة، ثم يبدأ المارش العجيب، تتم إعادته مرة، ثم تعود الطبلة في عمق وعنف لتوقع الإيقاع، وتتصاعد الأوركسترا، لتنتهي الحركة نهاية سريعة كسقطة في العدم.
 
 
الحركة الرابعة: Finale: Adagio lamentoso – Andante (B minor — D major — B minor)
 
ربما هي أقل حركات العمل جاذبية، أجمل وصف قرأته لها: “انطفاء الأضواء” هي فعلاً أقرب إلى المغادرة وإعلان النهاية، نهاية العمل والمؤلف معًا.
 
بقلم كريم الصياد

صورة

 

من المتفق عليه اليوم بين العلماء أن كوننا ما هو إلا مجال-نسيج من أبعاد متعددة، وصلت في بعض النظريات إلى ستة عشر بعدًا. وهذا المجال أو النسيج هو كل شيء، وفي الوقت نفسه يحتوي كل شيء، ومن هنا تناقضه. إنه وعاء، لكنه المحتوى في الوقت نفسه، تمامًا كما تنبعج أجزاء من سطح نسيج، فتستقل كموجودات، لكنها تظل دائمًا أجزاء مما انبعجتْ منه.

وهذا الكون-الكون الطبيعي-كما نتصوره-يوازي كونًا آخر ذاتيًا، ليس له وجود طبيعي، فلا يمكن قياسه أو استكشافه أو ارتياده إلا في الخبرة الإنسانية الواعية. وأساس هذه الخبرة هي اشتراك كل البشر فيها، غير هذا لا أساس لها.

هذا الكون الذاتي هو “وعينا بوجودنا”، وبوجود كل ما يحيطنا، وبالتالي فهو لا يفقد الارتباط أبدًا بالكون الطبيعي. إن الزمكان الذاتي على علاقة جدلية دائمًا بالزمكان الموضوعي؛ لأن الأول هو الوعي بالثاني، والنظريات العلمية ما هي إلا تأويل الثاني، إنها هرمنيوطيقا الطبيعة، وتطور العلم من عصر إلى عصر دال على هذا. فالنظرية العلمية منظور، والمنظور ذاتي، والمنهج العلمي التجريبي يكذّب ولا يصدّق. وكذلك فإن الزمكان الموضوعي يؤثر على ويؤسس للزمكان الذاتي بشكل مستمر ونشط. إن وعي الذات يتشكل بالعمارة المجسدة والمجردة (الموسيقى) مثلاً كما ينتجهما، والوعي البشري متّصَل Kontinuum؛ لأن الخبرة البشرية متجادلة ومتصلة بين كل الذوات في كل زمان ومكان، أو في المتصل الزمكاني الذاتي Subjektives Zeitraumskontinuum. وكما تتشكل الخبرة البشرية الذاتية بالمكان كما تتشكل بالزمان فالزمان هو وعاء الفقد، ودون الفقد لا تعرف الذات الكثير مما تعرف، ولا تكون ذاتًا، ودون الضياع لا يوجد معنى الوصول، ودون الذاكرة لا يوجد حاضر. الزمان هو التاريخ والحاضر وهو الذي يوسوس للناس بفكرة المستقبل. والذات تكتسب من الزمان الشعور بالتوقت Zeitweiligkeit ومن المكان شعور المحدودية. والنتيجة أن الذات ما هي إلا تشوه في سطح الزمكان الذاتي.

إن شعور الذات بتوقتها ومحدوديتها هو الذي يجعلها ذاتًا، بما تنتجه من أفكار حول الدين والفن والقيمة والعلم والفلسفة.. إلخ. إنه كذلك-هذا الشعور-يمنحها التميز والتمايز؛ يمنحها الهوية والانفصال عن المتصل الزمكاني الذاتي السيّال الصائر بلا توقف. وتكمن العلاقة بين الزمكانين: الموضوعي والذاتي في نشاط الذات الواعي في أن الأول يمنحها هذا الانفصال وهذه الهوية بالتالي ببساطة ولكن بشكل مؤقت ومزيف، في حين أن الثاني يسحب منها هذه الهوية، وكل هوية، ويتركها في عباب التداخل واللا تحدد والصيرورة على المدى البعيد وبشكل حقيقي. إن الزمكان الذاتي أكثر تعقيدًا بما يجعل محاولة الذات لتحديد نفسها فيه أكثر فشلاً. وهي ظاهرة معقدة، يهم منها الآن أن الذات كثيرًا ما تتكئ على الزمكان الموضوعي لتحقيق انفرادها في التصور والشعور. لكن هذا المواطن الألماني مثلاً يؤكد لنفسه شعوريًا كل يوم أنه ليس عربيًا وليس مسلمًا. ولكن هل هذا صحيح؟ إن ألبرت الأكبر وتلميذه توماس الأكويني قد اتخذا كثيرًا من أفكارهما من الفارابي وابن سينا وابن رشد، وأدمجاها باللاهوت المسيحي الكاثوليكي الدومينيكاني في العصر الوسيط، الذي ورثه العصر الحديث والمعاصر. إنه يؤمن بالفارابي وابن سينا وابن رشد بشكل ما، كما يؤمن ببولس الرسول، لكنه لا يعرف، وإن عرف فهو في حيرة وشك. إنه عذاب أن تدرك الذات أنها ليست بالتحدد والبساطة اللتين افترضتهما تلقائيًا بشكل براجماتي لتسيير الحياة اليومية بما فيها من انحيازات ضيقة ووقت أضيق.

ولكن الزمكان الذاتي يرسل شباكه، التي هي تقاطعات محور الزمان مع محور المكان، في كل مجال حولها، إنه عنكبوت محيط، منسيّ، غافٍ منذ ملايين السنين، لكنه موجود ومسيطر وحاكم لكل شيء. وهو ينسج شرنقته حول الذات قبل ميلادها بقرون وآلاف السنين، ثم يهضم هذه الذات في كيانه اللا متناهي بعد فنائها لتصير عصارة تسري في عروق من سواها من الذوات التي تأتي من بعدها. إنه شرير؛ لأنه خفي ويحطم كل مفاهيمنا عن التمايز الفردي والقومي والحضاري والأيديولوجي، ويبقينا عاجزين-حين ندركه بكامل كيانه المهول-في شباكه، في دهشة، وعدم فهم. إننا لسنا نحن حين يكون هو هو. هذا المواطن الألماني ليس كاثوليكيًا ولا عربيًا ولا مسلمًا ولا أوروبيًا، إنه حتى ليس إنسانًا، إنه مجرد انبعاج عابر في سطح الزمكان الذاتي، إنه تشوه بسيط.

إن الزمكان الموضوعي يخدع الذات حين يهيئ لها تحددها، بينما يكشف لها الزمكان الذاتي حقيقتها، وهذه هي أهميته، وصدمته، في آنٍ. إن كل خيط ينسجه الزمكان الذاتي حول الذات لتتشكل في كيانه يوازي خطًا في الزمكان الموضوعي. كل نقش على جدار معبد أو قصر، كل نغمة أو تآلف، كل ضربة فرشاة أو ظل، كل لحظة تمر، توازي تغيرًا آنيًا يحدث في الذات ويعيد تشكيلها بنسبة ما. إن المكان والزمان بالمعنى الواسع لكل منهما رحمان تتشكل فيهما الذات في آنٍ واحد.

ومما سبق يتضح أن الذات حين تستسلم للزمكان الذاتي، الذي يكشف لها اتصالها بما لا يتناهى من الذوات، ومعالم الزمان والمكان، وصيرورتها الدائمة، تنكشف لها عندئذٍ أسطورة الهوية؛ فلا هوية في حال الاتصال والصيرورة. وهو ما سبب لها فاجعة وجودية.

ولكن الذات لا تستسلم لهذه الفاجعة، بل تحاول بطرق شتى التغلب عليها، واقتناص الهوية في الزمكان.  ولما كانت الذات جزءًا من الزمكان الذاتي، فإن عملية اقتناص هوية هي أشبه بقبض مساحة وحجم من الزمكان الذاتي وتثبيتها فراغيًا لأجل مؤقت، كالتقاط صورة لجسم متحرك أو متحول. إنها اقتطاع شريحة عرَضية من التاريخ لتحويله جزئيًا إلى بنية. التاريخ متحول والبنية لحظة منسلخة. إن الذات إذًا تحاول اقتناص جزء من الزمكان الذاتي في قبضة اليد، وهو ما يصنع فيها وحولها تشوهات ثانوية أو تابعة. هذه التشوهات الثانوية هي التي نطلق عليها الظواهر الإنسانية الواعية، كالدين والفن والأخلاق والجمال والعلوم والفلسفة والسير الذاتية وغير الذاتية.

1-الدين (أو فكرة الإله):

قلت فيما سبق أن الذات تكتسب من متصل الزمكان الموضوعي خبرتين سالبتين: التوقت في الزمان، والمحدودية في المكان، وهذا ما يجعلها-في محاولة التغلب على الزمكان الذاتي-تنزع نزوعًا طبيعيًا إلى فكرة الإله؛ لأنه خارج الزمان، فلا يمر عليه وقت، وخارج المكان؛ لأنه في كل مكان. ومن هنا أصالة وانتشار هذه الفكرة عند الذوات على مر التاريخ، رغم أن العلم التجريبي لا يختبرها أصلاً.

2-الفن:

 إن الفن بما هو إبداع وتلقٍّ (باستثناء الجانب النقدي منه حتى في عملية التلقي) هو محاولة مختلفة لتحديد الذات وإكسابها ثباتًا هوياتيًا. لكن الفن حين ينتج عملاً يكون محاولة لتوليد زمكان ذاتي خاص، يحتوي ذواتًا أخرى بشكل واعٍ كروافد ومؤثرات فنية، كما أنه حين يؤثر على المتلقي يمنح المبدع شعور الهوية؛ لأنه لو لم يكن متحيزًا متزمنًا ذا هوية مستقلة، بل وكاريزمية، لما استطاع إنجاز هذا التأثير. وإلى جانب ذلك فإن العمل الفني كثيرًا ما يكون هو نفسه لحظة مقتطعة من الوجود الصائر للذات، ومن ثم تجميدها عبر الزمن. والحقيقة إنها محاولة مؤقتة وفاشلة؛ لأن الذات لا تقتنع أبدًا بعملها الفني بشكل نهائي وإلى نهاية حياتها، وإنما تتجاوزه إلى غيره في صيرورة أخرى لا نهائية، وهو ما يعني أن الذات في محاولتها التغلب على الصيرورة تقوم بتوليد زمكان بديل فني له صيرورة بدوره! وربما أقلع الفنان عن الإبداع أملاً في إيقاف هذه الصيرورة التي لا توقف صيرورة وجوده هو على أية حال. كما أن العمل الفني يتبدل طيلة الوقت، فلا توجد سيمفونية تعزَف بالشكل الواحد مرتين حتى بواسطة الأوركسترا ذاتها والمايسترو ذاته، كما أن العمل الفني لا يُتلقَّى بالشكل نفسه حتى من قبل المتلقي نفسه.

 

3-القيمة:

وهي تشمل الأخلاق، كما تشمل قيمة الجمال في الفن، وهو ما يحتوي البعد النقدي منه، وتبقى قيمة الحق موضوعًا للفقرتين التاليتين. إن القيمة الخلقية محاولة لاكتساب معنى ثابت في حركة الزمكان. إنها محاول لخلق انحياز أخلاقي أو أيديولوجي أو فني لتأكيد الذات كهوية. إنها كذلك محاول لتحديد ثمن مجرد للخسارة المادية. فالذات تخسر طيلة الوقت، وهو معنى (الفقد) الذي يؤسس لحقيقة وجود الذات. إن الذات تخسر ذواتًا أخرى، وعلاقات بالذوات والأشياء، وتخسر جسدها بالتقدم في العمر، وتخاف من خسارة وعيها في الموت، فتحاول تعويض كل ذلك معنويًا. إنها تهمس لنفسها دائمًا “لا شيء يضيع في الحقيقة، إن ما هو خيّر أو جميل لا يضيع أبدًا؛ لأنه يبقى ويؤثر أبدًا” والحقيقة أنه فعلاً لا شيء يضيع في الزمكان الذاتي، لكنه ببساطة يتشوه في صورة أخرى.

 

4-العلوم الطبيعية (الفيزياء أساسًا):

إن الفيزياء محاولة لتفسير الزمكان الموضوعي، وهي في ذلك محاولة الذات للتشبث به كيلا يجرفها تيار الزمكان الذاتي. وفي الفيزياء الحديثة التي تقوم على مبدأ قصور المادة (القصور الذاتي) يبلغ هذا التشبث أقصى مداه؛ لأنه تأكيد على ثبات المادة على حال ثباتها أو حركتها ما لم تؤثر عليها قوة ما، وهو ما يعني أن المادة في حد ذاتها ثابتة، وأن للثبات والهوية معنى أصلاً، وهذا هو الأساس في إعجاب الذوات بالعلم الطبيعي؛ لأن الذات تتوق طيلة وقتها للهوية التي تقوم على مبدأ الثبات.

 

5-العلوم المنطقية والرياضية:

رغم أنها لا تدرس الزمكان الموضوعي، فإنها تؤسس لثبات من نوع غير فيزيقي؛ لأن حقائق الرياضيات والمنطق (كما يعرف دارسو فلسفة العلم) ثابتة يقينًا؛ لأنها تكرار اصطلاحي. 2+2 هو نفسه أن يقال (4). ومن هذه القضية الأولية يتولد البنيان الكامل للرياضيات، تمامًا كما يتولد بنيان المنطق من قضية أن إذا كان كل (أ) هو (ب)، وكل (ب) هو (ج)، إذًا فإن كل (أ) هو (ج). ولهذا كان طبيعيًا أن يجد أمثال راسل وآينشتين سلام الروح في الرياضيات والمنطق. إن الذات تجد سلامها في هويتها، وتقوم الرياضيات كما يقوم المنطق على مبدأ الهوية (الشيء=نفسه). إن المنطق والرياضيات وعي بالثبات بشكل مجرد إذا كانت الفيزياء وعيا به بشكل مجسّد. إن العلوم الطبيعية والمنطقية والرياضية لا تكشف هوية الطبيعة بقدر ما تخلق هوية الذات الواعية.

 

6-الفلسفة (والعلوم الاجتماعية والإنسانية التابعة):

هي المجال الوحيد الذي يحاول اختراق محدودية الزمكان الموضوعي بشكل واعٍ، وارتياد فضاء الزمكان الذاتي. وهي لهذا قصة رعب الذات الأبدية؛ لأنها دليل صيرورتها لا هويتها. لكن مشكلة هذه العلوم أنها تأثرت إلى حد لا يقاس بكل محاولات اقتناص واصطناع الهوية فيما سبق وفيما يلي. لقد حاولت الإيجاب هربًا من الفقد (اللا هوية). ولو ركزت على السلب لاستطاعت إلى حد أكبر أن تصل أبعد على سطح الزمكان الذاتي. وحتى هيجل ذاته، أول رائد حقيقي لفضاء الزمكان الذاتي، لم يخلص من الهوية، بل أكدها في مبدأ نهاية التاريخ، ونهاية الفلسفة، وشكل الدولة الليبرالي.

 

7-الموت (أو السيرة غير الذاتية):

إن تذكر من مات ونقده هو وأعماله من قبل الذوات الحية نشاط لا يقوم به الميت بطبيعة الحال لكنه سبب له. إن الموت يمنح الذات فرصة التهام الذوات الميتة أدبيًا، أي التأثر بها، واكتساب خبرتها، والإحاطة بها، وتصنيفها، وتشييئها، ثم امتصاصها وجوديًا. وهذا يحدث أيضًا بين الذوات الحية وبعضها البعض، لكنه يحدث بدرجة أكبر بكثير بعد الموت؛ لأن الموت يبلور وجود الذات الميتة، ويضع لها نقطة نهاية، من تاريخ ميلادها إلى تاريخ وفاتها، وخلال كل مواضع حياتها ومماتها، وبالتالي يجعل من الأيسر نسبيًا الاستفادة منها في عملية أيض ذاتي، أو كانيبالزم زمكاني. لا يستطيع أحد بسهولة الحديث عن نجيب محفوظ مثلاً أثناء حياته بذات سهولة ذلك بعد مماته؛ لأن الفنان يتحدد إلى أقصى حد ممكن بعد الموت. الموت هو أقرب خطوة إلى الهوية التي لا يصل إليها أحد. وهذا هو السبب في أن أغلب كليات العلوم الإنسانية لا تجيز عادة دراسة أعمال أديب أو فيلسوف أثناء حياته. إن الموت هو اكتمال مشروع. لكن هذا غير صحيح؛ لأن الذوات سرعان ما تمتص وجود الذات الميتة، وتتأثر به بدرجة أكبر مما كانت أثناء حياتها. لا أحد يموت فعليًا، لكن-الكل-يتشوه. ويبقى الزمكان الذاتي الذي تذوب الذوات الميتة في نسيجه ينمو بلا توقف، وتزداد خيوط شرنقته حول الذات تعقيدًا وإلغازًا.

 

8-الذاكرة (أو السيرة الذاتية):

إنها اختزان الزمكان الذاتي في صورة مشوهة، إنها تشوهات جديدة في الزمكان، أو هي ذوات بديلة لذات واحدة في مقبرة الذاكرة (راجع الفناء المزدوج). وبالتالي فالذاكرة رحم من الأرحام التي تتخلق فيها ذوات بديلة مشوهة في أعماق الذات الأصلية التي هي بدورها تشوه في الزمكان الذاتي. إن ذكرى ذات أخرى، وذكرى الذات عن ذاتها، كلاهما مشوهة. لكن الذات تظن دائمًا أن في الاحتفاظ بالذكرى احتفاظ بالهوية.

 

ومن كل ما سبق من تحليل محاولات خلق الهوية من منظور الزمكان الذاتي يتضح أن الذات في هذا السعي تقوم بنشاطات، هي إما محاولات للخروج من الزمكان الذاتي والزمكان الموضوعي كليهما (الإله)، وإما للخروج من الزمكان الذاتي إلى الموضوعي (العلوم الطبيعية)، وإما للوصول إلى موضوعية لكنها غير زمكانية (العلوم المنطقية والرياضية)، وإما للتكيف مع الصيرورة الزمكانية الذاتية بافتراض ثبات قيمي (القيم)، وإما محاولة لإعادة توليد زمكان ذاتي بديل مؤقت (الفن)، وإما محاولة لتأويل تشوه الزمكان الذاتي الناتج من الموت لإنتاج هوية (السيرة غير الذاتية)، وإما محاولة لقهر الزمكان الذاتي باستكشافه بشجاعة ثم تأويله هوياتيًا (الفلسفة والعلوم الاجتماعية والإنسانية)، وإما محاولة للاحتفاظ بالهوية عن طريق الاحتفاظ بفكرة عن المفقود في أثناء حركة الزمكان الذاتي (السيرة الذاتية). وكلها محاولات فاشلة.

إن الذات التي ترجو لنفسها التمكن والتزمن، وتكافح بكل وجودها نفسه في سبيل ذلك، هي أقرب إلى إله غير محدود، لكنه للأسف بلا هوية؛ لأنه كل شيء، وأي شيء؛ ولأنه يتحول باستمرار. إن الذات هي الإله الذي يرفض ألوهته في سبيل هويته. وصراع البشر وكفاحهم-من هذا المنظور-هو قتل لهذا الإله الذاتي، وصنع آلهة مفارِقة موضوعة خارج الزمان وخارج المكان، ثم عبادتها، ثم قتلها. وكما أن نفي النفي إثبات، فربما كان القتل مرتين  حياة، أو هكذا تظن الذات. وإذا كان الدين محاولة للعبور من المتناهي إلى اللا متناهي (الإله)، فإن كل الأنشطة الإنسانية محاولة عكسية، من اللا متناهي الذاتي إلى ذات بديلة متناهية، إن كل نشاط إنساني هو إلحاد، بما فيه الدين نفسه.

 

كريم الصياد

2.3.2014

Köln

Deutschland